الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 الصحافة الاسرائيلية – الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 18/9/2026 

لم يغير فيلم “نازا” الحقيقة الجوهرية، وهي ان إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة

بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس

مثل كل مواطني البلاد، أنا لم اشاهد فيلم “نازا” حتى الآن. ولكن مثل الجميع لدي رأي، ليس حول الفيلم نفسه، بل حول الضجة المبررة والمذعورة التي ثارت في إسرائيل في اعقاب عرضه، بدون اتاحة لأي معلق تقريبا الوقت لمشاهدته. الى حين يتم عرض الفيلم يمكن للمرء على الأقل البدء في فهم ما تتم مناقشته، استنادا للمقال الذي نشره رفيف دروكر في “هآرتس”، الذي شاهد الفيلم، والمقابلة التي اجراها دروكر في القناة 13 مع يوفال ابراهام، احد مخرجي الفيلم الإسرائيليين. أيضا تحدثت مع اشخاص شاهدوا كل الفيلم.

يبدو أنه، للمرة الثانية، هناك رد فعل مبالغ فيه ومتسرع من قبل المؤسسة السياسية والعسكرية وقطاعات واسعة في الاعلام الإسرائيلي. أنا اجد انه من الغريب ان يصدر رئيس الأركان ايال زمير بيان متسرع، اذ لم يكتف بالدفاع عن قواعد القتال في الجيش الإسرائيلي وإدانة صناع الفيلم، بل امر أيضا بفتح تحقيق لكشف هوية الـ 24 جندي وضابط، الذين معظمهم من الاستخبارات، الذين أجريت معهم مقابلات للفيلم بدون الكشف عن هويتهم، واخفاء وجوههم.

لعله كان يجدر بالجيش الالتزام بروحية بيان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الاولي: لم يتواصل معنا صناع الفيلم على الاطلاق للنقاش أو طلب رد قبل عرضه، ولم يسمح لنا بمشاهدته، وبعد مشاهدته سنفحص مدى صحة الادعاءات الواردة فيه.

لا توجد مصلحة للجيش الإسرائيلي بحملات التسهير وكم الافواه. من جهة أخرى، ليس من الغريب الغضب الشديد الذي ينتاب الحكومة ومتحدثيها منذ فوز الفيلم بجائزة في مهرجان فنيسيا السينمائي، الذي استقبل بتصفيق من الجمهور لمدة 25 دقيقة. هذه فرصة مثالية لنتنياهو كي يحول النقاش في الحملة الانتخابية من جديد عن اخفاقاته وتقصيره، التي سمحت بوقوع مذبحة 7 أكتوبر، الى جانب الفشل الذريع لقوات الامن، الى منافسة وطنية مزيفة، سيخسر فيها اليسار دائما، وسيتهم دائما بمساعدة العدو، بغض النظر عن المواقف التي يعلنها قادة كتلة المعارضة في الواقع.

في الخلفية تكمن مشكلة مزمنة، تفاقمت بسبب الحرب الحالية. يتركز النقاش الداخلي على مسائل الدعاية والضرر المحتمل الذي يلحقه الفيلم بإسرائيل في العالم. أولا، اذا تحدثنا عن الدعاية فان الضرر الرئيسي ناتج عن التصريحات المتهورة التي أصدرها الوزراء وأعضاء الكنيست منذ المذبحة، أيضا عن اضطهاد صناع الفيلم الان، الى درجة الدعوة الى اعدامهم بشكل علني. ثانيا، تكمن الحقيقة فيما يحدث على ارض الواقع، وليس بطريقة عرضه ومناقشته. وخلافا لما قد يفهم ضمنا من كلام ابراهام لرفيف دروكر، لم تتجاهل كل وسائل الاعلام في إسرائيل الامر. فقد نشرت تحقيقات مفصلة في “هآرتس” بقلم ينيف كوفوفيتش وبار بيلغ وتوم لفنسون وغيرهم، كشفت عن نتائج مقلقة حول الحرب والثمن الباهظ الذي دفعه الجنود الذين شاركوا فيها (من بين الأسباب لما يسمى الان “الضرر الأخلاقي”).

وتظهر اقوال ابراهام، حتى في رده على انتقادات الفيلم، طمس متعمد كما يبدو، بين الصحافة والتوثيق السينمائي والنشاط السياسي. فما هي المعايير المهنية التي يعتقد انه ملزم بها بحكم نضاله ضد احتلال الضفة الغربية، وبعد ذلك ضد حرب إسرائيل على غزة؟. على الأقل من خلال المقابلات، تثير تغطية الفيلم تساؤلات حول تجاهل مخرجيه للسياق العام (الفظائع التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر)، وحول تعمدهم استخدام صور ومقارنات مع المحرقة. ويشتبه في ان اختيار الاحرف الأولى “نازا” لا يرتبط كثيرا بمعناها العسكري (ضرر عرضي، أي المس بمن لم يشاركوا في القتال)، بل لانها تذكر المشاهدين المتحدثين باللغة الإنجليزية بالدمج بين كلمتي نازيون وغزة.

بعد صدمة المذبحة، يفضل كثير من الإسرائيليين التظاهر بالانتماء والشعور بالانفصال. يتجاهلون ما يرتكب باسمهم في غزة، ويخترعون رؤية بديلة، ثم يتفاجأون عندما يرفض العالم قبولها بدون نقاش. لقد اعتبر الجيش الإسرائيلي المذبحة في الغلاف، لا سيما الوحشية التي ارتكبها قتلة حماس، حدثا له ابعاد كارثية. شاهد الكثير من القادة والجنود الذين قاتلوا بعد ذلك في غزة هذه المشاهد بأنفسهم، في البيوت المحترقة في الكيبوتسات، حفلة نوفا، اوفكيم وسدروت، حتى قبل ان تجف الدماء. لقد غذت هذه التجارب الرغبة في الانتقام، بل والقناعة بضرورة رد مستوحى من الكتاب المقدس، لان هذه هي الطريقة الوحيدة لبقاء إسرائيل، من خلال إعادة فرض الردع على جيرانها.

في نفس الوقت غذى السياسيون والجنرالات والمعلقون الكراهية والانتقام بتصريحات تحريضية، يضاف الى ذلك، عند بدء العملية البرية، ضرورة حماية القوات التي تعمل في منطقة ماهولة مكتظة ومواجهة المسلحين الذين يختبئون وراء وتحت السكان المدنيين.

أدت هذه الظروف الى عدة خطوات: تعليمات متساهلة نسبيا باطلاق النار نظرا للخطر الذي يهدد القوات (في حالات كثيرة قتل فلسطينيون لمجرد اجتيازهم، أحيانا بدون معرفتهم، لخط وهمي لم يتم رسمه على الأرض)، تصاريح واسعة بارتكاب اضرار جانبية (الهجوم تمت المصادقة عليه أحيانا حتى عندما كان شك في ان يقتل 100 مدني، وليس مثلما جاء في الفيلم، 500)، والتدمير المنهجي للمباني.

يستمر تدمير المباني والبنى التحتية حتى اليوم. وهناك مبررات لذلك، تستند الى استخدام حماس للمساحات الحضرية، حيث يستخدم عدد كبير من الشقق لتخزين السلاح ونصب الكاميرات وزرع العبوات. ولكن هناك أيضا اعتبار آخر يهدف الى ابعاد إعادة بناء الفلسطينيين عن خط الاستيطان الإسرائيلي الأول. في المقابل، أصبحت إجراءات الموافقة على تصاريح الاضرار العرضية الان اكثر صرامة، وانخفض عدد المدنيين الذين قتلوا في قطاع غزة في هذه السنة بشكل ملحوظ. في الأشهر الأولى للحرب سادت حالة من الهياج، بعضها ينبع من القاعدة الشعبية، وبعضها مفروض من جهة معاكسة. في محادثات لم يكشف عن هوية أصحابها، اكد الكثير من الضباط هذا الامر.

خلاصة ما وصف هنا واضحة تماما: ارتكبت إسرائيل جرائم حرب في غزة، سواء على يد جنود يعملون بشكل فردي، أو من خلال عمليات لوحدات وفرق كانت جزء من منظومة أوسع. توجد أوجه تشابه في هذا مع طريقة عمل الأمريكيين في المعارك الحضرية في العراق وسوريا (وخاصة في الحملة ضد داعش). ان طريقة تصرف حماس، بدرجة كبيرة، جرت الجيش الإسرائيلي الى هذا الفخ، حيث سقط المدنيون الفلسطينيون ضحايا له.

أنا لست خبير في الإبادة الجماعية، لكن الادعاءات التي يتم طرحها بثقة حول ارتكاب الإبادة الجماعية لا تبدو مقنعة. لقد تكبد الجيش الإسرائيلي 472 قتيل في العملية البرية في قطاع غزة وآلاف المصابين، وعدد اكبر من المقاتلين الذين يعانون من صدمة نفسية. هذه ليست نتائج حققها جيش قوي منخرط في اعمال تدمير متعمدة. توجد شهادات كافية من مقاتلين وطيارين تم منعهم من اطلاق النار في مواجهة الخطر خشية من الاضرار بالمارة. ولا يشير معدل الخسائر الفلسطينية – 74 الف قتيل تقريبا، ثلثهم على الأرجح من عناصر حماس والجهاد الإسلامي – الى وجود عملية إبادة منهجية ومخطط لها.

ان ما حدث في قطاع غزة خلال أجزاء من القتال هو امر صعب ومقلق بحد ذاته، ويتطلب نظرة فاحصة ومراجعة ذاتية، لتجنب تكرار الأخطاء والتجاوزات في الحروب التي قد تندلع هنا في المستقبل. بدلا من ذلك تنشغل إسرائيل باثارة الفوضى وملاحقة مخرجين في الداخل وإظهار التظاهر بالاستقامة في الخارج. قد يساعد كل ذلك نتنياهو على ايقاظ قاعدته الشعبية قبل الانتخابات، لكن يصعب تصديق انه يوجد لذلك أي فائدة أخرى.

