إلا أن الحكومات الإسرائيلية لا تكتفي بأدوات التهويد عبر إقامة بلدات مخصصة لليهود في الشمال عامة، وفي منطقة الجليل خاصة، وفي تشجيع السكان اليهود على الانتقال إلى تلك المناطق، وفي تخصيص ميزانيات كبيرة لإنشاء البنى التحتية وخلق مناطق صناعية وتجارية حديثة في البلدات اليهودية، بل تستمر عبر أدوات ميزانيات السلطات المحلية في خلق واقع اقتصادي وخدماتي مختلف بين البلدات اليهودية والعربية، وهو أقرب إلى حال الأبرتهايد الاقتصادي في منطقة الجليل.
بدايات تهويد الجليل
حضرت الرغبة في استيطان الجليل وتهويده منذ بدايات المشروع الصهيوني من قبل قيام دولة إسرائيل، فقد بدأت عملية إقامة المستوطنات منذ نهاية القرن الماضي، مثل إقامة بلدة المطلة عام 1896، ومن ثم تجددت وتعززت في ثلاثينيات القرن الماضي عبر مشروع “سور وبرج”. وبعد إقامة الدولة بدأ مشروع إقامة مستوطنات وبلدات يهودية على أنقاض البلدات العربية المهجرة في الجليل، وفي منتصف الستينيات أقيمت مدينة “كرميئيل” في محاولة للدفع قدما في عملية تهويد الجليل المتعثرة.
وكان المشروع الأبرز لتكثيف الاستيطان في الجليل في سبعينيات القرن الماضي، والذي بادر إليه أريئيل شارون في مشروعه المعروف باسم “خطة نقاط البلدات-المطلات”، الذي كان أحد أبرز المحطات المفصلية في هندسة الحيز الجغرافي والسكاني في إسرائيل، إذ دشن انتقال السياسة الإسرائيلية من الاستيطان الزراعي وعبر المدن التطويرية الكبرى إلى الاستيطان الجغرافي الضيق بهدف الحصار والضبط المكاني.
جاء المشروع عقب هبّة يوم الأرض الفلسطيني في آذار/ مارس 1976، والتي فجرتها مصادرة الأراضي العربية التابعة لبلدات سخنين وعرابة ودير حنا، وما رافقها من تحذيرات أمنية عبّرت عنها وثيقة يسرائيل كونيغ بشأن “الخطر الديمغرافي” واستمرارية التمدد الجغرافي العربي في الجليل الأوسط والأسفل.
ومع وصول حزب “الليكود” إلى الحكم عام 1977، تولى أريئيل شارون منصب وزير الزراعة ورئاسة “اللجنة الوزارية المشتركة للاستيطان” (المشتركة بين الحكومة والوكالة اليهودية). وفي نيسان/ أبريل 1979، صدّقت اللجنة برئاسته رسميا على إطلاق مشروع “هميتسبيم” (المطلات)، الذي وُضع بالتعاون مع رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية بهدف إنشاء نحو 30 نقطة استيطانية خلال فترة زمنية قياسية لا تتجاوز 8 أشهر.
قام مشروع شارون على 3 أهداف بنيوية مترابطة:
1. تقطيع التواصل الجغرافي العربي، بحيث قام المخطط على زرع مستوطنات صغيرة على قمم التلال والمرتفعات المشرفة على التجمعات العربية سُمّيت “المطلات”، وتحديدا في حوض البطوف ووادي الشاغور ومنطقة سخنين وعرابة، للحيلولة دون التحام القرى والبلدات العربية جغرافيا وعمرانيا.
2. الاستيلاء على الأرض عبر نقلها إلى “أراضي دولة” والتحريج، إذ اعتمد شارون إستراتيجية سريعة لتثبيت وضع اليد على مئات آلاف الدونمات، عبر تصنيف الأراضي المفتوحة والمشاعية ضمن أراضي الدولة، وتسييجها وإحاطتها بمشاريع تحريج واسعة طالت أكثر من 40 ألف دونم، لمنع المزارعين العرب من استخدامها أو التوسع العمراني فيها.
