تدخل تونس خريفاً مثقلاً بأزمات اجتماعية واقتصادية، في ظلّ تراجع الخدمات العامة وارتفاع كلفة المعيشة. وبالتوازي، تواصل السلطة تشديد قبضتها على القضاء والحريات، وتوسيع ملاحقتها للمعارضين والناشطين والصحافيين.
المسار: تدْخل تونس خريفاً مُثقلاً بالأزمات، في ظلّ تفاقم كلفة المعيشة، ومواصلة السلطة إحكام قبضتها على المؤسّسات -ولا سيما القضاء-، وتضييق هامش الحريات العامّة. وكانت البلاد عاشت صيفاً قاسياً، ليس بسبب موجات الحرّ وحدها، وإنما أيضاً بفعل أزمات متداخلة كشفت هشاشة القطاعات الحيوية؛ فللمرّة الأولى منذ عقود، شهدت تونس اضطرابات كبيرة في تزويد المنازل بالكهرباء من قِبل «الشركة التونسية للكهرباء والغاز» العمومية. وفي عزّ القيظ، وجد المواطنون أنفسهم محرومين استعمال مكيّفات الهواء، فيما حُرم مرضى كثر استخدام آلات التنفّس الاصطناعي، ما أدّى إلى وفاة عدد منهم. ويعود ذلك إلى سياسة «تخفيف الأحمال» التي لجأت إليها الشركة خلال فترات ذروة الاستهلاك، وهدفت عبرها إلى حماية شبكة الكهرباء من الانهيار؛ وهي سياسةٌ لم تَسلم من تداعياتها المصانع والورش والمحالّ التجارية، الأمر الذي تسبّب في خسائر كبيرة لقطاعات اقتصادية عدّة.
وتعود الانقطاعات غير المسبوقة في الكهرباء، بحسب ما كشفت وسائل إعلام وناشطون، إلى عدم مواكبة الدولة الزيادة المطّردة في الاستهلاك عبر تعزيز محطّات الإنتاج، وتغاضيها عن تحذيرات استباقية كان وجّهها المدير العام للشركة العمومية إلى وزيرة الطاقة قبل سنتَين. وممّا زاد الطين بلّة أن انقطاع الكهرباء عطّل الشبكة العمومية للتزويد بالمياه في مناطق عدّة، كما أسهم في إبطاء إنتاج شركات تعليب المياه المعدنية، التي بات التونسيون يعتمدون عليها، بشكل كبير، نتيجة تراجع جودة مياه الشرب الآتية إلى المنازل. ولم تتوقّف تداعيات الأزمة عند الخدمات العامّة؛ إذ تسبّبت موجة الحرّ في وقوع عدد من الوفيات داخل المستشفيات العمومية، قُدّرت بما بين 150 و200 حالة حتى نهاية تموز الماضي، وذلك وفقاً لـ«المنظمة التونسية للأطباء الشبان» التي انتقدت عدم اعتراف السلطات الصحية بتلك الوفيات، وإحجامها عن إعلان حال «طوارئ صحية». أيضاً، أحصت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» وفاة 23 سجيناً أو موقوفاً على ذمّة التحقيق -بينهم رجل الأعمال اللبناني علي قاسم قصب-، في ظلّ الاكتظاظ وانقطاعات الكهرباء ونقص مياه الشرب في السجون. وفي وقت اهتزّ فيه الرأي العام التونسي لقصص بعض السجناء المتوفّين الذين أُوقفوا على خلفية ملفّات كان بالإمكان مواصلة التحقيق فيها وهم في حال إطلاق سراح، أدّت كلّ هذه الإخفاقات إلى حال غضب شعبي واسعة، ظهرت بعض تجلّياتها في احتجاجات تلتها إيقافات. وفي المقابل، أعاد الرئيس قيس سعيّد اجترار الخطاب نفسه، الذي ينكر الأسباب الموضوعية للأزمات، ويحمّل مسؤوليتها لأطراف خفيّة لا يسمّيها، في إشارة ضمنية إلى الأحزاب التي كانت تَحكم قبل 25 تموز 2021.
