الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 1/3/2026

إنجازات عسكرية لا تكفي لضمان انهيار النظام

بقلم: تسفي برئيل 

يتيح اعلان طهران الرسمي مساء امس الاحد عن وفاة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي سلسلة خيارات امام النظام، لكنه لا يغير جوهر القضية المتعلقة بمستقبله. فالهجوم المشترك الذي شنته إسرائيل وامريكا على ايران لا يوضح بدقة ما يهدف اليه دونالد ترامب. هل يهدف الى اخضاع النظام حتى يقر بالهزيمة ويعلن الموافقة على كل المطالب الامريكية والإسرائيلية، أو الهدف هو القضاء على النظام الحالي تمهيدا لنظام جديد وقيادة جديدة؟. الخيار الأول يتيح للقيادة فرصة تعيين مرشد اعلى جديد بسرعة، وفرصة لإنقاذ نفسها والبقاء في الحكم اذا اختارت اتفاق استسلام مع أمريكا. اما الخيار الثاني فيشعل في الذهن فكرة ثورة سياسية تستولي فيها قيادة بديلة على السلطة وتسارع الى توقيع اتفاق سلام مع الولايات المتحدة، وربما مع إسرائيل، لانشاء “شرق أوسط جديد”.

حسب تقارير إيرانية، في حزيران الماضي وفي اعقاب حرب الـ 12 يوم، استعد خامنئي لوفاته، بل وشكل لجنة من ثلاثة مسؤولين كبار للتوصية بخليفته في حالة وفاته أو اغتياله. ولم تتم معرفة مرشحه المفضل. ومن بين الأسماء المطروحة ابنه مجتبى الذي يفتقر الى السلطة الدينية المناسبة، وقبله الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، الذي توفي حادث تحطم مروحية، ومؤخرا طرح اسم حسن روحاني، الرئيس السابق والحائز على اعلى لقب ديني، وصادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية وشقيق علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الامن القومي، الذي اصبح اعلى سلطة بعد الخميني. حسب الدستور يقع اختيار الخليفة على عاتق مجلس الخبراء، وهو هيئة منتخبة تشمل 88 عضو، يرى كثير منهم انفسهم مؤهلين لشغل هذا المنصب. عمليا، من المرجح ان يصبح اختيار الوريث، لا سيما بعد فترة طويلة من الحكم، ساحة للصراع السياسي بين المحافظين والمتطرفين، وبينهم وبين الحرس الثوري الذي يعمل على تامين قائد “على هواهم”. وستحدد نتيجة الاختيار وجهة النظام ومصير الحرب.

حتى بداية الهجوم امس تبين، على الأقل علنا، ان ترامب يسعى بجهد الى التوصل الى اتفاق مع القيادة الحالية، يتمحور حول وقف تخصيب اليورانيوم في ايران بشكل كامل، وفرض عمليات تفتيش دقيقة تضمن عدم سعي ايران (على الاطلاق) الى تطوير سلاح نووي. هذه كانت “الكلمات السرية” التي وضعها ترامب كشرط لاستمرار الدبلوماسية. ويبدو ان جولات المحادثات التي عقدها الطرفين لم ترسخ أساس متين بما فيه الكفاية للاعتقاد بان الجولة الثالثة التي كان من المقرر عقدها في هذا الأسبوع في جنيف ستحقق نتائج عملية وسريعة. ورغم التفاؤل الذي اظهره وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، ألا أن ايران لم تلمح اذا كانت تنوي تقديم تنازلات أخرى كان يمكن أن تمنع الهجوم.

لقد دخلت الولايات المتحدة الحرب باستعراض قوة كبير جدا، لكن مثلما في حروبها السابقة ضد فنزويلا والعراق وأفغانستان فان هذا لم يكن كاف لاقناع النظام الديكتاتوري بجدية نوايا الرئيس الأمريكي. حتى “العملية المحدودة” التي اشارت اليها وسائل الاعلام الامريكية كخيار مخطط له لم تكن كافية، لانه لم يكن هناك ما يضمن عدم تطورها الى صراع متعدد الجبهات، الذي سينتهي بالتأكيد بحرب شاملة.

امس وسعت ايران نطاق ردها ليتجاوز هجماتها المتوقعة على إسرائيل باطلاق الصواريخ على البحرين وقطر والكويت ودولة الامارات والسعودية. مع ذلك، حسب المعلومات المتوفرة فقد استهدفت قواعد واهداف أمريكية، أو اهداف تخدم نشاطات عسكرية مثل المطارات، بدون استهدف مواقع مدنية أو حكومية أو منشآت نفط وغاز أو بنى تحتية مدنية. ايران لم تقدم حتى الان على اغلاق ممر الملاحة والتجارة في الخليج الفارسي بشكل مباشر، اذ ما زال نبأ اغلاق مضيق هرمز قيد التحقق – ولم تلجأ الى وكلائها في العراق ولبنان واليمن لفتح جبهات ثانوية. وهكذا وجهت ايران رسالة واضحة بشان طبيعة التهديد الذي تسعى لفرضه على جيرانها، بدون فتح جبهة قتال شاملة ضدهم.

من السابق لاوانه تقييم كيفية تطور رد ايران في الأيام القادمة، وسيتوقف ذلك على تفسيرها لنطاق الهجوم الأمريكي وأهدافه. بكلمات أخرى، اذا كان الافتراض السائد في ايران هو ان النظام نفسه هو المستهدف وليس فقط كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين وان الثورة الإسلامية تتعرض لفقدان دورها في التاريخ فمن المرجح ان تلجأ ايران الى حرب شاملة. من جهة أخرى، اذا ادركت وجود فرصة للحفاظ على النظام سليم مقابل تقديم تنازلات، حتى لو كانت جوهرية، فقد تحاول إعادة فتح القناة الدبلوماسية بواسطة تجنيد جيرانها العرب، الذين رغم الضرر الذي أصاب بعضهم لم يظهروا حتى الان أي استعداد او رغبة في المشاركة في الحرب الامريكية – الإسرائيلية، وتشكيل المحور نفس المناهض لإيران الذي بني عليه النموذج القديم للادارات الامريكية.

