الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 6/3/2026

الاكراد يُعتبرون المفتاح لاسقاط النظام، لكن توجد لهم مصالح

بقلم: تسفي برئيل 

عند المعبر الحدودي بين العراق وايران يسطع بصيص امل يشعل الخيال ويبشر باكتشاف الوصفة السحرية لاسقاط النظام في ايران. في يوم الاحد تحدث ترامب مع قائدي الفصيلين الكرديين في العراق، بافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، ومسعود برزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقدم لهما عرض من المستحيل رفضه. وحسب مصدر في حزب طالباني فان الرئيس الأمريكي أوضح بانه “يجب على الاكراد اختيار طرف في هذه الحرب، اما الولايات المتحدة وإسرائيل أو ايران”. فجاة اصبح الاكراد هم العامل الحاسم، العامل الذي يتوقف عليه اسقاط النظام في ايران ومستقبل كل الدولة مرتبط به.

ترامب يستحق الثناء على الأقل لمعرفة ان الاكراد في العراق ليسوا كتلة واحدة، وانه من الضروري الحوار مع زعماء منطقة الاكراد، وانه لا يمكن الاكتفاء بالحوار مع احدهما فقط. ان المنافسة التاريعية التي اشعلت الحرب بينهما في التسعينيات ما زالت تغذي الصراع الكردي الداخلي في العراق، الى درجة انه لا يمكنهم الاتفاق على تعيين رئيس جديد للعراق، الذي من المفروض حسب الدستور ان يكون كردي.

خلال سنوات نسج بافل طالباني علاقات مع المخابرات الإيرانية وقادة الحرس الثوري. وحسب مصادر كردية فقد ساعدوه في الاستيلاء على السلطة بعد وفاة والده جلال طالباني، الذي كانت تربطه أيضا علاقة وثيقة بايران. من جهة أخرى، يتمتع مسعود برزاني، نجل الزعيم المتوفى مصطفى برزاني، بعلاقة وثيقة مع الـ سي.آي.ايه ومع واشنطن بشكل عام. ولكن في نفس الوقت هو يتردد في ارسال قوات البشمارغا الى حرب لا تخصه، رغم ان الامر لا يتعلق بتجنيد مقاتلين اكراد عراقيين، بل يتعلق بتقديم دعم لوجستي للمنظمات الكردية الإيرانية السرية. ولكن في ظل عدم وضوع اهداف ترامب وتغيره السريع وتجاهله أحيانا الإشارة الى ان اسقاط النظام هو احد الأهداف، فانه يتوقع ان يفضل برزاني التريث والانتظار قبل اتخاذ أي اجراء قد يعمل على تعقيد علاقته وعلاقة الإقليم الكردي مع العراق وتركيا وايران. إضافة الى ذلك قادة الاكراد وقعوا في العراق قبل سنة اتفاق مع ايران يتعهدون بحسبه بحماية الحدود بين الإقليم الكردي وايران من أي غزو أو تسلل لعناصر اجنبية. وفي الأسبوع الماضي اعلنوا أيضا بان حكومة الإقليم الكردي “لن تسمح باستخدام أراضيها كقاعدة لشن هجوم على أي دولة اجنبية”.

تفاصيل محادثة ترامب مع قادة الاكراد سرية. وما نشر يستند الى مصادر مقربة منه. ولكن عندما سئلت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفت، اذا كانت الـ سي.آي.ايه ستزود الاكراد بالسلاح لمحاربة النظام في ايران قالت: “أي تقرير يفيد بان الرئيس وافق على مثل هذه الخطة هو كاذب ولا يستحق النشر”. يبدو ان الخطة تشير الى تجنيد المنظمات الكردية الإيرانية، بعضها موجود في العراق، من اجل القيام بعمل عسكري ضد الحرس الثوري الذي يسيطر على المناطق الكردية في غرب ايران. وهذا يهدف الى تخفيف ضغط الحرس الثوري في المدن الكبيرة، لا سيما في طهران، وبالتالي، تسهيل عودة حركة الاحتجاج الإيرانية للعمل على اسقاط النظام. ترامب لم يحصل على رد واضح من قادة الاكراد، وتتضارب التقارير حول بدء نشاطات الاكراد داخل ايران. فبعض هذه التقارير يتحدث عن هجمات بدأت بالفعل ضد قوات النظام. وبعض آخر منها يؤكد انه لا يوجد أي نشاطات عسكرية حقيقية في الأفق حتى الآن. في كل الحالات ما زال سيناريو تدفق آلاف المقاتلين الاكراد الى ساحات القتال للموت من اجل اسقاط النظام وإعطاء “إخوانهم” الإيرانيين دولة حرة وديمقراطية، ما زال مجرد فكرة مطروحة.

الصراع الداخلي لا يقتصر على قادة الاكراد في العراق فقط، بل هو يمتد ليشمل الاكراد في ايران، الذين يبلغ عددهم 10 – 12 مليون نسمة، والذين يعانون من انقسام سياسي بين 12 منظمة وحزب، وبين الولاءات العائلية والولاءات السياسية. ورغم ان الجميع يطمحون الى اسقاط النظام الإيراني، الا انهم لا يتفقون بالضرورة مع الولايات المتحدة أو مع حركة الاحتجاج بشان مستقبل ايران. بعضهم يعملون على إقامة حكم ذاتي كردي على شاكلة النموذج في العراق، الذي كان قائم حتى فترة قريبة في سوريا أيضا. بينما يطمح آخرون الى الانضمام لدولة ايران والتمتع بحقوق مدنية متساوية. اما من يرغبون في النضال من اجل الحكم الذاتي او حتى إعادة تأسيس دولة الاكراد فهم منقسمون بين الذين يحلمون بدولة على شاكلة النموذج الشيوعي الماركسي وبين الذين يطمحون الى النموذج الغربي.

في 22 شباط أعلنت خمس مجموعات معارضة كردية عن تأسيس “ائتلاف القوى السياسية في كردستان ايران”، الذي وضع اسقاط النظام على راس سلم أولوياته. هذه المجموعات لها أسماء متفائلة مثل حزب الحرية الكردي، حزب الحياة الحرة الكردستاني، الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، منظمة نضال كردستان ايران وحزب كومالي للعمال. وفي اول بيان للائتلاف دعا فيه القوات الإيرانية الى القاء سلاحها والانضمام الى “الطرف الصحيح من الأمة”.

ظاهريا، يبدو ان هذا الائتلاف مثالي لمنظمة معارضة تتحد لتدمير النظام. ولكن بعد بضعة أيام على اعلان تشكيله تلقى الائتلاف وابل من الانتقادات الشديدة من رضا بهلوي، الذي نصب نفسه زعيم لإيران. وفي الفترة الأخيرة قدمت جماعات انفصالية، بعضها له تاريخ من التعاون مع الخميني وصدام حسين، طلبات لا أساس لها من الصحة، المثيرة للاشمئزاز ضد الوحدة الجغرافية والوطنية لإيران. الوحدة الجغرافية لإيران هي خط احمر، غرد بهلوي ووجه كلامه الى طموح بعض الأحزاب الكردية العلني لاقامة حكم ذاتي كردي في ايران، بل وهدد بانها ستدفع ثمن نشاطاتها. الاكراد لم يصمتوا على هذا الهجوم، حيث جاء في رد التحالف الكردي، ضمن أمور أخرى، بان تصريحات بهلوي “هستيرية ومليئة بالكراهية… لماذا يعتقد (بهلوي) بان الشعب المضطهد من ديكتاتورية الجمهورية الإسلامية مستعد للخضوع له أو لامثاله الذين يعتبرون انفسهم البديل لمستقبل ايران بعد ان نفذت سلالته المذابح ضد المدنيين وداست على ديمقراطية الشعب الإيراني.

في هذه الاثناء ما يظهر بانه تنظيم كردي متماسك، وفي جزء منه هو مسلح ومستعد للقتال – على الأقل حسب تقارير من مدينة أربيل عاصمة الإقليم الكردي، التي تفيد بان كثير من المقاتلين جهزوا انفسهم بالفعل بالملابس الشتوية وبدأوا يحركون قواتهم باتجاه الحدود – يثير عدد من التساؤلات الجدية.

منطقة عملياتهم ستكون في اصعب المناطق عبورا، في جبال ارتفاعها تقريبا 3 آلاف متر، التي لا تسمح بالمرور فيها الا عبر بضعة معابر معروفة، التي يمكن للقوات الإيرانية مهاجمتها بسهولة. وقد هاجم الجيش الإسرائيلي بالفعل قواعد الحرس الثوري في المنطقة الحدودية الغربية لإيران على ما يبدو لاضعاف تنظيم الحرس الثوري واحباط بقدر الإمكان قدرته على الوقوف ضد أي تحرك للاكراد. ولكن في هذه المناطق التي تلائم نشاطات الفصائل والفرق، يصعب توقع أن تتمكن قوات كردية بحجم كتيبة أو اكثر من العمل بشكل منظم.

