في الخليل كان هناك من يبني مصنع أحذية، وفي نابلس من يوسّع مصنعاً للأغذية، وفي مدن وبلدات أخرى كان صناعيون فلسطينيون يشترون الأرض والآلات، ويؤسسون المصانع والمشاغل، ويحاولون بناء اقتصاد قادر على الإنتاج في ظل واقع سياسي واقتصادي شديد التعقيد.
الصناعة سبقت السلطة… لكن بعد أكثر من ثلاثين عاماً، لا يزال السؤال قائماً: أين مكان الصناعة الفلسطينية في الاقتصاد وفي مشروع الدولة؟
لماذا بقيت مساهمة الصناعة أقل بكثير من طموحات الصناعيين والخطط الحكومية المتعاقبة؟ لماذا أغلقت مصانع ومشاغل أبوابها، بينما بقيت أخرى تقاتل من أجل البقاء؟ ومن المسؤول فعلياً عن الملف الصناعي الفلسطيني: الوزارة؟ الحكومة؟ هيئة المدن الصناعية؟ الاتحادات؟ القطاع الخاص؟ أم أن القرار ظل دائماً معلقاً عند مستوى أعلى؟
على الورق، لم تكن الصناعة غائبة، فقد أنشئت هيئة للمدن والمناطق الصناعية، وصدرت قوانين وتشريعات، ووضعت استراتيجيات وخطط، وأقيمت مناطق صناعية، ونجحت تجربة أريحا في استقطاب مصانع تعمل على الأرض، فيما بدأ مشروع جنين يتحرك بعد سنوات طويلة من الانتظار والتعثر.
كما أنشئت بمرسوم رئاسي “اللجنة الوطنية العليا لتطوير الصناعة”، ومنحت مهام واسعة تتعلق بإزالة العوائق أمام القطاع الصناعي، ومراجعة التشريعات، ودعم المنتج الوطني، والمساهمة في تطوير المدن الصناعية، ونصت ترتيباتها على عقد اجتماعات دورية.
لكن التحقيق لم يتوقف عند ما كُتب في القرارات، سألنا: ماذا حدث بعد صدورها؟
كم مرة اجتمعت اللجنة؟ ما الذي نفذ من قراراتها؟ ماذا حدث للتوصيات التي رفعت إلى الحكومات المتعاقبة؟ ومن كان مسؤولاً عن متابعة التنفيذ عندما تتوقف الملفات بين مؤسسة وأخرى؟
وشكلت الحكومة كذلك الفريق الوطني لمحاربة إغراق السوق، الذي قدم سلسلة توصيات إلى رئيس الوزراء. لكن السؤال لم يكن: هل صدرت التوصيات؟ السؤال كان: ماذا تغير في المصنع بعد صدورها؟
هل ساعدت صانعاً فلسطينياً على الصمود أمام المنافسة؟ هل أعادت مشغلاً أغلق أبوابه إلى العمل؟ هل تغيرت قواعد الاستيراد أو الرقابة أو الحماية؟ وهل شعر الصناعي الفلسطيني فعلاً بأن القرار الحكومي وصل من مكتب المسؤول إلى أرض المصنع؟
هنا بدأت قصة هذا التحقيق. فعلى مدار الأشهر الماضية، جمعت “معا” 11 شهادة لمسؤولين ووزراء سابقين ورؤساء اتحادات صناعية وشخصيات شاركت في تأسيس المؤسسات الاقتصادية والصناعية الفلسطينية أو تولت المسؤولية عنها في مراحل مختلفة. بعضهم تحدث من داخل دائرة صنع القرار، وبعضهم كان في مواجهتها.
استمعنا إلى مسؤولين تولوا الملف الصناعي منذ سنوات التأسيس، وإلى وزراء وقعوا قرارات يقولون إن بعضها لم يجد طريقه إلى التنفيذ، وإلى رؤساء اتحادات خاضوا معارك طويلة تتعلق بالتراخيص والجمارك والاستيراد والإغراق وحماية المنتج المحلي.