ان الاستعداد لتقديم “تنازلات تحت الضغط”، أو ما وصفه خامنئي ذات مرة بـ “مرونة بطولية”، هو كاس سم، وغير معروف اذا كان المرشد الأعلى مستعد لان يشربه. مع ذلك، حتى قرار ايران خوض حرب شاملة ليس طريق خال من الاخطار والتحديات التي قد تؤدي الى فقدان النظام لسلطته. فالى جانب قدراتها العسكرية المحدودة، مقارنة مع القوات الامريكية والإسرائيلية، فان متخذي القرارات في ايران ليسوا من نفس الطينة. فالجيش والحرس الثوري وقوة الباسيج والشرطة خاضعة لتعليمات المرشد الأعلى خامنئي أو وريثه. ولكن هذه مؤسسات تمتلك أصول اقتصادية كبيرة تدر عليها ثروات طائلة وتعيل ملايين الناس. والى جانبها تعمل منظمات مدنية أو شبه مدنية خاضعة لها بشكل مباشر أو غير مباشر.

هذه المؤسسات ستعمل بجهد للحفاظ على قوتها الاقتصادية بقدر ما تسعى للحفاظ على قدرتها العسكرية. وفي أوقات الازمة، مثل هذه الأوقات، من غير المؤكد ان يلتزم الجميع باوامر المرشد بدون اتخاذ إجراءات لحماية انفسهم، بل قد يقترحون حلول خاصة بهم لصياغة اتفاق “خاص” مع أمريكا. ليس مبالغ فيه ذكر ان مسالة ولاء الجيش كانت من بين العوامل التي أدت الى انشاء الحرس الثوري، وهو الهيئة التي تم تصميمها لحماية وتعزيز قيم الثورة، والتي تطورت الى جيش موازي مجهز وممول بشكل افضل من جيش الدولة.

ان هذه المؤسسات والأجهزة اهم من قادتها. فاغتيال كبار المستشارين والقادة في الحكومة والجيش والحرس الثوري، مثلما حدث امس مع علي شمخاني، المستشار الكبير لعلي خامنئي، والذي كان في حينه وزير الدفاع وتم تعيينه مؤخرا رئيس لمجلس الدفاع ضمن إصلاحات خامنئي لالية صنع القرار – لا يؤدي الى انهيار هذه المؤسسات التي كان يترأسونها. فقد استمر المشروع النووي، وعملية إعادة بناءه حتى بعد اغتيال عدد كبير من العلماء الكبار ولم ينهار الحرس الثوري بعد اغتيال رئيسه حسين سلامي في حزيران الماضي، واستمر الجيش في الوجود بعد اغتيال قائده محمد باقري.

مع ذلك، الهجوم على القيادة العليا ليس مجرد ضربة معنوية، والمقولة الشائعة بان لكل قائد بديل ليست بالضرورة دقيقة. ومن الأمثلة على ذلك اغتيال قاسم سليماني قائد “قوة القدس” في هجوم امريكي في كانون الثاني 2020. وبدلا من سليماني، الاستراتيجي متعدد الجوانب الذي نسج حلقة النار، والذي كان يملي بدرجة كبيرة السياسة الخارجية والنووية لإيران، تم تعيين إسماعيل قاءاني الذي تبين انه قائد شاحب ورمادي اللون، وكان بحاجة الى خدمات الترجمة للغة العربية عندما التقى مع رؤساء المليشيات الموالية لإيران في العراق، سوريا ولبنان.

لقد نشر مؤخرا ان خامنئي امر بتعيين قادة عسكريين بدائل في حالة وقوع سلسلة هجمات على القيادة العسكرية. ومن المرجح ان وحدات الجيش والحرس الثوري، إضافة الى الجهات التابعة لإيران، لديها تعليمات مفصلة حول كيفية التصرف باستقلالية حتى في حالة قتل القادة أو انقطاع الاتصال مع القيادة في طهران. بهذه الطريقة قد يحول النظام الصراع الى حرب استنزاف طويلة وواسعة النطاق، ويلحق اضرار مستمرة ويوقع الولايات المتحدة وإسرائيل في مازق قد تعادل فيه فائدة استمرار الحرب حجم الضرر الإقليمي الذي تسببه، بينما تطيل في نفس الوقت عمر النظام.

لا يقل أهمية بالنسبة لإيران تاثير حرب الاستنزاف الطويلة على فرصة عودة حركة الاحتجاج للعمل على اسقاط الحكومة والاستيلاء على مؤسساتها. وقد نصح ترامب نفسه المواطنين بالبقاء في البيوت وحماية انفسهم طالما استمرت التفجيرات. هذا التحذير يجب إضافة اليه القبضة الحديدية التي سيستخدمها النظام ضد كل من يتجرأ على الخروج الى الشوارع من اجل التظاهر.

لكن حتى لو توقف القصف، سيبقى عدد كافي من عناصر النظام المسلحين القادرين على تنفيذ جرائم قتل ضد أي منظمة وقمع أي محاولة للاستيلاء على مؤسسات الدولة والاثبات لترامب بان “المساعدة” التي يقدمها لحركة الاحتجاج تتسبب في مذابح جماعية. وأن “الفرصة الوحيدة” التي يعطيها للمتظاهرين “لاجيال” ستنتهي بابادتهم. وهناك قلق آخر يهدد استئناف حركة الاحتجاج يتمثل بحجم الضرر الذي ستلحقه الهجمات الامريكية والإسرائيلية بالمدنيين الأبرياء وبالطريقة التي سيستغلها النظام لاظهار ان الحرب ليست هدية تقدمها أمريكا للشعب الإيراني، بل هي حرب موجهة ضده، وان التضامن الوطني وحده هو القادر على انقاذ الامة من “مؤامرات الامبريالية الغربية”. في ظل هذه الخلفية وطالما انه لم يظهر بديل قيادي واضح في ايران يمكنه تنفيذ قائمة الأهداف العسكرية والسياسية للحرب مثلما عرضها ترامب في خطابه، فقد يكتفي الرئيس بانجازات عسكرية ملموسة وفورية وقابلة للقياس لاعلان النصر، ويشمل هذا اضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل منهجي، لا سيما أنظمة الصواريخ البالستية. ان استكمال “التدمير الكامل” لمنشآتها النووية هو بلا شكل هدف رئيسي يمكن ان يقلل تحقيقه بشكل كبير من التهديد الاستراتيجي لإيران، لكنه لا يضمن تغيير النظام.

