المسار :لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته حدثًا معزولًا أو طارئًا، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من الاستهداف المنهجي لدولة اختارت أن تقول «لا» للهيمنة الأمريكية، وأن تنحاز إلى قضايا الشعوب المظلومة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
و ما جرى لا يمكن فصله عن السياق العالمي الراهن، حيث تتراجع القوانين الدولية، ويعلو منطق القوة، وتُستبدل الشرعية السياسية بما يشبه «شريعة الغاب».
إن اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، ومحاولة كسر رمزية القيادة السياسية عبر استهداف عائلته، يمثل سابقة خطيرة تؤكد أن النظام الدولي دخل مرحلة انفلات غير مسبوقة، ولم يعد الانقلاب يحتاج إلى دبابات، ولا الاحتلال إلى جيوش، بل بات يُنفذ عبر الضغوط، والعقوبات، والاختطاف السياسي، والتشويه الإعلامي، تحت عناوين زائفة كـ«الديمقراطية» و«مكافحة الجريمة».
منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، دفعت فنزويلا ثمن خياراتها السيادية، حين استعادت السيطرة على ثرواتها، ورفضت عقود النهب، ووقفت إلى جانب فلسطين وشعوب العالم الحر، وخرجت عن بيت الطاعة الأمريكي.
ومنذ ذلك الحين، فُرض عليها حصار اقتصادي خانق، وقُطعت عن النظام المالي العالمي، وشُنت عليها حملات تشويه، وصولًا إلى محاولات انقلاب فاشلة، واليوم إلى اعتقال رئيسها في مشهد يعكس حجم الغطرسة التي بلغتها قوى الهيمنة الإمبريالية.
وبالنسبة للفلسطيني، لا يبدو هذا المشهد غريبًا، فسياسة العقوبات الجماعية، وفرض القيادات البديلة، واستخدام القوة خارج إطار القانون، هي ذاتها الأدوات التي تُستخدم ضد شعبنا منذ عقود.
وما يحدث في فنزويلا يعيد إلى الأذهان ما يتعرض له الفلسطيني يوميًا من حصار وعدوان وقتل، في ظل صمت دولي فاضح، بل وتواطؤ استعماري مكشوف.
وليس من قبيل الصدفة أن يكون أكثر المرحّبين بما جرى في فنزويلا هو بنيامين نتنياهو، الذي يرى في هذا النهج غطاءً لسلوكه العدواني في غزة والضفة ولبنان وسوريا.
فالمشروع الذي يستهدف كاراكاس هو ذاته الذي يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لارتكاب في فلسطين، ويكرّس منطق القوة على حساب العدالة.
إن اعتقال مادورو وزوجته لا يشكل فقط انتهاكًا صارخًا للسيادة الفنزويلية، بل يمثل ضربة مباشرة للقانون الدولي نفسه ولسيادة الدول.،فعندما يصبح خطف رئيس دولة أمرًا ممكنًا دون محاسبة، فهذا يعني أن العالم بات يُدار بمنطق العصابات لا بمنطق الدول، وبميزان المصالح لا بميزان الحقوق.
من هنا، فإن التضامن مع فنزويلا ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل جزء من معركة عالمية دفاعًا عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
فلسطين وفنزويلا، رغم البعد الجغرافي، تقفان في الخندق ذاته، في مواجهة مشروع واحد وأدوات واحدة، تستهدف كل من يرفض الخضوع والتبعية.
قد يُعتقل رئيس، وقد تُحاصر دولة، لكن التاريخ علّمنا أن الشعوب التي تصمد تنتصر، وأن الهيمنة مهما بلغت ستنكسر أمام إرادة الحرية. وما يجري اليوم في فنزويلا ليس نهاية الطريق، بل محطة جديدة في صراع طويل بين منطق القوة وإرادة الشعوب الحرة.