عطّل سعيّد، منذ تفرّده بالحكم ما بعد 25 تموز، كلّ آليات التوازن بين مؤسّسات الدولة
وهكذا، أعادت الأزمة الأخيرة تسليط الضوء على حال الشلل وقلّة الكفاءة التي باتت تميّز الحكومات المتعاقبة منذ انطلاق ذلك المسار، الذي أطاح عبره سعيّد بالحكومة، وجمّد عمل البرلمان إلى أن حلّه في آذار 2022، قبل أن يغيّر الدستور ويمنح نفسه صلاحيات واسعة في العام نفسه. وجاءت تلك الأزمة لتُفاقم الوضع الاجتماعي الذي كان بدأ يتدهور أصلاً تحت وطأة الارتفاع المستمرّ في أسعار المواد الغذائية والأدوية، إلى جانب قرارات وقوانين أثارت جدلاً، بينها «قانون الشيكات» الجديد الذي منع استعمال الصكوك البنكية كضمان، وقانون «منع الاحتكار»، وغيرها. على أن تفاقم الوضع الاجتماعي لم يدفع السلطة إلى محاولة تنفيس الاحتقان السياسي، بل هي واصلت سجن عشرات المعارضين من الإسلاميين والليبراليين على خلفية قضايا «تآمر على أمن الدولة» -شكّكت جُلّ المنظمات الحقوقية في صحّتها-، وبلغ بها الأمر أيضاً حدّ استهداف شريحة من المناضلين لم تكن تعاديها من قَبل، يتصدّرها أنصار القضية الفلسطينية، وغالبيّتهم من اليسار.
وطبقاً لما تُظهره المعطيات، تبدو السلطة ماضيةً في نهج تركيب الملفات القضائية ضدّ مَن تعتبرهم خصوماً لها؛ إذ بات استهدافها للمعارضين والصحافيين والنقابيين والناشطين من مختلف الأطياف، والحكم على بعضهم بأحكام ثقيلة بناءً على اتهامات ملفّقة، أمراً مألوفاً خلال السنتين الأخيرتين. وبعدما استهدف هذا النهج مَن عارضوا ما يسمّونه «انقلاب 25 جويلية»، انتقلت الحملة إلى جزء من المجتمع المدني، وتحديداً الجمعيات التي ساندت حقوق مهاجري جنوب الصحراء، وخصوصاً بعد الاتفاق الذي عقدته تونس مع إيطاليا، والذي لم تُعرف تفاصيله كاملة، ويقضي، وفق تصريحات أوروبية، بتشديد حراسة السواحل التونسية ومنع استخدامها نقطة انطلاق للمهاجرين نحو أوروبا. ومن ثمّ، توسّعت الحملة لتشمل جمعيات معارضة أو مستقلّة عن السلطة، بدعوى الاشتباه في كيفية تصرّفها بـ«التمويل الأجنبي» الذي يصل إليها -للمفارقة- بموافقة الدولة وعبر بنكها المركزي.
وقبل نحو ستة أشهر، لم يُطق العقل السياسي – الأمني للسلطة صبراً على إصرار مناضلي «أسطول الصمود العالمي» على محاولة تكرار تجربة خروج «الأسطول» المساند لقطاع غزة من الموانئ التونسية. فبعد تحرّكَين احتجاجيَّين رفضاً لقرار المنع، اعتقلت السلطات سبعة من منظّمي «الأسطول»، ثمّ سرعان ما وُجّهت إليهم تهمٌ تتعلّق باختلاس الأموال التي تبرّع بها آلاف التونسيين لتمويل المبادرة الإنسانية العالمية. ولا يفصل مراقبون هذا التحوّل في موقف السلطة من المناضلين من أجل فلسطين، الذين لم تكن تحرّكاتهم خلال المدة التي أعقبت 7 تشرين الأول تواجه المستوى نفسه من التضييق -بل حظوا بتعاون رسمي في إخراج القافلة والأسطول-، عن مواقف تونس من مجمل التطوّرات الإقليمية والدولية، بما يشمل سكوتها عن اختطاف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وعدم إدانتها الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، لا بل وتنديدها بالضربات الإيرانية على القواعد الأميركية في الخليج.
