كتب “اسماعيل الريماوي”لمن تُجرى الانتخابات الفلسطينية؟ انتخابات مبتورة… سلطة تخشى المنافسة وشعب يبحث عن صوته

المسار :المفارقة الأكبر في المشهد الفلسطيني اليوم أن الحديث عن الانتخابات يأتي في وقت يعيش فيه الشعب الفلسطيني واحدة من أصعب مراحله التاريخية، سواء في قطاع غزة الذي ما زال يعيش آثار الحرب والدمار والقصف والموت اليومي ، أو في الضفة الغربية التي تتعرض لهجمة استيطانية متصاعدة واعتداءات يومية ومصادرة للأراضي وتوسيع للمستوطنات و اعتداءات المستوطنين، ومع ذلك يبدو أن هناك إصراراً لدى بعض أوساط حركة فتح والسلطة الفلسطينية على المضي نحو انتخابات في هذه الظروف، وكأن المطلوب هو إجراء انتخابات بأي شكل، حتى لو كانت ناقصة ومبتورة ولا تشمل جميع الفلسطينيين.

والسؤال هنا ليس: هل الانتخابات مهمة؟ بالطبع هي حق فلسطيني وضرورة سياسية ، السؤال الحقيقي هو: أي انتخابات؟ ولمن؟ وأين غزة؟ وأين القدس؟

كيف يمكن الحديث عن انتخابات فلسطينية شاملة بينما قطاع غزة خارج العملية الانتخابية، والقدس تواجه واقعاً سياسياً وقانونياً تفرضه إسرائيل وتحاول من خلاله تكريس فصلها عن محيطها الفلسطيني؟ وهل يمكن اعتبار انتخابات تجري في الضفة الغربية وحدها ، انتخابات فلسطينية مكتملة وهي تجري تحت تكريس الضم ، بينما ملايين الفلسطينيين في غزة والقدس لا يشاركون فيها بصورة طبيعية؟

الأمر لا يتعلق بتفصيل إجرائي، وإنما بجوهر القضية الوطنية، فالقدس ليست مجرد دائرة انتخابية، وغزة ليست مجرد منطقة جغرافية يمكن تجاوزها، القدس جزء أساسي من الهوية الوطنية الفلسطينية، وغزة جزء أساسي من الشعب الفلسطيني، وأي انتخابات تستبعدهما أو تعجز عن إشراكهما تطرح سؤالاً كبيراً حول شرعيتها السياسية وتمثيلها الحقيقي.

والأخطر أن تأتي هذه الانتخابات في ظل ظروف استثنائية في الضفة الغربية نفسها، فالمواطن الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال والاستيطان والاقتحامات والاعتقالات ومصادرة الأراضي واعتداءات المستوطنين، فيما تتزايد القيود على العمل الشعبي والجماهيري، وفي مثل هذه البيئة، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام انتخابات تعبر عن إرادة الناس، أم أمام انتخابات يجري التحضير لها وفق الظروف التي تسمح بها السلطة والاحتلال معاً؟

وهنا يظهر جانب آخر من الأزمة، ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن الانتخابات، هناك في المقابل خشية واضحة ورعب من أن تتحول هذه الانتخابات إلى ساحة مفتوحة أمام قوائم مستقلة أو قوائم تخرج من داخل حركة فتح نفسها، أو أمام مشاركة حماس وفصائل أخرى، وكأن المطلوب هو انتخابات، ولكن ضمن حدود معينة؛ مشاركة شعبية، ولكن دون منافسين حقيقيين؛ وصناديق اقتراع، ولكن من دون أن تكون نتائجها مفاجئة ، بل انتخابات لفصيل وحزب واحد ووحيد وكأن فلسطين لايوجد فيها تعددية ولا أحزاب، بل ملكا حصريا لجهة محددة .

إذا كانت الانتخابات ديمقراطية فعلاً، فلماذا الخوف من القوائم المستقلة؟ ولماذا القلق من مشاركة القوى السياسية الأخرى؟ ولماذا محاولة هندسة المشهد الانتخابي مسبقاً بدلاً من ترك القرار للناخب الفلسطيني؟

إن إجراء انتخابات في الضفة الغربية وحدها، في ظل غياب غزة وتعقيدات القدس، وفي ظل ظروف الاحتلال والاستيطان والانقسام، قد يحول الانتخابات من أداة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني إلى أداة لإعادة إنتاج الوضع القائم، وقد تصبح النتيجة تكريساً لسلطة الأمر الواقع وتكرارا لنفس الوجوه ونفس الفساد وبدلاً من أن تكون خطوة نحو إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.

المطلوب ليس انتخابات لمجرد القول إن الانتخابات جرت، وإنما عملية سياسية تعيد الاعتبار للشعب الفلسطيني كله، انتخابات تشمل الضفة وغزة والقدس، وتسمح بمشاركة جميع القوى والتيارات السياسية، وتضمن المنافسة الحرة، وتمنح الناخب حق اختيار من يريد دون تدخل أمني أو سياسي، وتفتح الباب أمام إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس الشرعية الشعبية لا على أساس موازين القوى القائمة ، انتخابات تجرى في ظروف وأجواء مناسبة ومستقرة في الضفة وغزة والقدس .

أما أن تُجرى انتخابات في جزء من الوطن، وتُستبعد أجزاء أخرى، وتُحاصر المنافسة السياسية، وتُمنع القوائم التي قد تشكل تهديداً للقوى المتنفذة، ثم يقال إن الشعب اختار ممثليه، فهذه ليست معالجة للأزمة الفلسطينية، بل إعادة إنتاج لها.

فالمشكلة ليست في إجراء الانتخابات، وإنما في تحويل الانتخابات إلى غطاء لواقع سياسي منقسم ومبتور، فلسطين ليست الضفة وحدها، والقدس ليست تفصيلاً، وغزة ليست هامشاً، والشعب الفلسطيني ليس تنظيماً واحداً، وإذا كان لا بد من انتخابات، فلتكن انتخابات فلسطينية حقيقية تشمل الجميع، لا انتخابات تُجرى على مقاس السلطة والظروف التي تخدم بقاءها.

 

Share This Article