كتب جمال محمد تقي : ضد من تحالف بعض العرب مع إسرائيل؟

المسار : أثبتت الوقائع أن أنظمة مصر والاردن، وحتى منظمة التحرير الفلسطينية، كانت قد تفاوضت، وعقدت اتفاقيات مع إسرائيل.. كامب ديفيد، وادي عربة أوسلو، لكنها لم تتحالف معها، أي لم تجعل من ذاتها شريكة لسياساتها ومتبنياتها، وحاولت أن تكون ندية مع إسرائيل ولو شكليا، وقد بررت سلوكها التطبيعي وقتها، على أنه مساومات مشروعة واضطرارية، يمكنها أن تساهم بإيقاف تمدد المشروع الصهيوني، واسترجاع ما أمكن من أراض محتلة، بعد إبطال ذريعة الرفض المطلق لوجود إسرائيل، وذلك بالخروج من حالة الحرب معها، وبأقل الخسائر الممكنة، وكف شرها، مع احتواء ضغوط أمريكا، التي من دون دعمها لا ضمانة لاستقرار تلك الأنظمة.

أما منظمة التحرير، فإنها وأمام انسداد الساحات، ولقلة حيلة قيادتها، وجدت في أوسلو طوق نجاة، بعد أن وصل اختلال موازين القوى لأقصاه، فكانت هي الحلقة الأضعف في سلسلة المطبعين، وكانت المحصلة تنصل إسرائيل من كل التزاماتها، بعد أن أوقعت المنظمة في فخاخها، وكانت فادحة حيث أشاعت الاستيطان في الضفة، وتهويد القدس، وخنق غزة، والدوس على كل بنود أوسلو. لقد انكشفت نوايا إسرائيل الدفينة باستدراج المنظمة للانقضاض عليها ومحو مقوماتها، من خلال تطويع سلطتها وتجريدها المتدرج من مكامن قوتها.

كان خيارهم جميعا هو الجنوح للأمرالواقع، حيث تعذر المواجهة، وارتفاع تكلفتها على الجميع. فحالة اللاحرب واللاسلم، مع قمع داخلي للأصوات المطالبة بحلول جذرية لواقع الاستنزاف الداخلي والخارجي لم تعد مجدية، لذلك اختارت أن تحسم أمرها بالاستناد إلى الدعم الخارجي في التفرغ لضبط الداخل، عسى أن يكون المردود لصالحها، معاشيا على أقل تقدير. وبعد مرور نحو 47 عاما على اتفاقية كامب ديفيد، ونحو 33 عاما على اتفاقية أوسلو، ونحو 32 عاما على اتفاقية وادي عربة، لم يتحقق أي من توقعات أصحابها من العرب، ولم تساهم إلا بشرذمة المواقف العربية عامة، والفلسطينية خاصة، ولم تحقق مصر، أو الأردن أي فوارق حقيقية في مجالات النمو الاقتصادي والمعاشي، على عكس ما عشمت به رعاياها، وفتحت سياسة التطبيع الطريق أمام إسرائيل للتغلغل الخبيث لفرض الهيمنة، ومحاولة تفصيل دول الطوق وما بعده على المقاسات الإسرائيلية، وأخذت تدعو جهارا لشرق أوسط جديد تكون، إسرائيل الكبرى، فيه هي القوة العظمى الوحيدة، وفي المقابل تقزم دول العرب والمسلمين، بالحث الخشن والناعم، إلى دويلات متنازعة، ما بين سنية وشيعية وعلوية ونوبية وقبطية وكردية ودرزية وأمازيغية، وحتى يعم التنازع، يُصب الزيت على النار، في سوريا والعراق ولبنان والسودان وليبيا واليمن ومصر والأردن وإيران وتركيا وباكستان. شر إسرائيل مستدام، وعلى الجميع بمن فيهم المطبعون، وهذا ما خبرته مصر والأردن ومنظمة التحرير!

إسرائيل تتحالف مع إثيوبيا وتدعم تمويل سدها «سد النهضة» ليكون متحكما بشريان الحياة في وادي النيل، ليوقع أكبر ضرر ممكن ببنيته الطبيعية، وهي تتحالف مع حكومة ناريندرا مودي، اليمينية المتطرفة في الهند، لإيقاع أكبر الأضرار بباكستان، وهي تتكتل مع قبرص واليونان للنيل من تركيا، وهي الدولة الوحيدة في العالم، التي اعترفت بما يسمى جمهورية أرض الصومال بوساطة إماراتية، لتكريس حالة الانقسام في الدولة الصومالية، والاستثمار بتداعياتها الجيوسياسية، إسرائيل تحرض أمريكا على ضرب إيران، وتلفق الأسباب للعدوان عليها بذريعة سعيها للسلاح النووي، مع أنها هي من يملك كل أنواع أسلحة الدمار الشامل بما فيها النووي، وتستخدم كل أنواع الأسلحة التقليدية المتطورة في حربها الإبادية على الشعب الفلسطيني، خاصة في غزة.