——————————————

هآرتس 1/3/2026

لقد حان الوقت أخيرا للاستيقاظ من نشوة الحروب ووعودها الكاذبة

بقلم: جدعون ليفي

ها هي الحرب تندلع من جديد. وها هي تاتي لتحل مشكلات إسرائيل الوجودية بشكل نهائي. وها هي تتوج مرة أخرى بنجاح باهر في البداية، فيهتف لها الجميع ويكتب يئير لبيد باننا شعب قوي وموحد، ويتنافس المعلقون على من يشيد ببطولة إسرائيل اكثر من غيره، وهكذا دواليك حتى تاتي المتعة التالية. ها هو كل الإسرائيليين تقريبا على قناعة بانه لا توجد حرب عادلة وناجحة اكثر من هذه ويتساءلون: “ماذا كان امامنا من خيارات؟” و”ماذا تقترحون؟” – مثلما هي الحال في كل حروب إسرائيل. لقد بدات الهتافات تسمع امس في الاستوديوهات. لقد انتظروا هذه اللحظة بفارغ الصبر ويسيل لعابهم وأيضا ينتظرون المسيح. أمس جاءت لحظة النشوة، وهي أيضا لن تدوم الا حتى تاتي لحظة النشوة التالية، التي ستاتي اسرع مما هو متوقع.

اذا كانت إسرائيل شاهدت في السابق سنوات كثيرة من الهدوء بين حرب وأخرى – 8 سنوات من حرب 1948 وحتى حرب سيناء، 11 سنة حتى حرب الأيام الستة، 6 سنوات حتى يوم الغفران، 9 سنوات حتى حرب لبنان الأولى، 24 سنة حتى حرب لبنان الثانية – فان الفترة الفاصلة بين حرب وأخرى تقاس الان ببضعة اشهر فقط. في السابق أيضا كانت الوعود تطلق في نهاية كل حرب، وعود زائفة من دعاة الحرب وانصارها الذين يكاد يكون معظمهم من الإسرائيليين مثل “لن تسقط قذيفة واحدة ولن يسقط صاروخ كاتيوشا واحد على مستوطناتنا مرة أخرى”، هكذا وعد مناحيم بيغن بعد انتهاء حرب لبنان الأولى. “لم يذهب ثمن الدماء هباء”، هكذا وعد اهود أولمرت بعد انتهاء حرب لبنان الثانية.

في حزيران قبل ثمانية اشهر فقط، تم اعلان النصر الكامل على ايران. وقال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بان الضربة الأولى ستسجل في سجلات حروب إسرائيل وستتعلم منها جيوش كثيرة في العالم. في اللحظة الحاسمة نهضنا شعب كالاسد وزئيرنا هز طهران وتردد صداه في كل العالم. بسرعة تبين ان هذا الزئير لم يكن الا صوت فأر. ذلك “النصر التاريخي” الذي “أزال تهديدين وجوديين على إسرائيل، التهديد النووي والباليستي” لم يستمر طويلا، وكان مثل رمشة جفن. بضعة اشهر من نصر تاريخي وها نحن بحاجة الى نصر آخر. لم نهدأ بعد من هول اسم “شعب كالاسد”، وها نحن امس نطلق اسم “زئير الأسد” – اسم اكثر عبثية. يبدو أحيانا ان أسماء الحروب المتغطرسة تكفي للتنبؤ بفشلها المؤكد.

لم تحقق أي حرب في تاريخ إسرائيل باستثناء الحرب الأولى أي انجاز طويل الأمد، معظم حروبها كانت حروب اختيارية وكان شنها هو الخيار الأقل صوابا. امس قدم شن الحرب على انه “ضربة استباقية”، لكن الضربة الاستباقية تستهدف من هو على وشك الهجوم. ايران لم تكن لتفعل ذلك. صحيح ان لديها نظام إرهابي وصحيح انها عرضت امن إسرائيل والمنطقة للخطر لسنوات، الا انها لم تكن ابدا الخطر الوجودي الذي واجهته إسرائيل. بالطبع، علينا ان نامل ان يكون الوضع مختلف في هذه المرة، مثلما اعتقدنا في بداية كل حرب سابقة. لكن التجارب السابقة تظهر ان فرصة ذلك ضئيلة. حتى لو تم اسقاط النظام في طهران فان ايران ستصبح مشابهة لسويسرا وستعقد معاهدة سلام بينها وبين إسرائيل الى الابد، وستجد إسرائيل هدف آخر يخيفها.

ان الحل النهائي الذي وعدنا به لن يتحقق ابدا بالسيف وحده او بطائرات اف35، ربما فات الأوان على قول ذلك، لكن طالما استمر الاحتلال وطالما كان ينظر اليه على انه الحل المحتوم المطلق فلن تكون نهاية حقيقية بدونه. بعد سنتين ونصف من عدم الإنجازات في غزة، وبعد نفس الفترة من إنجازات قليلة وغير مهمة ضد حزب الله في لبنان، وبعد ثمانية اشهر من الهجوم السابق على ايران بدون تحقيق أي مكاسب، حان الوقت أخيرا للاستيقاظ من نشوة الحروب ووعودها الكاذبة. الان ستسفك الدماء مثل المياه، ولن تنسى الولايات المتحدة ابدا أننا جررناها الى هذه الحرب، وبعد انتهائها سنستيقظ من جديد على نفس الصباح القديم.

——————————————

يديعوت احرونوت 1/3/2026

نهاية الدكتاتور

بقلم: د. راز تسيمت

في 13 أيلول 2019 نشر حاكم ايران علي خامنئي بيانا احياء للذكرى الأربعين للثورة الإسلامية. وفصل الزعيم الأعلى في رسالته إنجازات الثورة وقدم النصائح للجيل الشاب في ايران استعدادا لتحقيق “المرحلة الثانية” التي على الطريق. في الساحة الداخلية عكست أقواله تجاهلا للفجوة المتسعة بين الجمهور الإيراني، واساسا الجيل الشاب، وبين مؤسسات النظام والثورة. ونسب للشباب الإيراني التمسك بالقيم الثورية والدينية في ظل تجاهل ميول التغيير والعلمنة في أوساط كثيرين من الشباب الذين يبتعدون عن الدين ويتبنون نمط حياة غربيا.

