المسار : لم تعد مسألة ضم الضفة الغربية في إسرائيل مجرد شعار ترفعه أحزاب اليمين المتطرف أو ورقة انتخابية تستخدمها الحكومات الإسرائيلية في مواجهة الفلسطينيين، بل تتحول تدريجياً إلى مشروع سياسي وأمني وإداري يجري تطبيقه على الأرض خطوة بعد أخرى، وما كشفته القناة 14 الإسرائيلية عن خطة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير لتوسيع صلاحيات الشرطة و”حرس الحدود” في الضفة الغربية، بالتزامن مع نقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني من الجيش إلى الشرطة، يمثل تطوراً بالغ الدلالة في مسار تحويل الاحتلال من واقع عسكري مؤقت إلى سيطرة إسرائيلية مدنية وأمنية أكثر رسوخاً.
الأهمية السياسية لهذه الخطوة لا تكمن فقط في الجهة التي ستتولى تنفيذ القانون، وإنما في طبيعة القانون والجهة التي ستفرضه وعلى أي أرض. فالجيش الإسرائيلي كان يمثل، ولو شكلياً، سلطة الاحتلال العسكرية في الضفة الغربية، بينما الشرطة الإسرائيلية هي مؤسسة مدنية تابعة للحكومة الإسرائيلية ، وعندما تنتقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني من الجيش إلى الشرطة، فإن إسرائيل تقترب أكثر من التعامل مع الضفة باعتبارها جزءاً من منظومتها الداخلية، لا مجرد أرض تخضع لإدارة عسكرية مؤقتة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة مشروع بن غفير، فالرجل لا يخفي الهدف السياسي من وراء نقل الصلاحيات؛ بل يعتبر هذه الخطوة مرحلة باتجاه فرض “السيادة الإسرائيلية” على الضفة الغربية، ويطالب أيضاً بنقل مسؤولية “حرس الحدود” والصلاحيات المتعلقة بالاعتقال الإداري والقيود الإدارية من الجيش ووزير الجيش إلى الشرطة ووزارته، وهو امر طالما سعى بن غفير الى الحصول عليه من الضم الفعلي للضفة الغربية وان يكون له السلطة العليا عليها .
بمعنى آخر، نحن أمام محاولة لإعادة توزيع أدوات السيطرة الإسرائيلية على الضفة بطريقة تجعل الجزء الأكبر منها في يد مؤسسة سياسية يقودها أحد أكثر أقطاب اليمين الإسرائيلي تطرفاً.
والأكثر خطورة أن ما يجري لا يأتي منفصلاً عن سلسلة خطوات إسرائيلية أخرى باتجاه ترسيخ السيطرة المدنية على الضفة، فخلال الفترة الماضية توسعت عمليات الاستيطان، وتزايدت الإجراءات التي تنقل التعامل مع الأرض والمستوطنات من الإطار العسكري إلى أطر مدنية إسرائيلية، وترى تحليلات إسرائيلية ودولية أن نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى الشرطة يندرج ضمن مسار أوسع لإدماج الضفة تدريجياً في المنظومة المدنية الإسرائيلية، أي تحقيق الضم الفعلي قبل الضم الرسمي .
وهذا يقود إلى سؤال جوهري: هل تحتاج إسرائيل فعلاً إلى إعلان رسمي لضم الضفة الغربية إذا كانت تعمل على الأرض على إزالة الحدود العملية والقانونية بين إسرائيل والمستوطنات؟
فالضم ليس بالضرورة قراراً واحداً يصدر عن الكنيست، يمكن أن يكون عملية تراكمية تبدأ بتوسيع المستوطنات، ثم إخضاع المستوطنين للقانون الإسرائيلي، ثم نقل الصلاحيات المدنية إلى المؤسسات الإسرائيلية، ثم توسيع عمل الشرطة و”حرس الحدود”، ثم السيطرة على الأرض والتخطيط والتنظيم، وصولاً إلى واقع تصبح فيه فكرة الانفصال بين إسرائيل والضفة مجرد عنوان سياسي لا يعكس حقيقة السيطرة على الأرض.
ومن هذه الزاوية، فإن خطة بن غفير تبدو أقرب إلى ضم زاحف منها إلى مجرد إعادة تنظيم أمني.
والأخطر هو ما يتعلق بالمناطق الفلسطينية نفسها ، فإذا صحت التقارير عن خطة نقل قواعد “حرس الحدود” إلى مناطق “أ” و”ب”، وتوسيع عمليات التفتيش والاعتقال داخل المدن الفلسطينية، فإن ذلك يمثل
تجاوزاً بالغ للترتيبات التي قامت عليها اتفاقات أوسلو، فمناطق “أ” و”ب” أنشئت على أساس وجود صلاحيات فلسطينية بدرجات مختلفة، بينما توسيع الوجود الشرطي الإسرائيلي فيها يعني عملياً تقليص او إنهاء ما تبقى من المساحة الأمنية والإدارية للسلطة الفلسطينية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إسرائيل تتصرف على الأرض وكأن أوسلو لم تعد موجودة، بينما لا تزال السلطة الفلسطينية متمسكة بالإطار السياسي والأمني الذي أفرزته أوسلو.