——————————————

 

معاريف 18/9/2026 

جرائم مستوطني الضفة تلحق لنا اضرار خارجية وداخلية

بقلم: ران ادليست

كل التصريحات المتبجحة التلقائية التي تصدر عنا وكل يوم يمر تحت حكومة نتنياهو وشركائه تعمق الغرق في الوحل الداخلي والخارجي الذي نعلق فيه. نتنياهو يحرك الجيش الإسرائيلي في ساحات القتال وهو نفسه يتحرك كدمية آلية بين ساحات الانتخابات، يهدد ويعلن باننا لن نسمح لإيران ابدا أن تصل الى القنبلة.

بالفعل، القنبلة الإيرانية هي التهديد الأكبر، لكن لم تكن لها أبدا احتمالية، باستثناء ما يحصل هذه الأيام تماما ولأول مرة.

بعد حزيران 2025 (حرب الـ 12 يوما)، بلغ دونالد ترامب العالم بان البرنامج النووي صفي. هكذا؟ ايران رفضت السماح لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية فحص نتائج القصف الأمريكي الذي كان يفترض أن يدمر منشآت النووي ويخلف آثار اليورانيوم المخصب.

في الأسبوع الماضي تلقينا من القنبلة التي لم تولد مباركة رأس السنة التي تبشر بالشر. الوكالة الدولية توجهت الى مجلس الامن في الأمم المتحدة بشكوى ضد ايران بسبب رفضها السماح لمراقبيها فحص المواقع المشبوهة بتخصيب اليورانيوم. هذا ليس مؤشرا على ان ايران تسارع الى انتاج القنبلة غدا، غير ان وهن الرقابة هو خطوة أولى في تحقق النية لانتاج القنبلة. بالضبط مثلما كان الغاء الاتفاق النووي لبراك أوباما – خطوة غبية حقا من جانب ترامب وبنيامين نتنياهو – كانت محفزا للتقدم في التطوير. قلة فهمي في أمور الاستخبارات والجيش تقول ان ما لا تعرفه هو ما سيضربك، وشكوى الوكالة تقول، نحن (وانتم) لا نعرف.

وللتذكير، فان السبب الرئيس لجولة العمليات منذ الأسد الصاعد كان تدمير البرنامج النووي. كل الباقي علاوة. حياة سياسية كاملة كرسها ويكرسها نتنياهو لاجل انقاذنا من القنبلة. والان، عندما يتحدى الإيرانيون الرقابة نتنياهو على حاله، يهدد على الفاضي. في جلسة احتفالية للحكومة رفعوا النخب للسنة العبرية الجديدة، ويقول نتنياهو “إسرائيل مصممة على الصدام مع رأس الاخطبوط الإيراني وقطع أذرعه في ظل الحفاظ على الجاهزية للهجوم في كل لحظة معطاة”.

في الخطوات الحربية الحالية لإيران ضد وكلاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، استثنوا إسرائيل من سياسة الرد على الهجمات الامريكية. وبدلا من الإبقاء على مسافة من المشادة بين رئيس سخيف وصبياني علق في أزمة ليس لديه أي فكرة كيف يخرج منها وبين الحرس الثوري – فان العصبة الأكثر شرا في الكون – نتنياهو يكمن لكل بارقة فرصة كي يصعد الى الملعب ويوجه ضربة جوية. في جلسة الحكومة يهدد بان “ايران من شأنها أن ترتكب خطأ وتهاجم، لكن في الرد ستتلقى ضربة غير مسبوقة لم يتخيلوها”.

الرجل في الشارع يتساءل ما هذا “غير المسبوق”. والتفسير على الطريق: الولايات المتحدة تدير حرب بنى تحتية، وايران تضرب قواعد أمريكية في المنطقة وبنى تحتية لنفط الوكلاء. معقول الافتراض انه لو كانت إسرائيل المجنونة في الصورة لكانت ردت بقصف كاسح في ايران، تصفية شخصيات وحرق الشرق الأوسط وهذا هو سبب Don’t الأمريكي.

في نص الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى مجلس الامن جاء ان ايران لا تتعاون مع التحقيق الذي تديره منذ زمن بعيد في الاشتباه بانها حتى 2003 استخدمت برنامجا سريا لتطوير سلاح نووي. معنى شكوى الوكالة هو الطلب بالرد بعقوبات قوية، وهذا لن يحصل في اعقاب فيتو صيني – روسي.

في آب 2013 صعد حسن روحاني، الزعيم الأكثر اعتدالا الى الحكم في ايران، وفي تموز 2015 وقع الاتفاق النووي مع إدارة أوباما. في كانون الثاني 2018 سرق وكلاء الموساد ارشف النووي، في عملية كان يفترض بها أن تثبت بان الإيرانيين باتوا بالفعل في الطريق الى قنبلة. الاستخبارات الامريكية التي درست مواد الأرشيف لم يتحركوا عن تقديراتهم بان ايران لم تنشغل بتطوير قنبلة، بل في محيط لا يزال لم يلمس قدرة نووية حقيقية. التقدير ساري المفعول حتى اليوم.

غير ان ما حصل في الأسبوع الماضي هو كما اسلفنا شكوى من الوكالة وتهديد خفي ليس لنا أي فكرة عما هو.

معارك أخيرة

في هذه الاثناء، في حروب نتنياهو، الرجل لا يفوت أي معركة في نهاية الامر ستنتهي بانسحاب، ولا يهم كيف سيتشكل الائتلاف الحكومي التالي. وحتى لو كان ممكنا الافتراض بانه يوجد منطق عسكري في تدمير قيادة حزب الله في تلال علي طاهر، يتبقى السؤال الأساس: وماذا بعد؟ القتال في لبنان من ناحية الجيش الإسرائيلي هو ليس سياسة حتى العنصر الأخير ونتائجها. فالجيش يقف منذ الان بامر ترامب في الخط الأصفر في الطريق الى الحدود الدولية. فيما ان الجيش اللبناني هو قوة حفظ نظام وابداء حضور اكثر من جيش قتال ضد اللبنانيين.

المشكلة التي تفر منها الحكومة هي الرابط الذي سينشأ بين حزب الله وممثليه في حكومة رئيس لبنان جوزيف عون وبين السكان الذين سيعودون الى قراهم. كل المشاريع التجريبية و “الاتصالات” على تسوية دبلوماسية يقوم بها نتنياهو هي خدعة ومناورة أخرى في تمديد الوقت. بدلا من التعاون مع أوروبا والولايات المتحدة اللتين تبنيان مدماكا استراتيجيا شرق اوسطيا، نحن نبني استحكامات وخطوط دفاع في مناطق يسيطر فيها الجيش الإسرائيلي اليوم ونتعرض لارهاب المحليين الذين يقاتلون في سبيل أرضهم. الواقع يقول ان التهديدات المستقبلية تصل وستصل من الجو، وانا افترض أن في كراج ما او مصانع أخرى يتم تطوير شيء ما مذهل ضد التهديدات المستقبلية. الى ان يحصل هذا، لا يهم كم نثرثر عن “انتصارات” مثل احتلال تلال علي طاهر.

ومن جهة أخرى فان اليمين يؤيد تلقائيا كل عملية قتل في المناطق، ابتداء من منظمة “حونينو” كدرع قضائي، مرورا بجهاز قضائي يتفهم”، وانتهاء بتحول القتلة من المستوطنين المتطرفين الى ابطال قوميين. هذه في واقع الامر هي القنبلة الحقيقية وليس القنبلة الإيرانية. ما يجعل حملة الانتخابات الحالية الاختبار بين اخلاق إنسانية وبين نزعة قتل أيديولوجية، وعلى الطريق أيضا اختبار على عدم المبالاة الاجرامية في الوسط العلماني – الليبرالي.

 ——————————————

يديعوت أحرونوت 18/9/2026 

خمسون عامًا ويومًا واحدًا تفصل بين فشل أكتوبر 1973 وفشل أكتوبر 2023، لكن الأخطاء تكررت

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية – مركز ديان جامعة تل أبيب

 “ما حدث هو النتيجة المؤسفة لعملية طويلة وشاقة لم تسلم منها أيٌّ من جوانب حياتنا (…). مشكلتنا الحقيقية والكاملة – مهما كان الأمر محزنًا – هي إجراء مراجعة ذاتية دقيقة (…). لقد ساهمنا جميعًا في هذه العملية، لا أحد معصوم من الخطأ، وأنا لست استثناءً. كلٌّ منا ساهم في هذه العملية في مجاله (…). إذا ما لجأ الجميع الآن إلى الذكاء واعتبروه كبش فداء، فسيكون هذا نهجًا سطحيًا ومضللًا. لأن الذكاء، الذي يمتلك أحدث المعلومات وأكثرها دقة، إذا لم يكن المعنى المنسوب إليه صحيحًا، فإن هذه المعلومات لا قيمة لها.

يبدو أن هذه الكلمات قيلت في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، لكنها في الحقيقة صدرت عن مئير عميت، الرئيس السابق للموساد، بعد وقت قصير من انتهاء حرب أكتوبر. يُظهر هذا التصريح التشابه المروع، الذي يكاد يكون عصياً على الفهم، بين ما وُصف بأنه صدمة غير مسبوقة ومؤثرة، وإشارة إنذار وطنية حتى السابع من أكتوبر 2023، وبين الحدث الذي حلّ محلها وتجاوزها في حدّته. لا يقتصر التشابه بين الصدمتين على عنصر المفاجأة والضربات الموجعة، بل يتعداه إلى الجوهر: ففي كلتا الحالتين، لم يكن الأمر مجرد فشل استخباراتي، بل فشل أيضاً من جانب صانعي القرار، وعكس مناخاً ساد الرأي العام برمته.