خريطة الطريق التي عرضها خامنئي تجاهلت أيضا الطلب الجماهيري المتزايد لاصلاحات مدنية وسياسية وان كانت محدودة وتدريجية. في مجال السياسة الخارجية أشار خامنئي الى ان الساحة الدولية تقف اليوم امام “يقظة إسلامية”، تستند الى نموذج المقاومة للهيمنة الامريكية والصهيونية وان الولايات المتحدة وحلفائها فشلوا في الوقت الذي وسعت فيه ايران تواجدها السياسي في المنطقة.

لقد عبر هذا البيان جيدا عن تصميم خامنئي على الإبقاء على قيم الثورة.

خامنئي، مواليد 1939 كان من قادة الثورة الإسلامية في 1979. في الستينيات والسبعينيات شارك مشاركة فاعلة في حركات المقاومة لنظام الشاه بل واعتقل وعذب بضع مرات على ايدي قوات الامن. في زمن الثورة الإسلامية اعتبر احد مقربي زعيم الثورة، آية الله الخميني.

في حزيران 1981 نجا خامنئي من محاولة اغتيال، أبقت يده اليمنى مشلولة، لكن هذا لم يوقف طريقه الى قيادة الثورة، وبعد أربعة اشهر من ذلك عين رئيسا، المنصب الذي بقي فيه حتى وفاة الخميني في 1989، حين عينه مجلس الحكماء زعيما أعلاه. تعيينه كخليفة كان يعتبر خروجا فظا على مبدأ “حكم الفقهاء”، لان خامنئي لم يكن رجل الدين الشيعي الأعلى.

بعد تعيينه عمل خامنئي بالتدريج على تثبيت صلاحياته مستخدما سيطرته على أجهزة الدولة وعلى رأسها الحرس الثوري. رفضه التراجع عن النموذج الإسلامي الثوري لم يشكل تحديا كبيرا لاستقرار النظام طالما لم يقف هذا امام تهديد وجودي من الداخل او من الخارج.

حتى يومه الأخير اعتقد الزعيم الأعلى خامنئي بانه لا بديل لطريق “المقاومة”. وافق أحيانا على حلول وسط تكتيكية مثل استعداد للموافقة على المفاوضات مع الولايات المتحدة في مسألة النووي (التي اسماها “مرونة بطولية”)، او التخفيفات في فرض قواعد اللباس الإسلامي في اعقاب احتجاجات الحجاب في 2022. لكنه رفض الخروج عن المباديء الأساس للثورة، حتى كي يوفر حلولا عملية للازمات المتعاظمة لمواطني بلاده.

إضافة الى ذلك، لم يغير خامنئي ابدا فكرته التي تقول ان قدرة حافة نووية عسكرية، تطوير قدرات صاروخية متطورة ودعم الوكلاء الإقليميين الذين نشرتهم ايران على مدى السنين، سيوفرون لها ردعا فاعلا ضد اعدائها. كما أنه لم يتراجع عن موقفه في أن البرنامج النووي لا يشكل الا ذريعة لدى الغرب كي يضغط على ايران، يعزلها ويضعفها لتمهيد التربة لتحقيق الهدف الاستراتيجي المركزي: تغيير النظام الإسلامي.

في احد خطاباته قال ان “سياسيين أمريكيين يدعون أمام موظفين إيرانيين انهم لا ينوون تغيير النظام في ايران، لكنهم يكذبون. فهم لن يترددوا حتى ولا لدقيقة واحدة اذا كانوا يستطيعون تدمير أساس الجمهورية الإسلامية”.

ومع انه كان لبعض من هذه الأفكار الأساس لديه شريك بهذا القدر او ذاك في قيادة النظام الإيراني كله، فعلى مدى السنين نشبت فوارق في الأفكار بينه وبين الدوائر الأكثر براغماتية في قيادة الحكم حول الاستراتيجية المرغوب فيها. هكذا مثلا، فيما بقي خامنئي في موقفه المبدئي الرافض لكل إمكانية لتطبيع العلاقات بين ايران والولايات المتحدة، اعتقد الرئيس الأسبق حسن روحاني بان حوارا مباشرا مع الأمريكيين ينطوي على إمكانية كامنة لتبني سياسة مفتوحة اكثر تجاه الغرب.

فوارق النهج وجدت تعبيرها أيضا بالنسبة للمنفعة التي في رفع العقوبات. فالرئيس الأسبق روحاني والرئيس الحالي، مسعود بزشكيان اعترفا ان انقاذ الاقتصاد الإيراني من الازمة العميقة التي يعيشها يفترض رفع العقوبات حتى بثمن تنازلات في مسألة النووي. اما خامنئي بالمقابل فرفض الموقف القائل ان المشاكل الاقتصادية تنبع من العقوبات الدولية وشدد على أن الحل لهذه المشاكل يكمن في “تحييد العقوبات” وليس رفعها.

فضلا عن ذلك فان التقدير السائد على مدى السنين وبموجبه سياسته تتميز بقدر كبير من الحذر، اثارت الشكوك في السنوات الأخيرة. في اعقاب الهجوم الصاروخي الايراني على إسرائيل في نيسان 2024 قال موظف امريكي كبير لاخبار ABC ان بلاده استندت بقدر كبير على الفهم المغلوط بان زعيم ايران هو حذر ولن يوجه تعليماته ابدا لمهاجمة إسرائيل بشكل مباشر.

منذ عين زعيما لإيران اتخذ خامنئي بالفعل وفي الغالب سياسة حذرة، واساسا في العلاقات الخارجية كي يضمن بقاء نظامه. وهكذا اعترف بان المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة من شأنها ان تشكل تهديدا وجوديا على بقاء النظام، والامر يفترض ابداء الحذر رغم خطابه المتطرف. غير أنه في السنتين الأخيرتين ابدى الزعيم استعدادات اكبر لاخذ المخاطر سواء بسبب عمره المتقدم، سيطرته المطلقة على الدوائر المحافظة والراديكالية في سياقات اتخاذ القرارات في طهران ام لانه قدر بان حفظ ارثه يستوجب المواصلة في طريق “المقاومة” – حتى بثمن مخاطر محسوبة امتنع عنها في الماضي.

