شبكة المنظمات الأهلية: الانتخابات طريق لتجديد الشرعية وإعادة ترتيب الحياة السياسية الفلسطينية

المسار : أصدرت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية ورقة موقف تناولت فيها مسألة الانتخابات الجاري التحضير لها والتطورات الداخلية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها القضية الوطنية برمتها.

وركزت الورقة  ، على أهمية الوصول لأرضية مشتركة تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني باعتبار الانتخابات استحقاق ديمقراطي، مطالبة بصون وحماية الوحدة بما يحمي الحقوق والحريات العامة والتعددية في اطار سيادة القانون وصولا لنظام سياسي قادر على مواجهة سياسات الاحتلال والحفاظ على الحقوق الوطنية المشروعة .

وأكدت الشبكة أن إجراء الانتخابات في هذه المرحلة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد استحقاق إجرائي، بل باعتباره مدخلاً لتجديد الشرعية وتعزيز المشاركة والمساءلة وإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية، مشددةً على ضرورة توفير بيئة انتخابية حرة ونزيهة تضمن التعددية وتكافؤ الفرص واحترام إرادة الناخبين ونتائج الاقتراع.

وشددت على أهمية إطلاق حوار وطني ومشاورات مجتمعية موازية للعملية الانتخابية، بما يتيح التوافق على قواعد واضحة للتعامل مع نتائج الانتخابات وإدارة الخلافات والاحتكام إلى القانون، ويحافظ على الحريات العامة وسيادة القانون، ويمهد لمرحلة سياسية أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة سياسات الاحتلال وحماية الحقوق الوطنية المشروعة.

نص ورقة الموقف كما وردت: 

ورقة موقف للمؤسسات الأهلية الفلسطينية

انتخابات المجلس التشريعي في المرحلة الراهنة

نحو أرضية وطنية مشتركة تحمي التعددية وتعزز الشرعية

تمر الحالة الفلسطينية بمرحلة استثنائية تتداخل فيها تحديات وطنية وسياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، وتطال مختلف مكونات الشعب الفلسطيني. فاستمرار الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض والتهجير، وتصاعد الاعتداءات والإجراءات التي تستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية بما فيها القدس، إلى جانب ما خلفته الحرب في قطاع غزة من دمار واسع وآثار إنسانية ومجتمعية عميقة، يترافق مع أزمات مالية واقتصادية واجتماعية وتحديات أمام المجتمع والمؤسسات في الاستجابة لمتطلبات المرحلة. وفي الوقت ذاته، تتعرض القضية الفلسطينية لتحولات وضغوط إقليمية ودولية متسارعة، الأمر الذي يزيد الحاجة إلى تعزيز وحدة المجتمع، وتحديد الأولويات الوطنية بصورة واضحة، والحفاظ على قدرة الفلسطينيين على صياغة خياراتهم وقرارهم الوطني.

في هذا السياق، تكتسب انتخابات المجلس التشريعي أهمية خاصة، باعتبارها استحقاقاً ديمقراطياً طال انتظاره لما يقارب عقدين، ووسيلة مهمة لتجديد الشرعية وتعزيز المشاركة والمساءلة وإعادة الاعتبار لدور المواطن في الحياة العامة. وتأتي هذه الانتخابات في ظرف فلسطيني استثنائي، بعد سنوات طويلة شهد خلالها المجتمع ومؤسسات النظام السياسي تحولات عميقة، وتراكمت تحديات وطنية ومجتمعية واقتصادية، وتعقدت شروط العمل العام وإدارة الشأن الوطني، الأمر الذي يفرض التعامل مع الاستحقاق الانتخابي بوصفه جزءاً من مسار أوسع لاستعادة انتظام الحياة السياسية وتعزيز القدرة على العمل المشترك.

