الخليل… ليست مدينة فيها حواجز.. بل حواجز فيها مدينة!

المسار: الخليل –  لم تعد الحواجز في محافظة الخليل مجرد نقاط عسكرية تعترض حركة المواطنين، أو بوابات حديدية تفصل القرى والبلدات عن بعضها، بل تحولت إلى شبكة واسعة تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية لأكثر من مليون فلسطيني، وتحدد لهم طرق الوصول إلى أعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم وأراضيهم الزراعية.

في الخليل، قد تحتاج إلى ساعة أو أكثر للانتقال بين قريتين لا تفصل بينهما سوى مسافة قصيرة، وقد تجد طريقاً اعتدت المرور منه مغلقاً ببوابة حديدية، أو تضطر إلى سلوك طرق جبلية والتفافية للوصول إلى وجهتك. أما فتح البوابة وإغلاقها، فلم يعد بالضرورة قراراً عسكرياً ثابتاً، بل قد يتغير خلال دقائق، وفق ما يصفه سكان المحافظة والجهات الرسمية.

وتكشف الأرقام حجم هذه المنظومة، فبحسب آخر تحديث لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان حتى 25 أيلول الماضي، بلغ عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والعوائق في الضفة الغربية 942، منها 824 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، وفي محافظة الخليل وحدها 221 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة.

ولا تتوقف دلالة هذه الأرقام عند حجم الانتشار الجغرافي، بل تزداد خطورتها عند مقارنتها بالسنوات الماضية. ففي ذروة الانتفاضة الثانية عام 2003، بلغ عدد الحواجز في الضفة الغربية 757 حاجزاً، قبل أن يتراجع إلى 630 عام 2008، ثم يعود إلى الارتفاع تدريجياً، مسجلاً 705 حواجز عام 2018، و793 في آذار 2024، و925 في كانون الأول 2025، وصولاً إلى 942 في التحديث الأخير.

وفي الخليل تحديداً، تسارع هذا التصاعد بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ أقيمت أكثر من 100 بوابة حديدية جديدة، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

دودين: 221 بوابة تكفي لإغلاق الولايات المتحدة وأوروبا!

ويصف محافظ الخليل خالد دودين ما يجري في المحافظة بأنه قرار سياسي لا يرتبط بأي اعتبارات أمنية، معتبراً أن حجم الإغلاقات تجاوز كل الحدود، وأن عدد البوابات والحواجز المنتشرة في المحافظة كافٍ، وفق تعبيره، لإغلاق الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي.

وقال دودين،  إن الخليل كانت تواجه أزمة كبيرة قبل السابع من أكتوبر، خصوصاً في البلدة القديمة والمناطق المغلقة ومسافر يطا، لكن المشهد تغير بصورة جذرية بعد ذلك التاريخ، مع تعميم نموذج الإغلاق والعزل الذي كان يقتصر على مناطق محددة ليشمل مختلف أنحاء المحافظة.

وأضاف أن ما يجري في بعض المناطق يعكس حالة من الفوضى في التحكم بحركة المواطنين، مشيراً إلى أن الاحتلال قد يفتح بوابة حديدية، ثم يأتي مستوطن ويغلقها بعد دقائق، قبل أن يتدخل الجيش ويفتحها مجدداً، في مشهد وصفه بأنه أقرب إلى عمل العصابات، ولا يستند إلى قانون أو نظام.

ويرى المحافظ أن هذه الإجراءات لا تستهدف منطقة بعينها، بل تفرض عقوبات جماعية على سكان المحافظة، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى استخدام الطرق الالتفافية والجبلية، والانتظار لساعات من أجل التنقل بين القرى والبلدات.

ويقول دودين إن المحافظة أطلعت المؤسسات الدولية والقناصل والسفراء والجهات الأممية على تفاصيل ما يجري، إلا أن المجتمع الدولي، بحسب تقديره، لم يقدم استجابة عملية توقف هذه الإجراءات أو تحد من تداعياتها.

من البلدة القديمة إلى كل المحافظة.. تعميم نموذج العزل

لم تبدأ أزمة الخليل مع السابع من أكتوبر، فالبلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي وشارع الشهداء وتل الرميدة، إضافة إلى مسافر يطا، تعيش منذ سنوات طويلة تحت منظومة من الحواجز والإغلاقات والقيود العسكرية.