كما تحدثنا إلى صناعيين ورجال أعمال عاشوا لحظة ولادة الاقتصاد الفلسطيني الجديد، وشاهدوا كيف تأسست مصانع بأموال أصحابها، بينما كانت مؤسسات الدولة نفسها لا تزال في طور التأسيس.
ومع كل شهادة كان يظهر جزء آخر من الصورة: لجان شُكّلت ثم غابت، توصيات رُفعت ولم تجد طريقها إلى الأرض، مدن صناعية رُسمت على الخرائط وانتظرت سنوات طويلة قبل أن تتحرك، وقرارات يقول أصحابها إنها لو نُفذت في وقتها، ربما كان شكل القطاع الصناعي الفلسطيني اليوم مختلفاً.
لكن التحقيق يكشف أيضاً وجهاً آخر للقصة، فليست كل التجارب فشلاً، وليست كل القرارات بقيت حبراً على ورق. هناك مصانع نجحت، ومناطق صناعية بدأت تعمل، وصناعيون استطاعوا التوسع والتصدير والاستمرار رغم القيود السياسية والاقتصادية.
لذلك لم يكن هدف “معا” البحث عن متهم واحد، ولا كتابة رواية جاهزة عن ثلاثين عاماً. هدفنا كان أبسط وأصعب في الوقت نفسه: تتبع القرار، من اقترحه؟ من وقّعه؟ من كان يفترض أن ينفذه؟ وأين توقف؟
خلال البحث تكررت أمامنا إشارة يصعب تجاهلها: عندما يكون الملف الصناعي بلا قيادة سياسية مستمرة وقادرة على فرض التنفيذ، تتحول الخطط إلى أوراق، والتوصيات إلى أرشيف، وتبدأ المؤسسات في تبادل المسؤولية.
لكن هل كانت المشكلة بالفعل في “رأس الهرم” وحده؟ أم أن المسؤولية موزعة بين الحكومات والوزارات والهيئات والاتحادات والقطاع الخاص نفسه؟ وهل كان الاحتلال والقيود الإسرائيلية العامل الحاسم في إضعاف الصناعة الفلسطينية، أم أن الفلسطينيين أضافوا إلى تلك القيود عوائق صنعوها بأيديهم؟ هذه الأسئلة هي موضوع التحقيق.
اعتباراً من الغد الثلاثاء 1 أيلول/ سبتمبر 2026، تبدأ وكالة “معا” نشر تحقيقها الاستقصائي في ملف الصناعة الفلسطينية على امتداد 11 جزءاً.
في كل جزء سنعود إلى مرحلة من المراحل، وإلى قرار أو لجنة أو تجربة أو شخصية كانت جزءاً من هذا الملف.
سنضع الأسماء إلى جانب التواريخ، والقرارات إلى جانب ما تحقق منها على الأرض، والروايات المتعارضة أمام القارئ. وسنترك في نهاية كل جزء سؤالاً يفتح الباب للجزء التالي.
ثلاثون عاماً مرت منذ تأسيس السلطة الفلسطينية. وفي الأسفل، ظل الصناعي الفلسطيني يبني مصنعه، ويشتري أرضه وآلاته، ويدفع الضرائب والرسوم، ويحاول أن ينتج.
أما في الأعلى، فكانت القوانين والخطط واللجان تتغير. فمن عطّل القرار؟ ومن يتحمل كلفة السنوات التي ضاعت؟
وهل المشكلة أن الصناعة الفلسطينية لم تجد فرصتها… أم أنها لم تجد حتى اليوم من يضعها فعلاً في مكانها داخل مشروع الدولة؟
“معا” تفتح الملف… والجزء الأول يبدأ من نقطة البداية: عندما ولدت السلطة، ماذا كان موجوداً بالفعل على أرض الصناعة الفلسطينية؟
المصدر … وكالة معا الاخباريه