فالاحتلال لا ينتظر مفاوضات جديدة، ولا ينتظر اعترافاً فلسطينياً، ولا يبدو مهتماً بإحياء مسار سياسي يعيد إنتاج المعادلة القديمة ، إنه يعيد تشكيل الضفة بالقوة وبالاستيطان وبالقانون وبالأجهزة الأمنية، بينما تتحول السلطة الفلسطينية تدريجياً إلى سلطة بلا اي صلاحيات في مساحة تتقلص باستمرار.
ومن هنا يمكن فهم توقيت هذه الخطوة أيضاً، فالحكومة الإسرائيلية الحالية أمام واقع سياسي وأمني شديد التعقيد، واليمين المتطرف يريد استثمار اللحظة لترجمة رؤيته الأيديولوجية إلى وقائع دائمة، وبن غفير تحديداً لا يتعامل مع الضفة باعتبارها ملفاً أمنياً فحسب، بل باعتبارها جزءاً من مشروع أيديولوجي أوسع يقوم على رفض الدولة الفلسطينية وتوسيع السيطرة الإسرائيلية، وقد ربط بنفسه بين نقل الصلاحيات وبين “السيادة” الإسرائيلية.
لذلك فإن السؤال لم يعد: هل ستضم إسرائيل الضفة الغربية؟
السؤال الأكثر واقعية هو: كم بقي من الضفة الغربية خارج مشروع الضم الفعلي؟
فالاستيطان يلتهم الأرض، والبؤر الاستيطانية تتحول إلى مواقع دائمة، والطرق الالتفافية تقطع التواصل الجغرافي، والمستوطنون يتحركون في فضاء محمي إسرائيلياً، والآن يجري نقل المزيد من الصلاحيات المدنية والأمنية إلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية، ومع كل خطوة من هذه الخطوات يصبح قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة، بينما تصبح فكرة الضم أقل حاجة إلى إعلان رسمي.
وهناك بعد آخر بالغ الخطورة يتعلق بالمستوطنين أنفسهم، فبدلاً من أن يكون نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى الشرطة خطوة لضمان محاسبة المستوطنين على اعتداءاتهم، فإن وضع منظومة الشرطة وحرس الحدود تحت نفوذ بن غفير يثير مخاوف من أن تتحول عملية نقل الصلاحيات إلى وسيلة لتعزيز حماية المشروع الاستيطاني وتوفير غطاء أمني أوسع له، وقد جاءت هذه التطورات في وقت تصاعدت فيه الاعتداءات الاستيطانية في الضفة، بما في ذلك الهجمات في قصرة، الأمر الذي جعل قرار نقل الصلاحيات موضع انتقادات وتحذيرات واسعة.
وهنا تتضح الصورة أكثر: المطلوب ليس فقط السيطرة على الأرض، وإنما إعادة هندسة منظومة السيطرة نفسها.
في الماضي كان الجيش هو عنوان الاحتلال المباشر، اما اليوم فإن المشروع يتجه نحو توزيع السيطرة بين الجيش والشرطة وحرس الحدود والإدارة المدنية ومؤسسات الدولة المختلفة، بحيث يصبح الاحتلال أقل ظهوراً كاحتلال عسكري وأكثر حضوراً كمنظومة حكم وسيطرة إسرائيلية متكاملة.
وهذا تحديداً ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن المراحل السابقة.
فإسرائيل لا تتحدث فقط عن حماية المستوطنات، بل عن نقل صلاحيات مدنية وأمنية إلى مؤسساتها؛ ولا تتحدث فقط عن العمليات العسكرية، بل عن فرض القانون الإسرائيلي وتوسيع مؤسسات الدولة داخل الضفة، ولذلك فإن ما يحدث يمكن قراءته باعتباره انتقالاً من إدارة الاحتلال إلى هندسة الضم.
أما السلطة الفلسطينية، فتجد نفسها أمام اختبار تاريخي حقيقي. فإذا كانت إسرائيل تنقل صلاحياتها إلى مؤسساتها المدنية وتوسع تدخلها في مناطق يفترض أن تقع ضمن نطاق السلطة الفلسطينية، فإن استمرار الرهان على أوسلو والمفاوضات وحدها يصبح أكثر انفصالاً عن الواقع الذي يتشكل على الأرض.
فالخطر ليس في قرار بن غفير وحده، وإنما في أن يصبح هذا القرار جزءاً من سلسلة قرارات إسرائيلية متراكمة، بحيث تستيقظ المنطقة بعد سنوات أمام واقع جديد لم يعد يحتاج إلى إعلان “الضم”، لأن الضفة تكون قد ضُمّت فعلياً من خلال الأرض والقانون والأمن والاستيطان.
وفي المحصلة، فإن خطة بن غفير تكشف عن تحول نوعي في التفكير الإسرائيلي: لم يعد الهدف إدارة الاحتلال، بل تثبيت نتائجه وتحويلها إلى سيادة أمر واقع، وما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد تعديل في الصلاحيات بين الجيش والشرطة، بل معركة على طبيعة الأرض ومستقبلها وهويتها السياسية.
إن أخطر ما في مشروع الضم ليس اللحظة التي ترفع فيها إسرائيل العلم وتعلن السيادة، وإنما اللحظة التي تصبح فيها السيادة قائمة بالفعل على الأرض بينما ينشغل العالم بالسؤال عما إذا كان قد صدر إعلان رسمي أم لا.
والضفة الغربية، وفق هذا المسار، قد تكون أمام مرحلة جديدة عنوانها: الضم بلا إعلان، والسيادة بلا اعتراف، والاحتلال بوجه مدني جديد.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

