الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 9/3/2026 

هجمات المستوطنين لم تتوقف بالحرب واضيفت لها صواريخ وقيود مشددة

بقلم: عميره هاس ومتان غولان

قتل ثلاثة فلسطينيين في يوم السبت بعد ان اطلقت عليهم النار من قبل مستوطنين كما زعم. وسقطت 13 شظية صاروخية في عدة مناطق في الضفة الغربية، من بينها 10 في محافظة رام الله. القتلى هم امير شنيور (27 سنة) من قرية واد الرحيم في مسافر يطا، ثائر فاروق (27 سنة) وفارع جودت (57 سنة) من خربة أبو فلاح في شمال رام الله، امام محمد حسن (55 سنة) فقد توفي خنقا بسبب استنشاق الغاز المسيل للدموع الذي اطلقه الجنود الذي وصلوا الى أبو فلاح في اعقاب هجوم المستوطنين، وتوفي في المستشفى. وبلغ اجمالي هجمات المستوطنين ومضايقاتهم للفلسطينيين في يوم السبت 10 هجمات ومضايقات، ويضاف هؤلاء القتلى الثلاثة الى الاخوين من قرية قريوت محمد وفهيم طه اللذان قتلا على يد مستوطن من قوات الاحتياط في يوم الاثنين الماضي.

“نحن نعيش بين الخوف من الصواريخ وصفارات الإنذار وصوت الاعتراضات – حيث اننا لا نملك ملاجيء وغرف آمنة –  وبين الخوف من هجمات المستوطنين واقتحام الجيش للبيوت. في خضم هذا الوضع نحن محاصرون خلف أبواب حديدية موصدة”، هكذا لخص احد سكان مدينة دورا الوضع في حديثه مع “هآرتس”. منذ بداية الحرب تعاملت قوات الدفاع المدني التابعة للسلطة الفلسطينية (فرق الإطفاء) مع 96 حالة سقوط شظايا صواريخ تم اعتراضها. وحذر المتحدث باسم الجهاز المواطنين ودعاهم الى تجنب ما يفعله كثيرون وهو الصعود على الاسطح عند سماع صفارات الإنذار والتجمع في الأماكن المفتوحة والتعامل مع الشظايا. ولكن مثلما هي الحال طوال السنة لم يكن هناك من يحمي ضحايا المضايقات والاعتداءات الـ 64 التي شنها المستوطنون في الأيام الثمانية الأولى من الحرب.

من ناحية إحصائية بحتة بلغ المتوسط اليومي للهجمات والمضايقات في الأسبوع الأول للحرب 7.7 هجوم، وهو اقل من المتوسط المسجل في الشهر الماضي (13.7). ولكن النتيجة كانت اكثر خطورة بكثير. فقد قتل خمسة فلسطينيين على يد مستوطنين مدنيين أو جنود في أسبوع واحد مقارنة مع مواطن فلسطيني امريكي واحد، نصر الله أبو صيام من مخماس، الذي قتل في شهر شباط الماضي. في هذا الشهر وثق فريق الرصد التابع لدائرة المفاوضات في م.ت.ف 384 هجوم ومضايقة، منها ما اسفر عن وفيات واصابات واضرار بالحيوانات والأشجار والحقول، وسرقة الأغنام والمحاصيل الزراعية والحاق الاضرار بالممتلكات، منها ما يعتبر مجرد اعمال إرهابية بدون اذى جسدي أو نفسي. ولكن ينظر اليه كجزء من حرب استنزاف تهدف الى تهجير الفلسطينيين. في الواقع غادرت 11 عائلة من عشيرة الكعابنة بيوتها في يوم الخميس، في شرق قرية دوما تحت وطأة نفس العنف المستمر.

تجمع آخر عانى لسنوات من مضايقات وعنف المستوطنين هو خربة سمرا في شمال الغور. ولكن في يوم الخميس هاجم الجنود البلدة. لقد قاموا بتخويف الأغنام وجعلها تهرب، وقاموا بتفتيش البيوت بدون سبب واضح وصادروا أغراض كان مكتوب عليها بالعبرية بذريعة ان هذه أغراض ليست لكم، واسقطوا الواح شمسية على الأرض. قائد القوة تم وقفه عن العمل حتى ينتهي التحقيق في الامر. وصرح المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بان سلوك القوة في هذه الحادثة غير مقبول، وقد تم فحصه والتعامل معه وفقا لذلك: “يطلب من جنود الجيش الإسرائيلي التصرف بمهنية وواقعية”.

