كتب مروان طوباسي : بين الضم وهندسة الشرق الأوسط، أين يقف الفلسطينيون؟

المسار : ما يجري في المنطقة اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مواجهة عسكرية بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى التي تنفذ عدوانها الغاشم اليوم ضد إيران ولبنان ومحاولة توريط دول عربية في صراع مع إيران . فهذه المواجهة ، بكل ما تحمله من تصعيد عسكري وسياسي ، تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة رسم ميزان الردع في الشرق الأوسط ، بل وإعادة هندسة الإقليم بأكمله وفق معادلات جديدة، استكمالاً لما جرى منذ أحداث ما سُمي بالربيع العربي وصولا للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في غزة واستنساخه لاحقا بالضفة الغربية .

التجارب السابقة تشير إلى أن الحروب في المنطقة لم تكن مجرد حروب عسكرية ، بل كانت دائماً مقدمة لتحولات سياسية أوسع نفذت من خلالها الحركة الصهيونية مشروعها بشكل متدحرج . فما جرى بعد غزو العراق ٢٠٠٣ كان مثال واضح ، وقس على ذلك ما حدث في سوريا لاحقاً ، ومن ثم في حالات إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي كما جرى منذ بداية الاستيطان الصهيوني بجريمة النكبة واحتلال عام ١٩٦٧ ومن ثم الخروج القسري من بيروت عام ١٩٨٢ ولاحقا عدوان الإبادة في غزة وغيرها من التفاصيل والأحداث التي مررت علينا . حيث لم يؤدي إسقاط الأنظمة إلى تغيير داخلي فقط ، بل فتحت الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية .

اليوم ، تبدو الأهداف المعلنة وغير المعلنة للعدوان العسكري الجاري مرتبطة بثلاثة محاور أساسية :
– إعادة تثبيت الردع الإسرائيلي بعد التحديات التي واجهتها إسرائيل في السنوات الأخيرة.
– تقليص النفوذ الإقليمي لإيران وشبكة حلفائها في أكثر من ساحة ، وادخال منطقة الخليج في أتون صراعات جديدة .
– إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يسمح بإنشاء منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط تكون إسرائيل جزءاً مركزياً فيها ، بل والمهيمنة .

وفي هذا السياق يطرح الكاتب السياسي الصديق عبد المجيد حمدان “أبو وديدة” في مقاله الأخير قراءة تستحق التوقف عندها ، ليس لأنها تقدم تنبؤاً بمستقبل القضية الفلسطينية ، بل لأنها تحاول التفكير خارج القوالب التقليدية التي ظل الخطاب السياسي الفلسطيني يدور داخلها لسنوات طويلة . فالمقال ينطلق من ملاحظة شبه بديهية اليوم ، وهي أن الحديث المتكرر عن أن “القضية الفلسطينية تمر بمرحلة هي الأخطر في تاريخها” لم يعد كافياً ما لم يقترن بإعادة نظر حقيقية في طبيعة المرحلة نفسها وفي الأدوات السياسية القادرة على التعامل معها .

لقد تأسس المشروع السياسي الفلسطيني المعاصر منذ وثيقة اعلان الاستقلال على فرضية أساسية مفادها أن التسوية السياسية وفق مبدأ حل الدولتين ستبقى الإطار الواقعي الممكن لحل الصراع . هذه الفرضية ترسخت بعد توقيع “اتفاقية أوسلو”، وجرى بناء بنية سياسية ومؤسساتية كاملة على أساسها . غير أن الوقائع التي تراكمت على الأرض منذ ذلك الحين ، وخصوصاً التوسع الاستيطاني والضم الزاحف في الضفة الغربية ، أخذت تقوض تدريجياً الأسس الواقعية لهذا التصور .
من هنا تأتي أهمية النقطة التي يثيرها ” أبا وديدة” عندما يشير إلى أن إسرائيل قد تكون انتقلت بالفعل من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة محاولة حسمه عبر أحد خيارين رئيسيين وهما ، التهجير القسري الواسع ، أو الضم الكامل مع فرض نظام فصل عنصري . وهذه القراءة لا تبدو بعيدة عن النقاشات التي تجري داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه ، خاصة في أوساط اليمين الديني والقومي المتطرف الذي يمثله اليوم نتنياهو ووزراء مثل بن غفير وسموتريتش ، والذين لا يخفون رؤيتهم القائمة على فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على كل أرض فلسطين التاريخية ، بل وبكل اوساط الأحزاب الصهيونية التي باتت ترفض مبدأ حل الدولتين برفضها تجسيد إقامة الدولة الفلسطينية .

