المسار :لم تكن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض حدثًا عابرًا في حسابات دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل شكّلت فرصة ذهبية لرئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، الذي يقف سياسيًا على حافة السقوط، ويبحث عن أي حرب جديدة تعيد شدّ عصب الشارع الإسرائيلي وتحجب فشله الداخلي.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن نتنياهو تعامل مع إدارة بايدن باعتبارها عبئًا سياسيًا، ورفض كل مقترحات وقف الحرب على غزة، ليس بدافع “الأمن” كما يدّعي، بل لمنع خصومه الديمقراطيين من تسجيل أي إنجاز سياسي قبيل انتخابات 2024. في المقابل، فتح نتنياهو أبواب الدعم العلني على مصراعيها لترامب، مقامرًا بالتأييد التقليدي ثنائي الحزب لدولة الاحتلال داخل الولايات المتحدة.
ترامب الذي وعد ناخبيه بأنه “لن يشعل حروبًا”، عاد سريعًا إلى لغة التهديد، لكن هذه المرة بنكهة “رد الجميل”. فنتنياهو منحه دعمًا سياسيًا فاضحًا، وترامب اليوم يشعر أنه مدين له، لا بالمجاملات، بل بالقنابل.
غزة: حرب مفتوحة لحماية نتنياهو
سمح ترامب لدولة الاحتلال بخرق وقف إطلاق النار، واستئناف العدوان على غزة، ما أدى إلى ارتقاء مئات الشهداء، بينما جرى تسويق ذلك كـ”ضرورة أمنية”. الحقيقة أبسط وأكثر وقاحة: الحرب مستمرة لأن سقوطها يعني سقوط حكومة نتنياهو، وانفراط تحالفه مع بن غفير وسموتريتش.
اللافت أن الأحزاب الصهيونية في المعارضة لا تعارض الحرب، بل تشارك في التحريض عليها، ما يجعل الدم الفلسطيني إجماعًا إسرائيليًا، لا خلافًا داخليًا. هنا يلعب الإعلام العبري دورًا مركزيًا في التضليل، عبر تمرير المواقف السياسية على لسان “توصيات الجيش”، لأن الجمهور لا يثق بالحكومة… لكنه ما زال يقدّس المؤسسة العسكرية.
إيران: الحرب المؤجلة… وربما القادمة
في موازاة المجازر في غزة، ترتفع نبرة ترامب ضد إيران. تهديدات، أساطيل، منشورات نارية، ودعوات متناقضة بين التفاوض والقصف. لا أحد يعرف إن كان ترامب سيضغط الزر، لكن المؤكد أن نتنياهو يدفع بقوة نحو هذا الخيار، خاصة مع دخول دولة الاحتلال عامًا انتخابيًا جديدًا.
التقديرات الإسرائيلية نفسها تعترف بأن الضربات الجوية وحدها لن تُسقط النظام الإيراني، وأن أي مغامرة عسكرية قد تشعل المنطقة بأكملها، وتفتح الباب أمام رد إيراني غير مسبوق باستخدام قدرات لم تُكشف بعد، تشمل استهداف دولة الاحتلال مباشرة.
ومع ذلك، يواصل ترامب اللعب على حافة الهاوية، متذرعًا بـ”حقوق الإنسان” في إيران، في مشهد لا يخلو من نفاق سياسي، بينما يدعم بلا تردد إبادة جماعية في غزة، وتجويعًا ممنهجًا لسكانها، ومنعًا لإعادة إعمارها.
التضليل الإعلامي: الجيش واجهة… والقرار سياسي
الإعلام الإسرائيلي لا ينقل الحقيقة، بل يعيد إنتاج الرواية الرسمية بلباس عسكري. توصيات بوقف المساعدات، تحذيرات من “تعافي حماس”، تخويف من قطر وتركيا… كلها مواقف سياسية تُمرر باسم الجيش، لأن ذلك أكثر قابلية للتصديق لدى الشارع الإسرائيلي.
وفي العمق، ترفض دولة الاحتلال أي بديل فعلي لحكم غزة، وتُبقي على خيار التهجير والاستيطان حاضرًا، باعتباره مشروعًا مؤجلًا لا ملغى، وهو ما يعلنه وزراء الحكومة بلا مواربة، بدعم أميركي صريح أو صامت.
الخلاصة
ما يجري ليس دفاعًا عن “أمن إسرائيل”، بل معركة بقاء سياسية لنتنياهو، تُدار بدم الفلسطينيين، وتُسوّق بلسان الجيش، وتُغطّى أميركيًا من ترامب، الذي قد يجد في الحرب على إيران “فاتورة تسديد” لدعم انتخابي سابق.
السؤال الذي يفرض نفسه:
إلى أي حدّ يمكن أن يذهب ترامب في إشعال المنطقة، فقط ليضمن بقاء نتنياهو؟
وهل ستكون غزة مجرد محطة… أم فاتحة لحرب إقليمية كبرى؟