ومن هنا، فإن أهمية الانتخابات لا تقاس فقط بسلامة إجراءاتها أو بنتائج الاقتراع، وإنما بقدرتها على الإسهام في تجديد الحياة السياسية وتعزيز المشاركة العامة والمؤسسات، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من العمل الوطني والمؤسسي. وهذا يضع أمام الجميع سؤالاً يتجاوز إجراء الانتخابات ذاته: كيف يمكن أن تكون

الانتخابات مدخلاً إلى استعادة القدرة على العمل المشترك، وأن تسهم في بناء مرحلة أكثر استقراراً وتماسكاً، بدل أن تزيد من صعوبة إدارة الاختلافات القائمة؟

الحاجة إلى أرضية وطنية مشتركة

يأتي استحقاق انتخابات المجلس التشريعي في ظل غياب طويل للدور النيابي المنتظم، وتعليق أعمال المجلس التشريعي منذ سنوات، وما ترتب على ذلك من فراغ في الوظيفة التشريعية والرقابية، وتقويض مبدأ الفصل بين السلطات وتراجع انتظام إحدى أهم آليات المشاركة والمساءلة العامة، بسبب الهيمنة المطلقة للسلطة التنفيذية وتطويع التشريعات لقوننة الهيمنة. وترافق ذلك مع استمرار الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي، وتعدد المرجعيات والمقاربات في إدارة الشأن العام، وتراكم قضايا وطنية ومجتمعية واقتصادية لم تجد دائماً إطاراً مؤسسياً جامعاً لإدارتها والحوار حولها.

كما أن القضايا التي تواجه المجتمع اليوم تتجاوز في طبيعتها حدود التنافس الانتخابي المعتاد؛ فهي تمتد إلى حماية الأرض والوجود، والتعافي وإعادة الإعمار، وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وحماية الحريات العامة وسيادة القانون، وإعادة بناء المؤسسات، والحفاظ على النسيج الاجتماعي، وتحديد الأولويات الوطنية في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

وهنا تبرز فجوة ينبغي أن تحظى باهتمام وطني جاد، تتمثل في الفارق بين الحاجة إلى تجديد الشرعية من خلال الانتخابات، والحاجة في الوقت نفسه إلى أرضية سياسية ومجتمعية قادرة على استيعاب الانتخابات ونتائجها وإدارة التعدد الذي ستفرزه. فغياب هذه المساحة المشتركة قد يجعل الانتخابات مطالبة بأدوار تتجاوز وظيفتها، بينما وجودها يتيح للعملية الانتخابية أن تؤدي وظيفتها الديمقراطية ضمن مسار وطني أوسع.

الحوار الوطني ودور المجتمع الأهلي

إن الوصول إلى مثل هذه الأرضية الوطنية يقتضي مساراً تشاركياً يتيح للقوى السياسية والمجتمعية المختلفة أن تلتقي حول القضايا التي تمس حاضر المجتمع ومستقبله، وأن تتبادل الرؤى والخبرات، وتبحث في نقاط الالتقاء الممكنة، وتحدد الأولويات التي تستدعي مسؤولية وطنية مشتركة. فالأرضية التي تستند إليها مرحلة بهذا التعقيد تكتسب قوتها من اتساع المشاركة فيها ومن قدرتها على التعبير عن المصالح الوطنية العامة.

وفي هذا الإطار، يكتسب الحوار الوطني أهمية خاصة، باعتباره مساحة تتيح مناقشة القضايا المشتركة والوصول إلى ما يمكن التوافق عليه، مع الحفاظ على التعدد السياسي وحق الاختلاف. وهو ليس بديلاً عن الانتخابات، ولا مدخلاً لتعطيلها أو تأجيلها، وإنما مسار مكمل لها يمكن أن يبدأ قبل الانتخابات ويستمر بعدها. فالحوار

الذي يفضي إلى أرضية مشتركة وبرنامج للمرحلة يساعد على توفير بيئة سياسية ومجتمعية أكثر قدرة على استيعاب التعدد ونتائج الاقتراع، كما أن استمراره بعد الانتخابات يتيح إدارة الاختلافات التي قد تنشأ عنها، ويعزز الاحتكام إلى المؤسسات والقانون.

موقف المؤسسات الأهلية الفلسطينية

انطلاقاً من مسؤوليتها المجتمعية والوطنية، تنظر المؤسسات الأهلية الفلسطينية إلى انتخابات المجلس التشريعي باعتبارها استحقاقاً عاماً وفرصة مهمة لتجديد الشرعية وتعزيز المشاركة والمساءلة وإعادة الاعتبار لدور المواطن في الحياة العامة. وترى أن خصوصية المرحلة تقتضي أن تجري العملية الانتخابية في بيئة تكفل حرية المشاركة والتعبير والتنظيم، وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، وحياد المؤسسات العامة، وشفافية العملية الانتخابية، واحترام إرادة الناخبين ونتائج الاقتراع.

