بقلم: يوسي كلاين
لتعرف كل أم يهودية ترسل ابنها للجيش بأنها تسلم مصيره لشخص تختلف يهوديته عن يهوديتها. لتعرف كل أم يهودية بأنه ليس سهلاً على ابنها العلماني التأقلم مع جيش متدين. انتهاكات كثيرة للحقوق الفردية وإقصاء كبير للنساء. الجنود يتم توبيخهم وسجنهم بتهمة المس بالمشاعر الدينية مثل “الحياء” و”غناء النساء” و”العلاقات” التي “تضر” بقيم الجيش الإسرائيلي”.
ما هي قيم الجيش الإسرائيلي؟ البروفيسور آسا كيشر، الذي وضع مدونة أخلاقيات الجيش الإسرائيلي، قال إن قيم الجيش لا تقوم على روح القتال التي تنبع من “حرب الفرائض”. وبحسب كيشر، فإن المصطلحات الدينية، “حرب الفرائض”، لا تناسب دولة ذات سيادة في القرن الحادي والعشرين. ما هي إذاً القيم التي يقوم عليها الجيش لخوض الحرب؟ هل نقاتل دفاعاً عن الوطن، أم أن هناك أهدافاً أسمى؟ في الحرب الأخيرة، كانت الأهداف غامضة ومتغيرة، لم يكن واضحاً ما الذي نقاتل من أجله ومن أجل من، حتى لو كان ذلك لا يشمل الجميع.
كان المتدينون القوميون الذين يعتبرون الخدمة القتالية رسالة يعرفون بالضبط ما الذي يقاتلون من أجله ومن أجل من. وقد مثلهم العميد عوفر فينتر أفضل تمثيل في عملية “الجرف الصامد” عندما قال: يا الله، يا إله إسرائيل، وفقنا في مساعينا التي نحن على وشك خوضها… ضد العدو الذي يلعن اسمك”. والجندي الذي حطم تمثال المسيح، قاتل ضد عدو مقيت. وأيضاً رجال الشرطة الذين منعوا بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة، والمتعصبون الذين بصقوا على الرهبان.
جميعهم يقاتلون باسم الله، بما في ذلك حماس وحزب الله. هؤلاء يقاتلون باسم الله بدافع قوي. كانت نسبة القتلى والمكرمين من بينهم أعلى من نسبتهم في السكان خلال الحرب الأخيرة. فهم يعتبرون أنفسهم “النخبة العسكرية الجديدة”، ويشغلون مناصب متوسطة في التسلسل الهرمي العسكري كقادة ألوية وفرق. وقد بثوا روحاً جديدة في الجيش، روح التشدد في تطبيق معاييرهم المتعلقة بالطعام والملابس والسبت في الجيش الإسرائيلي.
الجنود العلمانيون اعتبروا ذلك أمراً مفروغاً منه. لقد تقبلوا بخضوع “حشمة” الحاخامية العسكرية وإقصاء النساء والحلال وطبيعة السبت، رغم أنهم كانوا بعيدين جداً عنها. لم يتمردوا، بل كانوا مطيعين مثل الحملان، غير مبالين. لديهم خطوط حمراء في المسائل الدينية أيضاً، ولكنهم سيفعلون كل ما في استطاعتهم كي لا يروها.
قبلوا بالسيطرة الحريدية القومية بسبب عدم وجود بديل لديهم، ولأنهم لم يتعلموا في مدارسهم أن هناك يهودية تختلف عن اليهودية الظلامية والعنصرية التي يتبناها الحريديم القوميون. هم لا يعرفون اليهودية المختلفة، حتى لو آمن بها معظم يهود العالم. كان لدى آبائهم دائماً أعذار مثل “الأمر ليس سيئاً جداً” و”القليل من اليهودية لن يضر” و”يمكنكم التعايش مع ذلك”.
الجنود العلمانيون عرفوا أنه لا خيار أمامهم، وأن عليهم التعايش مع ما يسمح للمتدينين بالتواجد قربهم. الجانب العلماني يرى أنه من الضروري دائماً التنازل والتكيف مع ما لا يؤمن به. الجيش المتعطش للحم المدافع الحريدي سيفعل كل ما في استطاعته ليشعروا فيه بالراحة. لا مجال للمساومة هنا، فالحريديم القوميون لن يوافقوا ولا يمكنهم أن يوافقوا. المتدينون غير مستعدين للسير قدماً أو التنازل أو الاستسلام. فبالنسبة لهم، لا يوجد نصف حلال أو القليل من الحشمة. ومثلما يفعل الآباء الذين يتوب ابنهم، فالجيش يعد بيئته لتكون مناسبة لليهود الحريديم، حتى لو كان ثمن ذلك باهظاً.
الجيش مستعد لتكون حياة الجنود العلمانيين صعبة في الفضاء العام العسكري. إن الربط بين النزعة العسكرية والتدين يضع أهدافاً للقتال عليها، في الوقت الذي لا أهداف حقيقية له. ويتجلى الربط بين “إسرائيل فوق كل شيء” و”توراة إسرائيل فوق كل شيء” في الإرهاب اليهودي في المناطق المحتلة.
كل من لا يوافق على هذا الربط سينظر إليه، ليس فقط بأنه مرتد ديني، بل أيضاً بأنه خائن للدولة. لقد قال الحاخام تسفي كوك إن جيش الدفاع الإسرائيلي مقدس. لقد كان مخطئاً، لا يمكن للجيش أن يكون مقدساً، وحتى جنوده وأفعاله. لا قداسة للحرب، ولا يوجد لله أي دور فيها. نحن نقاتل فقط عندما لا يكون هناك أي خيار آخر، وليس كغاية بحد ذاتها. لا يمكن فعل أي شيء في الحرب إلا ارتكاب الأعمال الوحشية وتبريرها بأنها إرادة الله.