اذا سعت إسرائيل أو الولايات المتحدة الى تقليد نموذج سوريا، حيث استولت القوات البرية المسلحة لهيئة تحرير الشام بقيادة احمد الشرع على مناطق بالقوة، في حين ان هجمات من الجو شلت نشاطات جيش الأسد، فمن المرجح ان يكون الوضع في المنطقة الكردية معقد اكثر. سيواصل سلاح الجو توفير الغطاء الجوي، لكن يتوقع ان لا تواجه العمليات البرية الكردية مقاومة إيرانية شرسة فحسب، بل من غير الواضح الى أي درجة سيوافق السكان المحليون، خاصة اكبر اقلية اذرية في البلاد، الذين يعيشون في أذربيجان الغربية القريبة من منطقة الاكراد على التعاون مع المقاتلين الاكراد. قد يبدأون القتال ضدهم ويشعلون حرب أهلية، وهناك ما هو اكثر من ذلك.

القوة الكردية الإيرانية الأهم توجد في يد منظمة بي.جي.إي.كي التي تاسست في 2004 على يد أعضاء حزب العمال الكردستاني الـ بي.كي.كي، التي تشن تركيا ضدها حرب شاملة منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وتستعد تركيا التي تراقب الحرب في ايران من بعيد وتسعى بجهد للحفاظ على “الحياد” لاحتمالية تعاون القوات الكردية المصنفة إرهابية وفقا لتصنيفها، مع الولايات المتحدة وإسرائيل للمساعدة في اسقاط النظام في ايران. وترى تركيا بان هذا التعاون قد ينشيء حكم ذاتي للاكراد على شاكلة النموذج السوري، ويثير التطلعات القومية للاكراد في أراضيها، ويعيد احياء الحرب الدموية التي هدأت في السنة الماضي ودخلت الى عملية مصالحة هشة. ولن تستطيع تركيا عندها الوقوف مكتوفة الايدي. وحسب تقديرات مصادر تركية فانه يتوقع ان ترسل قواتها الى المناطق الكردية في ايران من اجل انشاء منطقة منزوعة السلاح تمنع انشاء الحكم الذاتي الكردي الذي تعتبره تهديد لامنها القومي.

بالنسبة لإيران لا يوجد انجاز اعظم من وضع تحارب فيه تركيا الاكراد الذين يعملون تحت رعاية الولايات المتحدة وإسرائيل لاسقاط النظام. هل سيكون ترامب راغب أو قادر على ثني اردوغان، صديقه “القوي ولكن الرائع” بعد فشله حتى الان في تجنيده في الحرب ضد ايران؟. ان المهمة التي يفرضها ترامب الان على الاكراد قد تكلفه ثمنا لم يكن يتوقعه. سؤال آخر يطرح نفسه وهو هل سيصاب الاكراد انفسهم بفقدان الذاكرة فجاة وينسون خيانة ترامب لهم مرة أخرى في 2019 عندما اعلن عن قراره الانسحاب من سوريا (القرار الذي تراجع عنه بسبب الانتقاد الداخلي)، ومرة أخرى قبل شهر ونصف عندما اجبر الاكراد في سوريا على التوقيع على اتفاق استسلام مع نظام الشرع. هذا هو المثال الاحدث على خيانة امريكا للاكراد.

——————————————

هآرتس 6/3/2026

نشوة النصر في المعركة ستستبدل بنظرة قلقة على العملية التي خرجت عن سيطرتنا

بقلم: أفنر بن زاكن

ان الشعور بالنشوة مفهوم، بسبب الصور التي تأتي من طهران، التصريحات الصادرة من واشنطن والقدس والشعور بأن احد ما أخيرا حطم الجمود المستمر. ولكن في لحظة النشوة هذه بالذات من المناسب التساؤل ليس عن ما حققناه في هذا الأسبوع، بل عن أي عملية بدأنا بها.

في العادة تخطط الحروب من منظار العلاقات السببية بين عاملين، نحن والعدو. مع ذلك، كل حرب تجسد شبكة متشعبة من العوامل والظروف والاعتبارات، التي معا تتبلور بالتدريج في مسار الحرب لتشكيل اتجاه تاريخي واسع وواضح. من اجل فهم العوامل والظروف والاعتبارات التي ستشكل الاتجاه الذي سينتج عن الحرب يجب علينا العودة خطوة الى الوراء وتوسيع نطاق الرؤية.

ان افتراض ان هجوم خارجي سيسرع انهيار النظام في ايران، يستند الى مفهوم غربي للهوية. عندما دعا دونالد ترامب الإيرانيين الى الانتفاض، تحدث بلغة هوية واسعة تكاد تكون ليبرالية: الاستبداد في مواجهة الحرية، المواطنون في مواجهة الديكتاتورية. ولكن في الشرق الأوسط الهوية ليست افقية وهي لا تقوم على قيم او مصالح مشتركة، بل هي عمودية وتقوم على الهوية والولاء، ولاء الفرد للعائلة، وولاء العائلة للعشيرة، وولاء العشيرة للقبيلة، وولاء القبيلة للدين والوطن.

ان تحطيم هذا الولاء لا يعتبر خطوة سياسية، بل هو انفصال وجودي. فالدولة التي تتعرض للهجوم، حتى في ظل وجود معرضة شرسة، تميل الى التوحد، لأن المعارضة تعرف ان أي انتفاض ضد الحكومة سيعتبر تواطؤ مع العدو وخيانة، وأنه سيتم تهميشها. لذلك فانه من المؤكد ان الشعب الإيراني لن يخرج الى الشوارع وايران لن ترفع الراية البيضاء.

أيضا اغتيال المرشد الأعلى لا يعتبر خطوة سياسية فقط. فعلي خامنئي لم يكن فقط رئيس دولة. ففي نظر نفسه وحسب تقليد الخميني هو يعتبر المرجع الأعلى للشيعة الذين تعتبر التضحية والمعاناة من ركائز تقاليدهم. فاسطورة كربلاء، حيث قتل الحسين بن علي حفيد النبي محمد ومرافقيه، هي اللحظة التي تحول فيها الشيعة من فصيل سياسي الى طائفة دينية متماسكة حول دين سياسي يقوم على المعاناة والتضحية، وهو جاء بعد فترة من الفوضى والحروب الإقليمية.

بدات تظهر في ايران صور تصور ترامب بصورة يزيد والي البصرة الاموي، الذي امر باعتقال بأي ثمن الحسين بن علي، وتصور نتنياهو مثل عمر بن سعد قائد القوات الاموية الذي نفذ المذبحة. لقد اصبح القضاء على خامنئي اسطورة تاسيسية. فبدلا من تآكل العقيدة السياسية التي يقوم عليها النظام، يبرز اتجاه لاعادة صياغة هذه العقيدة، الامر الذي سيعززها. صورة المرشد الأعلى ستصبح في الأجيال القادمة رمزا دينيا للتضحية والمعاناة، الأساس للعقيدة السياسية الشيعية.

استراتيجيا يعزز الهجوم على ايران فرضية طهران الأساسية بان السلاح النووي ضروري لوجودها. ايران تعتبر نفسها كيان فارسي شيعي محاط ببيئة معادية، “شعب يعيش لوحده”. وتروي لنفسها بانها تعرضت للهجوم عبر التاريخ منذ القرن السادس عشر. أولا، من العالم السني، وبعد ذلك في القرن التاسع عشر من بريطانيا وروسيا، والان من الولايات المتحدة وإسرائيل.

تحيط بايران دول أو تحالفات تمتلك قدرة نووية، الهند في الجنوب، الباكستان في الشرق، روسيا في الشمال وحلف شمال الأطلسي عبر تركيا في الشمال الغربي. في هذا السياق لا ينظر الى السلاح النووي كاداة عدائية، بل كضمانة للوجود. فالهجوم الخارجي لا يعزز الا حجة التيار المحافظ التي تقول بانه لا ينبغي الاعتماد على الاتفاقات، بل على الردع المستقل فقط.

أيضا هذه الحملة لا تجري في فراغ. فروسيا والصين توجد لهما مصلحة في استمرار هذا الصراع وجعل الولايات المتحدة تتوغل اكثر في الشرق الأوسط، على امل ان تصبح ايران بالنسبة لواشنطن ساحة صراع دموي مستمر، مثلما أصبحت أوكرانيا بالنسبة لموسكو. وهذا التطور سيخدم أهدافهم في ساحات أخرى. فروسيا تركز نظرها على دول البلطيق وشرق أوروبا، فيما ترى الصين بانشغال الولايات المتحدة فرصة لتحقيق أهدافها بخصوص تايوان. وكلما تعمقت الولايات المتحدة في الانخراط توسع نطاق تحرك موسكو وبجين. ان تدفق السلاح المتقدم لإيران ليس بادرة حسن نية أيديولوجية من ناحيتهم، بل هو خطوة تهدف الى اضعاف النفوذ الأمريكي.

لقد سارع فلادمير بوتين الى ادانة اغتيال رئيس الدولة، ووصف بان هذا خرق للقواعد الدولية. هذه الإدانة تخفي قلق شخصي، اذ قد ينطبق عليه هذا الامر نظريا. لكن عندما يتم خرق المعايير الأساسية يعاد النظر في محظورات أخرى، ويصبح التعاون النووي الروسي، علني أو سري، مع ايران احتمالية تخيم على النظام الدولي.

كل ذلك يحدث في ظل واقع عالمي مضطرب أصلا، حيث يوجد صراعين بين قوتين عظميين، روسيا وأوكرانيا من جهة، والولايات المتحدة وايران من جهة اخرى. واذا ما تم فتح جبهة حول تايوان فقد يجد العالم نفسه في حرب عالمية متعددة التهديدات بين مراكز القوة الكبيرة.

