المسار :كشف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت تفاصيل جديدة عن المسار الاستخباري الذي سبق استهداف منشأة نووية سورية عام 2007، موضحًا أن ضابطة شابة في جهاز «الموساد» لعبت دورًا محوريًا في كشف المشروع بعدما واصلت التحقيق فيه رغم تشكيك رؤسائها وانتقاداتهم المتكررة لها.
وبحسب فصول من كتاب لأولمرت نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بدأت مؤشرات متفرقة حول احتمال وجود نشاط نووي عسكري في سوريا تظهر منذ مطلع الألفية، لكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لم تكن تملك حينها أدلة حاسمة، كما انصب الاهتمام الأساسي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 على تنظيم القاعدة والبرنامج النووي الإيراني.
وقال أولمرت إن اكتشاف البرنامج النووي الليبي عام 2003 شكّل نقطة تحول داخل المؤسسة الاستخبارية الإسرائيلية، بعدما تبين أن الولايات المتحدة كانت قد توصلت إلى اتفاق بشأن تفكيكه من دون إبلاغ دولة الاحتلال مسبقًا، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى إعادة فحص احتمالات وجود مشاريع نووية سرية في دول أخرى بالمنطقة.
وأشار إلى أن التحقيقات في شبكة العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان، وعلاقاته بعدد من دول المنطقة، دفعت إلى إعادة النظر في الملف السوري، رغم أن رئيس «الموساد» آنذاك مائير داغان كان يشكك في البداية في إمكانية إقامة دمشق مشروعًا نوويًا من دون أن يكتشفه الجهاز.
وفي هذه المرحلة، بدأت ضابطة شابة أطلق عليها أولمرت اسم «عنانت» العمل على الملف السوري، بعدما أنهت دورة ضباط استخبارات، في وقت كان الملف الإيراني يحظى بالأولوية القصوى داخل الجهاز.
وبحسب رواية أولمرت، عادت الضابطة إلى أرشيفات قديمة وبدأت بدراسة النشاط النووي السوري والعلاقات مع كوريا الشمالية، إلا أنها واجهت استهزاءً من بعض المسؤولين الذين اعتبروا أن سوريا لا تمتلك الموارد أو القدرة على بناء مشروع نووي سري.
وفي نهاية عام 2006، تقرر إغلاق الملف باعتباره، وفق المسؤولين آنذاك، «مضيعة للوقت»، لكن ظهور معلومات عن شخص من أصول كورية شمالية يقيم في سوريا ويتمتع بأهمية لدى القيادة السورية دفع الضابطة إلى مواصلة التحقيق.
وأوضح أولمرت أن تتبع هذا المسار قاد إلى رصد مجموعة من الكوريين الشماليين في سوريا، وربطهم بمسؤولين سوريين، من بينهم رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية إبراهيم عثمان، إلى جانب مسؤولين آخرين مثل محمد سليمان.
ومع استمرار جمع المعلومات، تركز الاهتمام على منطقة دير الزور، حيث رُصد مبنى كبير قليل الحركة بدا ظاهريًا كمنشأة صناعية، لكن الضابطة اشتبهت بأن طبيعة النشاط داخله مختلفة.
وقال أولمرت إن الضابطة عرضت لاحقًا صورة جوية للموقع على رئيس الموساد مائير داغان، ما دفع الأخير إلى إصدار تعليمات بإجراء فحص أوسع لاحتمال وجود مشروع نووي سوري بالتعاون مع كوريا الشمالية.
وأضاف أن المشروع، بحسب التقديرات الإسرائيلية التي تشكلت لاحقًا، كان محاطًا بدرجة عالية من السرية، إلى حد أن عددًا من كبار المسؤولين السوريين لم يكونوا على اطلاع عليه.
وتحوّل الملف إلى مرحلة أكثر حساسية عندما تابعت أجهزة الاحتلال تحركات إبراهيم عثمان خلال سفره إلى الخارج، قبل اتخاذ قرار بتنفيذ عملية استخبارية للحصول على معلومات من حاسوبه خلال وجوده في إحدى الدول الأوروبية في آذار/مارس 2007.
وبحسب أولمرت، دخل عناصر من الموساد إلى غرفة عثمان في أحد الفنادق، وخلال العملية لاحظت إحدى العميلات وحدة تخزين محمولة على الطاولة، وقررت أخذها رغم اعتراض زملائها وتحذيرهم من احتمال اكتشاف اختفائها.
وقال إن وحدة التخزين احتوت على مواد وصور شكلت، بحسب الرواية الإسرائيلية، الدليل الحاسم على وجود مفاعل نووي في سوريا.
وبعد تحليل البيانات، خلص خبراء إسرائيليون إلى أن الصور تشير إلى مشروع نووي عسكري، وهو ما غيّر التقدير السائد داخل المؤسسة الأمنية.
ورغم ذلك، قال أولمرت إن الضابطة التي أصرت على متابعة الملف لم تحظَ في البداية بالتقدير المتوقع، بل تعرضت لانتقادات داخل الجهاز واتُهمت بالانشغال بملفات ثانوية، قبل أن تستمر لاحقًا في الموساد وتتولى منصبًا رفيعًا.