لكن النقطة الأكثر إثارة في طرح الكاتب عبد المجيد حمدان “أبو وديدة”، لا تتعلق بتوصيف السياسة الإسرائيلية بقدر ما تتعلق بالاستنتاج الذي يصل إليه . فهو يرى أن سيناريو الضم ، على قسوته وخطورته ، قد لا يمثل بالضرورة نهاية القضية الوطنية الفلسطينية ، بل ربما يفتح طوراً جديداً من الصراع يختلف في طبيعته وأدواته عما عرفناه خلال العقود الماضية . ففي حال فرض واقع سياسي واحد على كامل الأرض بين النهر والبحر ، مع بقاء الملايين من الفلسطينيين على أرضهم ، سيجد النظام الإسرائيلي نفسه أمام معضلة ديموغرافية وسياسية عميقة لطالما حذرت منها دوائر التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلية ، وهو ما يفتح الباب أمام تحول تدريجي في طبيعة الصراع ، من صراع بين شعب خاضع للاحتلال ودولة احتلال ، إلى صراع حول طبيعة النظام السياسي نفسه والديمقراطية والمواطنة داخل كيان واحد ، اي العودة الى طرح الدولة الواحدة والتي لن تسمح بها العقلية الصهيونية لان تكون ديمقراطية ، بل بما ستجسده من مفاهيم الفوقية اليهودية والابرتهايد . الامر الذي يستدعي من جهة اخرى البناء على تضحيات شعبنا وحركته الوطنية بربط ذلك باستمرار النضال من اجل حق تقرير المصير بعض النظر عما سيكون عليه شكل الحل السياسي المقبل .

غير أن هذا التحول ، إن حدث ، لن يكون تلقائياً ولا بسيطاً . فالدخول في طور جديد من الصراع يتطلب قبل كل شيء إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني نفسه ، وهو أمر لم تبدأ ملامحه بعد بشكل واضح في الخطاب السياسي الرسمي . فبينما يستمر الحديث عن ضرورة الوحدة الوطنية وإعادة بناء المؤسسات السياسية ، لا يزال النقاش حول طبيعة الاستراتيجية المطلوبة للمستقبل محدوداً ومتردداً .

وفي هذا السياق تبدو المفارقة التي يختم بها الصديق عبد المجيد حمدان مقاله ، حين يقترح استبدال مقولة دافيد بن غوريون الشهيرة ” أعتمد على المفتي” بعبارة ” أعتمد على بن غفير” ، تعبيراً رمزياً عن فكرة أن تطرف اليمين الإسرائيلي قد يقود ، على المدى البعيد ، إلى نتائج معاكسة لما يسعى إليه . فالتطرف غالباً ما يدفع الأنظمة السياسية إلى خيارات قصوى تكشف تناقضاتها البنيوية أمام العالم .

غير أن الرهان على أخطاء الخصم أو تناقضات نظامه وحدها لا يكفي لبناء استراتيجية وطنية ناجحة باعتقادي . فالتجارب التاريخية تظهر أن التحولات الكبرى في مسار الصراعات لا تنتج فقط عن تناقضات الخصم ، بل أيضاً عن قدرة الطرف المقابل على الاستفادة العملية منها وتطوير رؤيته وتنظيم قواه وإعادة تعريف أدوات نضاله بما يتناسب مع طبيعة المرحلة بما لا يتنكر لمسيرة كفاح شعبنا الطويلة ودورها في مقاومة الاحتلال .
في ظل هذه التحولات الجارية ، يبرز خطر حقيقي يتمثل في تراجع القضية الفلسطينية من موقعها المركزي في السياسة الإقليمية والدولية ، وتحولها إلى ملف ثانوي داخل صراعات أكبر تتعلق بتصعيد سياسات الهيمنة الأمريكية وإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط واعادة هندسته ، اذا لم نُحسن من أدائنا على كافة المستويات وحُسن قراءة الوقائع السياسية .