——————————————

يديعوت أحرونوت 6/3/2026

بين المطرقة وإيران

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

منذ اللحظة الأولى تقريبًا، لم يكن الصراع الحالي حملة مركزة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، بل حربًا إقليمية تشمل العديد من الدول وتهدد بتجاوز حدود الشرق الأوسط. والحملة المستمرة منذ ما يقرب من عامين ونصف، منذ 7 أكتوبر، كان لها أيضًا بُعد إقليمي وعالمي، لكن الوضع الحالي يتجاوز ذلك: فهو لا يقتصر على إسرائيل فقط، ويتسم بقوة عسكرية أكبر.

لقد انصبّ التركيز خلال الأسبوع الماضي على اغتيال خامنئي. هذه هي الصدمة الأشدّ التي تلقاها النظام الإسلامي في تاريخه، حتى أنها فاقت عملية الاسد الصاعد وموجة الاحتجاجات الأخيرة. لقد ضرب الاغتيال ركيزة أساسية للنظام، وأظهره عاجزًا أمام الساحة الداخلية – التي يُكنّ معظمها العداء له – وأمام العالم الذي لطالما ردعه هذا النظام، والذي بات الآن يُضفي الشرعية على هجومه. كل هذا دون أن يُقدّم له حلفاؤه القدامى، وعلى رأسهم روسيا والصين، العون، مما يُحاصره في عزلة شديدة داخليًا وخارجيًا.

يتجلى عجز إيران على المستوى العسكري. فبعد أن أُزيلت منظومات الدفاع الجوي لطهران في نزاعات سابقة، يتفاقم الضرر: إذ تُنفّذ مرة أخرى حملة اغتيال واسعة النطاق على أعلى المستويات، تشمل وزير الدفاع ورئيس الأركان وقائد الحرس الثوري، إلى جانب تدمير الأسطول وإلحاق أضرار جسيمة بنظام الأمن الداخلي. يركز الرد الإيراني على إطلاق الصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة، وإن كان ذلك بفعالية أقل من ذي قبل (انخفاض بنسبة 80% في حجم الهجمات منذ يوم السبت)، ولكنه مع ذلك يُظهر استمرارية عملية ويتبع استراتيجية استنزاف ضد جميع أعداء طهران.

لا يقتصر الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على الأنظمة العسكرية والنووية والقيادية فحسب، بل يصاحبه رغبة في تغيير النظام. ويُؤمل أن تُهيئ هذه الهجمات الشرسة الظروف لتقويض النظام عبر ثورة شعبية. وتُسمع فكرة الإطاحة بالنظام بشكل رئيسي من إسرائيل، وبدرجة أقل من الولايات المتحدة، لكنها نادراً ما تُطرح في دول الشرق الأوسط الأخرى. والسابقة التاريخية الوحيدة هي العام 1999 في كوسوفو، عندما شنّ حلف شمال الأطلسي (الناتو) هجوماً أدى إلى اضطرابات سياسية في يوغوسلافيا السابقة.

وفي سياق متصل، ترد تقارير عن تسليح الميليشيات الكردية في محاولة لتقويض النظام، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات. يُقابل تشجيع الأقليات (وخاصة الأكراد) بقلق في الشرق الأوسط، ويُثير مخاوف من إحداث فوضى في إيران قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأسرها، وسط شكوك بوجود “مؤامرة” خفية للضغط على إسرائيل، على غرار رعاية الميليشيات في غزة، الأمر الذي قد يُفضي إلى تفكك الدول العربية أو إضعافها.

يوضح البروفيسور مئير ليتفاك، رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب فيقول: “ليس من الواضح كيف سيُسهم تجنيد الأقليات من المناطق المهمشة في إسقاط الحكومة في طهران، البعيدة عن المناطق الكردية، بل قد ينظر الرأي العام الفارسي إلى ذلك على أنه تهديد لتماسك الدولة الإيرانية”. ويضيف: “علاوة على ذلك، فإن الأقليات المختلفة في إيران (التي تُشكل نحو نصف سكان الدولة) على خلاف فيما بينها. على سبيل المثال، الأكراد والأذربيجانيون. وليس من الواضح ما إذا كان الأكراد يثقون تمامًا بالأمريكيين، الذين تخلوا عنهم مؤخرًا عندما واجهوا نظام الشرع في سوريا”.

 خامنئي، الجيل القادم

يتعرض النظام في طهران بالفعل لضربات قاسية، لكن لا توجد، على الأقل في الوقت الراهن، أي مؤشرات على انهياره، كفراغ حكومي أو انشقاقات جماعية، كما لا توجد احتجاجات حاشدة بقيادة معارضة منظمة بقيادة متفق عليها. وفي محاولة لإظهار الاستقرار والقدرة على العمل رغم الضرب المبرح والإذلال، تم تعيين مسؤولين ليحلوا محل من تم تصفيتهم، وعلى رأسهم خليفة المرشد خامنئي الظاهر – ابنه مجتبى البالغ من العمر 56 عامًا. ومثل والده، يتبنى مجتبى أيضًا خطًا متطرفًا ويحظى بدعم الحرس الثوري.

أما ترامب، فيرى في الهجوم عنصرًا أساسيًا في محاولته لتشكيل نظام عالمي جديد. إن تقويض الأعراف الذي تجلى في العملية في فنزويلا يُعمّق الصراع مع إيران. تدعم واشنطن اغتيال زعيم دولة (وهي خطوة غير مسبوقة لإسرائيل) وتسعى عسكريًا إلى تقويض نظامها، واصفةً إياه بالمنظمة الإرهابية، وملاحقةً قيادتها ومؤسساتها بشكل ممنهج، ما يدفع القيادة في طهران إلى العمل كقوة سرية مضطهدة. كل هذا، بينما تتمتع واشنطن بدعم دولي واسع نسبيًا، لا سيما في ضوء صورة النظام القمعية والدموية في الداخل، وتشجيعه للإرهاب العالمي.

وفي خضم ذلك، يُصفّي ترامب حساباته مع من يقفون في طريقه: فقد أعلن وقف العلاقات التجارية مع إسبانيا، التي رفضت السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها، بينما وُجّهت انتقادات لرئيس الوزراء البريطاني، الذي تردد في تقديم المساعدة لواشنطن، لكونه “ليس تشرشل”.

وكما كان متوقعًا، لم يستطع حزب الله مقاومة تجاوز الخط الأحمر المتمثل في القضاء على خامنئي، وانضم إلى الحملة، رغم ضعفه والضغوط الداخلية الشديدة التي يتعرض لها، والتي تجلّت في إعلان رئيس الوزراء اللبناني سلام نواف هذا الأسبوع أن الحزب لم يعد قادرًا على العمل على الجبهة الأمنية. سرعان ما وقع حزب الله في كمين إسرائيلي مُحكم منذ فترة طويلة، كان يهدف إلى استهدافه، لا سيما في جهود إعادة إعمار لبنان وتواجده جنوب نهر الليطاني. وفي محاولة لتبرير توريط لبنان مجدداً في مغامرة مُقدّر لها أن تُلحق الدمار خدمةً لإيران، أوضح حزب الله أنه مارس ضبط النفس لمدة خمسة عشر شهراً رغم الهجمات الإسرائيلية المتواصلة، وأن “نشاطه هذه المرة كان يهدف إلى الدفاع عن لبنان”.

ويوضح داني سيترينوفيتش، الخبير في الشؤون الإيرانية ومحور المقاومة: “يواجه حزب الله معضلة صعبة: كان من الواضح أن إسرائيل سترد بقوة على أي هجوم من جانبه، لكنه يرى أن عدم التحرك يُشكل خطراً أكبر على صورته وعلاقاته مع طهران. ورغم دخوله في هذه الحملة، يتصرف الحزب بحذر نسبي، ويبدو أنه يأمل ألا تتطور إلى حملة واسعة النطاق، وأن تنتهي الحرب ضد إيران سريعاً دون انهيار النظام”.

في الواقع، تُعدّ المنظمة شريكةً في عملية الاستنزاف التي تُروّج لها إيران، وتنسق معها عسكريًا – كما يتضح من القصف المتزامن الذي نُفّذ هذا الأسبوع – وهي على أهبة الاستعداد لاحتمال شنّ عملية برية إسرائيلية واسعة النطاق في جنوب لبنان. كل هذا دون أن تواجه – على الأقل في الوقت الراهن – أي محاولة جادة لفرض القانون من جانب حكومة بيروت. هذا الأسبوع، عبّرت أليسا، النجمة اللبنانية الأشهر في العالم العربي، عن إحباطها في تغريدة نشرتها: “دور الحكومة هو اتخاذ قرار حماية أرواح المواطنين من حزبٍ لم يعد حركة مقاومة، بل أصبح منظمة إرهابية”.