3. الهندسة الإدارية وإنشاء المجالس الإقليمية، إذ تُوّج المشروع بتأسيس المجلس الإقليمي “مسغاف” عام 1982، الذي ضم معظم نقاط “هميتسبيم” (المطلات) التي تحولت لاحقا إلى بلدات تعاونية مجتمعية وقروية، ومُنح هذا المجلس نفوذا جغرافيا شاسعا يمتد على مئات آلاف الدونمات.
الميزان الديمغرافي في الجليل
خصصت الدولة ميزانيات هائلة لمشاريع تهويد الجليل ولتشجيع انتقال السكان اليهود إلى المنطقة، وإقامة مناطق صناعية وصناعات عسكرية وخدمات عامة واسعة، بالإضافة إلى البنى التحتية. وبعد مرور قرابة ثمانين عاما على إقامة دولة إسرائيل ونحو مئة عام من بدء مشاريع الاستيطان في الجليل وتصعيد مشاريع التهويد منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يتحقق لغاية الآن هدف خلق أغلبية سكانية يهودية في الجليل.
وبحسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية للعام 2024، نجد أن نسبة السكان العرب في لواء الشمال، وهي أوسع من منطقة الجليل وحدها وتبدأ من منطقة الناصرة، تصل إلى 54% ونسبة السكان اليهود 46%. أما في بعض الأقضية فهناك أغلبية أكبر للسكان العرب مثل قضاء عكا و”يزراعئيل” (54% و 66% على التوالي)، في حين أن هناك أغلبية يهودية في المناطق التي حصل فيها عمليات تهجير واسعة في النكبة، وتهجير المدن الفلسطينية الكبرى من السكان مثل صفد وطبريا.
عدد سكان لواء الشمال عام 2024 بالآلاف

فصل عنصري بواسطة السلطات المحلية
تستعمل الدولة أدوات عديدة لتعزيز انتقال السكان اليهود إلى الشمال وتشجيعهم عليه، منها تخفيضات في ضريبة الدخل، وتخفيضات في أسعار الأراضي، وإقامة مناطق صناعية لرفع مستوى المشاركة في سوق العمل. كذلك تعمل المؤسسة عبر ميزانيات السلطات المحلية لرفع حجم الخدمات العامة في البلدات اليهودية وتحسين مستواها، مقابل خدمات ضعيفة في البلدات العربية، وبذلك تخلق واقعا اقتصاديا مختلف بين البلدات اليهودية والعربية، وبين السكان اليهود والعرب.
وتوضح مراجعة ميزانيات غالبية السلطات المحلية اليهودية والعربية في منطقة الجليل ذلك، ففي مجال حجم الميزانية السنوية للفرد الواحد، يوضح الجدول التالي الفجوة الكبيرة في الميزانيات المخصصة في البلدات اليهودية والعربية في منطقة الجليل، إذ يبلغ معدل الميزانية الاعتيادية للفرد الواحد في عام 2024 في مجمل البلدات اليهودية نحو 11 ألف شيكل، مقابل نحو 8 آلاف شيكل للفرد في البلدات العربية، أي أعلى ب 38% من البلدات العربية، وهذه الميزانيات مخصصة للخدمات العامة اليومية التي تقدمها السلطات المحلية، والخدمات الحكومية المقدمة عبر السلطات المحلية للسكان.
أما الميزانيات غير الاعتيادية المعدة للتطوير ولتحسين الحيز العام والبنى التحتية ومشاريع التطوير فيبلغ معدل الميزانيات للفرد الواحد في البلدات اليهودية نحو 3,200 عام 2024، مقابل نحو 1,500 شيكل فقط في البلدات العربية (كما يوضح الجدول التالي).