ويزداد هذا التشابه بين الفشلين إثارةً للصدمة، لا سيما في ضوء حقيقة أن صدمة عام 1973 لم تُمحَ قط من الذاكرة الإسرائيلية، بل على العكس تماماً. درسٌ: لقد ترسّخ الماضي في الوعي الجمعي، وأصبح مثابة معجزةٍ تُصدر على ضوئها الأوامر، لا سيما بين أفراد الاستخبارات، وتُصاغ على أساسها المهام والمهارات وقواعد السلوك. وقد ساد شعورٌ خلال نصف القرن الذي تلى عام 1973 بأن دروس الماضي قد استُوعبت جيدًا. ويتجلى هذا الشعور بوضوح في الخطابات التي ألقاها كبار المسؤولين الأمنيين في احتفالات الذكرى الخمسين لحرب يوم الغفران، قبيل السابع من أكتوبر، والتي رافقها وعدٌ بتغيير جذري في السلوك وأساليب التفكير، لا سيما في مجال الاستخبارات.

لكن فشل عام 2023 كان أشد وطأةً من فشل عام 1973. وذلك بسبب حجم الخسائر، والمجازر، وعمليات الخطف الجماعي، والتوغل العميق في الأراضي الإسرائيلية، فضلًا عن تدمير المستوطنات وإجلاء سكانها لفترة طويلة، ولأن المفاجأة في عام 2023 كانت كاملة. في عام 1973، عشية الحرب، دار نقاش محموم حول الهجوم المتوقع، حين ساد الاعتقاد بوقوعه في اليوم السابق له، في السابع من أكتوبر، كان الهجوم نفسه مفاجأة تامة، فضلاً عن نطاقه، والجبهة التي نُفذ عليها، وهوية القوة المهيمنة فيه، والتي كانت تُعتبر عدوًا ضعيفًا ومترددًا. يوضح البروفيسور أوري بار يوسف، أحد أبرز الباحثين في كارثة يوم الغفران: “في عام 1973، كانت هناك أصوات عديدة في شعبة الاستخبارات العسكرية تُحذر من الخطر، لكن رئيسها آنذاك، إيلي زعيرا، تجاهلها. في السابع من أكتوبر، لم يكن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية وحده المخطئ، بل كان معظم أفراد الإدارة مخطئين أيضًا. هذا تواطؤ غير مقبول من كبار قادة الجيش، والذي يبدو أنه ساد أيضًا في المستويات الأدنى”.

إسرائيل ليست الدولة الوحيدة في العالم التي وقعت ضحية لهجمات مفاجئة أكثر من مرة. حدث هذا لمصر عامي 1956 و1967، وللإيرانيين عامي 2025 و2026. ولا يزال السؤال مطروحًا: كيف يُعقل، بعد نصف قرن من الخطاب المُعذّب، أن تتكرر الأخطاء نفسها وتُكشف أوجه القصور ذاتها؟ أحد التفسيرات هو أن استخلاص العبر طوال خمسين عامًا كان شكليًا وأجوف، دون أي استيعاب أو مراجعة ذاتية أو تصحيح حقيقي. يوضح بار يوسف في هذا السياق أن “صدمة يوم الغفران كان من المفترض أن تُشكّل درعًا واقيًا ضد فشل مماثل في الإنذار. لكن في الواقع، وبعد خمسة عقود، تبيّن أن إرث الحرب كان شكليًا في معظمه، وأنه لم تُجرَ أي دراسة معمقة لجذور الفشل”. تفسير آخر هو أن الدروس المستفادة كانت غير دقيقة، أو أنها طُمست أو اختفت، على سبيل المثال: عدم الإلمام العميق بثقافة العدو، وهي فجوة تحولت على مر السنين إلى نقص حاد في الاستخبارات، ولكن لم يُنظر إليها على أنها تتطلب معالجة جذرية. في الواقع، خلال الخمسين عامًا (ويومًا واحدًا) الفاصلة بين الفشلين الذريعين، تغير المشهد الاستخباراتي بشكل جذري. وكان جوهر هذا التغيير هو التراجع المتزايد في قيمة المهارات التي تُمكّن من فهم “الآخر” فهمًا عميقًا، والتي اعتُبرت متجاوزة للزمن، وأهمها إتقان لغتهم والإلمام بثقافتهم. وقد تم استبعاد هذه العناصر تدريجيًا، مما أدى إلى تزايد اغتراب الباحث الاستخباراتي عن موضوعات بحثه.

بدلاً من ذلك، تطور ازدحام مفرط في الخطاب النظري والمجرد، ومحاولة لتحويل تقييم الاستخبارات إلى نوع من العلوم المنهجية القائمة على المنطق والأساليب التحليلية (الخاضعة لـ “العقل الغربي” بالطبع)، والتركيز على العمل العملياتي، وفي السنوات الأخيرة، الاعتماد المتزايد على التقدم التكنولوجي، والذي يتمحور حول القدرة على معالجة كميات كبيرة من المعلومات، إلى جانب استخدام “الآلات” لغرض صياغة الاستنتاجات. في حزيران من هذا العام، علّق اللواء (احتياط) روني نوما، الذي عُيّن للتحقيق في كيفية التعامل مع وثيقة “جدار أريحا” التي تُفصّل هجوم 7 أكتوبر، والذي كان قد انضم إلى الاستخبارات قبل بضع سنوات، على هذا الأمر قائلاً: “لقد ذُهلتُ حقاً عندما رأيتُ في 7 أكتوبر أشخاصاً جادّين يعتقدون أنه من الممكن استبدال أجهزة الراديو بجهاز تقني يُسمى STT يُحوّل الكلام إلى نص. فبدلاً من وجود مُستشرق يفهم اللغة والثقافة، ويعرف كيف يُفسّر ما يسمعه، اعتقدوا أنه يُمكن استبداله بآلة تُترجم الكلام”. وقد أدّى هذا المزيج من التوجهات إلى وضع الاستخبارات عشية 7 أكتوبر، وهو ما وصفه هنري كيسنجر بدقة: “نعرف الكثير، لكننا نفهم القليل”.

 وقت الختام

بعد مرور ثلاث سنوات على مجزرة 7 أكتوبر، ورغم عدم تشكيل لجنة تحقيق رسمية، ومحاولات صياغة روايات مضللة (بتحريض من القيادات السياسية)، بات من الممكن تحديد أسباب هذا الإخفاق بدقة نسبية. اتضح أن الأمر لم يكن مجرد خطأ استخباراتي، بل سوء فهم وطني شمل رجال دولة وقادة المؤسسة الأمنية، إلى جانب شخصيات إعلامية وأكاديمية، حيث كان الحوار بينهم مثابة “منصة” لتطور هذا المفهوم؛ وأن الإخفاق لم يكن نتاج أعطال تقنية، كمشاكل التحديث أو التشهير من قبل كبار المسؤولين، بل كان نتيجة قصور شديد في فهم العدو؛ وأنه لم يتطور ليلة 6-7 أكتوبر، بل قبل ذلك بسنوات، وأصبح راسخًا في الأذهان، يصعب اختراقه صباح عيد فرحة التوراة.

يصف عاموس هرئيل في كتابه “06:29، وهو أفضل بحث نُشر حتى الآن حول خطأ 7 أكتوبر، مدى خطورة الإنغلاق: يقول أحد الباحثين: “عملت الاستخبارات العسكرية ليلًا ونهارًا بحثًا عن المزيد من المعلومات، لكنها لم تتوقف لتحليلها. وقد عكست الاستجابة البطيئة والمحدودة للعلامات التحذيرية خطأً فادحًا في تقييم المخاطر”. لم يكن هناك إهمال متعمد – فقد عُقدت عدة مشاورات خلال الليل، واستيقظ عشرات الضباط، بمن فيهم كبار الضباط، من نومهم – لكن النتيجة النهائية كانت شللًا تامًا واستسلامًا للروتين، على أمل أن يكون الأمر مجرد كابوس.

في عامي 1973 و2023، أخطأت إسرائيل في فهم نوايا العدو، ولكن بطريقة معاكسة: ففي حرب أكتوبر، فشلت الاستخبارات في تقدير أن السادات كان يخطط لعملية محدودة النطاق، تهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الوضع السياسي الراهن، بينما في 7 أكتوبر، قُدِّر أنه إذا بادرت حماس بتحرك، فسيكون محدودًا نسبيًا، ولم يُفهم أن الهجوم كان مخططًا له أن يكون واسع النطاق، وينبع أساسًا من هدف أيديولوجي متعصب، وإيمان بضرورة القدرة على إبادة إسرائيل. في كلتا الحالتين، برز استخفاف بالعدو يصل إلى حد الازدراء، ممزوجًا بثقة في قدرة إسرائيل على تحديد أي هجوم وصدّه. في عام 1971، وفي برنامج “كاسيوس كلاي ضد هالفون”، سخر الجاسوس الشاحب من المحاولة المصرية لتنفيذ “خطة حمقاء” لعبور القناة، وفي عام 2023، رد رئيس شعبة الاستخبارات بقوله “سيأتون” ردًا على سؤال حول ما سيفعله في حال شنّت حماس هجومًا من قطاع غزة.

يرتكز هذا التصور على عدة طبقات متداخلة: الطبقة الأولى – تتمحور حول الفشل في فهم منطق منظمة متطرفة كان يُنظر إليها على أنها معتدلة نظرًا لوضعها الحاكم، والافتراض بأن أيديولوجيتها قابلة للتغيير بالمال (مع إسقاط المنطق الإسرائيلي على المنظمة). الطبقة العملياتية – والتي تضمنت المبالغة في تقدير القدرة على احتواء هجوم باستخدام الحاجز البري، والاستهانة بالعدو (حيث قُدِّر أنه في حال وقوع هجوم، سيضم حوالي مئة إرهابي، وليس أكثر من 6000 كما كان الحال في الواقع، وأن الصراع سينشب نتيجة خطأ في التقدير، وليس نتيجة لتحرك مُبادر به)؛ السلوكية-الثقافية – والتي تضمنت التفكير الجماعي (بشكل أشد مما كان عليه في عام 1973)، والثقة المفرطة بالنفس، والجمود الفكري، وقلة النقد الذاتي؛ والاستراتيجية – وهو عيب نشأ في الغالب من قِبل المستوى السياسي، وتضمن الرغبة في التمييز بين يهودا والسامرة وقطاع غزة، والاعتقاد بإمكانية تعزيز التطبيع مع العالم العربي حتى دون معالجة القضية الفلسطينية.