 غير أن إصراره هو الذي ساهم في نهاية الامر الى المواجهة العسكرية التي أدت الى موته.

ان رحيل خامنئي لا يعني بالضرورة تغيير النظام في طهران. ومع ذلك هو كفيل بان يهيىء التربة للانتقال من حكم رجال الدين الى حكم بديل.  في هذه المرحلة لا يمكن الإشارة الى هوية زعيم محتمل كهذا ويحتمل ان في المرحلة الأولى تدار شؤون الدولة من مجلس قيادي جماعي بمشاركة مسؤولين كبار من المؤسسة السياسية الى جانب ضباط كبار في الحاضر او في الماضي.

إمكانية أخرى هي ان يفضل الحاكم الجديد الإبقاء على مؤسسة الزعيم الروحي في ظل اضعافها. حكم كهذا كفيل بان ينشأ استمرارا لحكم الفرد الذي تتميز به أنظمة الحكم المطلق العسكرية او كبديل في تطلع لتغيير ثوري يؤدي الى اسقاط الجمهور الإسلامية وإقامة نظام سياسي بديل من خلال تغييرات دستورية، في انتخابات حرة او استفتاء شعبي. مهما يكن من أمر، انتهى عصر في الجمهورية الإسلامية.

——————————————

هآرتس 1/3/2026

الهدف: النظام الايراني

بقلم: عاموس هرئيلِ 

بعد ثمانية شهور على اعلان النصر بتفاخر في الحرب مع ايران، شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حملة جديدة ضد النظام أمس. توصل الأهداف في هذه المرة بطموح كبير، حيث يتحدث الرئيس الأمريكي ورئيس الحكومة الإسرائيلية علنا عن إمكانية اسقاط النظام ويدعوان الجمهور الإيراني الى الخروج الى الشوارع والمشاركة في هذا الجهد. ورغم ان الولايات المتحدة هي التي تخوض الحرب، خلافا لحرب الـ 12 يوم في حزيران من السنة الماضية، الا ان دور الجيش الإسرائيلي غير هامشي. فإسرائيل حسب كل التقارير لها دور فاعل ومحوري في الهجوم.

في مساء يوم امس اعلن ترامب نبأ وفاة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وحسب مصادر سياسية إسرائيلية رفيعة فقد قتل في قصف اشعل فتيل جولة جديدة من الحرب في ايران. وحسب نفس المصادر تم العثور على جثة خامنئي الذي حكم ايران منذ وفاة سلفه روح الله الخميني في 1989، تحت انقاض المجمع الذي قصفته طائرات سلاح الجو الإسرائيلي. لم تعلق ايران حتى الان على مزاعم إسرائيل. في أيلول 2024 عندما اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، ساعد غموض مشابه: إسرائيل ادعت نجاح العملية لبضعة أيام، بينما تهرب حزب الله وقام بنفي ذلك الى ان اجبر على التأكيد.

ان اغتيال خامنئي، اذا صح ذلك، يمثل تطور بالغ الخطورة. مع ذلك يجدر التنويه الى امرين: أولا، مع ان هذا يضعف النظام بشكل كبير، الا انه لا يؤدي بالضرورة الى انهياره. فقد استعد الإيرانيون لمثل هذا السيناريو، واعدوا مؤخرا سلسلة خلفاء محتملين. ثانيا، هذا ليس اغتيال لزعيم منظمة إرهابية، بل زعيم قوة إقليمية. لقد قضت إسرائيل على ديكتاتور وحشي قام بقتل شعبه وكان مسؤول عن قتل عشرات الالاف في ارجاء المنطقة. ولكن في نفس الوقت ستفتح حساب جديد مع نظام لم يعلن بعد عن الاستسلام، وسيعمل بالتأكيد على الانتقام طالما انه يمتلك الوسائل والقدرة على مواصلة القتال.

لقد بدأ الهجوم المشترك بقصف كثيف شنته طائرات قتالية ومسيرات إسرائيلية وامريكية على مئات الأهداف في انحاء ايران، مع التركيز على طهران وغرب ايران. لقد استهدف الهجوم منظومة الصواريخ الباليستية وتمت مهاجمة قواعد تابعة للحرس الثوري. وتشير المعلومات الأولية الى ان هذه المنظومة اكثر انتشارا وتعقيدا من منظومة “شعب كالاسد”. لا ينبغي النظر الى محاولة الاغتيال كعملية معزولة، بل كجزء من جهد شامل يامل من خططوا له في نهاية المطاف الى انهيار النظام. وحسب التقارير كان بين القتلى وزير الدفاع الإيراني وقائد الحرس الثوري الذي تولى منصبه في حزيران بعد اغتيال سلفه.

من جهة أخرى، من الواضح ان ايران قد رفعت مستوى رد فعلها هذه المرة وكان الرد الإيراني على الفور وواسع النطاق. فبالاضافة الى اطلاق عدة صواريخ على إسرائيل اطلقت الصواريخ أيضا على دولة الامارات والبحرين وقطر، وهي دول تستضيف قواعد أمريكية، رغم ان هذه الدول، خلافا لإسرائيل، لم تعلن مشاركتها الفعالة في الحرب. في حزيران كان الإيرانيون يتخوفون من رد فعل عدائي عندما هاجم الامريكيون المنشآت النووية ردا على التحرك الإسرائيلي. لقد سعى النظام الى انهاء الصراع باعتقاد ان ذلك سيضمن بقاءه. في هذه المرة، بينما ترى الولايات المتحدة فرصة سانحة، تدرك ايران وجود خطر محدق، وبالتالي، قد يتطور الصراع بضراوة اكبر وفي قطاعات أوسع. يحتمل حدوث تصعيد سريع يشمل قوى إقليمية أخرى بقيادة الحوثيين في اليمن، الذين بدأوا بالفعل بارسال إشارات التهديد الأولى.