 الوسيط مستهدف

شهد العالم العربي، ولا سيما دول الخليج، مزيجًا من الصدمة والقلق والإحباط هذا الأسبوع. فرغم أن الدول العربية أوضحت قبل الهجوم – سرًا وعلنًا – معارضتها للتحرك ضد طهران، إلا أن الهجوم جاء بطريقة غير مسبوقة، تحت ذريعة واهية هي “محاولة استهداف أهداف أمريكية تحديدًا”. ألحقت الهجمات أضرارًا بالممتلكات الأمريكية (مثل السفارة الأمريكية في السعودية وقواعدها في الكويت والبحرين وقطر)، فضلًا عن المباني السكنية والمطارات المدنية والبنية التحتية للطاقة، ولا سيما منشآت شركة أرامكو السعودية ومواقع إنتاج الغاز القطرية (نتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 90 في المئة، وأسعار النفط الخام بنسبة 17 في المئة، وانخفضت أسعار الأسهم في جميع أنحاء العالم). كما استهدفت الهجمات سلطنة عُمان، التي كانت وسيطًا بين إيران والولايات المتحدة، وقطر، التي كانت تربطها علاقات ودية مع طهران.

ويبدو أن المسعى الإيراني ينبع من افتراض أن الدول العربية، في حال تعرضها لضربات قوية، ستضغط على الأمريكيين لإنهاء الحرب سريعًا. وقد أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة هذا الأسبوع: “نتوقع من الدول العربية أن تُعرب عن استيائها للأمريكيين، لكننا أصدرنا تعليمات لقواتنا بتوخي الحذر في سياق الهجمات على أراضيها”.

ويعكس رد الدول العربية حالة من الارتباك وتضارب المصالح: فمع أنها أدانت إيران، إلا أنها لم تُشيد بالهجوم عليها ولا باغتيال خامنئي. يوضح الباحث البحريني الدكتور أحمد الخزاعي أن دول الخليج تواجه تحدياً مزدوجاً: اعتراض وابل الصواريخ وحماية الاستقرار الداخلي في مواجهة مساعي إيرانية لتعبئة قوات موالية لها، مبيناً أن التهديد الإيراني لا يقتصر على التهديدات العسكرية فحسب، بل يشمل أيضاً احتمال لجوئها إلى تحريض الأقليات الشيعية الكبيرة في دول الخليج (والتي تُشكل في حالة البحرين ما بين 60 و70 بالمئة من سكان المملكة)، أو إلى الترويج للإرهاب على أراضيها، كما فعلت في السابق.

في هذه المرحلة، تتباهى دول الخليج بنسب اعتراض عالية للطائرات المسيّرة والصواريخ (وتُعدّ الإمارات العربية المتحدة صاحبة أعلى نسبة)، وتركز جهودها على تحديد مواقع خلايا التجسس والإرهاب الإيرانية، لكنها تحذر من أي إعلان عن مشاركة فعّالة في القتال. وحتى لو حدث ذلك، فسيكون مجرد خطوة رمزية، إذ لا تستطيع هذه الدول التأثير بشكل كبير على الحملة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل حصري.

لقد شهد العالم العربي هذا الأسبوع أحداثاً مألوفة في إسرائيل، لكنها تُثير قلق شعوب المنطقة: حالة من الذعر بين المواطنين في أماكن الترفيه بالخليج التي تتعرض لهجمات صاروخية؛ إلغاء رحلات جوية إلى وجهات في المنطقة؛ جنازات لضحايا الهجمات (مثل أفراد الجيش الكويتي)؛ بيانات يومية من رؤساء الأجهزة الأمنية تتضمن تعليمات حول الحماية؛ جولات مُعلنة على نطاق واسع يقوم بها قادة لتشجيع الشعب، مثل مأدبة الإفطار التي أقامها مسؤولون إماراتيون كبار في أحد مراكز التسوق بالبلاد؛ وحتى مظاهر من السخرية اللاذعة، كما في الأردن، حيث يُشيدون بسخرية بإنشاء أسواق مخصصة لكميات هائلة من شظايا الصواريخ والطائرات المسيّرة.

يتجلى الشعور المعقد في دول الخليج في حديثٍ لي مع الصحفي السعودي عبد العزيز خميس: “يشعر سكان الخليج بغضبٍ عارم تجاه طهران، لكنهم في الوقت نفسه يتوخون الحذر الشديد. إنهم يريدون الردع، لكنهم يخشون اتساع رقعة الحرب وما يترتب عليها من أضرار جسيمة للبنية التحتية الوطنية، كما أنهم غير متأكدين من إمكانية إسقاط النظام في إيران”.

ورغم أن إسرائيل والدول العربية تجد نفسها في خندق واحد في مواجهة عدو مشترك، إلا أنه لا يوجد حديث في العالم العربي عن وحدة مصير تتطلب تعاونًا أو تحالفات أو انفراجة في التطبيع، كما ادعى نتنياهو هذا الأسبوع بشأن السعودية. وعلى الرغم من هذه الاضطرابات، لا يزال الكثيرون في العالم العربي يشككون في أن الهجوم على إيران يهدف إلى منح إسرائيل هيمنة إقليمية (مع شعورٍ كامن بالإحباط من أن نفوذ نتنياهو على ترامب يفوق نفوذ الزعماء الإقليميين). عكست الرسوم الكاريكاتورية في الصحافة العربية هذا الأسبوع السردية السائدة، التي يبدو أن بعض الجهات في العالم العربي تحاول ترسيخها في الغرب: نتنياهو يُسيطر على ترامب ويُحفّزه على إشعال الحروب في أنحاء العالم.

 الشرط السعودي

شهد الأسبوع الماضي رقماً قياسياً جديداً في سلسلة الأحداث المتسارعة التي شهدها العالم خلال العامين الماضيين والنصف الماضيين. يُعدّ هذا تطوراً تاريخياً يُشير إلى تحسّن في الموقف الاستراتيجي لإسرائيل، ولكنه لا يزال مُحاطاً بضباب كثيف. فمنذ السابع من أكتوبر، حققت إسرائيل إنجازات عسكرية مُبهرة على الصعيد العالمي، تُعكس تفوّقها التكنولوجي والاستخباراتي، ويُنذر الصراع الحالي بانقلاب في الموازين: فالحرب التي بدت في البداية وكأنها تحقيق لرؤية محور المقاومة الرامية إلى إبادة إسرائيل، تُصبح الآن بداية انهيارها.

مع ذلك، تزداد الحاجة إلى استراتيجية منهجية ونهج رصين، المطلب يالذي ُوصف غالبًا بأنه “مُرّ” و”مُثبط للفرح”، ولكنه ضروري لكل من تعلم منذ السابع من أكتوبر الحذر من النشوة والشعارات، وما الثمن الذي يُدفع عند الاعتماد على هذه الأسس الواهية. في هذا السياق، يُنصح بمعالجة ثلاث معضلات:

1) يجب أن يكون الهدف النهائي هو القضاء على التهديدات الصاروخية والنووية لإسرائيل، في حين أن تغيير النظام قد يكون مهمة معقدة وطويلة الأمد في بلد شاسع يبلغ تعداد سكانه 93 مليون نسمة، مع احتمال بقائه ولكنه سيضعف، وربما يسقط لاحقًا بسبب الاحتجاجات.

2) قد يتطلب تحييد الأسلحة النووية – ولا سيما اليورانيوم المخصب المدفون في الأرض والبنية التحتية التي لم تتضرر بعد – اتفاقًا، حتى لو كان بشروط مُحسّنة أو بإملاء أمريكي حازم (وهو هدف ألمح إليه ترامب).

3) يلتزم العالم العربي (حتى الآن على الأقل) بمبدأ أن تطبيع العلاقات مع السعودية لن يكون ممكناً دون مناقشة القضية الفلسطينية، وهو ما تحرص إسرائيل على تجنبه. ويوضح خميس في هذا السياق: “من المرجح أن تُعزز العلاقات الأمنية بين إسرائيل والسعودية سراً، لكن التطبيع العلني سيظل سيناريو مستبعداً ما لم تُناقش القضية الفلسطينية”.

يُضاف إلى كل هذا سؤال جوهري يتعلق بمفهوم الأمن القومي الإسرائيلي في أعقاب أحداث 7 أكتوبر، وهو سؤال لم يُصاغ (مثل التحقيقات التي لم تُجرَ): هل القرارات والانتصارات المطلقة، وتدمير العدو، وكي وعي شعوب المنطقة أهداف قابلة للتحقيق؟ لقد تلقى أعداء إسرائيل اللدودون، وعلى رأسهم إيران وحزب الله وحماس، ضربات قاسية، لكنهم لم يتلاشوا حتى الآن. يعتمد هذا السيناريو بالدرجة الأولى على الصدمات الداخلية، مع بعض التأثيرات الخارجية: ففي سوريا، أدى ذلك إلى انهيار نظام الأسد، وفي غزة ولبنان (الخراب) لا تزال بوادر أي انفراج داخلي غائبة، بينما لا يزال الأمل قائماً في إيران. ويتعين على صناع القرار، الذين يسخر بعضهم من وهم الشرق الأوسط الجديد الذي يروج له مهندسو أوسلو، استيعاب التحذير من الخلط الخطير بين التمني والتقييم الدقيق للواقع.

 ——————————————

يديعوت أحرونوت 6/3/2026

استراتيجية النظام الإيراني: الصمود حتى يتوقف ترامب

بقلم: رون بن يشاي 

إن القضية التي تصدرت عناوين الأخبار خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية – دعم الميليشيات الكردية في غرب إيران – لا يُتوقع أن تُشكل نقطة تحول حاسمة في الوقت الراهن، لكنها مهمة في المسعى العام لتقويض نظام آيات الله. بدأ الأمر بشكل رئيسي بمبادرة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي أثارت ضجة إعلامية كجزء من حرب الأفكار.