أوضح العميد (احتياط) يوسي كوبرفاسر، الرئيس السابق لشعبة أبحاث الاستخبارات العسكرية ورئيس معهد هاركابي للدراسات الاستخباراتية (الذي أشار أيضًا إلى التهديد الذي تمثله حماس عشية الحرب)، في حديثٍ هذا الأسبوع كيف رأى أن “العاصفة الكاملة” قد نشأت في 7 أكتوبر: “عكس الفشل تداخل عدة عمليات متأصلة، بما في ذلك غياب التنوع في تصورات مختلف أجهزة الاستخبارات؛ وتجاهل أصوات الرتب الدنيا وتهميش الآراء الأخرى؛ وتراجع الاهتمام بالإنذار المبكر؛ وضعف آليات جمع المعلومات في قطاع غزة؛ وتقليص الاعتماد على الاستخبارات البشرية والعلنية؛ وتراجع عدد الباحثين الملمين بلغة وثقافة موضوع البحث”.

 قمع الآراء الأخرى

تختلف التحقيقات في إخفاقات عامي 1973 و2023 اختلافًا جوهريًا. عقب حرب أكتوبر، شُكّلت لجنة تحقيق رسمية، ولكن على الرغم من غرابة الأمر، لم تُجرِ أجهزة الاستخبارات تحليلاً معمقاً لجذور الإخفاق، بحجة أنه لا جدوى من الخوض في أخطاء الماضي، بل التركيز على المضي قدماً في إعادة التأهيل. بعد خمسين عاماً، شرعت أجهزة الاستخبارات – ولا سيما الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن العام (الشاباك) – في تحقيق شامل، بينما تُحاول القيادة السياسية تزييف المهمة المقدسة وتشويهها بروايات مليئة بالاختلاقات للتنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين. حتى في عام 1973، كانت هناك فجوات في تحمل المسؤولية بين القوتين السياسية والعسكرية، ولكن في النهاية، حُوسب الجميع، على عكس الوضع الراهن، حيث تُبذل محاولة لتصوير جهاز أمني على أنه أخطأ وسياسي على أنه ضُلّل.

تُجيد تحقيقات الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) وصف ما حدث، مُشيرةً إلى أوجه القصور والثغرات، لكنها تعجز عن الخوض في سؤال “لماذا حدث ما حدث؟”. ويعود ذلك، من بين أمور أخرى، إلى أن هذه التحقيقات تُجرى من قِبل عناصر داخل النظام، ستكون مُتحيزة بطبيعتها بسبب قربها الشخصي من الأفراد والكيانات والتصورات قيد الدراسة. علاوة على ذلك، يُثير خطاب التحقيقات، من بين أمور أخرى، استنتاجات يصعب تطبيقها عمليًا، مثل “يجب أن نُقر بأننا كنا مُخطئين مرة أخرى”، و”نعلم أننا لا نعلم كل شيء”، و”يجب أن نُحسّن قدرتنا على التخيل”، أو توصيات ببذل المزيد مما تم فعله لسنوات ولم يمنع الفشل في 7 أكتوبر، على سبيل المثال، باستخدام أسلوب الاحتمالات المُتنافسة أو فرق التحقيق، التي كان الهدف منها تحدي الفرضية السائدة (قبل بضعة أشهر من 7 أكتوبر، تم تشكيل فريق تحت إشراف لواء في القيادة الجنوبية، لكنه خلص إلى أن حماس قد تم ردعها).

تكشف قراءة التحقيقات أيضًا عن تشابه كبير بين الاستنتاجات التي تم التوصل إليها بعد أحداث 7 أكتوبر وتلك التي صدرت عام 1973، مثل ضرورة التواضع والتشكيك والتعددية وتعزيز نظام الرقابة ومهارات الإنذار المبكر. في المقابل، تم تجاهل الاستنتاج البديهي نسبيًا، ألا وهو استحالة ألا يكون لدى باحث استخباراتي إلمام جيد بثقافة موضوع بحثه، مما يتيح له فهم المنطق الذي يوجهه. يظهر هذا الاستنتاج بالفعل في التحقيق الحالي، كما ظهر أيضًا بعد عام 1973، ولكنه دائمًا ما يكون أقل بروزًا، مما يوحي بالتلاشي المتوقع في المستقبل.

إضافةً إلى ذلك، من المستحسن استذكار الرؤية التي برزت بعد عام 1973 بشأن ضرورة تحديد القادة الذين يميلون إلى قمع الآراء الأخرى وفرضها، وهو ما علّق عليه سابقًا العقيد (احتياط) زوسيا (زيزي) كنيازر، ضابط الاستخبارات في القيادة الشمالية عام 1973، قائلًا: “السؤال ليس ما إذا كان هناك ضابط قادر على قول شيء مختلف، بل ما إذا كان قائد النقاش قادرًا على سماع الحجج التي تُخالف رأيه”. في هذا السياق، يجدر التفكير في آلياتٍ تُتيح الكشف عن المشكلات في أنماط سلوك وتفكير الباحثين، فضلًا عن القادة، المسؤولين عن التقييمات الاستراتيجية.

إن النجاحات العسكرية الإسرائيلية الباهرة منذ 7 أكتوبر، مع أنها تُظهر تفوقًا استخباراتيًا وتكنولوجيًا، إلا أنها تُشكّل، على نحوٍ مُفارِق، تحديًا لمحاولة فكّ شفرة جذور الإخفاق. يوضح المقدم (احتياط) دافيد سيمان-توف، نائب رئيس معهد هاركابي، قائلاً: “إن الانخراط الفوري بعد السابع من أكتوبر في جهد عملياتي مكثف ومتواصل يجعل من الصعب على عناصر الاستخبارات التوقف وإجراء مراجعة ذاتية شاملة”. ويضيف: “إن النجاحات العسكرية الباهرة قد تُلحق الضرر أيضاً، متمثلةً في الشعور بأن أوجه القصور في الماضي قد تم تداركها، إلى جانب تلاشي الشعور بالفشل وارتباطه فقط بمن شاركوا في عمليات السابع من أكتوبر”.

وفي عدد “ملحق السبت” الصادر في السادس من أكتوبر 2023، نُشرت مقالة بقلم اللواء (احتياط) أهارون زيفي-فركاش، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، بمناسبة الذكرى الخمسين لحرب يوم الغفران. واختتم حديثه قائلاً: “إن غطرسة الإسرائيليين، وازدرائهم للعدو، وثقتهم بقدراتهم الاستخباراتية والعملياتية، كلها عوامل ساهمت في نجاح الخدعة المصرية. ولن نستخلص العبر إلا إذا درسنا إخفاقاتنا. ويجب تطبيق هذه العبر، واستيعابها، ونقلها من جيل إلى جيل، ومن قائد إلى قائد، ومن زعيم إلى زعيم. يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من ثقافتنا. وإلا، فسوف نتفاجأ مرة أخرى ونُؤخذ على حين غرة.” وفي اليوم التالي، في تمام الساعة 6:29 صباحًا، تحققت نبوءته.

في حديثٍ دار بيني وبينه هذا الأسبوع، قال فركاش: “إنّ جهود التحقيق لم تنتهِ بعد، وهي تتطلب تعميقًا وضمان استخلاص الدروس وتطبيقها، وهي مهمةٌ لطالما واجهنا صعوبةً فيها. أشعر بقلقٍ بالغٍ حيال هذه المسألة. هناك بدايةٌ قويةٌ فيما يتعلق بإجراء التحقيقات واعتماد دروسها، ولكن من واقع الخبرة السابقة، هناك خطرٌ من التراجع مع مرور الوقت، لا سيما في مواجهة الإنجازات العسكرية التي تُلحق الضرر بالعدو وتحسّن وضعنا الاستراتيجي، كما هو الحال منذ 7 أكتوبر. يتطلب إجراء تحقيقٍ شاملٍ إعادة النظر والتعمّق في مسألة الإنذار – أين كانت الإخفاقات وما الذي كان بحاجةٍ إلى تصحيح – وكذلك في القضايا الأساسية الأخرى التي برزت في 7 أكتوبر وفي الحرب التي تطورت منذ ذلك الحين – على سبيل المثال، ما إذا كان من الصحيح الاستمرار في استخدام مصطلح “القرار” في نوع الحروب والأعداء الموجودين اليوم، ومعرفة ماهية الردع لدى العدو – ما الذي شُوّه في فهمنا للمسألة في 7 أكتوبر وكيف نردع الأعداء الذين يتبنون مفهوم “المقاومة” كأسلوب حياة، ومستعدون لدفع ثمن باهظ لاستمرار الكفاح ضد إسرائيل.

 “قبضة الأحرار”

لم تكتفِ أجهزة الاستخبارات، ولا سيما جهاز الاستخبارات العسكرية، بكشف أسباب الفشل، بل سعت أيضًا إلى تصحيحها. وهكذا، خلال الحرب، أُنشئ قسم متخصص في شعبة الاستخبارات لتدريس الثقافة الإسلامية، وكان من المفترض أن يكون مثابة مرجع أساسي لترسيخ هذا الموضوع في جميع الوحدات والمستويات في الفرقة؛ كما فُتحت دورات لتحسين التعامل مع الإنذارات؛ وجرى تعزيز إدارة الرقابة، التي كان إنشاؤها درسًا من فشل عام 1973، والتي ضعفت على مر السنين؛ وأُعيد تأسيس نظام عمليات العملاء (UMINT) التابع للوحدة 504 في قطاع غزة، بالإضافة إلى وحدة مسؤولة عن الاستخبارات العلنية. تم حلّ وحدة “هاتزاف”، المسؤولة عن إنتاج هذه المعلومات الاستخباراتية، في كانون الأول 2021، مما صعّب على الأرجح تحديد الإشارات التي كان يرسلها السنوار علنًا، مثل مسلسل “قبضة الأحرار” الذي عُرض في رمضان 2022، وتوثيق المناورات التي عُرض فيها الهجوم المتوقع بالتفصيل، أو الإعلانات العديدة التي وعدت باقتراب “الطوفان” وأظهرت استهزاءً بالاتفاق الاقتصادي. وقد صرّح بذلك أحد كبار أعضاء الجناح العسكري لحماس خلال استجوابه، والذي اعتُقل أثناء الحرب: “أنا مندهشٌ جدًا من الإسرائيليين. لم تكن المشكلة في عدم قدرتكم على كسر شوكة السنوار، بل في أنكم ببساطة لم تستمعوا إليه، لأنه قال صراحةً وعلانيةً إنه ينوي إشعال “حرب عالمية” ضدكم”.