لكن الجديد، وفق دودين، هو انتقال هذا النموذج إلى مختلف أنحاء المحافظة، بحيث لم يعد العزل مقتصراً على مناطق محددة، بل أصبح واقعاً يطاول حركة المواطنين بين المدن والقرى والتجمعات السكانية.

وفي أحدث مظاهر هذا التصعيد، شهد المدخل الغربي للبلدة القديمة، في منطقة باب البلدية القديمة، نصب أربع بوابات حديدية خلال الشهر الماضي، ثلاث منها جديدة أضيفت إلى بوابة قائمة، في مساحة جغرافية محدودة.

ويقول دودين إن هذه البوابات تثير مخاوف من مزيد من عزل البلدة القديمة، ومنع المواطنين من الوصول إليها، بما ينعكس على الحركة التجارية وعلى المحال والمنشآت التي تعاني أصلاً من تراجع النشاط الاقتصادي.

وفي محيط الحرم الإبراهيمي وحده، يوجد 32 حاجزاً، معظمها مغلق بالكامل، فيما تشير توثيقات محلية إلى وجود أكثر من 120 حاجزاً وعائقاً مادياً وعسكرياً في أزقة البلدة القديمة ومحيطها.

أما شارع الشهداء، الذي كان يوماً المركز التجاري الأبرز في المدينة، فلا يزال مغلقاً أمام حركة الفلسطينيين منذ مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، مع استمرار إغلاق أكثر من 500 محل تجاري بأوامر عسكرية، يضاف لهم 700 محل نزح عنها أصحابها بفعل الاجراءات العسكرية الإسرائيلية.

وفي الأحياء المغلقة شرق الحرم، ومنها واد الحصين وواد النصارى وحارة السلايمة وحارة حابر، يعيش السكان تحت قيود تمس أبسط تفاصيل حياتهم، من الوصول إلى المنازل وزيارة الأقارب إلى انتقال الطلبة إلى مدارسهم.

ويقول مفيد الشرباتي، أحد سكان شارع الشهداء: “نعيش في سجن حقيقي، لا يسمح للأقارب والأصدقاء والمتضامنين من الوصول لزيارتنا”.

وفي حي تل الرميدة، لا تقل المعاناة حدة، إذ تتحكم بوابة حديدية عند مدخل المنطقة في حركة السكان، وتفتح مرتين يومياً وفق المواعيد المحددة، ما يضع طلبة المدارس والمعلمين وعمال البلدية والسكان أمام انتظار يومي للوصول إلى منازلهم وأعمالهم.

وتشير معطيات إلى أن عدد سكان هذه الأحياء تراجع من نحو 3 آلاف نسمة قبل عام 2000 إلى بضع مئات حالياً، في مؤشر على التحولات السكانية التي شهدتها المنطقة بفعل الإغلاقات والقيود المتراكمة.

ستة مداخل للمدينة.. والبوابات تتحكم بالحركة

مدينة الخليل ترتبط بستة مداخل رئيسية، بات معظمها مغلقاً أو خاضعاً لسياسة الفتح والإغلاق وفق الإجراءات العسكرية.

فالمدخل الشمالي للخليل، يفتح ويغلق دون مواعيد ثابتة، ومدخل فرش الهوى شمال غرب المدينة، وهو أحد الشرايين الحيوية لحركة المواطنين والبضائع، يفتح ويغلق وفق قرارات الجنود، ومنذ 23 اكتوير الماضي اغلق بالكامل، فيما أغلق مدخل بيت عينون شمال شرق المدينة بالكامل، وكذلك مدخل المنطقة الصناعية في جبل جوهر.

أما مدخل الفحص المدخل الجنوبي فيفتح لساعات ويغلق لساعات أخرى، وكذلك حال مدخل النبي يونس الشمالي يفتح ويغلق دون مواعيد.

السائقون.. الصباح يبدأ بالسؤال عن الطرق ونهايته مجهولة

ولا تقتصر آثار البوابات والحواجز على سكان المناطق المغلقة، بل تمتد إلى السائقين والعاملين في قطاع النقل، الذين أصبحت تفاصيل يومهم مرتبطة بحالة الطرق ومواعيد فتح الحواجز وإغلاقها.