وترى المؤسسات أن الحوار الوطني والمشاورات المجتمعية يمكن أن يسهما في توفير هذه المساحة، والوصول إلى برنامج للمرحلة يحظى بأوسع قدر ممكن من القبول، دون أن يكون ذلك بديلاً عن الانتخابات أو مدخلاً لتعطيلها. ويأتي إسهام المجتمع الأهلي في هذا المسار من موقعه المستقل، من خلال توفير مساحات للحوار والمشاركة، وإيصال أصوات مختلف الفئات والقطاعات، وتعزيز فرص التوافق حول القضايا المشتركة، دون أن يحل محل القوى السياسية أو المؤسسات الرسمية.

وتؤكد المؤسسات أن مسؤوليتها تمتد إلى ما بعد الانتخابات، من خلال مواصلة دورها في الرقابة المجتمعية والمساءلة، والدفاع عن الحريات العامة، ومتابعة أداء المؤسسات المنتخبة، وحماية المجال العام والتعددية، بما يسهم في انتظام الحياة السياسية ويخدم المصلحة الوطنية العامة.

وبناءً على ذلك، فإن شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، إذ تدعم جهود الائتلاف الأهلي للرقابة على الإنتخابات وتتبنى مواقفه، فإنها ترى أن المرحلة تقتضي:

1. إطلاق حوار وطني ومشاورات مجتمعية جادة تتيح الوصول إلى أرضية وطنية مشتركة وبرنامج للمرحلة، يحدد الأولويات والقضايا التي تشكل مسؤولية وطنية مشتركة، مع إتاحة المجال للقوى والكتل للتنافس ببرامجها ورؤاها.

2. التوافق على قواعد واضحة للتعامل مع نتائج الانتخابات واحترام إرادة الناخبين، وضمان انتظام عمل المؤسسات المنتخبة والاحتكام إلى القانون في إدارة الخلافات، بما يحول دون إعادة إنتاج الانقسام داخل المؤسسات.

3. تهيئة بيئة انتخابية حرة ونزيهة تكفل حرية المشاركة والتعبير والتنظيم، وتوسيع المشاركة المجتمعية وتكافؤ الفرص بين القوائم والمرشحين وتقديم الشباب والنساء وذوي الإعاقة في قوائم تتسم بالشمول، وحياد المؤسسات العامة ووسائل الإعلام الرسمية، وشفافية العملية الانتخابية، وسلامة المشاركين، وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات وممارسة الاختيار الحر دون ضغط أو إكراه. .

4. صون حرية الترشح والاختيار، ورفض أي اشتراطات سياسية تمس حرية الرأي والتعبير والمعتقد، وضمان أن تُستمد الشرعية التمثيلية من الانتخاب الحر، ولا تُستبدل بالتعيين.

5. المسارعة إلى الإعلان عن تشكيل محكمة الإنتخابات، والتوقف عن التشكيك في إمكانية إجراء الانتخابات.

6. استمرار الحوار والمساءلة بعد الانتخابات وتعزيز الرقابة المجتمعية المستقلة على أداء المؤسسات المنتخبة، وحماية الحريات العامة والتعددية والمجال العام.

7. إبقاء القضايا الوطنية الكبرى في إطار المسؤولية الوطنية المشتركة بحيث لا تتحول إلى أدوات للتجاذب الانتخابي، مع إتاحة المجال للتنافس الديمقراطي حول السياسات والبرامج والوسائل.

ختاماً، إن المصلحة الوطنية في هذه المرحلة تقتضي تكامل الحوار والتوافق والانتخاب؛ فالحوار يتيح الوصول إلى أرضية وطنية وبرنامج للمرحلة، والانتخابات تتيح للمواطنين تجديد الشرعية واختيار البدائل، واستمرار الحوار والمساءلة بعد الانتخابات يساعد على احترام النتائج وإدارة الاختلاف وتعزيز عمل المؤسسات.

إن ما يجمعنا وطنياً ينبغي أن يكون أوسع من مساحة اختلافنا السياسي، وما نختلف عليه ينبغي أن يبقى مجالاً للتنافس الديمقراطي. وفي هذه المرحلة، تكتسب الانتخابات قيمتها من قدرتها على تجديد الشرعية وفتح الطريق أمام حياة سياسية فلسطينية أكثر انتظاماً، وتعددية أكثر مسؤولية، وشراكة وطنية أوسع.

Share This Article