كما يتطلب الأمر تحقيقًا شاملًا مع ممثلي الرأي العام. فبعد حرب أكتوبر، دار نقاش محتدم بين الإعلاميين والأكاديميين حول ترديد أقوال رجال الدولة والجنرالات دون تمحيص، مما ساهم في ترسيخ مفهوم “الشك”. زعم الصحفي دانيال بلوخ: “لقد قبلنا التقييمات الرسمية دون نقاش لأننا لم نطور أدوات مستقلة للفحص والنقد والتفكير في المجال الأمني، ولأننا وثقنا بهم تلقائيًا، لوجود من يعرفون ومن نثق بهم ثقة عمياء”. وقال يغئال ليف: “لقد أصبحت الصحافة أداة تعبير صدئة وبالية للحكومة التي حاولت الاختباء وراء ستار الكلمات في الصحف (…). لقد سمحنا للقادة باستغلالنا. نسينا أن دورنا الأسمى هو التحدث باسم الشعب إلى الحكومة”. ورغم الوعد “لن يتكرر ذلك”، إلا أنه بعد مرور 50 عامًا (وبعد أحداث 7 أكتوبر أيضًا)، عادت الأخطاء في هذا المجال أيضًا، وأبرزها قلة علامات الاستفهام. هذه في الواقع رسالة للمجتمع ككل: عليه أن يُحاسب القيادة بشكل أكبر، وأن يُتيح المجال لأصوات أخرى، وأن يُعمّق فهمه للواقع، لا سيما من خلال تعلّم اللغة والثقافة.

إن قرار القيادة السياسية بعدم إجراء تحقيق رسمي هو أصل كل شر، وقد كلّفها ثمناً باهظاً منذ بداية الحرب، متمثلاً في تكرار الأخطاء التي زرعت بذور “المفهوم الأم”. وفي هذا السياق، وُلدت أوهام ضارة لا حصر لها نابعة من القيادة السياسية، مثل مشروع “صندوق غزة الانساني” (محطات توزيع الغذاء التي تهدف إلى تجاوز سيطرة حماس على المساعدات الإنسانية) الذي دُفن في رمال غزة بتكاليف باهظة، وتنشئة الميليشيات في القطاع، والإيمان بإمكانية تهجير الفلسطينيين من المنطقة، وفي العام الماضي، وهم إسقاط النظام الإيراني من خلال مزيج من “قطع الرؤوس” والغارات الجوية واستخدام الأقليات. لا يتم التحقيق في هذه الإخفاقات، بل يُقدّم بعضها على أنها إنجازات.

رغم ارتكاب أجهزة الاستخبارات أخطاءً بعد السابع من أكتوبر، كتقييمها لرد إيران على الهجوم على قنصليتها في دمشق في نيسان 2024 (والذي قُدِّر بأنه محدود نسبيًا)، أو عدم إدراكها لانهيار نظام الأسد، فقد أظهرت قدرةً على التصحيح، كما تجلى ذلك في عرض مديرية الاستخبارات لرأي مختلف بشأن الخطة الموضوعة لإسقاط النظام في طهران.

بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر، غيّرت إسرائيل سلوكها العسكري والاستراتيجي تغييرًا جذريًا، تجلى في استخدامها المستمر للقوة في كل زمان ومكان، وفي تزايد رغبتها في التوسع، لكن يبدو أن فهمها للعدو والمنطقة لم يتحسن. هذا ينطبق على الأجهزة الأمنية والرأي العام، وبالتأكيد على صانعي القرار. ولتجنب تكرار الدورة التاريخية المدمرة التي انكشفت بين عامي 1973 و2023، لا بد من تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة لإعادة التحقيق بشكل كامل في جميع الجهات المعنية، بما في ذلك الجهة التي أجرت التحقيقات الداخلية، وبالطبع المستوى السياسي. هذه خطوة ذات قيمة وجودية لمجتمع نابض بالحياة يريد أن يفهم أين أخطأ، وأن يصحح نفسه، والأهم من ذلك، أن يتجنب تكرار الأخطاء بشكل منهجي، كما حدث في 7 أكتوبر، وللأسف أيضاً بعد ذلك.

——————————————

هآرتس 18/9/2026 

دولة فلسطينية هي الهدف السياسي القادم لاسرائيل

بقلم: عاموس شوكن

مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد في حزيران 1945، وقع ميثاق الأمم المتحدة في سان فرنسيسكو. وتضمن اعلان استقلال إسرائيل في أيار 1948 طلبا للانضمام الى المنظمة وتعهدا بالالتزام بمباديء ميثاق الأمم المتحدة.

انشاء المنظمة تم تبريره بالمعاناة الإنسانية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى والثانية، والحاجة الى التأكيد على الايمان بالحقوق الأساسية للإنسان وكرامته، والمساواة بين الرجل والمرأة، فضلا عن ضرورة إرساء العدالة القائمة على القانون الدولي، بما يتيح التقدم الاجتماعي، وتحسين ظروف المعيشة، وتعزيز الحرية. ومن اجل تحقيق هذه الغاية يجب على الدول ان تتحلى بالتسامح، وان تعيش معا كجيران صالحين، وأن توحد جهودها للحفاظ على السلام والامن.

ينص الميثاق أيضا على ان أعضاء المنظمة الذين يسيطرون على أراضي لم يحصل سكانها بعد على حكم مستقل، عليهم العمل بما يخدم مصالح السكان واحترام حقوقهم الإنسانية وثقافتهم، وأسلوب حياتهم وحمايتهم واعدادهم للحكم المستقل.

ورغم تعهد إسرائيل بالالتزام بمباديء ميثاق الأمم المتحدة، الا انها فعلت وما زالت تفعل عكس ذلك، حيث سمحت لـ “غوش ايمونيم” بالاستيطان في الأراضي التي خصصت في قرار التقسيم للأمم المتحدة لدولة عربية. ويحظر القانون الدولي، لا سيما اتفاق جنيف الرابع، على أي قوة احتلال نقل عدد من سكانها المدنيين الى الأراضي المحتلة. أيضا يحظر طرد او نقل السكان قسرا من الأراضي المحتلة، لكن إسرائيل انتهكت هذه المحظورات وما زالت تنتهكها.

وكان مشروع الاستيطاني حجر الزاوية في نظام الفصل العنصري الوحشي، الذي الحق ضررا كبيرا بالشعبين. وقد تجاهلت إسرائيل تماما قرارات مجلس الامن، التي أوضحت في اكثر من مناسبة المعارضة الدولية للمستوطنات. ان الحكومة الحالية ترتكب جرائم ضد الفلسطينيين وتتجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي صرح بانه لن يوافق على ضم الأراضي الفلسطينية لإسرائيل. وقد اتخذت الحكومة طوال فترة ولايتها خطوات واضحة لضم هذه الأراضي لإسرائيل.

ان احتجاز ملايين الفلسطينيين لحوالي ستين سنة مع حرمانهم من حقوق الانسان وحق تقرير المصير والحرية والكرامة، يظهر حقيقة إسرائيل وقيادتها ومواطنيها اليهود. يقال “ما تكرهه لنفسك لا تفعله لصديقك”، ولكن نحن ندمر حياة أجيال من الفلسطينيين عندما نحرمهم من أي فرصة للحرية وحقوق الانسان والعيش بكرامة وتقرير المصير، ونجبرهم على العيش تحت نظام فصل عنصري. فبدلا من حمايتهم ومنحهم حياة كريمة تلحق بهم إسرائيل الأذى باستمرار.

في وثيقة الاستقلال، اعلن الموقعون: “من حق الشعب اليهودي الطبيعي ان يكون كشعب، شعب قائم بذاته، في دولة ذات سيادة”. اذا كنا قد وافقنا على ميثاق الأمم المتحدة القائم على مباديء المساواة وحق الشعوب في تقرير المصير، فعلينا ان ندرك بانه لا فرق بين الفلسطينيين وبيننا في حق تقرير المصير. فهم يستحقون الحقوق التي نطالب بها لانفسنا، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إقامة دولة فلسطينية. ان الدولة الفلسطينية هي السبيل لمنح الفلسطينيين ما حصل عليه اليهود عندما قررت الأمم المتحدة إقامة الدولة اليهودية: تقرير المصير، الكرامة، المسؤولية عن مصيرهم، الحرية والحقوق المدنية. ومع الإدارة السليمة للعلاقات بين الدولتين سيجلب وجود دولة فلسطينية فوائد كثيرة للطرفين.

سيغضب مجرمو غوش ايمونيم، لان الأرض الفلسطينية المسلوبة عندهم اهم من حياة أي انسان، عربي أو يهودي. من شأن هذه الخطوة ان تحرر إسرائيل من جرائم المستوطنين الذين سيطروا على استراتيجيتها لعقود، والذين يجبروننا على العيش على حد السيف. صحيح انه في ظل قيادة متطرفين مثل اوريت ستروك ودانييلا فايس ويغئال لفنشتاين وبتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير وامثالهم من الحاخامات، يجب علينا ان نكون يقظين كي لا يتكرر اغتيال رابين.

ادرك اسحق رابين واريئيل شارون واهود أولمرت، عندما كانوا رؤساء وزراء، ضرورة وجود طريقة أخرى، واتخذوا خطوات نحو المصالحة مع الفلسطينيين. أما بنيامين نتنياهو فقد فعل العكس، وتسبب بالكوارث التي وقعت بيننا وبين الفلسطينيين، بما في ذلك احداث 7 أكتوبر.