يقول أحمد، وهو سائق شاحنة، إن أول ما يفعله عند استيقاظه صباحاً هو متابعة مجموعات “واتساب” المخصصة لتبادل المعلومات حول أوضاع الطرق والحواجز، قبل أن يقرر مساره اليومي.

ويضيف: “عندما أستيقظ كل صباح، أول ما أفعله هو السؤال عن أحوال الطرق من خلال مجموعات “واتساب”، فحياتي وعملي بالكامل يعتمدان على فتح البوابة أو إغلاقها”.

أما السائق عبد المجيد، الذي يعمل على خط رام الله – الخليل، فيقول إن السائقين يبقون على تواصل مستمر فيما بينهم لمعرفة الطرق المفتوحة وتجنب الحواجز المغلقة.

ويضيف: “طوال الوقت نتواصل نحن السائقين مع بعضنا البعض، وسؤالنا واحد: أي طريق مفتوحة؟ رأس الجورة، الفحص، حلحول، عش غراب، الكونتينر، جبع.. نخرج من منازلنا صباحاً ولا نعلم متى نعود.. نحن نعيش داخل سجن كبير”.

وتختصر شهادتا السائقين واقعاً يومياً يتجاوز تأخير الرحلات وارتفاع تكاليف النقل، إذ بات التخطيط للعمل والتنقل وحتى العودة إلى المنزل مرهوناً بمعلومات متغيرة يتبادلها السائقون، في محاولة لتجنب الوقوع أمام بوابة مغلقة أو حاجز يعطل حركتهم لساعات.

مسافر يطا.. بوابة واحدة تعطل حياة 12 تجمعاً

وفي جنوب المحافظة، تتخذ منظومة الإغلاق شكلاً أكثر قسوة، مع ارتباط حركة نحو 12 قرية وخربة في بادية يطا ومسافرها ببوابة حديدية واحدة، تشمل تجمعات الزويدين والنجادة والكعابنة والحميدات والفخيت ومغاير العبيد والتبانة والثعلة وغيرها.

وعندما أغلق الاحتلال البوابة الأسبوع الماضي لليوم الثالث على التوالي، لم يتوقف الأمر عند تعطيل حركة المركبات، بل امتد إلى التعليم والصحة وتربية المواشي وإمدادات المياه.

فقد تعذر على نحو 50 معلماً الوصول إلى مدارسهم، ما أدى إلى توقف الدراسة، فيما واجه مرضى يحتاجون إلى جلسات غسيل الكلى وعلاجات يومية صعوبة في الوصول إلى المستشفيات.

كما تعذر على مربي المواشي إدخال الأعلاف والأدوية البيطرية والوصول إلى أسواق بيع المواشي في يطا، فيما ارتفعت كلفة نقل المياه نتيجة اضطرار الشاحنات إلى سلوك طرق ترابية والتفافات طويلة.

وتقع أجزاء من هذه المنطقة ضمن منطقة إطلاق النار رقم 918، التي تبلغ مساحتها اكثر منو30 ألف دونم، وتواجه تجمعاتها السكانية مخاطر الهدم والتهجير، وسط تحذيرات أممية سابقة من خطر التهجير القسري.

دودين: استهداف الاقتصاد أولوية.. والهدف دفع الشباب إلى الهجرة

ولا تقف تداعيات الإغلاقات عند تقييد حركة المواطنين، إذ يرى محافظ الخليل أن استهداف المنظومة الاقتصادية أصبح أحد الأهداف الرئيسية للاحتلال، في ظل ما تشهده المحافظة من تعطيل لحركة الإنتاج والتجارة والخدمات.

وقال دودين إن المحافظة عملت، منذ السابع من أكتوبر، على توطين الاقتصاد وتعزيز صمود المؤسسات الاقتصادية، مشيراً إلى أن مؤسسات اقتصادية فكرت في مغادرة الضفة الغربية في أعقاب الحرب، إلا أن جهود المحافظة والمؤسسة الأمنية والقطاع الخاص أسهمت في توفير الحماية والأمان لها والاستمرار في عملها.

وأضاف أن الاحتلال يعطي أولوية مطلقة لضرب المنظومة الاقتصادية، لافتاً إلى أن الأيام الأخيرة شهدت حالة من الشلل في النشاط الاقتصادي، بفعل الإغلاقات.