يهدف تعزيز الأكراد بالدرجة الأولى إلى بث الخوف في نفوس النظام، وزرع الخوف على بقائه، وتقويض ثقته بنفسه وسيطرته. ويُؤمل أن تلاحظ الأقليات الأخرى ذلك، وأن يزداد دافعها للانتفاض. فعلى أرض الواقع، تضم المنطقة الكردية جزءًا كبيرًا من مواقع إطلاق الصواريخ التي تُهدد إسرائيل، كما هو الحال في كرمانشاه على سبيل المثال. لذا، يُمكن للمسلحين المتعاونين مع الغرب تغيير الوضع وتقليل التهديد.

ثمة حاجة أخرى تتمثل في احتواء قوات النظام وإضعاف نفوذها في بقية أنحاء البلاد. يمتلك النظام الإيراني ثلاث آليات قوية للسيطرة على السكان وقمعهم: الحرس الثوري، وقوات الباسيج (ميليشيات مسلحة تابعة للحرس الثوري)، وقوات الأمن الداخلي (التي تُوازي جهاز الأمن العام عندنا “الشاباك”، وقد تعرضت العديد من مقراتها للهجوم). علاوة على ذلك، يُفترض أن يؤدي تعزيز قدرات الأكراد وتحركاتهم إلى ضخ قوات الميليشيات الشيعية العراقية إلى المنطقة عبر الحدود.

يدرك صناع القرار في القدس وواشنطن الاستراتيجية الإيرانية بوضوح، ويمكن تلخيصها بكلمة واحدة: “الصمود”، وهدفها – كما فعل نصر الله في حرب لبنان الثانية العام 2006 – هو تحقيق النصر من خلال عدم الخسارة. لذا، يُطلق الإيرانيون الصواريخ على أراضينا في المقام الأول لإظهار أنهم يقاتلون ولم يُهزموا، حتى وإن كانت أعدادها تتناقص.

يهدف هذا القصف إلى إلحاق خسائر بإسرائيل، لأنهم توصلوا إلى قناعة بأن قتل المدنيين هو الوسيلة الرئيسية للضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب. الهدف هو استنزافنا نحن والأمريكيين، وإبقائنا في موقف دفاعي. الوقوف على الأرجل حتى يتوقف الرجل.

على الرغم من التقييمات والتقارير، لا تزال المؤشرات غير واضحة بشأن انتخاب مجتبى خامنئي خلفًا لوالده كمرشد أعلى لإيران. كما لا توجد أي مواد استخباراتية تشير بوضوح إلى وجود إطلاق نار منسق بين حزب الله والإيرانيين.

فيما يتعلق بالحوثيين، لا يزال جوهر اللعبة غامضًا بالنسبة لإسرائيل، لكن من الواضح أنهم ينسقون مع الإيرانيين. ربما يُستخدمون كورقة ضغط لاستمرار عملية “الصمود” في مراحلها اللاحقة. مع ذلك، يساور أجهزة الاستخبارات قلقٌ من أن الحوثيين يخططون لتحرك بري، ربما بالتنسيق مع الميليشيات الشيعية في العراق، وبالتالي يحاولون أيضًا تهدئتنا ومنعنا من إطلاق النار في هذه الأثناء. وقد أدى هذا إلى حشد كبير للفرق القتالية على الحدود، وخاصةً في الشمال. وتعتبر الاستخبارات العسكرية هذه مهمتها التحذيرية الرئيسية.

من الواضح تمامًا لكل من إسرائيل والولايات المتحدة أن القصف الجوي لن يُسقط النظام. الهدف هو تحقيق أمرين: أولًا، إلحاق ضرر بالغ ببرامج الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، بحيث يستغرق ترميمها وقتًا طويلًا – على عكس ما حدث في “الأسد الصاعد” في حزيران من العام الماضي – وثانيًا، منع النظام من تشكيل أي تهديد للمنطقة. من الأمثلة على ذلك الهجوم على الصواريخ والطائرات المسيّرة “الحبيسة” في “مدينتي الصواريخ”  كرمانشاه وشيراز.

الخطوة التالية ستكون “سحق” الصناعات العسكرية الكبيرة والقوية، وهنا يبرز التفوق الكمي للقوات الأمريكية. فقاذفة بي-52 واحدة تشن هجومًا في طلعة جوية واحدة يعادل تقريبًا قوة سرب كامل من طائرات “ستورم” (إف-16 آي) التابعة لسلاح الجو. وقد يُسهم التحرك ضد هذه الصناعات أيضًا في تسريع الانهيار الاقتصادي للنظام.

الهدف الثاني هو تقويض أسس النظام. وهناك إدراك متزايد في شعبة الاستخبارات بأن هذا قد يستغرق سنوات، أو ربما أقل، شريطة عدم رفع العقوبات عن طهران. في هذه الأثناء، لا يخرج الناس إلى الشوارع في إيران.

ما يعيقنا حاليًا هو ارتفاع أسعار النفط والمعارضة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة للحرب. وقد أعلن الأمريكيون أنهم سيقدمون نوعًا من الضمان لمن سيفتقر إليه من خلال احتياطياتهم الاستراتيجية من الطاقة، وهي خطوة ساهمت في الحد من ارتفاع الأسعار. في هذا السياق، لا تعدّ مرافقة السفن في مضيق هرمز المُستهدف حلاً ذا جدوى.

في أسوأ الأحوال، كما يقول الجانب الإسرائيلي الأمريكي، سنعلن إنهاء الحرب، وسيُضطر الإيرانيون إلى تحمل تبعات العقوبات المفروضة عليهم، وسيجدون صعوبة بالغة في شرح الوضع للجماهير في الشوارع التي ستكون قد تضاءلت مخاوفها من الخروج. وتتفاقم الأضرار الاقتصادية بالفعل نتيجةً للتحرك الإيراني في مضيق هرمز، إذ يُغلق فعلياً ميناء بندر عباس، بوابتهم الرئيسية للإمدادات والتجارة.

——————————————

هآرتس 6/3/2026

رغم الإنجازات في سماء طهران، النظام في ايران لا يبدي مؤشرات استسلام

بقلم: عاموس هرئيلِ 

مع اقتراب نهاية الأسبوع الأول للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران، ما زال حلها بعيد المنال. كان ميزان القوة بين الطرفين واضح من البداية لصالح الطرف المهاجم. فالاضرار والخسائر والضربات الاستراتيجية التي تكبدتها ايران في هذا الأسبوع تفوق بكثير ما تمكنت من الحاقه باعدائها، لكن بينما يغمر الرئيس دونالد ترامب ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مواطنيهما برسائل حماسية حول نصر وشيك، فمن الأفضل وصف الأمور كما هي، على الأقل في هذه المرحلة: لقد كانت المرحلة الافتتاحية للحرب تشكل نجاح عملياتي كبير. وما زالت سيطرة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية على ما يحدث في جميع انحاء ايران واضحة وتتجلى في اطلاق قنابل دقيقة على مواقع حيوية. ولكن حتى مساء امس لم يظهر النظام في ايران أي إشارات على الاستسلام. يبدو ان ايران تصمم حاليا على مواصلة القتل وتفعيل كل وكلاءها في جميع انحاء الشرق الأوسط وتوسيع نطاق حملتها لتشمل دول الخليج واطراف أوروبا (أذربيجان وقبرص).

لا شك ان الأمريكيين ما زالوا يخبئون تحركات مفاجئة. ولكن مع مرور الوقت اذا لم يتم التوصل الى قرار، فيجب على ترامب النظر الى مسار بديل وهو التوصل الى حل وسط بشان اتفاق نووي جديد، الذي سيفرض قيود اكثر صرامة على المشروع الإيراني. ولكنه لن يضمن انهيار النظام (بل على العكس، رفع العقوبات الدولية عن النظام سيضخ المزيد من الأموال في خزينته ويعزز فرصة بقائه). هذا هو المسار الذي تخلى عنه الرئيس في الأسبوع الماضي عندما قرر شن الهجوم بعد ان تبين بان المرشد الأعلى علي خامنئي لم يكن مستعد لاظهار أي مرونة حول المباديء الأساسية الإيرانية المتعلقة بالمشروع النووي. والان بعد رحيل علي خامنئي وتولي نجله مجتبى السلطة، سيرغب الامريكيون في إعادة النظر في إمكانية التفاوض مع أي طرف. الإيرانيون يعرفون ان القوة الكبيرة للولايات المتحدة لا يمكن نشرها الى الابد في الشرق الأوسط ولن ترسل بسهولة لاعادة انتشارها في حالة فشل المفاوضات، وبالتالي، لا يمكن استخدامها الا لفترة محدودة.