يجب على الحكومة القادمة ان تدعم، بالتعاون مع السلطة الفلسطينية، الحل الإنساني الأمثل، وهو إقامة دولة فلسطينية. ستظهر هذه الخطوة إسرائيل كدولة تعترف بالقانون الدولي وتعلي شأن الاخلاق الإنسانية، وستعزز مكانها بين مواطنيها العرب وبين مواطني الدول الإسلامية المحيطة بها. لن يقتصر السلام بعد الان على الحكام فقط، بل سيشمل الشعوب أيضا. سيتفاخر يهود العالم بإسرائيل من جديد، وستشيد بها الدول الـ 142 التي دعمت الأمم المتحدة في هذه العملية، وستتيح هذه الخطوة خفض ميزانية الدفاع بشكل كبير. وبفضل الأموال الطائلة التي ستنفق، يمكن استثمارها في المجتمع وتعويض الفلسطينيين الذين استولى القيم على شؤون الغائبين على ممتلكاتهم بدون تعويض.

قبل ستة اشهر نشر هنا مقال لمحمد شريف عودة، رئيس الجماعة الإسلامية الاحمدية في الأراضي المقدسة. استشهد بوعود سفر التكوين: “لنسلك أعطيت هذه الأرض” و”كل الأرض التي تراها اعطيها لك ولنسلك الى الابد”. وهنا أوضح: “كلمة نسل تشير الى كل ذرية إبراهيم. ووفقا لتراث التوراة فان إسماعيل هو ابن إبراهيم ولا يقل شأنا عن اسحق، وهو أيضا يستحق البركة الإلهية والوعد. عمليا، عاش نسل إسماعيل (الشعب العربي) لاجيال كثيرة في المنطقة الواسعة بين النيل والفرات. واستمرار وجودهم على الأرض دليل على ان الوعد الإلهي قد تحقق وما زال يتحقق. هذا ليس وعد لفئة واحدة فقط، بل هو وعد شامل لكل ذرية إبراهيم. يجب ان نتعلم من هذا الوعد أهمية التعايش بين أبناء إبراهيم بمحبة وسلام وامان، بدلا من اثارة العداء وتاجيج نار الانقسام”.

هذا هو القرار الصحيح الذي يجب على إسرائيل اتخاذه. لا يجب النظر الى الفلسطينيين كأعداء، الذين يلزموننا بميزانية دفاع تبلغ 180 مليار شيكل (امر يصعب تصديقه)، بل كاخوة يعيشون كجيران في دولتين بين النهر والبحر. وفي هذا السياق ينبغي لإسرائيل بوصفها الدولة الأكثر ثراء ان تساعد الفلسطينيين.

——————————————

معاريف 18/9/2026

الليكود يضعف، 50 مقعدا للائتلاف

بقلم: موشيه كوهن

ميل الهبوط لدى الليكود يتواصل وهذا الأسبوع يحصل على 18 مقعدا فقط. لكن كتلة الائتلاف تبقى مستقرة عند 50 مقعدا وذلك بسبب نجاح حزب شعبك إسرائيل اجتياز نسبة الحسم مرة أخرى وتعزز الصهيونية الدينية – هوية بمقعد فتصل الى 6 مقاعد.

هذا ما يتبين من استطلاع “معاريف” الذي اجراه معهد لزار للبحوث برئاسة د. مناحم لزار وبمشاركة Panel4All.

في كتلة المعارضة، التغيير الجوهري هذا الأسبوع هو نجاح القائمة الموحدة للاحتياطيين والاقتصادية في اجتياز نسبة الحسم مع 4 مقاعد.

بالتوازي يفقد حزب يشار! مقعدين، ومعا والديمقراطيين يهبط كل واحد منهما بمقعد. للمعارضة الصهيونية – بدون حزب هيندل وزليخا يوجد 54 مقعدا. اما الأحزاب العربية فتحافظ على قوتها مع 12 مقعدا.

ومع ذلك فان حزب الاحتياطيين والاقتصادية لا يجتاز نسبة الحسم (التي هي 3.25 في المئة) الا بصعوبة مع 3.5 في المئة، وشعبك إسرائيل هو الاخر مع 3.4 في المئة – وهي معطيات حدودية للحزبين.

وهكذا تكون خريطة المقاعد في حالة الانتخابات: يشار! 23 مقعدا، الليكود 18، معا 13، الديمقراطيون 9، ليبرمان 9، عظمة يهودية 8، يهدوت هتوراة 7، شاس 7، المشتركة 7، الصهيونية الدينية 6، الموحدة 5، شعبك إسرائيل 4، احتياطيون – الاقتصادية 4.

وفي هذا الأسبوع أيضا يتفوق آيزنكوت (48 في المئة) على نتنياهو (40 في المئة) في الملاءمة لرئاسة الوزراء.

كما يتبين ان اغلبية الإسرائيليين (54 في المئة) يعتقدون ان على إسرائيل أن تساعد السعودية في صراعها ضد الحوثيين. 38 في المئة يشترطون المساعدة باتفاق تطبيع بين الدولتين و 16 في المئة يؤيدون ذلك حتى بدون مقابل سياسي فوري. 26 في المئة يعارضون مساعدة إسرائيل للسعودية، و 20 في المئة لا يعرفون.

——————————————

إسرائيل اليوم 18/9/2026

“لا تحالف مع العرب”… معارضة تعاقب نفسها وتخدم نتنياهو: دون سبب… لا نريدهم

بقلم: يوسي بيلين

ظاهراً، يدور الحديث عن كتلتين متساويتين – كتلة نتنياهو وكتلة معارضيه – تقتربان من أقصى طرف المسار الانتخابي، وتجتهد كل منهما حتى اللحظة الأخيرة لأن تكون أكبر من الأخرى. أما الحقيقة التي انكشفت منذ زمن بعيد، فهي أنه رغم الظن بأن الحديث يدور عن كتلتين تحصل كل منهما على خمسين حتى ستين مقعداً، يدور الحديث عملياً عن كتلة واحدة، بينما تصل كتلة المعارضة لنتنياهو إلى نحو 70 مقعداً. لا توجد أي مساواة بين حجم الكتلتين، وحسب الاستطلاعات، لا يوجد لنتنياهو فرصة حقيقية لأن يبلغ رئيس الدولة بأنه أفلح في الحصول على أغلبية لإبقائه في كرسيه.

المشكلة أن بعضاً من قادة المعارضة فزعوا جداً من رفض الشراكة الائتلافية مع الأحزاب العربية، لدرجة أنهم أعلنوا بأنهم لن يقيموا حكومة إذا كانت متعلقة بالأحزاب العربية، سواء كان الحديث عن تصويت فاعل من جانبها أم عن امتناعها عن التصويت. يبدو أنهم يعاقبون الأحزاب العربية (على ماذا بالضبط! على أن الشارع العربي في إسرائيل شجب حماس، وبعضه أعرب عن تحفظ لا لبس فيه على المذبحة الرهيبة؟).

لا منطق في ادعائهم بأن ما كان ممكناً عمله قبل 7 أكتوبر لا يمكن تكراره اليوم. حكومة بينيت – لبيد عرفت كيف تعمل مع “الموحدة” بقيادة د. منصور عباس، والحكومة التي ستقوم بعد 27 أكتوبر ستعرف كيف تعمل معاً على المواضيع المشتركة. وبدلاً من التورط في الوعود عن النواب الذين لن تجلس كتلة التغيير معهم، وبعد الانتخابات واختلاق معاذير مكشوفة لبيان سبب الجلوس معهم – نوصي جداً بالإعلان بأن الكتلة ستتعاون مع كل جهة في الكنيست يمكن معها تحقيق أهدافها.

——————————————-

هآرتس 18/9/2026

بعد الردود الأوروبية… إلى فالرشتاين: أتغضب على من علمتهم الإجرام في الضفة الغربية؟

بقلم: نحاميا شترسلر

لا تحتاج هذه الأحداث إلى تحقيق. كل شيء واضح ومعروف وموثق بالصور. لقد بثت وسائل إعلام مراراً وتكراراً المذابح وأعمال الإرهاب التي ارتكبها “فتيان التلال” في القرى الفلسطينية. لقد شاهد العالم كله الصور الفظيعة للمشاغبين اليهود، وهم يطلقون النار على الأبرياء ويحرقون السيارات ويقتلعون أشجار الزيتون ويشعلون البيوت على سكانها، وكان هذا حتى فوق تحمل العالم غير المبالي.

كانت بريطانيا أول من تولى الرد. فرضت مقاطعة على استيراد السلع والخدمات من المستوطنات، وهو أمر مهم جداً. يقوم اقتصاد إسرائيل على الواردات والصادرات، وأي ضرر يلحق بها يضر بالاقتصاد والتشغيل ومستوى المعيشة. المقاطعة خطيرة لأن بريطانيا لن تبقى وحدها. فقد أعلنت 11 دولة، من بينها كندا وفرنسا وإسبانيا وبولندا وأيرلندا، انضمامها للعقوبات.

أدركت المستوطنات ضرورة وقف هذا الزحف، وأدان الكثير من القادة المحليين هناك ما سموه “شبيبة التلال”. وكان البارز من بينهم بنحاس فالرشتاين، الذي هاجم مثيري الشغب في مقابلة مع “ملحق هآرتس” في 10 نيسان، ووصف أفعالهم بأنها “خيانة لدولة إسرائيل، وأفعال لا تغتفر”. بل ودعا قيادة المستوطنين إلى الوقوف ضد مثيري الشغب وقال: “إذا ترددتم فستتحملون مسؤولية الدمار”. وأضاف أن حديثهم عن قدسية أرض إسرائيل “يخفي خلفه أهدافاً دنيئة وخبثاً لا حدود له”.