تتحدث التصريحات الرسمية في إسرائيل الصادرة عن رئيس الحكومة ووزير الدفاع والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن ضرورة إزالة التهديد على المدى البعيد. فمزيج من البرنامج النووي وزيادة معدل انتاج الصواريخ الباليستية (الذي وصل الان الى عشرات الصواريخ في الشهر)، واستمرار دعم التنظيمات الإرهابية والمارقة في المنطقة، يتم تصويره على انه تهديد وجود محتمل يجب القضاء عليه نهائيا. وقد تحدث ترامب في تصريحات الأولى بعبارات مشابهة.

ان استمرار الحرب يعتمد، في المرحلة الأولى، على استجابة حركات الاحتجاج في ايران. فاذا عادت هذه الحركات الى الشوارع باعداد كبيرة رغم الاخطار التي تهدد حياة المتظاهرين فقد ينكشف ضعف النظام. لقد فقد النظام الإيراني جزء كبير من شرعيته الداخلية بعد مذبحة مواطنيه في مظاهرات كانون الثاني (حيث قال ترامب مؤخرا ان 32 الف مدني تقريبا قتلوا). مع مرور الوقت سيواجه خامنئي صعوبة في البقاء في السلطة، لكن المسالة الان هي تجاوز حاجز الخوف: هل الجمهور مستعد لتعريض حياته للخطر مرة أخرى؟ للتخلص من آيات الله يجب ان يكون التحرك مشترك. يصعب جدا اسقاط نظام بالقوة أو بالتدخل الخارجي وحده، لا سيما اذا كان الامر يعتمد فقط على القوة الجوية، مثلما يصر ترامب.

إسرائيل لا تتعجل في الكشف عن معلومات حول الضربات الصاروخية على أراضيها، لكن يبدو في الوقت الحالي ان نتائج القصف منذ ساعات الصباح كانت محدودة نسبيا وان الاضرار ليست غير مالوفة. لقد اطلق الإيرانيون على مدار معظم اليوم صواريخ باعداد قليلة باتجاه الأراضي الإسرائيلية. هذا قد يشير الى ثغرة في سلسلة القيادة والسيطرة لديها، ومحاولة استخدام منصات الاطلاق قبل تدميرها. أيضا شلت سلسلة عمليات الاطلاق الحياة في إسرائيل لساعات طويلة، حيث طلب من المواطنين البقاء في الملاجيء معظم الوقت. وكان الجيش الإسرائيلي يستعد أيضا لعمليات اطلاق من لبنان والعراق واليمن، التي لم تحدث حتى الان. لقد تم استدعاء حوالي 70 ألف جندي احتياط، معظمهم من قيادة الجبهة الداخلية والقوات الجوية والجيش الإسرائيلي، اضافةالى 50 الف جندي ما زالوا في الخدمة الفعلية بسبب ضغط العمل الكبير نتيجة الحرب.

نتنياهو لا يخفي رغبته باسقاط النظام الإيراني. من ناحيته هذا يندرج ضمن صراع استمر لثلاثين سنة لم تكن الانتصارات العسكرية في حرب حزيران كافية لانهائه بشكل كامل. هناك اعتبار سياسي قوي وراء ذلك: الحفاظ على حالة تاهب دائمة للحرب على جبهة متعددة يتعب الراي العام الإسرائيلي ويضعف قدرة المعارضة على تحدي الحكومة. واذا كان كل شيء جزء من صراع طويل ضد من يثورون ضدنا لتدميرنا، فان الفشل الذريع في مذبحة 7 أكتوبر ليس الا حلقة في سلسلة طويلة. ويمكن تقليص الاهتمام الإعلامي والسياسي المحيط بها في ضوء الاخبار العاجلة الأخرى.

اما حسابات ترامب فهي معقدة اكثر. فحرب أخرى في الشرق الأوسط ليست فكرة تحظى بالشعبية في أوساط الأمريكيين، خاصة القاعدة المتشددة لحركة “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد”، أي انصار الرئيس المخلصين الذين يميلون الى اتباع نهج انعزالي في السياسة الخارجية. لهذا السبب تردد ترامب كثيرا، ولعل قراره التحرك وسط مفاوضات مطولة مع الإيرانيين نابع من غضبه من رفضهم اظهار المرونة، وعدم رغبته في التخلي عن القوات الامريكية الكبيرة التي نشرها في المنطقة.

المعضلة ستتطور بعد بضعة أيام: اذا انحرفت ايران عن الخط الذي اتبعته حتى الان، وبالتحديد بعد الهجوم، ووافقت على اظهار مرونة فيما يتعلق بالقيود على مشروعها النووي، فهل يكتفي ترامب بذلك ويعلن انه انتصر ويسعى الى عقد اتفاق – أو سيذهب حتى النهاية ضد النظام كما يحثه نتنياهو ان يعمل. رئيس الحكومة يلاحظ فرصة استراتيجية ولكنه يتجاهل الخطر بعيد المدى على إسرائيل في الساحة الامريكية. اذا تعقدت الحرب وارتفع ثمنها بالنسبة للامريكيين، فان الكثير من الناخبين، ديمقراطيين وجمهوريين، سيتهمون إسرائيل بانها فعلت ذلك بشكل متعمد.

رغم الفائدة السياسية التي يعتقد نتنياهو أنه سيحققها من الحرب في البلاد وفي الولايات المتحدة، الا انه كان من الأفضل ان يحافظ على بروز إسرائيلي ضئيل، في هذه الاثناء يحدث العكس، ونظريات المؤامرة تزدهر.

——————————————

يديعوت احرونوت 1/3/2026

ترامب يريد أن ينهي؛ الزعيم صفي، النظام لا يزال قائما

بقلم: ناحوم برنياع

عشية شن الهجوم على ايران أراد الامريكيون حمل من 4 – 5 أيام، تعيد ايران ضعيفة الى طاولة المفاوضات. حسب أحد المصادر نقل مصدر امريكي لإيران اقتراحا مبالغا فيه اكثر في ثوريته. من خلال وسيط، على ما يبدو إيطاليا، اقترح التوصل الى اتفاق وقف نار اليوم أو غدا. اما الإيرانيون فرفضوا الفكرة رفضا باتا.

