كتب أحمد زكي العريدي: انتخابات مؤجلة أم خشية من الصندوق؟ فتح والسلطة الفلسطينية أمام اختبار الشرعية

المسار: رغم معارضتي إجراء الانتخابات الفلسطينية في ظل الظروف الأمنية والسياسية الراهنة، فإنني أجد نفسي أمام تساؤل مشروع: هل يجري الإعداد فعلًا لانتخابات تشريعية، أم أن هناك مؤشرات متزايدة على تأجيلها، ليس بسبب الأوضاع الأمنية وحدها، وإنما خشيةً من نتائجها وما قد تحمله من تحولات في موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني؟
إن معارضتي لإجراء الانتخابات في هذه المرحلة تنطلق من واقع فلسطيني بالغ التعقيد؛ فجيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون يشنون حربًا مفتوحة على الضفة الغربية، من اقتحامات واعتقالات وتدمير للأراضي الزراعية واقتلاع للأشجار وهدم للمنازل، فيما يواصل قطاع غزة مواجهة حرب مدمرة وقصف متواصل وكارثة إنسانية غير مسبوقة.
لكن، إذا كانت هذه الظروف هي المبرر المعلن لتأجيل الانتخابات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ستكون الأسباب الأمنية وحدها وراء التأجيل، أم أن هناك حسابات سياسية وحزبية تتقدم على حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم؟
فتح لا تستعد للانتخابات… لماذا؟
أولى المؤشرات التي تستحق التوقف عندها تتمثل في غياب النشاط الانتخابي الواضح لحركة فتح، باعتبارها الفصيل الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية والحركة التي تقود السلطة الفلسطينية.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الحركة في مقدمة القوى التي تستعد للاستحقاق التشريعي، وتعمل على إعداد قوائمها الانتخابية، وتحديد مرشحيها وبرنامجها السياسي، لا يبدو أن هناك حراكًا يتناسب مع أهمية انتخابات يفترض أن تعيد تشكيل المجلس التشريعي وتحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة.
وهنا يبرز السؤال: هل يعود هذا الهدوء إلى عدم الجاهزية التنظيمية، أم إلى حسابات داخلية وتقديرات سياسية تتعلق بفرص الفوز وحجم التمثيل المتوقع في المجلس التشريعي؟
إن غياب الاستعدادات العلنية لا يكفي وحده للجزم بوجود قرار بالتأجيل، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن حقيقة الموقف الانتخابي لحركة فتح.
الخشية من خسارة الأغلبية
لا يمكن قراءة المشهد الانتخابي الفلسطيني بمعزل عن حالة التراجع في ثقة قطاعات واسعة من المواطنين بأداء السلطة الفلسطينية، وبقدرتها على مواجهة الاحتلال، سواء على المستوى الميداني أو السياسي والدبلوماسي.
فالمواطن الفلسطيني الذي يواجه الاقتحامات والاستيطان ومصادرة الأراضي وتدمير مصادر رزقه، لا يريد خطابات سياسية وبيانات إدانة فحسب، بل يريد قيادة تمتلك القدرة على الفعل، وتوظف إمكاناتها السياسية والدبلوماسية في الدفاع عن حقوقه.
والسلطة الفلسطينية، بما تمثله من مؤسسات وعلاقات دولية وسفارات وبعثات دبلوماسية في عواصم العالم، مطالبة بأن تجعل من هذه الإمكانات أدوات ضغط حقيقية على الاحتلال، لا مجرد قنوات اتصال وحضور بروتوكولي.
وفي المقابل، يبدو أن حسابات الانتخابات داخل أوساط حركة فتح قد تتجاوز مسألة اختيار المرشحين إلى سؤال أكثر حساسية: هل تستطيع الحركة الاحتفاظ بالأغلبية، أم أن صناديق الاقتراع قد تكشف عن تراجع كبير في شعبيتها وتمثيلها السياسي؟
إن أي تقدير داخلي يتوقع تراجع فرص فتح في الانتخابات، إذا ثبت وجوده، سيكون عاملًا مؤثرًا في حسابات القيادة، خصوصًا في ظل التجربة المريرة التي عاشتها الحركة عقب انتخابات عام 2006، حين خسرت الأغلبية البرلمانية لمصلحة حركة حماس.
