كتب محمد عربيد: اندماج الفلسطينيين في أوروبا كأداة نضالية

المسار : لم يعد الوجود الفلسطيني في أوروبا مجرّد نتيجة لجوء أو هجرة قسرية فرضها الصراع الفلسطيني الصهيوني، بل بات جزءًا من مشهد سياسي وثقافي أوسع، تُصاغ داخله المواقف، وتُنتج السرديات، وتُتخذ القرارات، ومع هذا التحوّل يفرض سؤال نفسه بإلحاح: أيّ وجود نريده لأنفسنا؟ وجودًا يكتفي باستحضار الذاكرة والحنين، أم حضورًا منخرطًا في المجتمعات الأوروبية، قادرًا على التأثير فيها ومن خلالها؟
من هنا تبرز فكرة «الاندماج كفعل نضالي» لا كشعار جذاب، بل كمحاولة لإعادة التفكير في دور الشتات الفلسطيني، خارج ثنائية العزلة الخانقة أو الذوبان المريح.
لسنوات طويلة، سادت مقاربة ترى في الاندماج تهديدًا مباشرًا للهوية الوطنية، وكأن الحفاظ على فلسطين يمرّ بالضرورة عبر الانكفاء، أو عبر العيش على هامش المجتمع المضيف، لكن التجربة أثبتت عكس ذلك فالعزلة لم تحمِ الهوية بقدر ما كرّست التهميش، وأبعدت الفلسطيني عن دوائر التأثير الحقيقي، السياسية والثقافية والإعلامية، في المقابل لا يعني الاندماج الواعي التخلي عن فلسطين، بل يعني نقل الاشتباك إلى ساحات كفاح ونضال جديدة، حيث تُصاغ القوانين، وتُبنى الصور الذهنية، ويُعاد تعريف “الحق” و“الضحية”.
الاندماج، بهذا المعنى، ليس اندماجًا ثقافيًا سطحيًا، بل امتلاكًا لأدوات الفعل داخل المجتمع الأوروبي: اللغة، والمعرفة القانونية، وفهم آليات العمل السياسي والإعلامي، والحضور داخل المؤسسات والاحزاب وهي، الأدوات ذاتها التي استُخدمت طويلًا لتبرير سياسات الاحتلال الاسرائيلي، ويمكن إن أُحسن استخدامها أن تُستعاد وتُوظَّف في مواجهته.
في هذا السياق، تتحوّل الهوية الفلسطينية من عبء رمزي يُثقل صاحبه، إلى مصدر قوة وتأثير فنجاح الفلسطيني في الأكاديميا، أو الفن، أو البحث العلمي، أو حتى العمل السياسي، لا يبقى إنجازًا فرديًا معزولًا، بل يصبح عنصرًا يُربك الصور النمطية التي رسّخها الاحتلال عن الفلسطيني بوصفه “مشكلة” أو “خطرًا”. هذا الحضور يمنح الفلسطيني شرعية مختلفة للحديث عن قضيته: لا كـ“آخر” طارئ، ولا كلاجئ يطلب العطف، بل كجزء من المجتمع الذي يخاطبه، ومن لغته وقيمه وعاداته وانظمته.
كما تلعب الأجيال الفلسطينية الجديدة في أوروبا دورًا محوريًا في هذا التحوّل، فهي أقلّ تقيّدًا بثقل الخطاب الكلاسيكي، وأكثر قدرة على العمل داخل السياقات السياسية والإعلامية والرقمية في بلدان إقامتها، هذه الأجيال تخاطب الرأي العام الأوروبي بلغة الحقوق والمواطنة، لا بلغة الاستجداء، وتعيد عبر النشاط الرقمي والإنتاج الثقافي إنسانية القضية الفلسطينية وربطها بقيم العدالة وحقوق الإنسان، لا باعتبارها قضية “بعيدة”، بل مسألة أخلاقية حاضرة.
هذا الشكل من الاندماج يفتح آفاقًا جديدة للمقاومة المدنية: التأثير في السياسات العامة، استخدام المسار القانوني والحقوقي، وبناء تحالفات مع قوى اجتماعية تناهض العنصرية والاستعمار والتمييز، فحين تصبح فلسطين جزءًا من النقاش الداخلي الأوروبي، لا مجرد ملف خارجي، يتغيّر ميزان التأثير، ولو تدريجيًا.
مع ذلك، لا يخلو هذا المسار من المخاطر ويظل دقيقا، فالتحدي الحقيقي هو تحقيق اندماج بلا ذوبان، واشتباك واعٍ لا يفقد البوصلة الوطنية، العزلة تضعف القضية وتسهّل شيطنتها، لكن الاندماج غير الواعي قد يفرغها من مضمونها، اذا المسألة في جوهرها ليست اختيارًا بين الهوية والحضور، بل في كيفية الجمع بينهما دون وهم أو تبسيط.
اذا الاندماج لا يشكّل استسلامًا للواقع، بل إعادة تعريف لمفهوم الميدان، فإذا كانت الأرض في الداخل ساحة نضال وكفاح، فإن الوعي العام وصناعة القرار في أوروبا هما اليوم إحدى ساحات النضال في الشتات، وفي هذا الميدان تحديدًا، قد يكون الفلسطيني المندمج والمشتبك بوعي، أحد أكثر أشكال النضال تأثيرًا.

بقلم: محمد عربيد

الاندماج كأداة نضالية

Share This Article