قائد الجنود، قائد المنطقة الوسطى آفي بلوط، وقع في ذلك المساء على 16 أمر قضائي استجابة لمطالب المستوطنين، وتهيء هذه الأوامر لاقامة اربع بؤر استيطانية، وتعلن إعادة توطين مستوطنة غانيم ومستوطنة كديم التي تم اخلاءها في عملية الانفصال في 2005، أيضا توسع نطاق 10 مستوطنات أخرى.

تقوم فرقة يهودا والسامرة، التي تم تعزيزها حسب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بثمانية كتائب منذ بداية الحرب، بفرض قيود متشددة على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية في الأسبوع الماضي. وفي اليوم الأول للحرب كانت معظم البوابات الموضوعة على مداخل القرى والبلدات في الضفة الغربية مغلقة. في وقت لاحق من الأسبوع سمح بالدخول والخروج عبر بعض نقاط التفتيش لبضع ساعات في اليوم، مع الخضوع لتفتيش بطاقات الهوية من قبل الجنود، الامر الذي أدى الى ابطاء الحركة. أيضا الحصار والقيود لها تاثير مباشر على الوضع الاقتصادي المتردي أصلا. فمنذ ان صادرت إسرائيل معظم إيرادات السلطة الفلسطينية لسنة تقريبا، تاخرت السلطة في دفع رواتب موظفي القطاع العام، التي تم خفضها بالفعل، وتم صرف آخر راتب في 16 شباط الماضي.

يؤثر الحصار على المحلات التجارية وحركة المتسوقين. احد سكان دوما قال للصحيفة: “في يوم الخميس فتحوا نقطة التفتيش لساعتين وسمحوا بإدخال كمية قليلة من البضائع مثل الخبز والطحين والغاز واعلاف للاغنام والدواجن، بعد ذلك اغلقوا البوابة مرة أخرى. لم اذهب الى العمل منذ يوم الاحد بسبب الحصار، وهكذا فعل المئات من القرية”. لذلك، حتى عندما تكون الرفوف في البقالة مليئة فان الناس لا يمكنهم شراء الا الأشياء الضرورية. أيضا الحواجز تعيق وصول الناس الى الفحوصات والعلاج التي كانت مقررة منذ فترة طويلة، وتؤثر على قدرة سيارات الإسعاف على الوصول الى المصابين والمرضى في الوقت المناسب. واضطرت جنازة القتيلين من أبو فلاح التي انطلقت من مستشفى رام الله صباح امس الى عبور طريق طويلة وضيقة تمر بثلاثة قرى بسبب اغلاق بوابة حديدية توجد على مدخل قرية ترمس عيا، التي تربط بين القرية وشارع 60.

في اطار السياسة الهجومية – الدفاعية التي وضعتها قيادة المنطقة الوسطى كان هناك ارتفاع أيضا في عدد الاقتحامات العسكرية للقرى الفلسطينية وارتفاع في عدد الاعتقالات. في شهر شباط احصى قسم المفاوضات التابع لـ م.ت.ف 1252 اقتحام عسكري، 44 اقتحام كل يوم بالمتوسط. وفي الأيام الستة الأولى في شهر آذار تم إحصاء 380 اقتحام، أي 63 اقتحام كل يوم بالمتوسط. الاقتحامات تشوش النشاطات العادية خلال اليوم، والنوم والاستيقاظ في ليالي رمضان. أحيانا يرافقها اطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع مثلما في اقتحامات يوم الخميس في قرية المغير في شمال شرق رام الله، واحيانا تكون مصحوبة أيضا باطلاق نار الجنود على السكان واصابة بعضهم كما حدث في يوم الجمعة في وقت الإفطار (وجبة كسر الصيام)، حيث اقتحمت قوة عسكرية قرية بيتا في جنوب نابلس. وحسب تقارير وكالة “وفا” قام الجنود باطلاق النار واصابة شاب في قدمه. وفي اقتحام في نفس اليوم في البيرة لم يتم الإبلاغ عن اطلاق نار من قبل الجنود، لكن تم اغلاق الشوارع في حي يقع في جنوب شرق المدينة.

