كتب نعيم حرب : مستوطنة أريئيل ركيزة استراتيجية لفصل شمال الضفة الغربية عن وسطها وجنوبها 

المسار : لم يكن ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته الأخيرة يوم18/8/2026  لمستوطنة “أريئيل” المقامة على أراضي محافظة سلفيت، بشأن التوجه نحو رفع عدد المستوطنين فيها إلى مئة ألف مستوطن، بالتوازي مع افتتاح مركز طبي جامعي، تصريحاً عابراً يمكن إدراجه في سياق الخطاب السياسي اليومي. فحين تُقرأ هذه الخطوة في ضوء تاريخ نشأة المستوطنة وموقعها الجغرافي الدقيق في قلب الضفة الغربية، يتضح أننا أمام حلقة متقدمة من مشروع استراتيجي طويل الأمد، لا يستهدف توسيع تجمع سكاني بعينه بقدر ما يستهدف إعادة رسم الخريطة الجغرافية والديموغرافية والسياسية لكامل الضفة الغربية، وفي القلب منها محافظة سلفيت. فالسؤال الذي يفرض نفسه ليس: كم مستوطناً سيعيش في أريئيل؟ بل: أي جغرافيا يريد هذا المشروع أن يفرضها على الضفة الغربية، وأي دور تحديداً رُسم لأريئيل منذ اليوم الأول لتؤديه في هذه الجغرافيا الجديدة؟

 

أُقيمت مستوطنة أريئيل عام 1978 على أراضٍ سلفيت وإسكاكا ومردة وكفل حارس، وذلك عشية توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر، في مرحلة كانت فيها الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى تثبيت أوراق قوة على مسار التفاوض عبر خلق وقائع استيطانية جديدة في عمق الضفة الغربية لم تتجاوز مساحة المستوطنة عند تأسيسها 500 دونم، وجاءت في البداية كتجمع صغير، قبل أن تتوسع تدريجياً لتصبح أكبر تجمع استيطاني في وسط الضفة الغربية. اعتُبرت أريئيل منذ نشأتها استثناءً عن كثير من المستوطنات الأخرى، فهي لم تُبنَ كبؤرة دينية أو أمنية على الخط الأخضر، بل أُقيمت في عمق الأرض الفلسطينية، على بعد نحو 20 كيلومتراً شرق الخط الأخضر، وعلى مسافة تقارب 15 كيلومتراً جنوب غرب مدينة نابلس. هذا الموقع لم يكن اختياراً عشوائياً، بل قراراً محسوباً ضمن رؤية استيطانية أرادت أن تضع “إصبعاً” استيطانياً يخترق قلب الضفة الغربية وصولاً نحو الأغوار.

 

شهدت المستوطنة تحولاً نوعياً في تركيبتها السكانية اعتباراً من عام 2005، حين استقبلت أعداداً من المستوطنين المتشددين القادمين من مستوطنات قطاع غزة التي جرى إخلاؤها، وهو ما رفع نسبة التدين والتشدد الأيديولوجي داخلها. وفي عام 1998 أُعلنت أريئيل “مدينة” رسمياً بعدما بلغ عدد سكانها نحو 17 ألف نسمة، ليستقر لاحقاً عند نحو 20 ألف مستوطن خلال العقد الثاني من الألفية، قبل أن يعلن نتنياهو اليوم عن نية مضاعفة هذا الرقم خمس مرات. ومنذ إقامتها، اعتبر المجتمع الدولي هذه المستوطنة، كغيرها من المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، مخالفة صريحة للقانون الدولي وللفقرة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، وهو ما عبّرت عنه قرارات متعاقبة لمجلس الأمن الدولي اعتبرت أن سياسة إقامة المستوطنات لا تستند إلى أي أساس قانوني.

