المسار : يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) والتي كانت ترأسه المستشارة السابقة أنغيلا ميركل انقساماً داخلياً عميقاً داخل تحالف الاتحاد بين الحزب وشقيقه الأصغر الحزب المسيحي الاجتماعي، والذي برز منذ حرب غزة بأنه المدافع الأكبر عن إسرائيل.
وسبب الخلاف داخل الحزب والحزب الشقيق بسبب موقف المستشار الألماني ميرتس الجديد تجاه إسرائيل في ظل الحرب في غزة. فقرار ميرتس المفاجئ بتقييد صادرات الأسلحة إلى إسرائيل “حتى إشعار آخر”، استجابة لانتهاكات القانون الإنساني الدولي في القطاع، أثار جدلا واسعا، ليس فقط في إسرائيل والمجتمع اليهودي، بل أيضاً داخل صفوف حزبه وحلفائه في الحزب المسيحي الاجتماعي (CSU).
انقسام في الاتحاد: صدام مع التقاليد
في أول اجتماع للكتلة البرلمانية للاتحاد بعد العطلة الصيفية، حاول ميرتس تهدئة الأوضاع، مؤكداً أن موقف حكومته تجاه إسرائيل لم يتغير. لكن كلماته لم تلق قبولاً واسعاً. النائب ألكسندر هوفمان، رئيس مجموعة CSU الإقليمية، أشاد في البداية بتوضيح ميرتس، لكنه سرعان ما انتقد “الضغط الأحادي” على إسرائيل، مؤكداً أن أي نقد لإسرائيل يجب أن يتضمن إدانة واضحة لمسؤولية حركة حماس.
تصفيق الحاضرين الحار لكلمات هوفمان، كشف عن هوة عميقة داخل الاتحاد، حيث يرى العديد من الأعضاء أن موقف المستشار ينحرف عن التقليد التاريخي للحزب في دعم إسرائيل. هذا الانقسام يمس جوهر هوية الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي ارتبط تاريخياً بالتضامن مع إسرائيل. فمنذ اتفاقية لوكسمبورغ عام 1952 التي مهدت للمصالحة بين ألمانيا وإسرائيل بقيادة المستشار كونراد أديناور، مروراً بإقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1965، وصولاً إلى إعلان المستشارة السابقة أنغيلا ميركل عام 2008 أن أمن إسرائيل جزء من “مصلحة الدولة الألمانية وكانت العلاقة مع إسرائيل ركيزة أساسية لسياسة الاتحاد. لكن ميرتس، المستشار المنتمي لنفس الحزب، يتبنى الآن نهجاً أكثر صرامة، مما أثار استياء العديد من رفاق ميرتس تحت الضغط.
خلال حملته الانتخابية، وعد ميرتس بإنهاء ما وصفه بـ”الحظر الفعلي” على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، منتقداً سلفه أولاف شولتس. لكن بعد توليه المنصب، بدا أن وعوده الانتخابية تصطدم بواقع معقد. صور الأزمة الإنسانية في غزة، بما في ذلك تقارير عن مقتل فلسطينيين أثناء توزيع المساعدات، تركت أثراً عميقاً على ميرتس، حسبما يقول مقربون منه. قراره بتعليق صادرات الأسلحة جاء بعد قرار المجلس الأمني الإسرائيلي في أغسطس توسيع العمليات العسكرية في غزة، بما في ذلك السيطرة على مدينة غزة، وهو ما اعتبره ميرتس تصعيداً غير مبرر.
في الوقت نفسه، يواجه ميرتس ضغوطاً من الشركاء الأوروبيين، بما في ذلك رئيسة المفوضية الأوروبية أورزولا فون دير لاين، التي تدعو إلى فرض عقوبات على إسرائيل، وكذلك من شريك الائتلاف، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يتبنى موقفاً مشابهاً. هذه الضغوط تجعل ميرتس في موقف حرج، حيث يحاول تحقيق توازن بين التزامه بالتضامن مع إسرائيل وبين الضرورة السياسية للتوافق مع الشركاء الأوروبيين.
داخل الاتحاد، يبرز صوت النقد من شخصيات بارزة مثل وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت، الذي يدعم إسرائيل ويعتبر تدمير حماس هدفاً مشروعاً. على النقيض، يدافع وزير الخارجية يوهان فاديفول عن نهج ميرتس، محذراً من “التضامن القسري” مع إسرائيل، معتبراً أن حماس لم تعد تهديداً عسكرياً وجودياً. هذا الانقسام يعكس توتراً بين التزام الاتحاد التاريخي بإسرائيل وتطلعات البعض لسياسة خارجية أكثر مرونة.
في المجتمع اليهودي الألماني، أثار قرار ميرتس صدمة. سيمونه هوفمان، ابنة أحد الناجين من الهولوكوست وعضوة في CDU، عبرت عن خيبة أملها، قائلة إنها شعرت بأن اليهود الإسرائيليين يُعاملون “كضحايا من الدرجة الثانية”. وفي الوقت نفسه، حذر رئيس الوزراء البافاري ماركوس زودر من أي انحراف عن التضامن مع إسرائيل، معتبراً أن أي تراجع سيكون “إشارة خاطئة” و”ذنباً كبيراً”.
تحدي إعادة تعريف “مصلحة الدولة“
في خطاب ألقاه أمام المجلس المركزي لليهود في برلين بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيسه، شدد ميرتس على التزامه بأمن إسرائيل، لكنه تبنى تمييزاً جديداً بين “مصلحة الدولة” (Staatsräson) و”مصلحة الحكومة” (Regierungsräson)، مشيراً إلى دعمه للدولة الإسرائيلية وليس بالضرورة حكومة نتنياهو. هذا التمييز يعكس محاولته لإعادة صياغة العلاقة مع إسرائيل في ظل التوترات الحالية، بحسب مراقبين.
وفي حوار مع مجلة شبيغل الألمانية يؤكد المحلل السياسي دانيال مارفيكي، مؤلف كتاب “الغفران؟ إسرائيل ومصلحة الدولة الألمانية”، أن العلاقة الوثيقة بين الاتحاد وإسرائيل كانت نتيجة “صدفة تاريخية” وليست مدفوعة بالأخلاق وحدها. ويرى أن العلاقة بين ألمانيا وإسرائيل كانت في الأصل “صفقة متبادلة المنفعة”، حيث قدمت إسرائيل لألمانيا إعادة التأهيل الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، بينما دعمت ألمانيا إسرائيل في بناء دولتها.
ويرى محللون أن فريدريش ميرتس يجد نفسه في مأزق سياسي معقد. من جهة، يسعى للحفاظ على التزام ألمانيا التاريخي تجاه إسرائيل، ومن جهة أخرى، يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية لتبني موقف أكثر نقداً تجاه حكومة نتنياهو، وترى المجلة الألمانية أنه منذ تولّيه منصب المستشار، لم يشهد الاتحاد المسيحي (CDU/CSU) خلافاً داخلياً بحجم الجدل الدائر اليوم حول موقفه من الحرب الإسرائيلية على غزة. قرار المستشار ميرتس بوقف صادرات السلاح إلى إسرائيل شكّل صدمة، ليس فقط في الحكومة الإسرائيلية والجالية اليهودية في ألمانيا، بل أيضاً في صفوف حزبه نفسه.
المعركة داخل الاتحاد المسيحي ما زالت في بدايتها. أنصاره يرون أن ميرتس يضع ألمانيا على مسار جديد أكثر واقعية في الشرق الأوسط، بينما يتهمه خصومه بتقويض إرث الحزب التاريخي مع إسرائيل.

