حرب الروايات في “إسرائيل”.. هل تُطيح أحداث 7 أكتوبر بنتنياهو لصالح “يمين بديل”؟

المسار : تتجاوز المعركة السياسية الدائرة اليوم في “إسرائيل” حدود الخلاف الحزبي التقليدي أو الصراع المؤقت على المقاعد النيابية، لتحتدم وتتحول إلى صراع وجودي حول صياغة الوعي الجمعي وإدارة الإرث السياسي الأثقل وزنًا في تاريخ دولة الاحتلال والمتمثل بأحداث السابع من أكتوبر.

فبينما يستميت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في التمسك برواية دفاعية محكمة تحمّل المؤسسة الأمنية والاستخباراتية وحدها وزر الإخفاق وتتهمها بإخفاء معلومات استخباراتية حاسمة عنه لتقديمه في صورة “الضحية المخدوعة”، تتكشف تدريجيًا تسريبات ومعلومات جديدة تطرح تساؤلات محرجة ومصيرية بشأن طبيعة التحذيرات المبكرة التي تلقاها شخصيًا قبل العملية.

وأبرزها ما كشفه تحقيق لصحيفة هآرتس نُشر أمس الثلاثاء، عن تفاصيل دقيقة لمحادثة هاتفية جمعته بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد استمرت 45 دقيقة قبل نحو أسبوع من وقوع العملية، حذر فيها الأخير من أنّ رئيس حركة “حماس” في غزة يحيى السنوار يخطط لخطوة كبيرة ضد “إسرائيل” لكن نتنياهو لم يسمع له.

هذا التناقض الحاد بين ما كان يُفترض أن يعلمه رئيس الحكومة وما أخفاه أو تجاهله، يضع مستقبل “نتنياهو” السياسي على المحك الأكثر خطورة منذ صعوده للسلطة، ويفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت هذه التصدعات المتسارعة قادرة على قضم كتلته الصلبة، ليس باتجاه معسكر اليسار أو الوسط التقليدي الذي يعاديه، وإنما لصالح تيار يميني جديد يتبنى الأيديولوجيا ذاتها ولكنه يبحث عن مخرج تحت شعار “يمين من دون نتنياهو”.

معركة تثبيت الرواية وقضم الكتلة الصلبة من الداخل

يؤكد الباحث في الشأن الإسرائيلي، نظير مجلي، في قراءته التحليلية العميقة للمشهد، أن المعركة الحقيقية اليوم لا تدور حول مجرد تقاسم المسؤولية الإدارية أو العسكرية، بل تدور حول من ينجح في تثبيت الرواية التاريخية التي ستستقر وتترسخ في الوعي الإسرائيلي للمرحلة المقبلة.

ويوضح مجلي في حديثه لـه، أن نتنياهو حاول منذ اللحظة الأولى لتنفيذ هجوم السابع من أكتوبر أن يبني جدارًا استناديًّا يصور فيه نفسه كمتضرر رئيسي من فشل الأجهزة الأمنية، مردداً بلا ملل أن المعلومات لم تصل إليه في الوقت المناسب.

غير أن مرور الوقت والتكشف المتلاحق لتفاصيل التحذيرات المبكرة جعلا موقفه شديد الحساسية وهشاشة أمام الجمهور الإسرائيلي.

ويشير مجلي إلى أن الخطر الأكبر الذي يهدد عرش نتنياهو لا يتمثل في الهجمات التقليدية التي تشنها المعارضة ضده، بل يكمن في ضرب صورته التاريخية الراسخة في أذهان ناخبيه كـ “السياسي الأقدر على قراءة المخاطر الإقليمية، والضامن الأوحد للأمن القومي الإسرائيلي”.

وبحسب تقديرات مجلي، فإن أي تشكيك في هذه الصورة لن يدفع الناخب اليميني والعقائدي نحو اليسار أو الوسط، بل سيؤدي إلى انتقال هادئ وواعٍ داخل المعسكر اليميني نفسه؛ حيث يبحث الناخب عن قيادة يمينية بديلة تدير السياسة السيادية والعسكرية ذاتها، ولكن بقدرة مؤسسية أعلى، وأقل تورطًا في الوحل السياسي والإخفاقات المدوية.