في جهاز الامن في إسرائيل يقررون بيقين بان خامنئي صفي. صفي، في بداية الحملة كذلك وزير الدفاع، رئيس الأركان وقائد الحرس الثوري. هذا انجاز مبهر للغاية من ناحية استخبارية وعملياتية. في تاريخ سلاح الجو لا بد سيذكر الى جانب تصفية المسؤولين الكبار في الجولة السابقة، في حزيران والى جانب تصفية سلاح الجو المصري في الساعة الأولى من حرب الأيام الستة.

على الرغم من ذلك، نظام آيات الله لم يتفكك، وهو يدار حاليا من مجلس كبار المسؤولين. تعلمنا في ختام حملة “الأسد الصاعد” بان النظام الإيراني يعرف كيف يتغلب على فقدان مسؤوليه الكبار: بقاء النظام أهم من بقاء رجاله.

السؤال ما الذي سيحصل عندما يعلن النظام عن أن زعيمه الأعلى صفي مفتوح تماما. يحتمل الا يحصل شيء؛ يحتمل ان تضطر الفروع الشيعية، في لبنان، في العراق وفي اليمن لان تنضم الى المعركة بكل قوتها، الى حد الانتحار؛ يحتمل أن يغرق معارضو النظام في ايران الشوارع.

مع كل الاندهاش من الإنجازات العسكرية لليوم الأول جدير بالذكر انه طالما لم ينتهِ هذا فان هذا لم ينتهِ: ناقلة نفط واحدة تغرق في الخليج الفارسي، حاملة طائرات واحدة تصاب بقارب كوماندو حوثي، عشرات جنود أمريكيين قتلى في احدى القواعد، قفزة في أسعار النفط – كل هذه يمكنها أن تورط ترامب مع المقترعين في الوطن.

ترامب يمكنه أن ينهي هذه الحملة بثلاثة طرق يمكن تسويقها كانجاز. الأول، ضربة عسكرية قاسية جدا، تضعف النظام في الداخل وفي الخارج؛ ثانيا، اتفاق استسلام في موضوع النووي؛ ثالثا، اسقاط النظام. الامكانية الأولى واقعية؛ الثانية اقل؛ الثالثة هي الامل الأكبر للرئيس ترامب، الرهان الأكبر لديه. حسب ما قاله ترامب أمس لقنوات البث في إسرائيل، هو يفهم بان هذا الهدف لا يمكنه أن يحققه فورا.

دولة تريد أن تفرض على دولة أخرى تغيير نظامها ملزمة بان تحتل باقدام جنودها معاقل الطرف الاخر. هذا هو معنى Boots on the ground، احذية على الأرض. ترامب لا يعتزم ارسال جنود الى شوارع طهران. صيغته للاحذية على الأرض هي ملايين الإيرانيين الذين ملوا الدولة الإسلامية. امس أمرهم بالبقاء في البيت. لاحقا سيطلب منهم الخروج. من ناحية الأمريكيين الحرب مع ايران هي حرب اختيارية: ايران لا تهددهم حقا؛ وحتى مشروعها النووي لا يمكنه أن يشكل علة للحرب. ترامب يسلم بالسلاح النووي لكوريا الشمالية، ناهيك عن الهند والباكستان. النظام الإيراني يذبح مواطنيه، يمول الإرهاب ويراكم ترسانة خطيرة من السلاح، لكن هذه ليست أسباب تقض مضاجع ترامب. الهجوم عليها جد ليس شعبيا في الولايات المتحدة، لا لدى معارضه ولا لدى مؤيديه الواضحين. حتى الأيام الأخيرة لم تكن على الاطلاق على جدول الاعمال. القرار بالهجوم على ايران هو طريقه لان يعلن،  انا MAGA جددت عظمة أمريكا.

في حرب الخليج الأولى كان يمكن للرئيس بوش الاب ان يطارد صدام حسين حتى بغداد؛ هو اكتفى بطرد قوة الاحتلال العراقية من الكويت. في حرب الخليج الثانية قرر بوش الابن ملاحقة صدام حتى النصر المطلق – وتورط في حرب زائدة، عقيمة، غالية. ترامب واثق انه اذكى منهما الاثنين. نتنياهو يقول انه في الحملة الحالية بلغ التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل ذروة لم نشهد مثلها من قبل. هذا صحيح وغير صحيح: صحيح فيما يتعلق بالتعاون العسكري؛ ليس صحيحا لان الحلف ليس بين إسرائيل وامريكا بل بين إسرائيل والرئيس القائم. إسرائيل تتخذ صورة الدولة التي دفعت أمريكا لحرب ليست لها. بل انها تتباهى بذلك أيضا. هذا هو الوصف الذي يتمناه اللاساميون في اليمين وفي اليسار الأمريكي. إسرائيل تحصل على ترامب مع حقن تحفيز. لكنها تفقد على الطريق أمريكا.

* * *

بالنسبة لامريكا هي حرب خيار – بالنسبة لإسرائيل هي حرب حاجة. ايران بالفعل تهدد إسرائيل، بالصواريخ، بالإرهاب وبالامكانية النووية الكامنة. ربما ليس تهديدا وجوديا، لكنه تهديد حقيقي تماما.

اقترح علينا جميعا ان نخفض التوقعات. كل محاولات إسرائيل في الماضي لتغيير الأنظمة لدى الاخرين انتهت باخفاقات لاذعة. الهدف القابل للتحقق في الجولة الحالية هو تدمير منشآت انتاج صناعة الصواريخ، المنصات وكل ما يرتبط بالمشروع النووي. كلما كان اكثر كان افضل. ليس مجديا تكرار التصريحات المتبجحة في نهاية حملة “الأسد الصاعد” في شهر حزيران. لم ندمر القوة العسكرية لإيران في حينه ولن ندمرها الان. هم يعرفون كيف يرممون بسرعة. لكن كل ضربة للقوة العسكرية الإيرانية تعطينا زمنا، مقدر باهظ الثمن اذا عرفنا كيف نستغله. ومع بعض الحظ ربما في القيادة الإيرانية يفهمون بان الجريمة غير مجدية فيكفوا عن تبذير ثروة الدولة على الحرب والإرهاب. صحيح لليوم الأول من الحرب عرف الجيش الإسرائيلي كيف يمتص رشقات الصواريخ والمُسيرات. وقد نبع النجاح الدفاعي من تحسينات هامة في منظومة الدفاع الجوي لكن أيضا من ضعف ايران. فالتشتت لثماني جبهات قلصت قدرة ايران على أن تطلق على إسرائيل في آن واحد رشقات كبيرة. المواطنون في الجبهة الداخلية ازعجوا بصافرات متواترة لكن الإصابة كانت صغيرة.