وقال إن استهداف المكونات الاقتصادية الفلسطينية يأتي في سياق الضغط على الشباب الفلسطيني، وإدخال فكرة الهجرة إلى عقولهم تدريجياً، من خلال تضييق ظروف الحياة والعمل والإنتاج، وإضعاف قدرة المنشآت على الاستمرار.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في محافظة الخليل، التي تعد المركز الصناعي والتجاري الأبرز في الضفة الغربية، وتضم حصة كبيرة من المنشآت الصناعية الفلسطينية، وتعتمد قطاعاتها الإنتاجية والتجارية على حركة الشاحنات والبضائع والعمال بين المدن والقرى والأسواق.

فإغلاق مداخل المدن والبلدات لا يؤخر وصول المواطنين فحسب، بل يربك حركة المواد الخام والمنتجات، ويرفع كلفة النقل، ويؤخر تسليم الطلبيات، ويضعف قدرة المنشآت على الوفاء بالتزاماتها التجارية.

كما تتضرر القطاعات الزراعية والحيوانية، خصوصاً في المناطق الريفية، حيث يصبح الوصول إلى الأراضي الزراعية والأسواق ومصادر المياه مرتبطاً بإمكانية اجتياز البوابات العسكرية.

وفي هذا السياق، يشير دودين إلى أن القيود المفروضة على المزارعين خلال موسم الزيتون، ومنع أعداد كبيرة منهم من الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمارهم، تمثل جانباً آخر من استهداف مصادر الدخل في المحافظة، وتجفيف مقومات الحياة الاقتصادية فيها.

وأضاف أن هذه الإجراءات، إلى جانب الإغلاقات المتواصلة، تسهم في دفع المواطنين إلى التفكير في بدائل عن البقاء في مناطقهم، وهو ما يصفه بسياسة التهجير الصامت.

67 شهيدا.. ومساءلة غائبة

وفي سياق حديثه عن تصاعد اعتداءات المستوطنين، قال دودين إن 67 فلسطينياً استشهدوا برصاص المستوطنين منذ السابع من أكتوبر، دون أن تتم، بحسب قوله، مساءلة أي مستوطن أو احتجازه على خلفية تلك الاعتداءات.

وقارن المحافظ بين غياب المساءلة عن اعتداءات المستوطنين، وبين الإجراءات الجماعية التي يتعرض لها سكان المحافظة، مستشهداً بإغلاق مداخل الخليل والتنكيل بمئات آلاف المواطنين على خلفية أحداث أمنية محدودة.

واعتبر أن ما يجري لا يمكن فصله عن منظومة متكاملة من الإغلاقات والاعتداءات التي تستهدف السكان ومصادر رزقهم، وتضعف قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وأعمالهم ومؤسساتهم.

الخليل.. محافظة داخل سجن كبير

وتقدم أرقام الحواجز والبوابات صورة عن حجم القيود المفروضة على المحافظة، لكن أثرها الحقيقي يظهر في تفاصيل الحياة اليومية: مريض ينتظر فتح بوابة للوصول إلى المستشفى، ومعلم لا يستطيع الوصول إلى مدرسته، وشاحنة تضطر إلى سلوك طرق جبلية، ومزارع يفقد موسمه بسبب منعه من الوصول إلى أرضه، وتاجر يعجز عن إيصال بضاعته إلى السوق.

وما بين البلدة القديمة ومسافر يطا، وبين مداخل المدينة والطرق الرابطة بين القرى والبلدات، تتسع دائرة العزل لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية.

وفيما تحولت منظومة الحواجز إلى شبكة تعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتقسمها إلى تجمعات معزولة يمكن إغلاقها والتحكم في الاتصال بينها، يرى محافظ الخليل أن ما يجري يتجاوز القيود الأمنية إلى استهداف قدرة السكان على الاستمرار في مناطقهم.

في الخليل، لم تعد المسألة مدينة فيها حواجز، بل حواجز فيها مدينة، 221 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، ومداخل تتحكم في حركة السكان، وطرق تختصر المسافات على الخرائط لكنها تطيلها في الواقع، واقتصاد يحاول الاستمرار وسط شبكة من الإغلاقات.

المصدر: معا الإخبارية

Share This Article