 

يكمن سرّ الأهمية الاستراتيجية لأريئيل، بخلاف كثير من المستوطنات الأخرى، في موضعها الجغرافي تحديداً. فهي لا تقع على تخوم الضفة الغربية أو بمحاذاة الخط الأخضر، وإنما في عمقها الأوسط، على خط تلال يتوسط المسافة بين الساحل الفلسطيني المحتل عام 1948 وغور الأردن. هذا الموقع جعلها، منذ اللحظة الأولى، أكثر من مجرد تجمع سكني: بل رأس جسر استيطاني يمتد أفقياً عبر الضفة الغربية من الغرب إلى الشرق. وقد اطلق عليها عدة مسميات منها من حمل اسم المنطقة كاملة (اصبع أريئيل) من الخط الخضر-راس العين وكفرقاسم – حتى وسط الضفة بعمق 20كم بالشارع الواصل بين نابلس ورام الله عند مفترق زعترة  واصبع أريئيل  وبرندة تل أبيب ،وقد ارتبط هذا الموقع بمشروع طريق “عابر السامرة” (المعروف أيضاً بالطريق رقم 5)، وهو محور استيطاني والتفافي يصل الساحل الفلسطيني عند مدينتي تل أبيب وبتاح تكفا بغور الأردن شرقاً، مخترقاً محافظة سلفيت من الغرب إلى الشرق. وبذلك تحوّلت أريئيل، بحكم موقعها على امتداد هذا المحور، إلى النقطة المركزية التي يرتكز عليها هذا الشريان الاستيطاني بأكمله.

 

هنا تكمن الخطورة الحقيقية للمشروع: فطريق “عابر السامرة” وامتداداته الشرقية والجنوبية الشرقية باتجاه الأغوار الوسطى، الذي يشكل حوض مستوطنة أريئيل عموده الفقري، لا يخترق سلفيت فحسب، بل يمتد ليضع يده على أراضي بلدات وقرى سنجل وترمسعيا والمغير التابعة لمحافظة رام الله من الشمال، وقريوت وجالود واللبن الشرقية والساوية التابعة لمحافظة نابلس من الجنوب. والنتيجة العملية لهذا الامتداد هي فصل محافظتي نابلس ورام الله عن بعضهما بثكنة استيطانية واسعة تمتد من الغرب إلى الشرق، وفصل غور الأردن عن وسط الضفة الغربية، وتحويل أراضي محافظة سلفيت بأكملها، من حدودها الشرقية وحتى الخط الأخضر غرباً، إلى ما يشبه معزلاً جغرافياً كبيراً محاصراً من جهاته.

 

بعبارة أخرى، لا تعمل أريئيل بمعزل عن سياقها، بل هي الرأس الاستيطاني لمحور أفقي كامل يشطر الضفة الغربية إلى ثلاثة أجزاء متقطعة: شمال (نابلس وجنين)، ووسط (رام الله ومحيطها)، وامتداد شرقي نحو الأغوار يُقطع عن الوسط بالكامل. وكل توسع جديد في هذا المحور، سواء عبر شق طرق التفافية إضافية أو توسيع البؤر والمناطق الصناعية المرتبطة به، إنما يعمّق من متانة هذا الفصل ويجعله أكثر ديمومة. ومشروع “المئة ألف مستوطن” يضيف بُعداً جديداً خطيراً لهذا المخطط: فحين يتحول محور طرق وبؤر عسكرية إلى مدينة استيطانية مكتملة الخدمات بمئة ألف نسمة، فإن خط الفصل يتحول من إجراء أمني قابل للمراجعة أو التفكيك، إلى واقع عمراني وديموغرافي دائم يصعب التراجع عنه مستقبلاً، بصرف النظر عن أي تسوية سياسية قد تُطرح، وتحمل الزيادة السكانية المعلنة أبعاداً تتجاوز الرقم بحد ذاته، فمحافظة سلفيت محافظة صغيرة المساحة، محاطة ومخترقة أصلاً بشبكة كثيفة من المستوطنات والطرق الالتفافية والمناطق العسكرية، فيما تشكل الأراضي المصنفة “ج” نحو 76% من مساحتها الكلية، وهي مساحات تخضع فعلياً للسيطرة الإدارية والأمنية الإسرائيلية الكاملة. وأي توسع استيطاني كبير يحتاج بالضرورة إلى حيز جغرافي يُقتطع من هذه المساحة المحدودة أصلاً، ومع محدودية الأراضي المتاحة للتمدد العمراني الفلسطيني، يصبح كل تمدد استيطاني جديد على حساب فرص النمو الطبيعي للبلدات والقرى الفلسطينية المجاورة. وبمرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه التجمعات الفلسطينية إلى ما يشبه جزراً عمرانية متقاربة شكلاً على الخريطة، لكنها منفصلة فعلياً بفعل الطرق والحواجز والمناطق العسكرية والمستوطنات المحيطة بها. وإذا كان عدد سكان أريئيل اليوم لا يتجاوز نحو 20 ألف مستوطن، فإن ضخ مئة ألف مستوطن إضافي يعني قفزة سكانية تجعلها من كبرى المدن الاستيطانية في الضفة الغربية، وتُحدث تحولاً جوهرياً في الوزن الديموغرافي لكامل المنطقة الممتدة بين نابلس ورام الله، بما يخلق وقائع يصعب فصلها مستقبلاً عن أي بنية سياسية أو ترتيبات تفاوضية.