تشن إدارة ترامب الحروب بطريقة لا مثيل لها. الرئيس نفسه يتحدث الى وسائل الاعلام كل يوم، في حين في إسرائيل خلافا لذلك، لا احد في الحكومة يكلف نفسه عناء التحدث للمدنيين الذين يتعرضون للهجوم باستثناء المتحدثين باسم قيادة الجبهة الداخلية. يبدو ان ترامب يستمتع حاليا بالاضواء وفرصة تصوير نفسه، على الأقل في نظر نفسه، كقائد عظيم. بيت هيست، وزير الدفاع (وزير الحرب كما يسميه ترامب) ليس مثل الجنرالات الذين أحاط ترامب نفسه بهم في ولايته الأولى، والذين اختلف معهم بسرعة. الوزير الحالي، الرائد المتقاعد في الحرس الوطني، اثار اعجاب ترامب عندما شاهده الأخير وهو معلق عسكري في شبكة “فوكس نيوز”،  أوضح وزير الدفاع في خطابه في يوم الثلاثاء بان الولايات المتحدة لا تسعى الى منافسة عادلة، بل تحقيق نصر ساحق والحاق هزيمة كاملة بخصومه.

ترامب تحدث في مقابلة أجريت معه في بداية الأسبوع عن أربعة – خمسة أسابيع لتحقيق اهداف الحرب. في غضون ذلك صرح مسؤول امني إسرائيلي رفيع في مؤتمر صحفي في يوم الثلاثاء بان الجيش الإسرائيلي سيحتاج الى أسبوعين من القتال على الأقل. لم يعجب تصريح المسؤول الإسرائيلي المقربين من ترامب وانهالوا عليه باللوم. أما ما يتم تجاهله تماما فهو اهداف الحرب: هل تشمل هذه الأهداف أيضا اسقاط النظام في ايران، لم يذكر موضوع تغيير النظام في بيانات البيت الأبيض في هذا الأسبوع.

داني سترونوفيتش، عضو معهد دراسات الامن القومي واحد المعلقين البارزين والأكثر دقة في تحليل ايران، كتب ان الانتصار في الحرب يعني اسقاط النظام، لكن لا يوجد ما يضمن استعداد البيت الأبيض لاستثمار الوقت والموارد المطلوبة لذلك.

في إسرائيل يسعى المسؤولون بجهد لاسقاط النظام كهدف مرغوب فيه في الحرب، لكن يبدو ان المستوى السياسي متفائل اكثر من المستوى الأمني بشان فرصة تحقيق ذلك. خلافا للسابق لا يوجد حاليا أي توتر حقيقي بين الحكومة وهيئة الأركان العامة بشان كيفية استخدام القوة. لم يعد يوجد ما يسمى بـ “الصقور” و”الحمائم” مثلما كانت الحال في الخلاف حول مهاجمة ايران قبل 15 سنة. فمنذ 7 أكتوبر ايد الجيش استخدام القوة بنطاق واسع في أي فرصة تقريبا. فهل سيصل الجيش الإسرائيلي على خلفية هذه المعلومات الجديدة الى مرحلة يبلغ فيها الحكومة ومجلس الوزراء بان استخدام القوة لم يعد ناجع وانه يجب إيجاد مخرج آخر.

لقد شمت جهود تعافي ايران أيضا تسخير حزب الله الذي قام بالتنسيق معها لشن وابل متزامن من النيران على إسرائيل في محاولة “ارباك” أنظمة الاعتراض وجعل مهمتها صعبة. لقد تزامن دخول حزب الله الى الحرب مع التقييمات الاستخبارية الإسرائيلية المبكرة. حتى الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام الحذر والبارع الذي يتراس حزب الله حاليا، لم يكن بامكانه المرور مر الكرام على اغتيال خامنئي، الزعيم الشيعي الأعلى في العالم.

لقد ردت إسرائيل على اطلاق النار من لبنان بسلسلة خطوات. فسلاح الجو الإسرائيلي نفذ غارات في بيوت والبقاع وكل ارجاء لبنان، والآن الجيش الإسرائيلي ينشر المزيد من المواقع في المنطقة الأمنية الضيقة التي فرضها على الحدود الشمالية ويهدد باحتلال مناطق أخرى. امس طلبت إسرائيل من سكان الضاحية الجنوبية وسكان جنوب لبنان في جنوب الليطاني اخلاء بيوتهم استعدادا للقصف المزمع. هذه ستكون هجمات واسعة النطاق. واضح ان حزب الله يعمل على تفعيل وحدات وتشكيلات كانت في حالة جمود قسري منذ وقف اطلاق النار مع الجيش الإسرائيلي في لبنان في تشرين الثاني 2024. وتتنافس الحكومة اللبنانية والجيش وسياسيون بارزون في اصدار بيانات تدين حزب الله. الأوضاع تتغير في كل ارجاء الشرق الأوسط.

معضلة إسرائيل

في غضون ذلك تطلق المليشيات الشيعية في العراق المسيرات، وتتوقع إسرائيل رد محتمل من الحوثيين في اليمن الذين امتنعوا حتى الان عن التدخل. هذه حرب إقليمية حتى لو لم تكن كل الأطراف منخرطة فيها بنفس القدر. ويبدو ان رد ايران هو قرار متعمد لاشعال فتيل الصراع في كل المنطقة. فقد اطلقت آلاف الصواريخ والقذائف والمسيرات في نفس الوقت على إسرائيل وعلى بعض دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، ومثلما ذكر على قبرص وأذربيجان أيضا بنفس التهمة. ويتمثل القلق الرئيسي في دول الخليج في نفاد صواريخ الاعتراض قبل استنفاد الترسانة الهجومية الإيرانية.

ربما اعتقد الإيرانيون، وقد جدوا انفسهم في مازق، ان هذا سيخلق ضغط عربي ودولي على ترامب لوقف الهجوم. ولكن في الوقت الحالي يبدو ان العكس هو الصحيح. فالدول العربية تعزز التعاون مع الأمريكيين وتأمل الحصول على امدادات جديدة من صواريخ الاعتراض بسبب حجم القصف الذي تعرضت له. أيضا القصف في الدول الأوروبية واستحالة فصل التحركات الامريكية والإسرائيلية في هذه المرة يخفف من حدة انتقادات الغرب الموجهة للهجوم ضد نظام خامنئي.

لم يكن رد فعل ايران في هذا الأسبوع وحده الذي كشف عن التصميم، بل يبدو ان ايران تفاجيء الاستخبارات الإسرائيلية مرة تلو الأخرى بالسرعة التي تعيد فيها بناء الأنظمة المتضررة وتجديد الكفاح العسكري ضدها. ويظهر هذا أيضا في سرعة إعادة تشغيل خطوط الإنتاج ومنصات الاطلاق ومستودعات الصواريخ، منذ انتهاء الحرب السابقة في حزيران الماضي وأيضا في الاستعداد لشن هجوم مضاد بالتنسيق مع حزب الله، مع معرفتهم المسبقة للتكلفة الباهظة.

لكن هنا تكمن معضلة إسرائيل. لانه لم يعد بالإمكان انكار رغبة النظام في تدمير إسرائيل والميل الى اعتبار ذلك هدف عملي. اذا كانت إعادة الترميم الجزئية سريعة جدا، بعد ثمانية اشهر على انتهاء الحرب السابقة، فهل يمكن الاستمرار في سياسة الجولات الدورية أو ان من الأفضل محاولة اقناع ترامب بالسعي الى حل حقيقي. مع مرور الوقت اقتصاد إسرائيل سيجد صعوبة في الصمود امام حملة عسكرية بعيدة المدى، بمعدل جولة أو جولتين في السنة.

الاستطلاعات التي أجريت في إسرائيل وفي أمريكا تشير الى تاييد كبير للحرب في إسرائيل، وتحفظات كبيرة منها في الولايات المتحدة (رغم وجود بوادر مبكرة لتحول إيجابي بين الجمهوريين بسبب نجاح ترامب في تسويق خطواته الأولية كانجاز). مع ذلك، النطاق المحدود لاطلاق الصواريخ حتى الان، المرتبط بجهود ايران للتخطيط لنطاق استخدام سلاحها المتبقي، يقلل حاليا الأثر القاسي للحرب على الراي العام في إسرائيل. رغم الضربة الافتتاحية المدوية تبدو هذه الحرب غريبة بعض الشيء، حيث تفتقر الى الزخم ويقل فيها التهديد للجبهة الداخلية اكثر مما كنا نخشى. وما زال حجم الضرر الذي لحق بالايرانيين غير واضح.

مع ذلك، معظم الإسرائيليين يتقبلون الحرب وكل ما يترتب عليها كامر واقع: شلل كامل آخر للاقتصاد بعد ثمانية اشهر، التهديد المتكرر لارواح المدنيين، عدم اليقين حول انتهاء كل ذلك، فتح حساب مع الإيرانيين، بل ومع كل الشيعة، في ضوء القرار الاستثنائي، اغتيال المرشد الأعلى. أمس، بالذات عندما ازداد القلق حول تصاعد اطلاق النار من لبنان، أعلنت وزارة المالية تخفيف القيود المفروضة على الاقتصاد، وإعطاء بذلك الإباء حرية الذهاب الى العمل، في حين ان الأولاد في البيوت بسبب اغلاق المدارس ورياض الأطفال.

يبدو ان كل ذلك لا يزعج نتنياهو. فقد ظهر رئيس الحكومة متغطرس بشكل خاص في هذا الأسبوع، حيث يطلب من مؤيديه (وبحق) نسب الفضل له بقرار الحرب ضد ايران، لكنهم يصممون على محاسبته على كل ذرة مسؤولية عن الإخفاقات التي سمحت بحدوث المذبحة في 7 أكتوبر. وقد تجلت غطرسته في منتصف الأسبوع عندما حرص مكتبه على نشر نبأ يفيد بان نتنياهو نفسه اطلق قنابل عن بعد من مسيرة تحلق في سماء ايران، فالطيارون ومن يشغلون المسيرات ليسوا الا ارقام بالنسبة له.

