المسار : عقد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) جلسة لمناقشة مسودة تقرير بعنوان: (شرط السلامة الأمنية للحصول على الحقوق والخدمات العامة يُخلّ بنزاهة الحكم)، وذلك بمشاركة مختصين وممثلين عن مؤسسات رسمية وأهلية، لبحث الأثر القانوني والحقوقي لهذا الشرط على نزاهة الحكم وسيادة القانون في فلسطين.
وافتتح اللقاء عصام حج حسين المدير التنفيذي لائتلاف أمان بالإشارة إلى ارتباط هذه القضية بنزاهة الحكم في مجالاتها الثلاث وهي نزاهة الوصول إلى الحكم إن كان بالتعيين أو الانتخاب، وبالتالي أثر الحصول على هذا الشرط على نزاهة التعيينات والانتخابات، والمجال الثاني هو ممارسة الحكم بما فيه تقديم الخدمات للمواطنين بمساواة وعدالة، وأخيرا الرقابة على ممارسة الحكم ودور المنظومة القضائية والأمنية والرقابية في ذلك.
وقدّمت الباحثة د. عرين بدوان، معدّة التقرير، عرضًا تفصيليًا لأبرز مضامينه، موضحةً السياق القانوني والإداري والوطني الذي أتاح التوسع في استخدام ما يُعرف بشرط السلامة الأمنية أو حسن السيرة والسلوك في مراحل عمر السلطة الوطنية الفلسطينية، وتحوله إلى أداة غير منصوص عليها قانونيًا تُستخدم في مجالات متعددة ولأهداف تمس بمبدأ العدالة والمساواة في الحصول على الخدمات وفي تقلد الوظائف العامة، وبما يتعارض مع المبادئ التي كفلها القانون الأساسي الفلسطيني.
وبيّن التقرير أن هذا الشرط يستند إلى شهادة أو توصية صادرة عن الأجهزة الأمنية تشير إلى (الملاءمة الأمنية) للفرد، ويُطبّق بشكل غير رسمي لكنه واسع الانتشار، رغم غياب أي أساس قانوني واضح له. كما أشار إلى تعارضه الصريح مع قوانين فلسطينية نافذة، مثل قانون الخدمة المدنية وقانون الوظائف العامة، التي تحدد معايير التوظيف على أساس الكفاءة والمؤهلات الأكاديمية والخبرة المهنية، لا الاعتبارات الأمنية ولا تبعا للأراء أو المواقف السياسية.
وأوضح التقرير أن اشتراط السلامة الأمنية يؤثر بشكل غير متناسب على فئات معينة من المجتمع، لا سيما أصحاب الآراء أو المواقف السياسية المعارضة، حيث يؤدي في كثير من الحالات إلى حرمان مواطنين من حقوقهم في التوظيف أو الوصول إلى الخدمات العامة، رغم استيفائهم للشروط القانونية الأخرى، ما يشكل تمييزًا فعليًا بين المواطنين.
كما تناول التقرير الحكم الصادر عن المحكمة العليا الفلسطينية عام 2012، الذي قضى بعدم قانونية شرط السلامة الأمنية في التوظيف، مشيرًا إلى أن عدم الالتزام بتنفيذ هذا الحكم من قبل بعض الجهات التنفيذية يعكس تراجعًا في احترام سيادة القانون واستقلالية القضاء، واستمرار العمل بممارسات مخالفة للأحكام القضائية.
وخلال الجلسة، أثارت مداخلات المشاركين جملة من الإشكاليات الجوهرية، أبرزها غياب الأساس القانوني الواضح لشرط السلامة الأمنية، وتحوله إلى ممارسة عرفية شفوية وغير موثقة تُطبّق بشكل انتقائي ودون معايير معلنة. كما تم مناقشة التوسع في استخدام هذا الشرط ليشمل مجالات أخرى مثل تسجيل الجمعيات والشركات غير الربحية، وحصر الإرث، والترخيص لبعض الأنشطة.
وأشار الحضور إلى الخلط المفاهيمي بين مصطلحات السلامة الأمنية، وحسن السيرة والسلوك، وشهادة عدم المحكومية، وما يترتب على ذلك من آثار قانونية وحقوقية خطيرة، في ظل غياب الشفافية وسرية الملفات الأمنية وتضارب توصيات الأجهزة المختلفة. كما أكدوا أن هذه الممارسات تُستخدم أحيانًا على خلفيات سياسية أو شبه سياسية، وتخلّف آثارًا نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة على الأفراد المتضررين.
وأجمع الحضور على وجود استسهال في معالجة الإشكاليات الإدارية والحقوقية عبر القنوات الأمنية بدلًا من القضاء والذي يشكل بيئة تسمح بالفساد السياسي والتعسف في استخدام السلطة، وشدد على أن المشرّع الفلسطيني لم يُلزم الأجهزة الأمنية بمنح أو منع شهادات حسن السيرة والسلوك، كما أن تضارب توصيات الأجهزة وغياب السجلات المسبقة للمواطنين يؤديان إلى اجتهادات فردية تفتقر للمعايير، وتغذّي الواسطة والمحسوبية. وأكد أن الأمن لا يمكن أن يكون بديلًا عن القضاء، داعيًا إلى تعزيز الثقة بالمنظومة القضائية باعتبارها المرجعية الوحيدة لحماية الحقوق وصون نزاهة الحكم.
وفي ختام الجلسة، أجمع المشاركون على أن شرط السلامة الأمنية بصيغته وممارساته الحالية يُخلّ بمبادئ نزاهة الحكم وسيادة القانون، ويتعارض مع أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، ولا يمكن تبريره بالظروف الاستثنائية. وأكدوا أن تنظيم الحقوق يجب أن يتم بنصوص قانونية واضحة ومحددة، صادرة عن جهات مختصة.