لكن لا يغيب عن بال أحد أن فالرشتاين لم يتبنّ شعار “السلام الآن”، وسرعان ما أوضح أن أقواله تنبع من خشيته من أن “تغرق موجة العنف مسيرتي المهنية”. كان يخشى في الواقع أن تشكل المذابح ضغطاً كبيراً على إسرائيل، ما سيجبرها على التخلي عن خطته الكبيرة، هو وغيره من المستوطنين، التي تتمثل بضم الضفة الغربية لإسرائيل.

يرغب معظم المستوطنين في ضم المنطقة “ج”، التي تشكل 60 في المئة من الضفة الغربية. ويرغب البعض أيضاً في ضم المنطقة “ب”، التي تشكل 22 في المئة من الضفة الغربية. وهناك من يؤيدون الطرد، ومستعدون لترك المنطقة “أ” الصغيرة (18 في المئة من الضفة الغربية) للفلسطينيين، حيث سيمنحون “حكماً ذاتياً” وإدارة شؤونهم بأنفسهم. مستقبل مشرق ينتظرهم.

يرغب فالرشتاين وأصدقاؤه في ضم الضفة الغربية بهدوء، دون إثارة غضب العالم، لذلك هم غاضبون من مثيري الشغب الذين يبالغون في ردود فعلهم. يبدو أن فالرشتاين قد نسي أنه عندما كان عضواً بارزاً في “غوش إيمونيم” وشغل منصب الرئيس التنفيذي لمجلس “يشع”، عمل على إنشاء عشرات المستوطنات في “السامرة”، في حين كان يقوم بتهجير الفلسطينيين بعنف لا يقل فظاعة عن عنف “شبيبة التلال”. وبعد ذلك، سيطر أعضاء “غوش إيمونيم” على الأرض بالخداع والقوة، وأقاموا مستوطنات فوق كل تلة. لقد استخدموا القوانين واستغلوا الثغرات السياسية لجعل أي تسوية إقليمية مستحيلة. “فتيان التلال” [المستوطنون] ليسوا إلا خلفاءهم.

لا يجب أن ننسى أيضاً أن فالرشتاين وأصدقاءه قد غرسوا في نفوس شبابهم فكرة أن الأرض كلها ملك لليهود، وأن أسمى الوصايا الدينية هل فداء الأرض، وبالتالي يجوز ارتكاب أعمال التجريد من الممتلكات والقمع ضد الفلسطينيين. وقد ترجم “شبان التلال” هذا إلى أعمال شغب، بل وحتى جرائم قتل. ولكن جرائم القتل كانت موجودة قبل ذلك أيضاً. فنحن لم ننس مثلاً “التنظيم السري اليهودي”.

يريد فالرشتاين السيطرة على “شبان التلال”، لكن لا يمكنك النزول عن ظهر نمر هاجم دون أن يتم افتراسك. “فتيان التلال” لا ينتظرونه، بل أخذوا زمام المبادرة وأصبحوا مثل الأفعى أمام المعسكر. لا حاجة إلى أن يغضب فالرشتاين منهم، فهم أصدقاؤه وطلابه المجتهدون.

——————————————-

هآرتس 18/9/2026

أتباع بن غفير يحاصرون منزلَي منتجَي “نازا” هاتفين: “أعدموهما… من يرى أحدا من عائلاتهما يبلغنا بمكانه”

بقلم: أسرة التحرير

ردود الفعل المتطرفة في إسرائيل على الفيلم الذي لم يكد يشاهده أحد، تتدحرج الآن إلى تهديدات صريحة وعنف خطير ضد المنتجين وأبناء عائلاتهم. إذا لم يوقف الجنون، فإن الفتك مسألة وقت. تظاهر العشرات الأربعاء في “سافيون” أمام منزل أهل رحيل شور، واحدة من المنتجين الاثنين لفيلم “نازا” (ضرر جانبي). كان مع منظمي المظاهرة رجال حملة حزب “عظمة يهودية” ونشطاء اليمين: مردخاي دافيد، وفيكتور شريكي، وزيف برانس. الرسائل لا لبس فيها. “نحتاج من كل شخص يراهم في الشارع أن يبلغنا مباشرة”، قال دافيد. “لن يجلسوا في أي مطعم وفي أي مكان، من يراهم، عليه أن ينشر في كل المجموعات، لا مكان لأولئك الأنذال يفرّون إليه”. قسم من المتظاهرين هتفوا “عقوبة الإعدام للخونة”، وقال أحدهم في مكبر الصوت: “عندما سيعودان إلى البلاد يجب أن يحاكما ويعلقا على المشنقة، وعلى العائلة أن تطرد ويسد بيتها”.

في وقت سابق من ذلك، وصل نشطاء اليمين إلى مكاتب “حديث محلي” حيث ينشر شريك شور لإنتاج الفيلم، يوفال أبراهام. يظهر في الفيلم القصير الذي نشره دافيد وهو يقول في مدخل المكاتب، “سنلاحقهم واحداً واحداً في الشوارع”، بل ووقف خارجاً إلى جانب إحدى العاملات، وهتف: “طيروا من الدولة، لا نريدكم على هذه الأرض”.

يحظر التقليل من خطورة الوضع. هذه تهديدات صريحة تترافق والعثور على أماكن عمل ومنازل عائلات، على وصول جسدي إليهم. من الواجب الافتراض بأن من يعلن أنه سيلاحق أناساً “واحداً واحداً في الشوارع”، ومن يصل إلى بيت أهل منتجة ويدعو إلى تعليقها على المشنقة لن يهدأ إلى أن يحقق ذلك. إذا عاد المنتجان إلى البلاد، فستكون حياتهما في خطر. وبخلاف أماكن أخرى، مثل الهجوم على منزل لوسي أهريج، كانت في المكان قوات شرطة وحرس حدود. غير أنه من الصعب إيداع أمن المنتجين وأبناء عائلتيهما في أيدي شرطة تتبع وزير الأمن القومي بن غفير، وبين قادة حملة الملاحقة رجال حملة حزبه.

إن إباحة الدم تبدأ لدى رئيس الوزراء، الذي أعلن بأنه وجه تعليماته للعمل على قانون لسحب الجنسية ممن على حد قوله “نشهر بجنود الجيش الإسرائيلي”، وعزز أقواله تلك وزير الثقافة ميكي زوهر، الذي توجه إلى مدير عام وزارة الداخلية بطلب فحص إجراء إلغاء جنسية أبراهام وشور بدعوى خيانة الدولة.

الحكم يستهدف مواطنين كخونة، وجموع منفلتة العقال تبدأ بالبحث عنهم وعن أبناء عائلاتهم في بيوتهم وفي الشوارع. الخطر واضح وفوري. على الجمهور أن يفهم خطورة اللحظة وألا يقف جانباً.

——————————————

هآرتس 18/9/2026

المديرة التنفيذية لـ”بتسيلم”: “ما يحدث في الضفة الغربية جنون”

بقلم: يولي نوفيك

ما يحدث في الضفة الغربية اليوم يبدو كجنون محض: رجال ملثمون يركبون في سيارات “تندر” ويتوجهون بسرعة نحو القرى، عائلات تهجّر، بيوت تُحرق، أشجار زيتون تُقتلع، طفل يُقتل، ثم آخر وآخر. هذه مشاهد مخيفة، ومع ذلك أصبحت مألوفة. أمام هذا الواقع يتساءل كثيرون: كيف يمكن أن تكون هذه هي الدولة التي أعرفها؟

لكن ما يترسخ في الوعي الإسرائيلي هو اللحظات المتطرفة في المقام الأول. أما الحياة اليومية لحوالي 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية فلا تصل إلى وسائل الإعلام: رحلة قصيرة تتحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، طفل لا يصل إلى المدرسة، قوات تقتحم بيتاً في الليل وتختطف أحد أبناء العائلة لمكان مجهول. العنف شامل ويستهدف الملايين ويفاقم انعدام الأمن وعدم اليقين في حياتهم اليومية. منذ تشرين الأول 2023 قتل أكثر من 1100 فلسطيني في الضفة الغربية، وتم طرد عشرات التجمعات السكانية.

مشروع المحو، وهو التقرير الذي نشر في هذا الأسبوع في موقع “بتسيلم”، يستند إلى أكثر من 2000 شهادة وبحث في السياسة الإسرائيلية. سعينا إلى فهم ما يحدث عندما يستخدم العنف والإرهاب، والسيطرة والطرد، وتقييد الحركة والخنق الاقتصادي، والتفكيك الاجتماعي والسياسي معاً، ضد مجتمع بأكمله. ما يبدو فوضى عارمة يتحول إلى منطق وهدف.

لسنوات كان يمكن القول إن السيطرة على الضفة الغربية وضع مؤقت ومنفصل: إسرائيل “الديمقراطية” هنا، والاحتلال هناك؛ المستوطنون العنيفون هم متطرفون وهذه ليست الدولة؛ وسيأتي يوم يتم فيه التوصل إلى اتفاق. في السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب التمسك بهذه الرواية. لقد كرس قانون الدولة القومية السيادة القومية اليهودية؛ وأعلنت المبادئ التوجيهية الأساسية للحكومة “الحق الحصري وغير القابل للتصرف” للشعب اليهودي في كل الأراضي، ويكد التمييز بين المستوطن والجندي ينعدم في الضفة الغربية. لكن الكارثة الحالية مبنية على مشروع أقدم بكثير: الطرد الذي حدث في 1948 ومنع العودة، والحكم العسكري، وبعد ذلك الاحتلال والاستيطان.

الصهيونية التي أعرفها من البيت لم تكن تبدو لي على الإطلاق مشروعاً استعمارياً. جاءت جدة أمي من المغرب في خمسينيات القرن الماضي مع بناتها. كانت امرأة متدينة تحلم بالقدس وتريد أن تدفن فيها. جاء جدي وجدتي لأبي من بلجيكا بعد الكارثة، التي فقدا فيها معظم أبناء عائلتهم، وكانا يبحثان عن مكان يمكنهم فيه العيش بأمان كيهود. هذه قصص حقيقية لي ولغيري، وهي تفسر الهجرة، وليس المشروع السياسي.

