حين تصبح الرؤية ترفًا.. حصار غزة يهدد أبصار آلاف المرضى

المسار :  – لم تعد النظارة الطبية في قطاع غزة أداة بسيطة لتحسين الرؤية، بل تحولت إلى سلعة نادرة وباهظة الثمن، في ظل الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر ومنع إدخال العدسات والإطارات والمعدات الطبية، بالتزامن مع تدمير واسع طال مراكز البصريات ومختبرات تصنيع العدسات.

وتكشف الأرقام حجم الأزمة المتفاقمة؛ إذ سُجلت نحو 17 ألف إصابة في العيون منذ بدء الحرب، وفقد أكثر من 1,700 فلسطيني بصرهم كليًا أو جزئيًا، فيما يواجه ما بين 4 آلاف و5 آلاف آخرين خطر فقدان البصر بسبب نقص الأدوية والعلاجات والتدخلات الجراحية.

نظارة مكسورة تتحول إلى أزمة

بدأت معاناة الشاب أحمد أبو سلمية عندما تعرض إطار نظارته للكسر. توجّه إلى أحد مراكز البصريات بحثًا عن إطار يناسب عدساته القديمة، لكنه لم يجد المواصفات المطلوبة، فيما وصل سعر البديل المتاح إلى نحو 200 شيكل، بعد أن كان لا يتجاوز 50 شيكلًا قبل الحرب.

وتكرر المشهد مع صبرين زكريا، وهي أم لثلاثة أطفال، بعدما كُسرت نظارتها واكتشفت خلال الفحص حاجتها إلى تغيير العدسات أيضًا. لكن أسعار العدسات ارتفعت إلى أربعة أو خمسة أضعاف مستوياتها السابقة، ما اضطرها إلى تأجيل شراء نظارة جديدة رغم حاجتها الملحّة إليها.

وتعكس الحالتان واقع مئات الفلسطينيين الذين باتوا عاجزين عن إصلاح نظاراتهم أو استبدال عدساتهم، في وقت لم تعد فيه القدرة على الرؤية بوضوح أمرًا متاحًا للجميع.

شح حاد وارتفاع غير مسبوق في الأسعار

وأوضح أخصائي البصريات محمد أبو جبارة أن قطاع غزة لم يستقبل، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي شحنة رسمية من إطارات النظارات أو العدسات والمستلزمات الخاصة بالبصريات.

وأشار إلى أن الكميات المحدودة التي تصل إلى الأسواق تدخل بطرق غير رسمية، وغالبًا ما تكون معرضة للتلف أو الكسر، فضلًا عن ارتفاع تكلفتها بصورة كبيرة.

وبحسب أبو جبارة، كان سعر إطار النظارة العادي قبل الحرب يتراوح بين 50 و200 شيكل وفقًا للجودة، بينما يبدأ سعر الإطار المتواضع مع العدسات حاليًا من نحو 150 شيكلًا، وقد يتجاوز ذلك بكثير. كما سجلت العدسات الطبية ارتفاعات حادة بعدما كان سعر الزوج العادي منها يتراوح بين 40 و50 شيكلًا.

مبادرات محدودة أمام احتياجات هائلة

لم تتمكن المبادرات الإغاثية من سد الفجوة المتزايدة. فقد تعاقدت مبادرة «الفارس الشهم» مع عدد من مراكز البصريات لفحص المواطنين وتوفير 10 آلاف نظارة طبية، إلا أن المستفيدين لا يزالون ينتظرون تسلّمها بعد مرور أكثر من شهرين.

وتواجه مشاريع أخرى تحديات تتعلق بنقص المواد المتاحة في السوق المحلي وتراجع جودتها، ما يضطر بعض الجهات إلى استخدام عدسات وإطارات لا تلائم احتياجات جميع المرضى، ولا سيما الأطفال.

كما أطلقت جمعية «العطاء» مشروعًا لتوفير نظارات جاهزة من الولايات المتحدة، إلا أن الكمية المخصصة لا تتجاوز أربعة آلاف نظارة، وهي محدودة مقارنة بحجم الاحتياج في مختلف مناطق القطاع.

تدمير المختبرات ونقص المعدات

من جانبه، قال أخصائي البصريات الدكتور محمد العشي إن تدمير معظم مراكز التشخيص ومختبرات تصنيع العدسات أفقد القطاع جزءًا أساسيًا من قدرته على متابعة أمراض العيون والحالات المزمنة.

وأوضح أن المراكز تحتاج بصورة عاجلة إلى أجهزة الفحص والقياس، ومعدات تجهيز العدسات، وأدوات الصيانة والتعقيم والتركيب، إلى جانب العدسات العلاجية والتخصصية المستخدمة في حالات كسل العين والحول وغيرها من الاعتلالات البصرية.

وتشمل الاحتياجات كذلك العدسات اللاصقة ومحاليل التعقيم وعدسات الزراعة داخل العين والمستلزمات المخصصة للأشخاص الذين تعرضوا لإصابات في العيون.

وحذر العشي من أن تأخر حصول المرضى، وخاصة الأطفال، على النظارات والعدسات العلاجية المناسبة قد يؤدي إلى تدهور حالتهم البصرية وصعوبة معالجتها مستقبلًا.

17 ألف إصابة ومستشفى يعمل بقدرة محدودة

بدوره، قال رئيس مستشفى العيون في غزة، الدكتور حسام داود، إن المستشفى تمكن بصعوبة من ترميم جزء من الأضرار وإصلاح بعض المجاهر الجراحية، ما رفع قدرته التشغيلية إلى ما بين 60% و70%.

ولمواجهة الضغط المتزايد، وسّع المستشفى ساعات عمله وأدخل دوامًا مسائيًا لثلاثة أيام أسبوعيًا، رغم النقص الحاد في الكوادر والمعدات والمستهلكات الطبية.

وبحسب داود، سجل قطاع غزة نحو 17 ألف إصابة في العيون منذ بدء الحرب، تمثل قرابة 11% من إجمالي الإصابات، فيما يشكل الأطفال نحو 25% من المصابين.

وأضاف أن أكثر من 1,700 شخص فقدوا بصرهم كليًا أو جزئيًا، بينما يواجه ما بين 4 آلاف و5 آلاف شخص خطر فقدان البصر بسبب تعطل العلاجات ونقص الأدوية والتدخلات الطبية.

وتراجعت القدرة الجراحية للمستشفى من ثلاث غرف عمليات رئيسية إلى ما يعادل غرفة ونصفًا فقط، فيما تضم قائمة انتظار عمليات المياه البيضاء نحو ثلاثة آلاف مريض. كما تُجرى عمليات الشبكية وزراعة القرنية في أضيق الحدود بسبب شبه انعدام المستلزمات، بالتزامن مع صعوبة الحصول على تحويلات للعلاج خارج القطاع.

وطالب المختصون بفتح المعابر بصورة عاجلة وإدخال المعدات الطبية والمخبرية والعدسات والأدوية ومنظومات الطاقة اللازمة لتشغيلها، مؤكدين أن إنقاذ قطاع العيون لم يعد مسألة خدماتية، بل ضرورة لحماية آلاف المرضى، وفي مقدمتهم الأطفال، من فقدان قدرتهم على الإبصار.

المصدر : وطالات

Share This Article