في الوقت الحالي توجد لنتنياهو أسباب كثيرة للشعور بالرضا. فقد توقفت محاكمته الجنائية، والمستشارة القانونية للحكومة تتعرض للهجوم من جديد، وتم طي صفحة الجدل حول مشروع قانون الاعفاء من التجنيد، وهو وحده الذي سيقرر موعد الانتخابات الذي يناسبه.

تخطيط مسبق

بدات المحادثات بين إسرائيل والولايات المتحدة حول توجيه ضربة انتقامية لإيران فور انتهاء الحرب السابقة في نهاية حزيران 2025. وبينما تفاخر ترامب بتدمير المشروع النووي الإيراني، ونتنياهو اعلن النصر، كان الجنرالات في الدولتين اكثر جدية. في نهاية السنة الماضية بدات تتراكم معلومات حول استئناف عمل خطوط انتاج الصواريخ البالستية، الى جانب التخوف من استئناف العمل في المشروع النووي (رغم ان مخزون اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، بوزن 400 كغم، ما زال موجود على الأرجح). وقد ساهم تولي الادميرال براد كوبر لقيادة المنطقة الوسطى الامريكية (السنتكوم) في تسريع الاستعداد المشترك.

إسرائيل استعدت لمهاجمة مواقع الصواريخ في منتصف السنة الحالية، بدون معرفتها اذا كانت الولايات المتحدة ستؤيد هذا القرار أو الانضمام اليه. المتظاهرون في ايران هم الذين حسموا الامر. فموجة الاحتجاج في كانون الثاني والقمع  الوحشي الذي استخدمه النظام، الذي أدى الى مذابح ضد الآلاف من المدنيين حرفت انتباه ترامب وشجعته على التعهد بتقديم المساعدة للمتظاهرين. وزيارة نتنياهو في واشنطن في بداية شباط ساهمت في اقناع ترامب بان الحرب حتمية وان ايران ستشن هجمات ضد اهداف إسرائيلية في كل الحالات.

عدد من وسائل الاعلام الامريكية أفادت في هذا الأسبوع بان موعد الهجوم، صباح يوم السبت 28 شباط، تم تحديده في منتصف الأسبوع السابق. وكان نتنياهو هو الذي شجع ترامب على التحرك عندما قدم له معلومات خصلت عليها الاستخبارات حول نية خامنئي البقاء مكشوف في مقر اقامته فوق الأرض في ذلك الوقت. وقد سرعت الفرصة العملياتية التي سنحت لترامب القاء القنابل. إضافة الى ذلك توقف غضب الرئيس من المفاوضين الإيرانيين، حيث تولد لديه الانطباع بانهم يضيعون وقته عمدا. وقد تم عقد الجلسة الأخيرة للمحادثات في جنيف في يوم الخميس الماضي في ظل الاستعدادات السرية التي كانت إسرائيل وامريكا تقومان بها لاغتيال خامنئي وشخصيات بارزة أخرى.

ترامب فضل ان تتولى إسرائيل اغتيال خامنئي بنفسها بسبب القيود القانونية، لكنه سارع في ضوء نجاح العملية الى نسب الفضل لنفسه. وصرح للمراسلين بانه هو الذي اجبر نتنياهو على تنفيذ هذه الخطوة. ونظرا لتكرار مزاعم المبالغة والتضليل والكذب من قبل الطرفين، يصعب تحديد من هو على صواب من بينهما. ولكن ما لا جدال حوله هو التنسيق العملياتي والاستخباري غير المسبوق بين الجيشين في الحملة المشتركة ضد ايران. مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قال لي في هذا الأسبوع بان الهجوم يسير جنبا الى جنب، ويناقش كل يوم في عشرات اللقاءات والمحادثات بين قادة الطرفين.

هاكم ما قاله اثنان من قدامى البنتاغون ووزارة الخارجية، اللذان شغلا مناصب رفيعة فيهما في إدارات سابقة. البروفيسور اليوت كوهين كتب في مجلة “اتلانتيك” بان الهجوم في هذه المرة شمل ضربات متطابقة من حيث الحجم والعدد من قبل القوتين الجويتين. وأضاف بان إسرائيل في هذه المرة هي شريكة رئيسية وليس ثانوية. وبحسبه فانه لم يكن أي جيش أوروبي يمكنه التعامل مع مهمات معقدة كهذه. دانا سترول، الباحثة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، كتبت بانه “تصعب المبالغة في وصف مدى ريادية هذه الشراكة. عادة ما يعمل الجيش الأمريكي ضمن تحالفات واسعة ويتولى معظم القتال. ولكن في هذه الحرب الولايات المتحدة وإسرائيل هما شركاء متساوون، والتعاون الان شامل اكثر بكثير مما كان عليه في حزيران الماضي”.

——————————————

معاريف 6/3/2026

معاريف: وإن غاب التهديد الإيراني.. هكذا سيظل الحق الفلسطيني مشكلة إسرائيل المركزية

بقلم: البروفيسور دانييل فريدمان

يحقق الهجوم الإسرائيلي – الأمريكي في إيران إنجازات مبهرة، نأمل أن تصمد لزمن طويل. وقد أتيح هذا الهجوم عقب خطأ إيراني جسيم قام على أساس فرضية أن القوة تجيب على كل شيء.

على أساس هذا الفهم، نفذ النظام الإيراني المذبحة الرهيبة بحق المتظاهرين. وكانت النتيجة “إنجازاً” مؤقتاً. المظاهرات قمعت، لكن هذا الفعل شكل اعتباراً مركزياً في قرار ترامب للهجوم، رغم المعارضة الشديدة في الولايات المتحدة ورغم الانتخابات القريبة في هذه الدولة.

يجدر التشديد على أنه من ناحية إسرائيل، حتى لو تقلصت المشكلة الإيرانية (أو حتى اختفت تماماً إذا ما استبدل النظام كما هو مأمول)، فستبقى المشكلة الفلسطينية التي سبقت نظام الخميني الإجرامي وخليفته علي خامنئي، وهي ليست متعلقة بوجود هذا النظام.

المشكلة الفلسطينية هي الأخرى لن تحل فقط بالقوة (وإن كان استخدام القوة شرعي ومطلوب لمكافحة الإرهاب الفلسطيني). المشكلة الفلسطينية هي التي تسببت بالتضعضع التام لمكانة إسرائيل الدولية. للأسف، هناك تخوف حقيقي من بقاء هذا الوضع على حاله حتى لو توصلنا إلى حل للمشكلة الإيرانية.

الثمن المرافق هو الخراب التام لمكانتنا الدولية، الضرر للجاليات اليهودية في العالم وازدهار اللاسامية. يندرج في هذا الإطار إجراءات في المحاكم الدولية ضد إسرائيل، بما فيها أوامر الاعتقال الفضائحية ضد نتنياهو وغالانت.

من ناحية الفلسطينيين يمكن القول إنهم تعرضوا في هذه الحرب لخسائر فادحة للغاية، فقطاع غزة دمر، وشروط حياة سكانه تدهورت إلى القعر. لكنهم نالوا إنجازاً استراتيجياً في المستوى الدولي. الاعتراف بحقهم في دولة أصبح واقعاً تعزز، وعلى هذا تقوم أوامر الاعتقال ضد نتنياهو وغالانت. الادعاء، مهما كان بلا سند، فالسلطة الفلسطينية وقعت على ميثاق روما الذي تعمل محكمة الجنايات الدولية بقوته. من هنا فإن أعمال إسرائيل في غزة تنفذ في أراضي دولة فلسطين، الموقعة على الميثاق. بهذه الطريقة اكتسبت محكمة الجنايات الدولية الصلاحيات على أعمال إسرائيل في القطاع.

بالمقابل، انهارت سياسة نتنياهو (التي هي عمليا سياسة اليمين) في كل ما يتعلق بالفلسطينيين. فقد قامت هذه السياسة على أساس الفصل بين غزة والضفة الغربية، وعلى فكرة أن “حماس ذخر”، وعلى تقسيم الحكم بين السلطة الفلسطينية في الضفة وحكم حماس في غزة.

وتم تبني “سياسة النعامة” تجاه الفلسطينيين، وكانت الفرضية أن بالإمكان تجاهلهم وربما الاعتقاد بأنهم “سيهاجرون طواعية”. في إطار هذه السياسة، تمكنت حكومة نتنياهو من التوقيع على اتفاقات إبراهيم التي تجاوزت الفلسطينيين، وجرت قبل الحرب مفاوضات لاتفاق سلام مع السعودية. كما أنه سيكون ممكناً فرض حصار بري وبحري على قطاع غزة (تبعاً للتموين الإنساني)، فحماس معروفة في العالم كله كمنظمة إرهاب، حكمها في غزة غير قانوني.