ما يعني أن ميزانية التطوير في البلدات اليهودية، منها بلديات وسلطات محلية ومجالس إقليمية، أكثر من ضعف الميزانية للفرد الواحد المخصصة في البلدات العربية، وهو ما يضمن استمرار الفروقات الشاسعة في حالة البنى التحتية والخدمات بين البلدات العربية واليهودية ونوعيتها، ويعكس واقع الأبرتهايد الاقتصادي والمكاني في منطقة الجليل.
وتنجح البلدات اليهودية في تجنيد 50% من ميزانياتها الاعتيادية عبر الدخل الذاتي من ضرائب العقارات المحلية، والمساكن والمناطق الصناعية، وهو ضعف ما تنجح البلدات العربية في تجنيده، بحيث يصل الدخل الذاتي إلى 26% فقط من الميزانية الاعتيادية. وهذا نتيجة الأوضاع الاقتصادية الضعيفة للسكان العرب مقابل السكان اليهود، ونتيجة المدخول الكبير من المناطق الصناعية والتجارية في البلدات اليهودية مقابل غياب المناطق الصناعية والتجارية الحديثة في البلدات العربية.
ونتيجة لهذا الواقع فإن البلدات العربية تضطر إلى الاعتماد بقدر أكبر على الميزانيات الحكومية مقارنة بالبلدات اليهودية، لسد احتياجاتها وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. وفي كثير من الحالات تكون عرضة لضغوطات سياسية وابتزاز من الوزارات الحكومية مقابل تلك الميزانيات، كما فعل الوزير سموتريتش في عدة حالات خلال ولايته الحالية وزيرا للمالية، أو إلى نقل ميزانيات مخصصة للبلدات العربية لاستعمالات أخرى، كما فعل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عندما طلب نقل ميزانيات مخصصة للبلدات العربية إلى ميزانية الشرطة و”الشاباك”.
والأبرز أن هذه المعطيات واستمرار الفجوات الكبيرة تأتي بعد مرور 8 سنوات (بما أننا نعتمد على معطيات عام 2023، وهي أحدث المعطيات المتوفرة في دائرة الإحصاء المحلية حول ميزانيات السطات المحلية) على البدء بتنفيذ الخطط الحكومية لتطوير الاقتصاد العربي، وسد الفجوة بين السلطات المحلية العربية واليهودية، كما ادعت تلك المخططات. وقد حدث فعلا تحويل ميزانيات كبيرة للسلطات المحلية العربية نتيجة لتلك الخطط، لكن يبدو أنها غير كافية لسد الهوة مع البلدات اليهودية، ففي المحصلة ما زالت الفجوة بين البلدات العربية والبلدات اليهودية كبيرة جدا.
كما توضح المعطيات أيضا أن الفجوات بين البلدات العربية الدرزية والبلدات اليهودية ما زالت كبيرة جدا، على الرغم من ادعاء الحكومات المتتالية أنها تتعامل مع البلدات العربية الدرزية بطريقة مختلفة، وتعمل على تخصيص ميزانيات كبيرة لتلك البلدات، وتخصص لها خططا حكومية خاصة منفصلة عن الخطط للبلدات العربية، وهناك منتدى خاص لرؤساء البلدات العربية الدرزية يتفاوض مع الحكومات الإسرائيلية على حدة عن بقية البلدات العربية، إذ يصل معدل ميزانية الفرد الواحد في البلدات العربية الدرزية في الجليل إلى نحو 7,700 شيكل مقابل 11 ألف في البلدات اليهودية.
وفي المجمل نرى أن وضع البلدات العربية الدرزية من حيث الميزانيات ومصاريف السلطات المحلية أقرب إلى البلدات العربية منها إلى البلدات اليهودية في منطقة الجليل.
ميزانيات السلطات المحلية في البلدات اليهودية والعربية في منطقة الجليل



وتشكل الميزانية غير الاعتيادية 29% من مجمل الميزانية في السلطات المحلية اليهودية، وفي المقابل تشكل 19% في البلدات العربية، ما يعني رصد ميزانيات أعلى بالنسبة المئوية والحجم المطلق في البلدات اليهودية من البلدات العربية.