الاستعمار الاستيطاني ليس هو الكولونيالية المعروفة لدولة عظمى جاءت لاستغلال مكان، وبعد ذلك تعود إلى ديارها، بل هو مشروع استيطاني دائم، يصل فيه شعب إلى مكان يعيش فيه شعب آخر، ويسعى إلى فرض سيادته عليه. هذا ليس مفهوم يضاف إلى مشروع ما بأثر رجعي بناء على نتائجه، بل يمكن تحديد خصائصه فيما يسعى إلى تحقيقه: الاستيطان الدائم، مؤسسات والسيطرة على الأرض. لا يتم تحديد هذا المشروع بنوايا القادمين، بل بالنظام السياسي الذي أنشئ بالفعل.

عندما يسعى مشروع كهذا إلى احتكار السيادة يصبح الوجود الجماعي للشعوب الأخرى أمراً يجب إلغاؤه وإزالته. هذا هو منطق المحو. لكن الفلسطينيين، من استطاع منهم، بقوا؛ لأنهم أيضاً لا يملكون وطناً آخر. هكذا، إلى جانب المحو، بني نظام فصل عنصري يسمح بالحفاظ على الهيمنة اليهودية في مكان يعيش فيه ملايين الفلسطينيين. من هنا يظهر سؤال الحاضر والمستقبل: ما هو النظام السياسي الذي سيمكن كل سكان هذه البلاد من العيش فيها دون هيمنة أو قمع؟

يسهل اعتبار العنف في الضفة الغربية مجرد فعل لقلة من “مجانين التلال”، لكن عدداً من الشباب في سيارات الجيب لا يمكنهم السيطرة على مليون دونم تقريباً، وإقامة مئات البؤر الاستيطانية وطرد عشرات التجمعات السكانية. ولتحقيق ذلك، لا بد من دولة: أرض، ميزانيات، بنى تحتية، حماية عسكرية، نظام يخضع فيه الراعي الفلسطيني للقانون العسكري، المستوطن الإسرائيلي يخضع للقانون المدني، وشعب مستعد لتقبل كل ذلك. هذا هو مشروع المحو: ليس عنف قلة من المتطرفين، بل نشاط دولة تفكك الظروف التي تسمح للفلسطينيين بالبقاء في الضفة الغربية والعيش فيها كمجتمع.

إذا كانت المشكلة تكمن في بن غفير فيمكن استبداله؛ وإذا كانت في بضع المئات من المستوطنين يمكن وقفهم؛ وإذا كانت في حكومة متطرفة فيمكننا اختيار حكومة أخرى، أما إذا كانت المشكلة في نظام طبع كل هذه الأمور وسمح بتوسعها، فعلينا محاربة هذا النظام نفسه، وبناء نظام جديد هنا لا يقوم على سيادة اليهود وسيطرتهم، بل على الحرية والمساواة والأمن لجميع سكان هذه البلاد.

إن سؤال كيف أصبحت هذه هي الدولة التي نعرفها؟ بات سؤالاً حقيقياً، لكنه يوجه أنظارنا في المقام الأول إلى ما تغير. أما السؤال الأصعب، لكن الأكثر فائدة، فهو: ما الذي سمح لهذا الواقع بالتطور والتحول إلى ما هو عليه اليوم ضمن النظام الذي عرفناه؟ يكمن الجواب في التسلسل الهرمي المتأصل في هذا النظام، في تصور يفترض ضمنياً أن سيادة اليهود وأمنهم وحقوقهم تتقدم على حرية الفلسطينيين وأمنهم ومستقبلهم السياسي. إن تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم جزء مما يجعل هذا التسلسل الهرمي يبدو وكأنه طبيعي، ويجعل القمع والطرد والمحو ينظر إليه على أنها ضرورية ومشروعو ويسهل تبريرها، بل أحياناً لا تعتبر عنفاً.

عندما تروج بعض القوى الساعية إلى استبدال الحكومة لفصل الشعب الفلسطيني وتفتيته، واستمرار السيطرة عليه تحت هيمنة يهودية، فالمشكلة لا تقتصر على هوية من هم في قمة النظام. فحتى لو تظاهرنا بمزيد من اللباقة والوقار، ومزيد من الحساسية تجاه نظرة العالم لإسرائيل، فلن نغير هذه الحقيقة. من دون إدراك ذلك، سنستمر في النضال ضد الطبعة المخيفة القادمة لهذا النظام، وسنغفل عن السبب الجذري الذي ينتجه. إذا اخترنا النضال فعلينا أولاً أن ندرك ما الذي نحارب ضده.

——————————————

هآرتس 18/9/2026

مسؤول سابق في “فتح”: سأكشف رسالة طلب السنوار مني نقلها إلى إسرائيل

بقلم: جاكي خور

في كشف «هآرتس» بشأن التحذير الذي تلقاه نتنياهو قبل 7 أكتوبر، تم إطلاق الاسم المستعار «عينا الفحم» على أبو زيدة، وقد ساعد في الاتصالات بين حماس وإسرائيل عام 2023، والتقى السنوار مرتين من أجل نقل رسائل منه إلى إسرائيل.

أعلن سفيان أبو زيدة، المسؤول السابق في حركة فتح والمقرب من محمد دحلان، اليوم الجمعة، أنه سيكشف خلال الأيام المقبلة عن رسالة طلب منه زعيم حماس السابق يحيى السنوار نقلها إلى إسرائيل. وقال أبو زيدة إنه سيتحدث أيضًا، في مقابلة ستُبث معه على قناة «الغد» المصرية، عن اتصالات جرت بوساطته بين إسرائيل وحماس خلال العام والنصف الذي سبق 7 أكتوبر.

وكانت «هآرتس» كشفت الأسبوع الماضي عن الاتصالات السرية بين حماس وإسرائيل التي أشار إليها أبو زيدة. وبحسب ما نُشر، عُيّن من جانب حماس غازي حمد، عضو المكتب السياسي للحركة، وفي موازاته جرى الاستعانة بأبو زيدة، الذي أُطلق عليه في التحقيق اسم “عينا الفحم”.

وبحسب أبو زيدة، كانت الاتصالات التي ساعد فيها، تهدف إلى دفع صفقة تُفرج إسرائيل بموجبها عن مئات الأسرى الفلسطينيين، مقابل إطلاق سراح أسرى إسرائيليين أحياء وإعادة جثامين الأسرى المحتجزين في قطاع غزة.

وأشار إلى أن الاتصالات تناولت أيضًا تسهيلات في الحصار المفروض على القطاع، والسماح بدخول عمال من غزة للعمل في إسرائيل، وتقديم حلول لأزمات الكهرباء والمياه في القطاع، والاستجابة لاحتياجات إنسانية إضافية.

وُلد أبو زيدة في مخيم جباليا للاجئين في قطاع غزة عام 1960. وشغل في السابق منصب وزير شؤون الأسرى في السلطة الفلسطينية ونائب وزير الشؤون المدنية. وفي إطار مناصبه، شارك في اتصالات مع جهات إسرائيلية بشأن الأسرى والمعابر والتصاريح والتنسيق المدني.

وسبق أن أمضى عقوبة بالسجن في إسرائيل، ويتحدث العبرية بطلاقة، ويحمل درجة الدكتوراه في مجال سياسات الشرق الأوسط. وعُرف على مر السنين بانتقاداته الحادة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ويُعد منذ سنوات من رجال التيار الإصلاحي في فتح بقيادة محمد دحلان.

يعمل سفيان أبو زيدة محللًا للشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، وله علاقات مع جهات سياسية وأمنية في إسرائيل.

تمثل دور أبو زيدة في الاتصالات بنقل الرسائل بين الطرفين، بحيث لا يبدو الأمر وكأن هناك اتصالًا مباشرًا بين حماس وإسرائيل. لكن عمليًا، كانت تلك محادثات شبه مباشرة.

كان غازي حمد وأبو زيدة يلتقيان في منزل ناصر السراج في غزة، وهو نائب سابق لمدير هيئة الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية، ويتحدثان هاتفيًا مع أحد رجال جهاز “الشاباك”.

وبحسب كشف «هآرتس»، قال السنوار لأبو زيدة في سبتمبر/أيلول 2023:

“قل للإسرائيليين إنهم إذا لم يتقدموا، فإنني أُعدّ لهم مفاجأة هائلة. قل لهم أن يتوقعوا “زلزالًا”.

وأبلغ «عينا الفحم» مستشار رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، بالمحادثة. ولأن ابن زايد لم يكن متأكدًا من دلالة كلام السنوار، التقى أبو زيدة بالسنوار مرة أخرى في منتصف سبتمبر/أيلول 2023.

وقال له السنوار حينها مجددًا: “انقل إليهم رسالة بأنني أُعدّ لهم مفاجأة من أرض المفاجآت. عملية هائلة. شيء استثنائي”.

ونقل المسؤول الفلسطيني الكلام مرة أخرى إلى مستشار رئيس الإمارات. وأطلع المستشار محمد بن زايد على انطباعه من المحادثة، فقرر أنه “يجب نقل رسالة السنوار سريعًا إلى الإسرائيليين، وإلى أعلى المستويات هناك”.

وفي 15 سبتمبر/أيلول، نقل أبو زيدة والمستشار التحذير إلى جهاز “الشاباك”.

وطلب رئيس “الشاباك”، رونين بار، إجراء مكالمة هاتفية فورية مع رئيس الوزراء نتنياهو، ونظم المكالمة السكرتير العسكري لنتنياهو، آفي غيل.

وخلال المكالمة، أطلع بار نتنياهو على تهديدات السنوار بشأن «زلزال»، وتقرر عقد نقاش أمني تشارك فيه جميع الجهات الأمنية المعنية.

وبعد يومين، ناقشت المؤسسة الأمنية التحذير، لكن لم تُتخذ أي قرارات.

وعندما رأى رئيس دولة الإمارات أن إسرائيل لا تستجيب للتحذير الواضح الذي نُقل إلى “الشاباك”، قرر إجراء اتصال بنفسه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ونقل خلاله إلى نتنياهو التحذير المتعلق بنوايا السنوار.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article