المسار : لم يكن اقتحام معهد قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» وإخلاء موظفيه وفرض السيطرة عليه حدثا عابرا، بل يمثل تصعيدا خطيرا في استهداف مؤسسات الوكالة وحضورها في القدس، ويكشف بوضوح عن سياسة تتجاوز استهداف مبنى أو مؤسسة بعينها إلى محاولة تقويض قدرة الأونروا على ممارسة دورها الميداني.
ففي 25 أغسطس 2026 اقتحمت قوات الاحتلال مجمع الأونروا في قلنديا، وأخلت موظفيه وأبلغتهم بعدم العودة، بالتزامن مع إعلان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بدء إجراءات إخلاء مجمع الأونروا في القدس. كما رفعت قوات الاحتلال علمها في الموقع، في مشهد يحمل دلالة سياسية واضحة على محاولة فرض أمر واقع بالقوة. وأكدت الأونروا أن معهد قلنديا منشأة تابعة للأمم المتحدة وتتمتع بالحماية والحصانات الممنوحة للمنظمة الدولية بموجب القانون الدولي.
ولم يكن حضور بن غفير في هذه العملية تفصيلا هامشيا. فالوزير الإسرائيلي الذي يتبنى خطابا متطرفا تجاه الأونروا أعلن أن «السيادة ليست أقوالا بل أفعالا»، وقال إن لا مكان للوكالة في القدس أو إسرائيل، وإن العمل سيستمر لطردها من المدينة. وبهذا انتقلت الحملة من التصريحات السياسية إلى إجراءات ميدانية تستهدف مقرات ومؤسسات الوكالة بصورة مباشرة.
إن الاعتداء على مقر الأونروا هو في جوهره اعتداء على منشأة تابعة للأمم المتحدة، وليس اعتداء على مؤسسة فلسطينية عادية. فالأونروا أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتعمل بموجب تفويض أممي، ومنشآتها وموظفوها جزء من الحضور الدولي في الأرض الفلسطينية المحتلة. ولذلك فإن اقتحام منشأة أممية وإخلاء موظفيها والسيطرة عليها بالقوة يمثل تحديا مباشرا لحرمة مؤسسات الأمم المتحدة وللقانون الدولي.
وما يجعل التطور في قلنديا أكثر خطورة أنه لا يأتي منفصلا عن مسار تشريعي وسياسي بدأه الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر 2024. فقد أقر الكنيست قانونين يستهدفان عمل الأونروا، أحدهما يمنع الوكالة من تشغيل ممثليات أو تقديم خدمات أو ممارسة أنشطة من داخل ما تعتبره إسرائيل أراضيها السيادية، والآخر يمنع السلطات الإسرائيلية من التعامل الرسمي معها ويسحب الامتيازات والتسهيلات الممنوحة لها. وقد أقر القانون الأول بأغلبية 92 صوتا مقابل 10.
وهكذا انتقل استهداف الأونروا من التحريض والتشريع إلى التطبيق العملي: إغلاق مؤسسات، تقييد الحركة، إخلاء مقرات، والاستيلاء على منشآت، وصولا إلى معهد قلنديا. وهو ما يؤكد أن الهدف يتجه نحو إضعاف البنية التي تسمح للوكالة بالحضور والعمل على الأرض، وليس مجرد الاعتراض على نشاط محدد.
ويكتسب معهد قلنديا أهمية خاصة باعتباره مؤسسة قائمة منذ عام 1952، قدمت التعليم والتدريب المهني لآلاف الفلسطينيين، ولا سيما اللاجئين وذوي الدخل المحدود. ولذلك فإن السيطرة عليه لا تعني فقدان مبنى فحسب، وإنما ضرب مؤسسة لها تاريخ طويل في خدمة المجتمع الفلسطيني، ومحاولة إزالة أحد مظاهر الوجود الأممي المرتبط باللاجئين في القدس ومحيطها.
وتتضح الصورة بصورة أكبر عند النظر إلى ما تعرضت له منشآت الأونروا في قطاع غزة. فقد وثقت الوكالة خلال الحرب إصابة أو تضرر مئات منشآتها، بما في ذلك المدارس والمراكز الصحية والمكاتب والمراكز الخدمية، فيما أشارت بياناتها إلى أن أكثر من 85% من مدارس الأونروا في غزة تعرضت للضرب أو الأضرار، وأن نحو 200 منشأة تابعة لها كانت قد تعرضت للاستهداف خلال السنة الأولى من الحرب وحدها. كما تعرضت بنية الوكالة في القطاع لدمار واسع أفقدها جزءا كبيرا من قدرتها على تقديم خدماتها.
ولا يمكن النظر إلى هذا الدمار باعتباره خسارة مادية فقط. فالمدرسة المدمرة تعني حرمان آلاف الأطفال من التعليم، والمركز الصحي المتضرر يعني تقليص الرعاية الصحية، وتدمير المكاتب والمخازن والمرافق الخدمية يعني تعطيل منظومة الإغاثة والإدارة. ومع تكرار استهداف هذه المنشآت، تصبح قدرة الأونروا على الوصول إلى اللاجئين وتقديم الخدمات لهم أكثر صعوبة.
