هيئة التحرير
غادر بعضهم البلاد، فيما استقال آخرون من أعمالهم. يتجوّلون بيننا ويبدون كأيّ إنسان عادي، لكنّ عاصفة تعصف في دواخلهم. يشعرون بالذنب والخجل والاشمئزاز والاغتراب عن الذات. ما السبب؟ إنهم يعانون من إصابات أخلاقية نتيجة خدمتهم العسكرية في الحرب على غزة. تنشأ هذه الإصابات حين يتعرّض الإنسان لأحداث يراها انتهاكًا عميقًا لقيم أخلاقية أساسية. بعضهم ارتكب فظائع بنفسه، وآخرون شهدوا أفعالًا قاسية قام بها غيرهم، في تعارض صارخ مع منظومتهم الأخلاقية.
يقول خبراء في الصحة النفسية تحدّثوا إلى “هآرتس” إنهم يرصدون هذه الإصابات على نطاق أوسع بكثير مما كان عليه الحال سابقًا. ما بدأ كخيط رفيع، تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى ما يشبه تسونامي حقيقيًا. ومع ذلك، يظل صوت هؤلاء خافتًا. فالدولة ومعظم وسائل الإعلام تختار تجنّب الخوض في هذه القضية، أو التعامل معها في الخفاء، بعيدًا عن وعي الجمهور. “إذا اعترفنا علنًا بأن عددًا كبيرًا من الجنود يعانون من إصابات أخلاقية، فكيف سيتماشى ذلك مع صورة ‘الجيش الأكثر أخلاقية في العالم’؟” هكذا يشرح ضابط صحة نفسية في الاحتياط منطق هذا التوجّه.
أوضح هؤلاء الجنود أنهم يعيشون مأزقًا حقيقيًا: فهم بحاجة إلى المساعدة، لكنهم يخشون البوح بذلك أمام المقرّبين منهم خوفًا من أن يُوصموا باليسارية أو بالخيانة. وقال كثيرون إنهم اختاروا التحدّث لمساعدة غيرهم—كي يدرك من يمرّ بتجارب مشابهة أنه ليس وحده، وربما يجد الشجاعة لطلب العون.
غير أنّ ذلك لا يكفي. على الدولة أن تتحرّك بوضوح لتحديد هؤلاء المصابين وتقديم الدعم لهم. وتقع على عاتق وزارة الدفاع والجيش مسؤولية مساندة الشابات والشبان الذين أُرسلوا إلى ساحات القتال، وتوفير بيئة داعمة لهم. وإلا، يحذّر الخبراء، فقد نشهد ارتفاعًا إضافيًا في معدلات الانتحار بين الجنود المسرّحين.
ولهذا، يتعيّن على الدولة أن تنظر مباشرة إلى المعاني الحقيقية للحرب، بما تنطوي عليه من إخفاقات وجرائم وفظائع تُكلّف أثمانًا باهظة في الجسد والنفس. وإن لم يكن ذلك من أجل الضحايا الأبرياء في الجانب الآخر—الذين ترفض إسرائيل حتى الآن الالتفات إليهم — فعلى الأقل من أجل جنودها، الذين أُرسلوا إلى الجبهة بقرار من القيادة السياسية، وعادوا بجرح في القلب جرّاء ما ارتكبوه تنفيذًا لأوامرها.

