المسار : تشير تطورات الحرب في المنطقة إلى تحول واضح في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، حيث باتت دولة الاحتلال تنقل ما بات يُعرف بـ”عقيدة غزة” إلى ساحات أخرى مثل لبنان وإيران، بعد سنوات من تطبيق ما سُمّي سابقاً بـ”مبدأ الضاحية”.
وقد أجرى وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أمس الخميس، جولة على الحدود مع لبنان وأطلق تصريحاً لافتاً قال فيه: “قريباً جداً، ستصبح الضاحية شبيهة بخان يونس”.
ويعكس هذا التصريح تحولاً عميقاً في كيفية التعامل الإسرائيلي مع المجتمعات التي تعتبرها جزءاً من بيئة خصومها في المنطقة.
إذ جاء تصريح سموتريتش بالتزامن مع إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء شاملة لحي الضاحية الجنوبية في بيروت، الذي يقطنه أكثر من نصف مليون شخص، ما أدى إلى حالة من الذعر في المدينة.
كما صدرت أوامر إخلاء مماثلة لمناطق واسعة من جنوب لبنان، وهي مناطق تضم إلى جانب الضاحية غالبية السكان الذين يستند إليهم حزب الله في قاعدته الشعبية.
التدمير الإسرائيلي الممنهج
أثارت هذه التطورات مقارنات مباشرة مع ما جرى في قطاع غزة، حيث يخشى كثيرون أن تلقى بيروت المصير نفسه من الدمار الواسع الذي تعرضت له مدن القطاع خلال الحرب.
في الوقت نفسه، تظهر مؤشرات على نمط مشابه من العمليات في إيران، حيث تتحدث تقارير عن مشاهد وُصفت بأنها “كارثية” في العاصمة طهران.
وقال وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن ما يجري جزء من “خطة إعصار” تهدف إلى “تدمير طهران”، مشيراً إلى استراتيجية تستهدف مواقع “بارزة في بيئة مدنية” داخل المدينة.
وفي إطار هذه الحملة، أفادت التقارير بأن مدرستين إضافيتين استُهدفتا في جنوب غرب طهران خلال الساعات الماضية.
ومع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران يومها السابع، وفتح حزب الله جبهة ثانية في لبنان، بات قطاع غزة يمثل نموذجاً جديداً لطبيعة الحروب غير المتكافئة التي تخوضها دولة الاحتلال.
يمثل هذا التحول نقلة نوعية مقارنة بالنهج العسكري الإسرائيلي الذي اتبعته تل أبيب في العقود السابقة، رغم أن المنطق الأساسي للاستراتيجية بقي مشابهاً.
معاقبة حاضنة المقاومة
خلال العقود الماضية، استندت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية إلى استخدام قوة غير متناسبة ضد خصومها وامتدت أهدافها إلى معاقبة المجتمعات التي يُعتقد أنها تشكل حاضنة للمقاونة.
وظهرت هذه السياسة بوضوح عام 2008 عندما صرّح قائد القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي آنذاك، غادي آيزنكوت، بأن دولة الاحتلال ستواصل تطبيق سياسة تدمير الأحياء السكنية كما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال حرب عام 2006.
وكان منطق الجيش الإسرائيلي في تلك الفترة واضحاً: معاقبة المجتمع الذي يشكل القاعدة الشعبية لحزب الله.
ولم يُنظر إلى استهداف المدنيين في الضاحية باعتباره “ضرراً جانبياً”، بل اعتُبر جزءاً من الاستراتيجية العسكرية نفسها.
وقال آيزنكوت حينها إن ما حدث في الضاحية عام 2006 “سيتكرر في كل قرية يُطلق منها النار على (إسرائيل)”، مؤكداً أن الجيش سيستخدم قوة مفرطة تؤدي إلى “دمار هائل”.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية، لم تعد تلك المناطق تُعتبر قرى مدنية، بل قواعد عسكرية، حيث أصبحت هذه السياسة تُعرف لاحقاً باسم “مبدأ الضاحية”، لكنها لم تقتصر على لبنان.
ما بعد حرب الإبادة
منذ بدء حرب الإبادة الجماعي على قطاع غزة تغير الاستراتيجية الإسرائيلية بحيث لم يعد إبقاء غزة تحت الحصار يمثل الحل بالنسبة لصناع القرار في دولة الاحتلال.
فقد دخلت العقيدة العسكرية الإسرائيلية مرحلة جديدة تقوم على تدمير شامل وطويل الأمد.
وبعد عامين من الحرب التي خلّفت دماراً واسعاً في غزة بدعم عسكري ومالي أمريكي كبير، بدأت دولة الاحتلال بتطبيق عناصر من هذا النهج خارج حدود فلسطين حيث تظهر هذه العقيدة الجديدة بوضوح في العمليات الجارية حالياً في لبنان وإيران.
وتكشف تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أن الحرب لم تعد تُقدَّم بوصفها مواجهة مع فصائل مقاومة فقط، بل صراعاً مع مجتمعات كاملة.
وبرز هذا الخطاب بوضوح في تصريحات الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في أكتوبر 2023 عندما قال: “إنها أمة بأكملها هناك هي المسؤولة”.
كما صرّح وزير الجيش السابق يوآف غالانت بعد ذلك بشهر قائلاً: “ما نفعله في غزة، نعرف كيف نفعله في بيروت”.
في السياق نفسه، قدّم الجنرال الإسرائيلي المتقاعد جيورا إيلاند تصوراً أكثر وضوحاً لهذه السياسة في مقال نشره في نوفمبر 2023 حيث اعتبر أن الضغط الإنساني على سكان غزة، بما في ذلك التجويع وانتشار الأمراض “يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق النصر”.
وقد تحولت تلك الأفكار لاحقاً إلى أساس لما عُرف بـ”خطة الجنرالات”، التي طُرحت بعد عام من اندلاع الحرب وهدفت إلى إخلاء شمال غزة من سكانه وتدمير البنية التحتية المدنية في المنطقة.
وبدأ تنفيذ هذه الخطة في أكتوبر 2024 واستمر حتى توقيع أول اتفاق لوقف إطلاق النار في يناير 2025، حيث خلال تلك الفترة شهد شمال غزة عمليات تدمير واسعة للبنية التحتية الضرورية للحياة.
ويرى محللون أن هذا النهج يعكس جوهر ما أصبح يعرف بـ”عقيدة غزة” والتي تقوم على خوض الحرب ضد مجتمع كامل، ليس فقط لإخضاعه، بل لتدمير شروط الحياة فيه.
ومع انتقال هذه السياسة إلى لبنان وإيران، يبدو أن دولة الاحتلال تسعى إلى توسيع نطاق هذه العقيدة خارج حدود فلسطين.
ويرتبط ذلك أيضاً بطموحات أوسع داخل التيار الصهيوني الذي يتحدث عن مرحلة جديدة من التوسع الإقليمي.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن دولة الاحتلال تسعى إلى ترسيخ موقعها كقوة مهيمنة في المنطقة في وقت يتراجع فيه النظام الدولي أحادي القطبية الذي قادته الولايات المتحدة لعقود.
وبينما يرى البعض أن التدخل الأمريكي في الحرب ضد إيران يمثل نهاية مرحلة من الهيمنة الأمريكية، فإن تل أبيب تنظر إليه بوصفه فرصة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة واستهداف ما تصفه بمحور المقاومة الممتد عبر مجتمعات الشرق الأوسط.