التدريج الاجتماعي الاقتصادي
الهوة في الحالة الاقتصادية لا تقتصر فقط على ميزانيات السلطات المحلية، بل تمتد أيضا إلى أوضاع السكان العرب واليهود في منطقة الجليل. ويوضح تدريج السلطات المحلية العربية وفقا للعنقود الاجتماعي-الاقتصادي مقابل تدريج البلدات اليهودية- الفروقات الواسعة في الأحوال الاقتصادية للسكان في البلدات العربية مقابل البلدات اليهودية.
تدريج البلدات اليهودية والعربية وفقا للعنقود الاجتماعي-الاقتصادي للسكان

نجد تنوعا في تدريج البلدات اليهودية وفقا للعنقود الاجتماعي-الاقتصادي يتراوح بين العنقود الثاني والسابع، فهناك بلدة واحدة في العنقود التاسع، و8 بلدات من أصل 19 في العنقود السابع (42%)، وبلدتان في العنقود السادس (10.5%)، و4 بلدات في العنقود الخامس (21%)، و3 بلدات في العنقود الثالث والثاني (15.5%) وهي بغالبيتها بلدات يسكن فيها يهود من المتزمتين دينيا (الحريديم)، الأمر الذي يفسر إلى حد بعيد التدريج المنخفض.
أما في البلدات العربية فهناك 3 بلدات فقط في العنقود السابع (قرابة 9% من البلدات)، وهي بلدات صغيرة من حيث عدد السكات وتقع في منطقة جديدة تعرّف كمنطقة مواجهة يمنحها خصومات كبيرة في ضريبة الدخل، و5 بلدات في العنقود الخامس (14.7%)، و7 بلدات في العنقود الرابع (أي 20%)، مقابل 18 بلدة في العنقود الثالث (أي 53%).
التجديد والتغيير في أدوات تهويد الجليل
لا تكتفي الحكومات الإسرائيلية بسياسات الحفاظ على الفروقات الاقتصادية بين البلدات والسكان العرب من جهة، والبلدات والسكان اليهود من جهة ثانية في منطقة الجليل، واستعمال الأدوات الاقتصادية لتهويد الجليل وتشجيع هجرة السكان اليهود إلى تلك المنطقة، وتقديم محفزات عديدة لمنع هجرة سلبية يهودية من الجليل، ولا تكتفي بمصادرة الأراضي العربية التي نُفذت بالأساس في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، والاهتمام بمرور غالبية البنى التحتية القطرية على الأراضي العربية في منطقة الجليل، مثل توسيع شارع “رقم 6” للشمال ومد خطوط مياه محلاة من الشمال عبر البلدات العربية، بل تحولت حاليا إلى نوع جديد من التهويد، يأتي عبر استنساخ تجربة الاستيطان الديني المتطرف والبؤر الاستيطانية وشبيبة التلال من الضفة الغربية إلى منطقة الجليل.
هذه السياسيات لم تنجح على مدار 8 عقود بإنتاج أغلبية سكانية يهودية في الشمال عامة، وفي منطقة الجليل خاصة، رغم رصدها ميزانيات كبيرة وتفعيلها سياسيات التضييق وخنق الأراضي العربية، واستعمال ميزانيات السلطات المحلية لخلق واقع يمكن تشبيهه بالفصل العنصري-الأبرتهايد الاقتصادي في الجليل.
فلا عجب إذن من نوبات الجنون الحالية لدى قيادات مشاريع الاستيطان، وعلى رأسهم سموتريتش وبن غفير، نتيجة هذا الفشل. صمود المواطنين العرب، رغم التضييق وشح الميزانيات والأحوال الاقتصادية المتردية، سيُفشل أيضا محاولات التهويد المتجددة، ولو تغيرت طبيعتها وأدواتها.
دخل من الحكومة من مجمل الميزانية