 

لم يكن تطور أريئيل عمرانياً واقتصادياً فحسب، بل تحوّلت مع الوقت إلى مركز أكاديمي أيضاً، إذ تضم “جامعة أريئيل” التي بدأت كلية أُطلق عليها “مركز السامرة الأكاديمي” قبل أن تحصل على اعتراف رسمي كجامعة، لتصبح من أكبر المؤسسات الأكاديمية الحكومية في إسرائيل من حيث عدد الطلبة، رغم أنها مقامة على أراضٍ محتلة ولا تحظى باعتراف دولي بشرعيتها. و يجبر طلبة الجامعات الدارسين في إسرائيل لأخذ مساقات دراسية إجبارية فقط تدرس في أريئيل مما يعني فرض سياسة امر واقع بشكل جديد، وإعلان إنشاء مركز طبي جامعي جديد يندرج ضمن السياق نفسه: فالاستيطان الحديث لم يعد يعتمد فقط على الوحدات السكنية، بل بات يحتاج إلى منظومة حياة متكاملة تشمل الجامعات والمستشفيات، ومراكز الأبحاث ،والمناطق الصناعية والتجارية. وكلما اكتملت هذه المنظومة، تحوّلت أريئيل في نظر ساكنيها من مستوطنة على أطراف مدينة تل أبيب إلى مدينة قائمة بذاتها، مكتفية بخدماتها، وقادرة على استقطاب سكان جدد لا يرون في الانتقال إليها أي “تضحية” أو التزام بحياة على تخوم الضفة الغربية.

 

وهذا بالضبط ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية أداة لتثبيت الأمر الواقع لا تقل خطورة عن البناء السكني: فالمستشفى ليس مجرد مبنى طبي، والجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، والطريق الرابط بينهما ليس مجرد طريق مواصلات. حين تجتمع هذه العناصر كلها فوق المحور الاستراتيجي الذي تتوسطه أريئيل، فإنها تتحول معاً إلى بنية متكاملة تمنح الوجود الاستيطاني رسوخاً واستدامة يصعب معهما الحديث لاحقاً عن أي “إخلاء” أو “تفكيك”. الأخطر في هذا المشروع أن أريئيل لا توجد بمعزل عن محيطها، بل هي جزء من منظومة استيطانية أوسع تمتد في محافظة سلفيت وما حولها. ومع استمرار التوسع في المستوطنات والبؤر الاستيطانية والطرق والمناطق الصناعية المرتبطة بها، يمكن أن تتشكل تدريجياً كتلة استيطانية مترابطة تضغط على التجمعات الفلسطينية من أكثر من اتجاه في آن واحد.