فتحت سياسة التطبيع الطريق أمام إسرائيل للتغلغل الخبيث لفرض الهيمنة، ومحاولة تفصيل دول الطوق وما بعده على المقاسات الإسرائيلية

لم يكن النهج الإسرائيلي قبل 7 اكتوبر، وطوفان الأقصى، الذي شكل ردة فعل متوقعة على التمادي الإسرائيلي، وسعيه لاجتثاث الهوية الفلسطينية بالتزامن مع هرولة عربية إسلامية مجانية للتطبيع معها، مختلفا نوعيا عن نهجها بعده، فعمليات التهويد والاستيطان والاغتيال والاعتقال والحصار والإبعاد القسري، والتملص من استحقاقات اتفاقية أوسلو كلها جارية بشكل متواصل، مستوى وكمية القتل ارتفعت، خاصة بغزة لدرجة الإبادة، وبعبارة أخرى ما كانت تفعله إسرائيل خطوة خطوة قبل 7 اكتوبر اندفعت بعده لتفعله بخطوات متلاحقةإ اذن كيف يمكن تبرير تحالف بعض العرب مع إسرائيل قبل وبعد 7 اكتوبر؟ فالاتفاقات الإبراهيمية التي جرت في ولاية ترامب الأولى، والتي لعبت فيها دولة الإمارات دور العراب، جاءت بعد أن اعترف ترامب بالقدس الموحدة، الشرقية والغربية عاصمة أبدية لإسرائيل، وبعد أن أوعز بنقل سفارته من تل ابيب إلى القدس، وبعد أن اعترفت إدارته بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل. السلوك الإمارتي مختلف عن السلوك المصري، أو الأردني أو الفلسطيني، هؤلاء الثلاثة أطراف مباشرة في الصراع، ولهم جولات وصولات واجتهادات تفترض حلولا ومواقف تمس استقرارهم ووجودهم، ورغم ذلك لم يتحالفوا مع الكيان الصهيوني ضد أبناء جلدتهم، قد تكون مواقفهم متخاذلة، ولا تنسجم مع حجم الكارثة، لكنهم لم يتجسسوا لمصلحة إسرائيل، ولم يقاتلوا إلى جانبها ضد أشقائهم، ولم يزودوها بالمال ولا بالمرتزقة ضد الفلسطينيين، ولم يسمسروا لإسرائيل في السودان والصومال وليبيا، ولم يتنكروا لقيمهم وانتمائهم كما فعل البعض، فالشعور الغامر بالدونية إزاء إسرائيل تجعلهم لا يبصرون انحطاط الأحزاب الدينية الصهيونية وخرافاتها الدموية، أحزاب بن غفير وسموتريتش وأصحاب البقرات الحمر، الذين لا يبارحون مطاراتهم. الحقد يجب أن لا يعمي الأعين عن التبصر، حتى لا تصل الأمور إلى مواصيل لا تحمد عقباها. وهل من شيم الفرسان الغدر بالشقيق السعودي ومحاولة الاستقواء عليه بمراكز الضغط الصهيونية، والموساد، وأقران إبستين، في واشنطن، للتدليس عليها، وعلى مواقفها المتعقلة والمتزنة، إزاء تغول المشروع الصهيوني، ورفضها للتذيل والتذلل لإسرائيل وابتزازات راعيها؟ كيف تفسر الامارات دخولها في حلف غير معلن تقوده إسرائيل مع إثيوبيا والهند وقبرص اليونانية واليونان، ضد السعودية وقطر وتركيا ومصر والأردن، وهي عضو مؤسس في مجلس التعاون الخليجي، وعضو مزمن في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؟ وكيف تفسر الإمارات مخطط تابعها عيدروس الزبيدي الباحث عن إعلان قيام دولة جنوب اليمن من بوابة التطبيع مع إسرائيل؟ ربما تتأمل الإمارات من إسرائيل أن تستعيد لها جزر أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى من إيران، بعد زوال نظامها الإسلامي! الانقياد لسياسة فرق تسد التي تنتهجها إسرائيل مع العرب والمسلمين والتطوع الإماراتي لتعميقها وإشاعتها من المحيط للخليج، هو تملق رخيص يعتقد أصحابه أن التمسح بذيل الاقوياء سيجعلهم أقوياء أيضا! ألم يسمعوا ما قاله مايك هاكابي، من مقولات تستكثرعلى العرب أرضهم، وتؤكد مساعي إسرائيل المدعومة أمريكيا لبسط نفوذ الصهاينة على حاضر ومستقبل العرب، بما فيها دول الخليج؟

 

كاتب عراقي

جمال محمد تقي

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

Share This Article