أيضاً، تزامنت بداية الخريف مع إيقافَين استعراضيَّين، طاولا المحامي غازي المرابط، المعروف بدفاعه عن الحريات وعن عدد من مساجين الرأي، والصحافي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع «الكتيبة»، الذي نشر خلال المدة الأخيرة مواد انتقدت خيارات السلطة في الاقتصاد والسياسة. وعلى غرار قضايا سابقة، لم يَخرج مسؤول رسمي لتوضيح أسباب الإيقاف، فيما جرى، عبر إعلاميين قريبين من السلطة، إطلاق حملة لتشويه صورة الموقوفَين وتبرير اعتقالهما، تضمّنت نشر تسريبات عمّا وصفه أولئك الإعلاميون بقضية «إبستين تونس» -في إشارة إلى تورّط بعض الشخصيات العامة في قضية «لواط»، وفق التسمية الواردة في النصوص القانونية التونسية للمثلية الجنسية-، التي رأى فيها متابعون محاولة لـ«الإلهاء».
على أن ما سهّل أساساً الوصول إلى إحكام قبضة السلطة على المؤسّسات القضائية، تمثّل في تعطيل سعيّد، منذ تفرّده بالحكم ما بعد 25 تموز، لكلّ آليات التوازن بين مؤسّسات الدولة. فإلى جانب إحجامه عن إنشاء المحكمة الدستورية، اتّخذ جملة من القرارات التي حوّلت القضاء من سلطة دستورية مستقلّة إلى «وظيفة»، وفق ما وصفه به هو نفسه ذات مرّة. وكان من أشدّ تلك القرارات وطأةً، حلّ «المجلس الأعلى للقضاء» في شباط 2022، ثمّ إعفاء 57 قاضياً بمرسوم رئاسي في 1 حزيران من العام نفسه، ومواصلة الهجوم على القضاة، إلى حدّ قول سعيد في شباط 2023: «من يبرّئهم فهو شريك لهم»، في إشارة إلى مَن اعتبرهم «متقاعسين عن إدانة الفاسدين»، ومَن «يريدون تفجير الدولة من الداخل». وفي السياق نفسه، أدّت وزيرة العدل، القاضية السابقة ليلى جفال، وهي الوزيرة الوحيدة التي لم تُعفَ من مهامها طوال خمس سنوات، دوراً محورياً في تطويع القضاء، وذلك عبر قرارات زجرية طاولت قضاة تمسّكوا باستقلالية قرارهم، وأدّت، وفق المنظمات الحقوقية، إلى حال من الخوف والانصياع في الجسم القضائي.
* صحافي تونسي
ناشطو «الأسطول» يواصلون إضرابهم عن الطعام
دخل وائل نوّار، القيادي البارز في «أسطول الصمود»، قبل ثلاثة أيام، شهرَه الثاني من إضرابه عن الطعام. وكان التحق به، منذ حوالى أسبوعين، الموقوفون الثلاثة الآخرون في القضية نفسها: غسان البوغديري، وغسان الهنشيري، ونبيل الشنوفي، مطالبين جميعاً بالإفراج عنهم. ورغم التحرّكات المساندة لهؤلاء، وكلّ المناشدات الصادرة من داخل البلاد وخارجها، لا تزال السلطة تصمّ آذانها عن قضيتهم، فيما لم تُبدِ، حتى الآن، استعداداً للتراجع عن موقفها. والتصلّب هذا، لا يبدو أنه سيتبدّل، في ظلّ عدم اقتناع السلطة بالحاجة إلى انفراج سياسي، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية على كلّ الدول التي لم تلتحق بركب التطبيع الإبراهيمي.
عن الأخبار اللبنانية