 

وهنا يصبح مشروعاً بالفعل السؤال: هل ما يجري هو مجرد توسع لمستوطنة قائمة، أم أننا أمام مخطط أشمل لإعادة هندسة شمال غرب الضفة الغربية بأكمله؟ فالمؤشرات الميدانية تدعم هذا التساؤل: فكلما اتسعت الكتلة الاستيطانية، تقلصت المساحات المتاحة للتنمية الفلسطينية، وازدادت القيود المفروضة على حركة السكان، وتراجعت قدرة القرى على الوصول إلى أراضيها الزراعية، وأصبح التخطيط العمراني الفلسطيني أكثر صعوبة يوماً بعد يوم. أي أن المعركة لم تعد تدور فقط حول “ملكية الأرض”، بل حول وظيفة هذه الأرض ومستقبلها بالكامل. لن تقتصر تداعيات هذا المشروع على البعدين الجغرافي والديموغرافي، بل ستمتد لتطال الزراعة والرعي والوصول إلى مصادر المياه وفتح الطرق والاستثمار والتجارة والتوسع العمراني. ومحافظة سلفيت، التي تعتمد نسبة مهمة من اقتصادها المحلي على الأرض والزراعة، وفي مقدمتها زراعة الزيتون، تواجه بذلك تحدياً مضاعفاً: فكلما تقلصت المساحات المتاحة أمام المزارع الفلسطيني، وكلما صعب وصوله إلى أرضه بفعل البوابات والحواجز والطرق الالتفافية المحيطة به، تراجعت الجدوى الاقتصادية للقطاع الزراعي برمّته، وازدادت الضغوط المعيشية على الأسر الفلسطينية في المحافظة.

 

مواجهة مشروع بحجم “حوض أريئيل” لا يمكن أن تتم عبر إجراء واحد أو على صعيد واحد، فهي معركة متعددة الطبقات تحتاج إلى تحرك متزامن ومتكامل على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، بحيث يعزز كل مستوى الآخر بدل أن يعمل بمعزل عنه. البداية تثبيت الوجود الفلسطيني على الأرض عملياً، عبر دعم صمود المزارعين في القرى المحيطة بحوض أريئيل (سنجل، ترمسعيا، المغير، قريوت، جالود، اللبن الشرقية، الساوية، وقرى سلفيت المتاخمة)، وتيسير وصولهم إلى أراضيهم المهددة بالعزل خلف الطرق الالتفافية من خلال إعادة إحياء العمل الطوعي والجماعي  وتوجيه لدعم الصمود وعدم ترك الأرض بل خدمتها وعدم هجرانها لتصبح مساحات حرة لحركة الاستيطان مع مواجهة وتحدي المستوطنين . إطلاق خطط تنظيم هيكلي وتخطيط عمراني عاجلة للتجمعات الفلسطينية الواقعة على امتداد محور “عابر السامرة”، بما يحصّن حقها في البناء والتوسع قبل تفويت الفرصة على الأرض المصنّفة “ج” مع دعم حكومي لتوفير الخدمات بشكل معقول وعدم عرقلة الحصول على التراخيص.  إنشاء وحدة رصد وتوثيق ميداني متخصصة (بالشراكة بين المحافظة والمؤسسات الأهلية) لمتابعة كل تطور في حوض أريئيل أولاً بأول، وربطه بصورة تراكمية توثّق المخطط الأوسع لفصل الشمال عن الوسط، بما يخدم لاحقاً أي ملف قانوني أو دبلوماسي. تحفيز الاستثمار الزراعي والاقتصادي المحلي في محافظة سلفيت، خصوصاً في قطاع الزيتون والصناعات الزراعية المرتبطة به، للحد من الهجرة الداخلية للسكان وتقليص الحوافز الاقتصادية التي قد تدفعهم لترك أراضيهم. مع تعزيز التنسيق بين المجالس المحلية والقروية المتاخمة للحوض الاستيطاني، بحيث تتحرك كجبهة واحدة في مواجهة أي إخطارات استيلاء أو مصادرة، بدل أن تُدار كل حالة بمعزل عن جاراتها.