التحالف الوطني الواسع… معادلة قد تقلب النتائج
من بين السيناريوهات التي تستحق الاهتمام احتمال تشكيل تحالف وطني واسع، يضم قوى وشخصيات مستقلة ووطنية، ويطرح برنامجًا سياسيًا واجتماعيًا يستجيب لتطلعات الشارع الفلسطيني.
وقد تزداد أهمية هذا السيناريو إذا حظي بدعم سياسي من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، من دون أن يقتضي ذلك بالضرورة مشاركة مرشحين من الحركتين في قوائمه.
مثل هذا التحالف، إذا نجح في توحيد قوى متباينة حول برنامج مشترك، يمكن أن يشكل منافسًا جديًا لحركة فتح، وأن يعيد رسم الخريطة السياسية داخل المجلس التشريعي.
لكن ذلك يبقى احتمالًا سياسيًا مرتبطًا بمدى قدرة هذه القوى على تجاوز خلافاتها، والاتفاق على برنامج واضح، وتقديم مرشحين يحظون بثقة الناخبين.
فالانتخابات لا تُحسم بمجرد تشكيل التحالفات، وإنما بقدرتها على إقناع المواطنين بأن لديها بديلًا سياسيًا حقيقيًا.
انقسامات فتح… الخطر من داخل البيت
لعل التحدي الأكبر الذي يواجه حركة فتح لا يأتي من منافسيها السياسيين وحدهم، بل من داخل الحركة نفسها.
فالخلافات التنظيمية والشخصية، والصراع على المواقع والمقاعد، قد تفتح الباب أمام تعدد القوائم المحسوبة على فتح، بما يؤدي إلى تشتيت أصوات قاعدتها الانتخابية.
وتبقى تجربة عام 2006 حاضرة في الذاكرة السياسية الفلسطينية، حين أسهمت الانقسامات والتنافس بين القوائم المحسوبة على الحركة في إضعاف فرصها الانتخابية.
وفي هذا السياق، يبرز اسم القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، الذي قد يشكل أنصاره وقاعدته التنظيمية عاملًا مؤثرًا في أي استحقاق انتخابي مقبل، سواء عبر قائمة مستقلة أو تحالفات سياسية محتملة.
كما يظل اسم الأسير مروان البرغوثي حاضرًا في الحسابات الانتخابية الفتحاوية، نظرًا إلى ما يتمتع به من حضور شعبي وسياسي، وإلى المحاولات السابقة المرتبطة بتشكيل قوائم انتخابية تحظى بتأييده.
إن تعدد القوائم الفتحاوية، إن حدث، لن يكون مجرد خلاف على أسماء المرشحين، بل قد يتحول إلى معركة داخلية على هوية الحركة وقيادتها ومستقبلها السياسي.
دحلان والبرغوثي… حسابات تتجاوز المقاعد
إن دخول أنصار دحلان في تحالفات انتخابية، أو تحرك شخصيات وقوى قريبة من مروان البرغوثي لتشكيل قائمة وطنية، قد يضع قيادة فتح أمام معادلة شديدة التعقيد.
فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد المقاعد التي قد تحصل عليها كل قائمة، وإنما بمدى قدرة هذه القوائم على استقطاب الناخبين الذين يشعرون بأن الحركة لم تعد تعبر عن تطلعاتهم، أو أن بنيتها القيادية والتنظيمية تحتاج إلى مراجعة عميقة.
وقد تكون النتيجة، في حال تعدد القوائم المتنافسة، تراجع الحصة الإجمالية للأصوات الفتحاوية، حتى لو بقيت الحركة صاحبة قاعدة جماهيرية واسعة.
وهذا ما يجعل توحيد الصفوف داخل فتح شرطًا أساسيًا لأي معركة انتخابية ناجحة، لا مجرد شعار يرفع في الاجتماعات التنظيمية.