بيغن تعهد.. أتتذكرون؟

كل هذا انهار في الحرب الطويلة في غزة. المشكلة الفلسطينية، التي هي عملياً المشكلة المركزية لإسرائيل، تقف أمامنا بكل شدتها. يخيل كأن عيون حكومة إسرائيل أغشيت عن رؤية إقامة حكم في غزة سيكون مرتبطاً بالسلطة الفلسطينية، وسيكون شرعياً في نظر العالم. سينزع سلاح حماس، على ما يبدو بشكل جزئي فقط. وستصرخ إسرائيل، لكن يجدر بنا أن نتذكر بأن إسرائيل نفسها لم تنجح في نزع جملة الأسلحة التي هي في يد السكان العرب الذين هم في داخلها، ناهيك عن السلاح الذي يحاز بشكل قانوني، وفي قسم منه أيضاً غير قانوني لدى أجزاء أخرى من السكان. فهل في غزة سيكون الأمر مختلفاً؟

غزة كفيلة بأن تنال ميناء وربما مطاراً أيضاً. ثمة احتمال بأن معظم حكومات العالم ستعترف بحكومة غزة التي قد تُضم إلى الأمم المتحدة (مشكوك أن يواظب الأمريكيون على الفيتو في هذا الشأن، بالتأكيد بعد عهد ترامب). في هذه الظروف، لا يمكن الافتراض بأن إسرائيل ستتمكن من مواصلة الحصار البحري والجوي. في الحالة الأفضل، سيكون ممكناً فرض رقابة على البضائع الواردة إلى القطاع بهدف منع تهريب السلاح.

لقد أشير في مقال مؤطر إلى أن وضع السلام مع قطاع غزة سيجلب لإسرائيل منفعة هائلة. سيكون ممكناً استيراد البضائع إلى إسرائيل عبر ميناء غزة، الذي سينافس موانئ إسرائيل والاستيراد لإسرائيل (كما سيشكل مساهمة هامة في تخفيض غلاء المعيشة، الذي سيكون مجدياً وأكثر نزاهة من رفع الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على التوصيات على الإنترنت).

ستكافح حكومة غزة بالطبع من أجل الأراضي في “يهودا والسامرة”، وأعمال اليمين المتطرف والإرهاب اليهودي في الضفة ستشجع دول العالم لتأييد المطالب الفلسطينية. في ضوء التطورات المتوقعة هذه، حان الوقت لتطرح إسرائيل أفكاراً حول التصدي للمشكلة الفلسطينية. إذا لم يتم هذا، فمن شأننا أن نتبين أنه ثمة إجراءات قد تتخذ حيال الضفة أيضاً، بتأييد الولايات المتحدة وبمعونة تركيا وقطر في ظل تجاهل مواقف إسرائيل. غزة ستشكل سابقة.

تسيطر إسرائيل على ملايين الفلسطينيين عديمي الحقوق. وهذه ليست مشكلة فلسطينية فقط، بل إسرائيلية أيضاً، والسؤال هو: ما الوقت الذي ستحتفظ فيه إسرائيل على الديمقراطية، في الوقت الذي لا توجد فيه في “يهودا والسامرة”؟ من المهم أن نذكر أن إسرائيل ضمت بعد حرب الأيام الستة القدس الشرقية بل ومنحت حق الإقامة للفلسطينيين في المنطقة المضمومة (بعضهم نال الجنسية الإسرائيلية). هكذا تصرفنا أيضاً في هضبة الجولان. ما نفعله اليوم في “المناطق” [الضفة الغربية] هو محاولة ضم، دون منح حقوق للسكان الذين تبقوا بلا حماية من الإرهاب الذي يمارس تجاههم.

يتبين أيضاً أن معظم دول العالم وأجزاء لا بأس بها من الجمهور الأمريكي ويهود الولايات المتحدة، اقتنعوا بأن الفلسطينيين يستحقون تقرير المصير، وأن إسرائيل هي الطرف الشرير في النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. واضح أيضاً أن الضم الزاحف لمناطق في “يهودا والسامرة”، والإرهاب اليهودي في هذه المناطق ضد فلسطينيين بلا حقوق والتصريحات التي تنطلق على ألسنة أعضاء الحكومة وأعضاء الائتلاف، إنما تعزز الإحساس المناهض لإسرائيل وتنسي المسؤولية المركزية التي للفلسطينيين عن وضعهم.

هذه الظواهر المستمرة تنسي أيضاً الإرهاب الفلسطيني الرهيب وحقيقة أن الفلسطينيين رفضوا كل عرض للتسوية بما فيها العرض الذي قدمه لهم إيهود أولمرت. الرأي العام العالمي، في قسمه الأهم، يفضل أيضاً تجاهل مطالب عناصر مركزية في المجتمع الفلسطيني تتضمن خراب دولة إسرائيل.

من المجدي أيضاً التفكير في الوضع الذي سنقف أمامه بعد فترة ولاية ترامب وما هو مدى الدعم الأمريكي لإسرائيل، في أيام يتولى فيها مسلم معادٍ لإسرائيل (انتخب بدعم يهود كثيرين) في رئاسة المدينة الأهم في الولايات المتحدة. حتى الحرب في إيران لا تزيد في الولايات المتحدة تأييداً لإسرائيل.

لإسرائيل مصلحة أولى لترميم مكانتها الدولية، والوصول إلى تسويات سلام مع السعودية ومع دول إسلامية أخرى وضمان وجود الديمقراطية داخلها. شرط ذلك هو تغيير المعاملة للفلسطينيين في الضفة وخطوات حقيقية لحل المشكلة الفلسطينية التي أصبحت مشكلة مركزية لدولة إسرائيل. الحرب ضد إيران لن تخفي المشكلة الفلسطينية التي ستعود بكل قوتها، في نهاية حرب إيران.

تسوية معهم ليست سهلة في ضوء مشاهد الحرب في غزة التي لم تنته بعد، ومع ذلك يجدر بالذكر أن مناحيم بيغن وقع في حينه على تعهد بحكم ذاتي للفلسطينيين، ربما حان الوقت لخطوة أولى كهذه على الأقل.

——————————————

هآرتس 6/3/2026

بإقامتها “حزاماً أمنياً”: أيهما يعوق السلام.. إسرائيل أم “حزب الله”؟

بقلم: أسرة التحرير

مع فتح جديد للجبهة الشمالية ضد حزب الله، تقف إسرائيل أمام واقع معروف، لكن بخلاف الماضي، مع فرصة للتعاون مع حكومة لبنان ضد منظمة الإرهاب. الإثنين، أعلن رئيس وزراء لبنان نواف سلام، حظر نشاط حزب الله العسكري واعتبره غير قانوني، وأمر الجيش بمنع إطلاق النار نحو إسرائيل واعتقال من يحاول المبادرة إلى عمل هجومي، بل صادقت الحكومة على خطة عمل الجيش لمرحلة إضافية في نزع سلاح المنظمة، تركز على مناطق فيها مخزونات الصواريخ بعيدة المدى شمالي الليطاني.

هذه انعطافة سياسية مهمة في لبنان. الحكومة تنزع من حزب الله شرعيته العسكرية، وتضع أمامه جيش الدولة. ويسمع داخل الجمهور الشيعي نقد على المنظمة على خلفية ضعف مصادر التمويل الإيرانية ومصاعب التعويض لسكان جنوب لبنان المتضررين.

 دليل آخر على الانعطافة نجدها في بيان الناطق بلسان حكومة لبنان ووزير الإعلام الذي قال إن ناشطين إيرانيين من الحرس الثوري موجودون في الدولة سيعتقلون. وأعلن رئيس الوزراء بأنه طلب منع كل نشاط عسكري لعناصر من الحرس الثوري في الدولة. التعاون الآن بين إسرائيل وحكومة لبنان كفيل بتقليص قوة حزب الله وإيران. يبدو أن نشاطات الجيش الإسرائيلي منسقة مع الولايات المتحدة وعبرها أيضاً مع حكومة لبنان، في مسيرة تشارك فيها السعودية وقطر. والتطلع هو المضي لمفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان.

على خلفية هذه الإمكانية، على إسرائيل أن تحذر من العودة إلى أنماط عسكرية قديمة. والمقصود السيطرة على مناطق في جنوب لبنان وإقامة “حزام أمني” جديد فيه يحبط المسيرة السياسية المتشكلة. إن طول الوجود الإسرائيلي في لبنان سيضعضع شرعية حكومة لبنان في صراعها ضد حزب الله، ويوفر للمنظمة سبباً متجدداً لعرض سلاحها أمراً ضرورياً للدفاع عن الدولة.

بدلاً من التمسك بنماذج قديمة، على إسرائيل استغلال نافذة الفرص التي فتحت: أن تنسق خطوات مع حكومة لبنان ومع الجهات الدولية ذات الصلة، وتعطي أولوية للجهد السياسي الذي هدفه إضعاف حزب الله ووضع البنية التحتية لتسوية مستقرة.

إن احتمال المسيرة منوط بقدر كبير للقرار الإسرائيلي إذا كانت ستقيم حزاماً أمنياً في جنوب لبنان وتبقى فيه على مدى الزمن. قرار كهذا سيحول فرصة سياسية نادرة إلى ورطة عسكرية أخرى. المطلوب من إسرائيل الآن أن تمتنع عن الحلول المعروفة جداً، وأن تختار مساراً يضعف حزب الله دون جر المنطقة وإسرائيل إلى سنوات أخرى من المواجهة.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article