المسار : في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا تُعد المجازر فصولاً عابرة من العنف، بل هي محطات مفصلية في استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية. في السادس عشر من أيلول 1982، لم يتحول مخيما صبرا وشاتيلا في بيروت إلى مسرح لجريمة إنسانية بالصدفة، بل كان تتويجاً لقرار سياسي إسرائيلي مبيت. لقد استعانت إسرائيل “بوكلاء” من الميليشيات المسلحة لتنفيذ تلك الجريمة الشنيعة، ساعية للتملص من المسؤولية القانونية والأخلاقية. هذا التكتيك لم يهدف فقط إلى تنفيذ المجزرة، بل كان يحمل غاية أبعد: إحداث انقسام وفوضى في الساحة اللبنانية لتفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني، مما يخدم سياسة إسرائيل في كسر إرادة المقاومة وتصفية الوجود الفلسطيني دون تحمل تبعات الفعل. هذا النمط من الإبادة عبر الوكلاء كان أول مؤشر على طبيعة دولة تتجنب المحاسبة الدولية.
هذه الاستراتيجية التي كانت قائمة على الإخضاع، شهدت تحولاً جذرياً تحت قيادة بنيامين نتنياهو. فبينما كانت سياسات القادة الإسرائيليين السابقين مثل إسحاق رابين وإيهود باراك تهدف إلى “إدارة الصراع”، تحولت سياسة نتنياهو إلى “تصفية الوجود” بشكل صريح. لم يعد الاحتلال بحاجة إلى وسطاء كما كان الحال في صبرا وشاتيلا، بل بات ينفذ الإبادة مباشرة بأدواته العسكرية النظامية. هذا التحول ليس عرضياً، بل هو نتاج تلاقي عوامل عديدة، أبرزها التحالف مع اليمين المتطرف الذي يرى في الصراع قضية دينية تستدعي التطهير الديموغرافي، واستخدام الصراع كأداة للهروب من قضايا الفساد التي يواجهها نتنياهو داخلياً، والأهم من ذلك، اليقين المطلق بأن الدعم الأمريكي لن يتزعزع، وأن واشنطن ستوفر له الغطاء السياسي اللازم لأي جريمة يرتكبها.
إن تجلي هذه الاستراتيجية الجديدة يحدث اليوم في قطاع غزة، ولكن بأبعاد مختلفة تماماً. ما يميز جريمة غزة ليس حجمها فحسب، بل كونها أول إبادة جماعية تُبث على الهواء مباشرة في التاريخ. هذه الشفافية المروعة ليست مجرد نتيجة لانتشار وسائل الإعلام، بل هي جزء من استراتيجية الاحتلال التي تهدف إلى بث الرعب في نفوس الفلسطينيين ودفعهم نحو الاستسلام أو التهجير. وفي هذا السياق، تكشف هذه المجزرة عن فشل ذريع للمنظومة الدولية، حيث تتحول الأمم المتحدة إلى مجرد “منبر خطابي” عاجز، فيما تتجاهل قرارات المحكمة الجنائية ومحكمة العدل الدولية.
لفهم ما يجري في غزة بشكل أعمق، لا بد من تجريد المصطلحات القانونية من غموضها. فما يحدث يتجاوز كونه “جريمة حرب”؛ إنه إبادة جماعيةبكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالقانون الدولي يتطلب إثبات “نية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة”، وهذه النية تتجلى في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تدعو إلى “محو” القطاع، وفي الأفعال التي تتبع ذلك من قتل جماعي، وتدمير منهجي للبنية التحتية، وفرض التجويع كسياسة حرب. إن هذا الفهم القانوني لا يقتصر على كونه تصنيفاً أكاديمياً، بل هو الأساس الذي يكشف أن إسرائيل ليست مجرد دولة في حالة حرب، بل دولة تنفذ سياسة إبادة منظمة.
وعلى الرغم من سلسلة المجازر، فإن التاريخ يثبت فشل استراتيجية “كسر الإرادة”. ففي لبنان، بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، لم يتبخر النضال، بل تحول وتجدد. المقاومة تتطور دائمًا بعد هذه المجازر، وكل عملية عسكرية لم تضعفها بل زادتها صلابة وأرغمتها على التطور. من حجارة الانتفاضة الأولى، إلى المقاومة المسلحة في الانتفاضة الثانية، وصولاً إلى القدرات العسكرية المتطورة في غزة اليوم. إن هذا الصمود ليس مجرد ظاهرة عسكرية، بل هو فعل ثقافي واجتماعي؛ فالفن والشعر والأدب كلها أدوات يستخدمها الشعب الفلسطيني للحفاظ على هويته في وجه محاولات الإبادة.
وهذا ما يقودنا إلى العامل المشترك الأبرز الذي يربط بين مجزرتي الماضي والحاضر: التواطؤ الدولي. فما كان في عام 1982 صمتاً متواطئاً، أصبح اليوم دعماً سياسياً مباشراً يمنح إسرائيل رخصة مفتوحة لمواصلة جرائمها. استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن، وتجاهل قرارات المحاكم الدولية، كلها أدلة على أن النظام الدولي لم يعد قادراً على حماية الشعوب، بل أصبح أداة في يد القوى الكبرى. هذا الموقف ليس مجرد “عجز”، بل هو تواطؤ سياسي ممنهج يمنح إسرائيل الغطاء لجرائمها.
في النهاية، ما يربط بين صبرا وشاتيلا وغزة هو الاستهداف الممنهج للوجود الفلسطيني. فما لم ينجح الاحتلال في تحقيقه عبر مجزرة صبرا وشاتيلا من كسر للإرادة، لن ينجح فيه عبر الإبادة الجماعية في غزة. إن المقاومة الفلسطينية، بجميع أشكالها، هي رد فعل طبيعي على جريمة الاحتلال المستمرة، وإثبات أن هذا الشعب لن ينسى. الذاكرة هي سلاحه الأقوى، والصمود هو خياره الأوحد. تبقى صبرا وشاتيلا، وتبقى غزة، شاهدًا على أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن التاريخ يسجلها بدماء الضحايا.