ضغوط خارجية لتجديد الشرعية
في المقابل، لا يمكن استبعاد تأثير الضغوط العربية والدولية الداعية إلى إجراء الانتخابات وتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية.
فالنظام السياسي الفلسطيني يواجه أزمة شرعية وتمثيل، في ظل غياب الانتخابات التشريعية منذ عام 2006، واستمرار الانقسام السياسي، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية.
ومن هنا، فإن إجراء الانتخابات قد يشكل، بالنسبة إلى أطراف عربية ودولية، مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني وتجديد شرعية النظام السياسي ومؤسساته.
لكن هذه الضغوط، إن وجدت، تصطدم بحسابات داخلية معقدة؛ إذ قد تجد القيادة الفلسطينية نفسها أمام خيارين صعبين: المضي في انتخابات لا تضمن نتائجها، أو تأجيلها بما يفاقم أزمة الثقة والشرعية.
وهنا تكمن المفارقة: الانتخابات التي يفترض أن تكون وسيلة لتجديد الشرعية قد تتحول، في نظر بعض مراكز القرار، إلى مخاطرة سياسية غير محسوبة.القدس وغزة والأمن… هل تتكرر ذرائع عام 2021؟
لا يمكن تجاهل العقبات الحقيقية التي قد تعترض إجراء الانتخابات، وفي مقدمتها الوضع الأمني في الضفة الغربية، والدمار الواسع الذي يشهده قطاع غزة، ومصير مشاركة المقدسيين في العملية الانتخابية، فضلًا عن القيود الإسرائيلية المحتملة على إجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد كانت مسألة مشاركة القدس من أبرز القضايا التي ارتبطت بتعثر الانتخابات الفلسطينية عام 2021.
لكن السؤال المطروح اليوم هو: هل ستكون هذه الملفات هي الأسباب الحاسمة لأي تأجيل جديد، أم أنها ستتحول إلى مبررات سياسية في ظل حسابات تتعلق بنتائج الانتخابات وتوازنات القوى؟
إن الفصل بين الأسباب الموضوعية والحسابات الحزبية يتطلب موقفًا واضحًا من القيادة الفلسطينية، يضع المواطنين أمام الحقائق، بدل إبقاء العملية الانتخابية معلقة بين الوعود والتوقعات والتأويلات.
الخلاصة: انتخابات قد تعيد تشكيل النظام السياسي
إن حركة فتح، بصفتها القوة الرئيسية في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، تواجه اختبارًا سياسيًا وتنظيميًا بالغ الأهمية.
فإذا جرت الانتخابات التشريعية في موعدها المعلن، أو في موعد آخر، فإن الحركة قد تجد نفسها أمام منافسة لا تقتصر على حركة حماس، بل تمتد إلى قوائم وطنية مستقلة وتحالفات سياسية، فضلًا عن قوائم قد تنشأ من داخل البيت الفتحاوي نفسه.
وفي حال عجزت الحركة عن توحيد صفوفها، وتقديم برنامج سياسي مقنع، واستعادة ثقة قطاعات واسعة من المواطنين، فإن احتمال تعرضها لخسارة كبيرة سيبقى قائمًا، وإن كانت نتيجة الانتخابات لا يمكن حسمها مسبقًا.
أما تأجيل الانتخابات، فلن ينهي أزمة النظام السياسي الفلسطيني، بل قد يزيدها تعقيدًا، ويعمق الفجوة بين المؤسسات الرسمية والمواطنين، في وقت يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى قيادة موحدة وشرعية متجددة، قادرة على مواجهة الاحتلال والاستيطان والدفاع عن الأرض والحقوق الوطنية.
إن القضية ليست مجرد انتخابات تشريعية، ولا صراعًا على مقاعد البرلمان، بل هي سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وقدرته على تجديد شرعيته، واستعادة ثقة شعبه، وتوحيد صفوفه في مواجهة حرب تستهدف الأرض والإنسان والوجود الفلسطيني.
فهل تخشى حركة فتح صناديق الاقتراع، أم أن النظام السياسي الفلسطيني بأكمله يخشى مواجهة استحقاق التغيير؟
جميع المفالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإحباري
Share This Article