وخلص المحلل، إلى حقيقة برلمانية حاسمة مفادها أن خسارة مقعدين أو ثلاثة فقط من هذه القاعدة لصالح قوى يمينية منافسة تكفي لتغيير وجه الائتلاف الحكومي بالكامل في نظام برلماني شديد الاستقطاب والانقسام.

بدائل يمينية بأسلوب مختلف وأهداف متطابقة

هذا الطرح يتقاطع إلى حد كبير مع ما ذهب إليه الباحث في الشؤون الإسرائيلية، أليف صباغ، الذي أشار إلى أن التطورات الراهنة لن تفكك “النواة الصلبة” الموالية لنتنياهو بصورة جذرية أو دفعة واحدة، لكنها تخدم بوضوح طموح نحو عشرة أعضاء كنيست من داخل معسكر اليمين نفسه ممن يحاولون حشد قواعدهم ومناصريهم بعيداً عن سيطرة نتنياهو وتحالفه الحكومي المتطرف مع أقطاب الصهيونية الدينية مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.

ويوضح صباغ في سياق تصريحاته له  أن هؤلاء السياسيين اليمينيين لا يعترضون أبدًا على جوهر السياسات اليمينية الاستيطانية أو النهج الأمني المتشدد، بل يرفضون ما باتوا يسمونها “السياسة المفضوحة والمأزومة” لنتنياهو، ويسعون لتقديم ذات الأجندة اليمينية المتطرفة ولكن بصورة أكثر دبلوماسية وقبولاً سياسيًا وإقليميًا ودوليًا.

ويرى صباغ أن خريطة التحالفات المقبلة قد تفرز سيناريوهات معقدة وغير تقليدية، من بينها احتمال تصدر شخصيات مثل غادي أيزنكوت للمشهد المعارض وقدرته المحتملة على تشكيل حكومة بدعم من كتل يمينية مستقلة عن نتنياهو، أو استنادًا ضمنيًا وبشروط قاسية إلى أصوات الكتل العربية في الكنيست، شريطة تقديم تنازلات واسعة ومدروسة في ملفات الأمن والسياسة الخارجية مقابل عقدة السياسة الداخلية وإعادة هندسة شكل الدولة العميقة.

الحسابات البرلمانية الضيقة وحرب الهوامش

وفي السياق الانتخابي، يرى عضو الكنيست السابق، مطانس شحادة، أن الخريطة السياسية الإسرائيلية الحالية محكومة بانقسام مجتمعي حاد يجعل الحسم الانتخابي رهناً بفارق ضئيل للغاية قد لا يتجاوز مقعدين أو ثلاثة على الهوامش السياسية.

ويوضح شحادة في تصريح صحفي  أن عودة نتنياهو إلى سدة الحكم تظل خيارًا صعبًا ومعقدًا ولكنه ليس مستبعدًا تمامًا في ظل هذه الفوارق المحدودة بين المعسكرات المتصارعة، لافتًا إلى أنّ ظهور تفاصيل الكتاب الجديد بشأن محادثة نتنياهو مع “بن زايد” يعيد تأجيج النقاش العام بحدة حول المسؤولية القيادية العليا ومستوى التعاطي مع المعلومات الاستخباراتية عشية الهجوم.

أما على صعيد التمثيل السياسي العربي داخل إسرائيل، فأكد شحادة أن الفلسطينيين يتجهون نحو الانتخابات القادمة عبر قائمتين رئيسيتين (القائمة المشتركة، والقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس).

ويبين أن القائمة المشتركة لن تشكل عائقًا أمام إمكانية تشكيل حكومة بديلة يقودها بيني غانتس أو غادي أيزنكوت، دون أن تعني هذه التسهيلات البرلمانية أي مشاركة فعلية أو ائتلافية لها داخل الحكومة المرتقبة، مما يعكس براغماتية سياسية عالية تهدف بالأساس إلى كسر احتكار اليمين المتطرف للسلطة دون التنازل عن الثوابت الوطنية.

Share This Article