وهنا تتضح خطورة استهداف المؤسسات نفسها. فإضعاف الأونروا لا يتحقق فقط بقرار سياسي يحظر عملها، بل يمكن تحقيقه أيضا بتفكيك بنيتها الميدانية: إغلاق المدارس، تدمير المراكز، السيطرة على المقرات، منع الموظفين من الوصول إلى أماكن عملهم، وتقييد الحركة. وعندما تتراكم هذه الإجراءات، يصبح الوجود القانوني للوكالة قائما على الورق، بينما يتراجع وجودها الفعلي على الأرض.
وهذا هو البعد الأخطر في قضية قلنديا: محاولة تحويل الأونروا إلى مؤسسة بلا قدرة ميدانية حقيقية.
إن استهداف الأونروا يرتبط بصورة مباشرة بقضية اللاجئين الفلسطينيين. صحيح أن الوكالة لا تملك حق العودة ولا تستطيع إلغاءه، لأن حق اللاجئين حق قائم بذاته ولا يتوقف على وجود الأونروا، لكن وجود الوكالة واستمرار خدماتها يمثلان جزءا من الحضور الدولي الذي يذكّر باستمرار قضية اللاجئين وبالمسؤولية الدولية تجاههم.
ولهذا فإن تفكيك مؤسسات الأونروا وإلغاء حضورها في القدس، وإضعاف قدرتها على العمل في غزة، يخدم محاولة تحويل قضية اللاجئين من قضية سياسية وحقوقية مرتبطة بالنكبة والتهجير وحق العودة إلى مجرد ملف إغاثي يمكن التعامل معه عبر مؤسسات بديلة ومساعدات مؤقتة.
والصمت الدولي أمام هذه السياسة ساهم في تشجيع الاحتلال على التمادي. فعندما تتحول قرارات الكنيست إلى إجراءات على الأرض، ثم تتعرض منشآت الأمم المتحدة للاقتحام والإخلاء والسيطرة، من دون إجراءات دولية رادعة تتناسب مع خطورة الانتهاك، فإن ذلك يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الاحتلال يستطيع فرض أمر واقع جديد بالقوة.
المطلوب دوليا لم يعد مجرد بيانات إدانة أو التعبير عن القلق. المطلوب حماية منشآت الأمم المتحدة، وضمان احترام حصاناتها وامتيازاتها، ووقف الإجراءات التي تمنع الأونروا من تنفيذ تفويضها، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات على مؤسساتها وموظفيها، ومنع تحويل التشريع الإسرائيلي إلى وسيلة لفرض واقع يتعارض مع التفويض الأممي والقانون الدولي.
وبالمقدار نفسه، فإن المطلوب عربيا وفلسطينيا موقف سياسي ودبلوماسي أكثر قوة ووضوحا. يجب أن تتحول قضية الأونروا إلى ملف أساسي في التحرك العربي والفلسطيني داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وأن يكون هناك تحرك موحد لحماية مؤسسات الوكالة في القدس وغزة والضفة، والدفاع عن تفويضها، ورفض أي ترتيبات تستهدف استبدالها أو إنهاء وجودها الميداني من دون معالجة قضية اللاجئين وحقوقهم.
إن معهد قلنديا ليس مجرد منشأة تعليمية يجري إخلاؤها، بل هو جزء من الوجود الميداني للأمم المتحدة وخدمة اللاجئين الفلسطينيين. واستهدافه، بعد استهداف عشرات ومئات منشآت الأونروا في غزة والقدس، يكشف مسارا خطيرا يقوم على ضرب المؤسسة من الداخل: بنيتها ومقراتها ومدارسها ومراكزها وموظفيها، وصولا إلى جعلها عاجزة عن أداء الدور الذي أنشئت من أجله.
ولهذا فإن ما جرى في قلنديا يجب ألا يمر باعتباره حادثة منفصلة. إنه اعتداء على مؤسسة أممية، وتصعيد في سياسة تستهدف وجود الأونروا وقدرتها على العمل، ومحاولة لفرض واقع جديد في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.
إن حماية معهد قلنديا وسائر مؤسسات الأونروا ليست دفاعا عن الحجر، وإنما دفاع عن حضور الأمم المتحدة، وعن حق اللاجئين في خدمات الوكالة، وعن بقاء قضية اللاجئين الفلسطينيين حاضرة في إطارها السياسي والقانوني، وعن رفض تحويل القوة والاحتلال إلى بديل عن القانون الدولي.
ومن هنا فإن قلنديا ليست نهاية الطريق، وإنما محطة في معركة أوسع على مستقبل الأونروا ووجودها الميداني، وعلى مكانة قضية اللاجئين الفلسطينيين في النظام الدولي.
بقلم اشرف ابو الروس
مسؤول دائرة وكالة الغوث واللاجئين بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
معهد قلنديا في مرمى الاحتلال… بن غفير يقود الهجوم على الأونروا وتقويض دورها

