بقلم: إسماعيل الريماوي /الضفة الغربية عام 2025… حين صار البقاء مقاومة

المسار :2025 عامٌ ثقيلٌ مرّ على الضفة الغربية، ليس لأنه مرّ سريعًا، بل لأنه مرّ فوق الصدور كصخرة. عامٌ يُقاس بعدد الجنازات لا بعدد الأيام، وبعدد الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن خلف الأبواب المغلقة ولم يعودوا. عامٌ صار فيه الاستيقاظ على خبر اعتقال أمرًا عاديًا، واستقبال خبر اغتيال أو إعدام ميداني تفصيلًا يوميًا في حياة شعب يُدفع قسرًا إلى حافة الاعتياد على الفاجعة.

في الضفة الغربية لم يعد الليل وقتًا للراحة، بل موعدًا دائمًا لاقتحام البيوت، لكسر الأبواب، لتفتيش الذاكرة قبل الغرف، لاعتقال الشبان من أسرهم وأحلامهم، لترك الأمهات في منتصف الدعاء، والآباء في منتصف العجز. الأطفال هنا تعلّموا الفرق بين نوعين من الطرق على الباب: طرق الحياة وطرق الجنود. والاعتقال لم يعد استثناءً بل سياسة، ولم تعد الاغتيالات حدثًا طارئًا بل خيارًا ثابتًا، تُنفّذ بدمٍ بارد، في الشوارع، عند الحواجز، أو حتى داخل المخيمات المحاصرة.

المخيمات التي كانت شاهدة على النكبة الأولى تُعاقَب اليوم لأنها ما زالت تتذكر. تُدمَّر بيوتها، تُجرف شوارعها، تُحاصر لساعات وأيام، يُعاد رسمها بالجرافات، كأن الاحتلال يحاول اقتلاع الذاكرة من جذورها. فهدم البيوت لم يعد مجرد عقوبة، بل رسالة واضحة مفادها أن لا أمان تحت هذا الاحتلال، وأن السقف الذي يحميك اليوم قد يُمحى غدًا بقرارٍ عسكري عابر.

التهجير هنا لا يُعلن، لا قوافل ولا صراخ في الإعلام، بل تهجير صامت، يبدأ بخنق الحياة: بإغلاق الطرق، بمصادرة الأراضي، بتوسيع المستوطنات، بدفع الناس إلى الرحيل لأن البقاء صار مستحيلًا. والضمّ أيضًا يمضي بصمت، بلا بيانات رسمية، لكنه حاضر في كل دونم يُصادر، وفي كل مستوطنة تتمدّد كسرطان على جسد الأرض، تسمن على حساب القرى المحاصرة، وتكبر تحت حماية السلاح والقوانين العنصرية.

أكثر من ألف حاجز وبوابة تفتح وتُغلق على مزاج الجندي، تتحكم في وقتك، في رزقك، في علاجك، في جنازة أبيك، وفي ولادة طفلك. الضفة الغربية تحولت إلى جزرٍ معزولة، شمالها مفصول عن جنوبها، المدن محاصرة ببعضها، والقرى مقطّعة الأوصال. والمسافة التي كانت تُقطع في دقائق صارت رحلة إذلال تمتد لساعات، حيث يُختبر الصبر الفلسطيني كل يوم أمام فوهة بندقية.

وفي ظل هذا كله، يواصل المستوطنون عربدتهم اليومية: يحرقون البيوت والمركبات، يدمّرون المحاصيل، يعتدون على الأهالي، يضربون ويقتلون، تحت حماية أمنية كاملة، في مشهد يكشف عُري العدالة الزائفة، ويؤكد أن السلاح واحد وإن اختلف الزي، وأن الجريمة حين تُحمى تصبح سياسة رسمية.

عامٌ مرّ ولم يكن مجرد سنة صعبة في سجل المعاناة الفلسطينية، بل كان فصلًا مكثفًا من مشروعٍ كامل، مشروع كسر الإرادة، وتفريغ الأرض، وإعادة تشكيل الضفة الغربية ككيانٍ ممزق بلا قدرة على الحياة أو المقاومة. ومع ذلك، ورغم الثقل، ما زالت الضفة واقفة؛ تنزف لكنها لا تنكسر، تُحاصر لكنها لا تستسلم، لأن هذا الشعب تعلّم منذ زمن طويل أن الاحتلال قد يملك القوة، لكنه لن يملك الشرعية، وأن الأرض التي تُروى بالصبر والدم لا يمكن أن تُنتزع إلى الأبد.

في عامٍ جديد، لا تُغلق الضفة الغربية دفترها، لأن الوجع لم ينتهِ، ولأن الألم ما زال مفتوحًا على كل بيت وكل طريق وكل اسمٍ غاب أو غُيّب. عامٌ سابق مرّ ثقيلًا على الأرواح قبل الأجساد، عام تعلّم فيه الفلسطيني كيف ينام وقلبه معلّق على صوت اقتحام، وكيف يصحو على خوفٍ مؤجّل، وكيف يحمل وطنه مثقلًا فوق كتفيه ويمضي. الوجع هنا ليس خبرًا عاجلًا ولا رقمًا في تقرير، بل حياة كاملة تُستنزف ببطء: أمّ تنتظر، وطفل يكبر على الحواجز، وبيت يُهدم في الذاكرة قبل أن يُهدم بالحجر.

عام 2025 ترك في الضفة جرحًا عميقًا لا يُرى في الصور وحدها، جرحًا في الإحساس، في الأمان، في القدرة على الحلم. لكنه أيضًا كشف قسوة العالم حين يختار الصمت، ووحشة الطريق حين يُترك شعب كامل وحيدًا في مواجهة آلة البطش. ومع ذلك، ورغم هذا الألم الذي يكاد يختنق في الصدور، ما زالت الضفة تنبض بالحياة، لا لأن الألم خفّ، بل لأن الناس لم يملكوا ترف الانكسار. عامٌ سيبقى شاهدًا على وجعٍ لا يُحتمل، وعلى شعبٍ تعلّم أن يعيش جريحًا… دون أن يتخلى عن حقه في البقاء.

Share This Article