إسرائيلي يشغل أشخاصا في إسرائيل وفي دول الخليج روى لي انه شعر امس بالفرق: العاملون لديه في إسرائيل لم يتأثروا، فقد كانوا في هذه القصة وخرجوا منها. العاملون لديه في الخليج كان رد فعلهم هستيريا.

حرب أم لا حرب، قال لي إسرائيلي آخر، رسل فالت واصلوا عملهم امس كالمعتاد. وربما اكثر من المعتاد: الشباب مع الحقيبة الزرقاء على الظهر سيطروا على الشوارع. جعلوا الحرب مع ايران مريحة اكبر، طبيعية اكثر مع وجبة غداء حتى باب الغرفة الأمنية.

——————————————

معاريف 1/3/2026

نتائج الحرب تقاس في نهايتها وليس في بدايتها

بقلم: نحمان شاي 

علمتني الحياة انه يجب أن أصبر وأكون متواضعا وأنتظر. ولهذا فأنا حذر. بعد ساعات طويلة من الحرب الاستباقية التي شنتها إسرائيل في صبح يوم أمس، لا يزال ضباب المعركة يلف خطوات الحرب ونتائجها الأولية.

من مثلي يعرف ان لضربة البدء وللمفاجأة توجد قيمة بحد ذاتها، لكن يوجد أيضا أثر محدود. بعدهما، الحرب “تصعد الى المسار”، وهي أليمة وخطيرة. تعلمنا التجربة بان نتائج الحرب تقاس في خط النهاية وليس في خط البداية، لكن لا تزال هذه بداية جيدة.

شكر عظيم لجهازنا الأمني، لمقاتليه الشجعان والمليئين بالخيال الذين عرفوا مرة أخرى كيف يجدون حلولا للتحدي العسكري والاستخباري الإيراني. صحيح حتى هذه اللحظة تقول مصادر إسرائيلية انه توجد إنجازات عديدة وإيجابية وهذا قول هام، لكن سواء لإسرائيل ام للولايات المتحدة ان تبقيا على صورة المعركة بعيدة عن عيون زعماء ايران.

فليخافوا، يقولون عندنا.

هاكم أفكار أولية لخطوة البداية هذه: إسرائيل والولايات المتحدة. تعاون غير مسبوق بين الدولتين، حتى في “الأسد الصاعد” لم يكن تعاون لمثل هذا النطاق. هذا حدث عظيم الأهمية للشركتين الرئيستين لكن أيضا لإيران ودول المنطقة الأخرى كل واحدة منها تستخلص استنتاجا مختلفا، لكن واضح ان في السطر الأخير – التقارب بين إسرائيل والولايات المتحدة هو عامل سائد في النظام الجديد الذي نأمل به في الشرق الأوسط.

نتنياهو وترامب. بالفعل منظومة علاقات خاصة بل حتى نادرة. الرابط بين الاثنين أتاح للمستويين السياسي والعسكري القيام بعمل مشترك بما في ذلك حملات عسكرية. هذا رفع مبهر للمستوى في مكانة الدولة ونتنياهو نفسه. ماذا ستكون تداعيات هذا بما في ذلك في الساحة السياسية؟ من السابق لاوانه أن نعرف. دعكم، فلا تزال توجد هنا محاكمة لادارتها.

الجبهة الداخلية الإسرائيلية مطالبة مرة أخرى بالاختبار. واضح منذ الان بانه لا توجد “حروب فاخرة”، فحتى منظومات الدفاع الأكثر تطورا قابلة للاختراق. رشقات كبيرة وقريبة الواحدة من الأخرى قادرة على أن تخترقها. الحياة في الجبهة الداخلية تتشوش من جديد، المدارس، أماكن العمل، الاقتصاد، السياحة، العلاقة الدولية، كلها ستدفع مرة أخرى الثمن. ولا يزال، في هذه اللحظة، هذا ثمن معقول مقارنة بالوحش الذي نما في ضواحي الشرق الأوسط واطلق اذرعا طويلة من قريب ومن بعيد.

الجبهة الداخلية هي المفتاح لنجاح المعركة. كلما كان الجمهور صبورا، متكيفا، مستعدا لانعدام الراحة والتنازلات، وحتى الأليمة منها. الجيش الإسرائيلي يفهم هذا وبذل جهودا هائلة في الدفاع عن الجبهة الداخلية وفي غرس إحساس امن لعشرة ملايين مواطن. في الماضي لم نفهم هذا، الفكرة تغيرت. المفتاح هو في يد الجمهور. هو سيمنح الزمن اللازم للضغط على ايران. الحلف مع الولايات المتحدة يمنحهنا أمنا عظيما، بما في ذلك مساعدة عسكرية وربما حتى اقتصادية.

هذا عنصر هام في إحساس الامن لدى كل واحد وواحدة منها – لكن في النهاية هذا اختبارنا، اختبار كل واحد وواحدة منا. الهدف الأعلى للحملة هو اسقاط نظام آيات الله في ايران. هذا هدف عسير جدا على التحقق. فهو متعلق بعناصر عديدة واولا وقبل كل شيء بالشعب الإيراني. أسلحة الجو الأمريكية والإسرائيلية لا يمكنها ان تفعل هذا بدلا منهم. من هنا فاننا ملزمون بان نطلق تعزيزا وأملا للشعب الإيراني الذي لا تزال تتدفق انهار من الدم في مدنه الرئيسة. هذه الحرب هي فرصتهم الأكبر لاقامة ايران أخرى. مشكوك أن تكون فرصة أخرى، افضل. فقد ترتبت النجوم. لقد انفجر البركان صباح امس في ايران، واللهيب لا يزال ساخنا وسائلا. وهذا كفيل بان يتصلب بطرق مختلفة. يمكن أن نكون متفائلين في نهاية اليوم الأول. ملزمون بان نكون صبورين لاحقا.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article