 

اما على المستوى فوضع الملف على أجندة الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي كقضية مركزية متجددة، لا كبند إجرائي يتكرر في البيانات الختامية دون أثر عملي، مع المطالبة بمتابعة تنفيذية دورية لا تصريحات  في المناسبات فحسب. وتفعيل الدور العربي في دعم صمود المواطنين في المناطق المهددة عبر برامج تنموية واستثمارية مباشرة (زراعية، صحية، تعليمية) بالشراكة مع السلطة الفلسطينية والمؤسسات الأهلية العاملة في سلفيت ومحيطها. وممارسة الضغط السياسي والاقتصادي على المستوى الثنائي مع إسرائيل من قبل الدول العربية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية أو اقتصادية، بحيث يكون التوسع الاستيطاني كلفة سياسية حقيقية لا مجرد إدانة لفظية. دعم الجهود العربية المشتركة في المحافل الدولية (مجلس الأمن، الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان) لإبقاء ملف الاستيطان حاضراً كقضية قانونية وسياسية، بالتوازي مع قضايا الإقليم الأخرى التي كثيراً ما تطغى عليه.

 

وعلى المستوى الدولي العمل على  توثيق مشروع “حوض أريئيل” ومحور “عابر السامرة” كمخطط استراتيجي واحد متكامل الأهداف، وعرضه على المحكمة الجنائية الدولية ولجان الأمم المتحدة ذات الصلة (بما فيها متابعة تنفيذ فتوى محكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الاستيطان)، بدل التعامل معه كسلسلة حوادث منفصلة. وتحريك الدبلوماسية الفلسطينية باتجاه الدول والمنظمات المستعدة لاتخاذ خطوات عملية، سواء عبر الاعتراف بدولة فلسطين، أو عبر تمييز منتجات المستوطنات في الأسواق الدولية، أو عبر فرض قيود على استيراد سلع وخدمات مرتبطة بالبنية التحتية الاستيطانية في حوض أريئيل تحديداً (كالجامعة والمركز الطبي الجديد).العمل مع منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الأكاديمية الدولية لكشف الطابع غير الشرعي لمؤسسات مثل “جامعة أريئيل”، والضغط لعدم اعتماد شهاداتها أو التعامل معها أكاديمياً وبحثياً من قبل الجامعات الدولية. وأخيرا بناء تحالفات مناصرة مع منظمات المجتمع المدني الدولية والحركات الشعبية الداعمة للحقوق الفلسطينية، لتحويل قضية “فصل الشمال عن الوسط” إلى قضية رأي عام عالمي، أسوة بما تحقق سابقاً في ملفات استيطانية أخرى مثل الخليل والقدس الشرقية.

إن قراءة إعلان نتنياهو في سياقه التاريخي والجغرافي الكامل تكشف أن أريئيل لم تكن يوماً مستوطنة عابرة، بل كانت منذ تأسيسها عام 1978 حجر الأساس في مشروع أفقي يسعى إلى فصل شمال الضفة الغربية عن وسطها وجنوبها عبر محور “عابر السامرة”، وأن ما يجري اليوم من حديث عن مئة ألف مستوطن ومركز طبي جامعي ليس إلا المرحلة الأكثر تقدماً في تحويل هذا المحور من خط سيطرة أمنية إلى واقع مديني ديموغرافي دائم. ومواجهة هذا المخطط لا تحتمل التأجيل، فكل عام تأخير يعني مزيداً من الوحدات السكنية والبنية التحتية التي تجعل التراجع عنها أصعب سياسياً وعملياً. والمطلوب اليوم ليس ردود فعل متفرقة، بل استراتيجية فلسطينية متكاملة تجمع بين تثبيت الوجود على الأرض محلياً، وتفعيل الضغط العربي إقليمياً، وتحريك الملف القانوني والسياسي دولياً في آن معاً، بوصف ذلك خط الدفاع الحقيقي في مواجهة أي مخطط لإعادة رسم جغرافيا الضفة الغربية وسلفيت.

Share This Article