لكن في المقابل ، فإن هذا الواقع يطرح أيضاً أسئلة صعبة علينا نحن الفلسطينيين أنفسنا . فالتحدي لا يكمن فقط في التحولات الخارجية ، بل أيضاً في قدرة نظامنا السياسي الفلسطيني على التعامل معها بفعالية . فالأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني اليوم هي في جوهرها أزمة مركبة ، تجمع بين أزمة القيادة وأزمة البنية السياسية في آن واحد . فمن جهة ، أدى الانقسام السياسي وأسبابه منذ عام ٢٠٠٧ وما تبعه من تداعيات بإدارة الانقسام بدل حله ، إلى إضعاف القدرة على صياغة استراتيجية وطنية موحدة ، بما اتاح للعالم بان يتعامل مع طرفين حتى اليوم رغم ما أدى له عدوان الإبادة على غزة ومن ثم مشروع تدوير الاحتلال فيها من خلال مشروع ترامب . ومن جهة أخرى ، فإن البنية السياسية التي تشكلت بعد “اتفاقية أوسلو” خلقت واقعاً سياسياً عاجزاً عن مواكبة التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين على الأقل ، او بتحول كيان السلطة وفق اتفاقية الحكم الذاتي الى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة فعلياً .

هذه العلاقة بين أزمة القيادة وأزمة البنية هي علاقة جدلية ، فالبنية السياسية القائمة تعيد إنتاج نمط معين من القيادة ، بينما تميل القيادة بدورها إلى الحفاظ على البنية التي تستمد منها شرعيتها والتي غاب عنها شكل المرجعية الثورية أو الانتخابية منذ عقدين . ونتيجة لذلك ، يدخل النظام السياسي في حلقة من الجمود تعيق أي تحول استراتيجي حقيقي في ظل ضعف وأضعاف دور الحركة الوطنية وبالمقدمة منها  “فتح” بافتراض دورها الطبيعي كحركة تحرر وطني تقود مكانة منظمة التحرير ودورها في تمثيل شعبنا الفلسطيني .
ومع ذلك ، فإن مواجهة هذه التحديات تظل ممكنة إذا ما توفرت رؤية سياسية واضحة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة :
– إعادة بناء الوحدة الوطنية المجتمعية والسياسية الفلسطينية الواسعة والعابرة للفصائل على انني. دورها ، وعلى قاعدة الديمقراطية الانتخابية وفهم واضح لطبيعة المشروع الوطني في ظل المتغيرات الاستيطانية ومشروع إسرائيل الكبرى ، كما والتحولات الإقليمية في زمن هيمنة الدور الامريكي المتوحش .
– توسيع تدويل القضية الفلسطينية في المحافل والمحاكم الدولية وعلى المستويات الشعبية في دول العالم وشوارعه كجزء من حركة الحقوق المدنية الدولية المعادية للاستعمار والعنصرية .
-تطوير أدوات النضال السياسي بما يتناسب مع التحولات الإقليمية والدولية ، والتموضع الفلسطيني السليم على مستوى العلاقات الدولية الرسمية والشعبية مع قوى العالم التقدمية الرافضة للهيمنة الأمريكية ومنها القوى اليهودية المعادية للصهيونية حول العالم .

إن ما يجري اليوم في المنطقة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتوقف على مسار ونتائج العدوان الامريكي الإسرائيلي القائم  .
لكن موقع القضية الفلسطينية في هذه المرحلة لن يتحدد فقط بما تقرره القوى المهيمنة ، بل أيضاً بمدى قدرتنا نحن على إعادة بناء مشروعنا الوطني على أسس أكثر وحدة وفعالية وعقلانية ووضوحه بعيدا عن ما يسمى بقبول الأمر الواقع تحت ذريعة “الواقعية السياسية” ، واستثمار فرص التحولات الإقليمية لمصلحة حقوقنا الوطنية ، ولضرورة التفكير غير التقليدي بما يجدد دور الحركة الوطنية الفلسطينية وبالمقدمة منها حركة “فتح” كحامل للتحرر في ظل هذه المستجدات والبناء على الحوار الوطني الأخير بالقاهرة مع الجبهة الشعبية والديمقراطية ومكونات منظمة التحرير الاخرى كشركاء . وفهم التحولات ليس فقط على مستوى الأقليم بل والعالم في ظل تقويض القانون الدولي وغياب شكل واضح ومنظم للنظام الدولي المفترض  .

ففي لحظات التحول الكبرى ، لا يكون أخطر ما يواجهه أي شعب هو قوة خصومه ، بل عجزه عن إدراك أن مرحلة كاملة قد انتهت بشكلها السابق كجزء من حركة التاريخ وأن مرحلة جديدة بدأت بالفعل بما تستوجب المراجعة النقدية والجرأة في وضوح الإرادة السياسية ووضوح المشروع الوطني التحرري والعودة للشعب كمصدر السلطات والتمسك بالحقوق الثابتة وعلى رأسها الحق بتقرير المصير وإتاحة الطريق من اجل تحديد الشرعيات وتجديدها .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

Share This Article