في نهاية الأسبوع الماضي تم الشعور بتغيير في أسلوب الاقتحام. في يوم الخميس فجرا اقتحم الجيش 9 قرى في غرب رام الله. وحسب شهادات “بتسيلم” فانه في بعض القرى دخل الجنود سيرا على الاقدام وبعد ذلك انضمت اليهم سيارات كثيرة وجنود حرس الحدود والشرطة. القوات انتشرت في الشوارع الرئيسية وفي الاحياء السكنية وأغلقت المداخل وقيدت حركة السكان. بعد ذلك اقتحموا بعض البيوت وقاموا بتفتيشها. الاقتحامات استمرت طوال اليوم.

في يوم الجمعة انتشرت سيارات عسكرية ثقيلة، وحسب تقرير “البيدر” لحقوق البدو فانهم وضعوا كرفانات بين اريحا والعوجا (قرب منطقة أجبرت هجمات المستوطنين في كانون الثاني مئات السكان من قرية راس عين العوجا على المغادرة والانتشار في أماكن مختلفة في الضفة). الجيش لا يشرح لماذا استخدم المدرعات الثقيلة في أوساط السكان المدنيين، ولم يبق للمواطنين الا التخمين والخوف مما سيأتي. منذ بداية الحرب وسع الجيش السيطرة على شقق ومباني لفلسطينيين، التي بعد ذلك يحولونها الى ثكنات عسكرية ويتم طرد سكانها مثلما حدث في حزيران 2025. ولكن في حين استمر احتلال البيوت لأغراض عسكرية من يوم الى 11 يوم، يبدو انه في هذه المرة نية الجيش هي البقاء في بعض هذه البيوت لفترة أطول.

استنادا الى إحصاء اول أجرته بتسيلم ووسائل الاعلام الفلسطينية حتى يوم السبت، تم تحويل ليس اقل من 57 مبنى فلسطيني الى موقع عسكري في قرية عرابة، فقوعة، يعبد، قفين وزيتا، في شمال الضفة. وفي قرية بيت سيرا، نعلين، صفا، بيت عور التحتا، بيت عور الفوقا الموجودة في غرب رام الله. وفي البيرة القريبة من مستوطنة بسغوت. وفي منطقة بيت لحم تم تحويل بيوت فلسطينية الى مواقع عسكرية في قرية حوسان وقرية صوريف. وفي جنوب الضفة الغربية حدث ذلك في عرب الرماضين وترقوميا واذنا وتفوح.

وحصلت صحيفة “هآرتس” على تقارير من الفوار ودورا تفيد بتعرض فلسطينيين للضرب على يد الجنود اثناء الاقتحام وعمليات التفتيش، ونقل بعضهم لتلقي العلاج بسبب الإصابة بكدمات وكسور. وكالة “وفا” نشرت أيضا بان الجنود ضربوا رجل مسن في الدوحة في جنوب بيت لحم، وامرأة مسنة في مخيم عسكر للاجئين في يوم الثلاثاء الماضي. وسئل المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن تقارير الفوار ودورا، إضافة الى ازدياد الادعاءات حول تعرض الفلسطينيين للضرب بشكل روتيني على يد الجنود، الا انه لم يرد حتى الآن.

مثلما كان متوقع، ارتفع عدد المعتقلين. وأفادت مصادر فلسطينية باعتقال 331 شخص في الأيام الستة الأولى في شهر آذار مقارنة مع 866 شخص في شهر شباط. وحسب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي فقد “تم اعتقال في يوم الجمعة 200 شخص مطلوبين على خلفية إرهابية، بينهم مصنعو عبوات ناسفة وتجار سلاح وشخصيات مؤيدة لحماس ومحرضون على الإرهاب ومشتبه فيهم في التخطيط لعمليات”. المتحدث لم يحدد عدد المعتقلين من كل فئة. وقال الجيش بانه خلال مئات الاقتحامات وعمليات التفتيش تم العثور على حوالي 30 قطعة سلاح و2 مخرطة استخدمت لتصنيع السلاح.

من غير الواضح اذا كان الجيش الإسرائيلي يدرج في حساباته سكان القرى الذين اعتقلهم الجنود اثناء هجمات المستوطنين. هذه ممارسة شائعة حيث لا يمنع الجيش الهجمات، بل ويعتقل حتى من يتعرضون لها. في جنوب جبل الخليل في 28 شباط، أصيب احد سكان قرية صفائي في يده بنار مستوطن. وآخر تم اعتقاله. ووصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي المعتقل والمصاب بـ “المشتبه فيهم”، وقال ان إسرائيليين اصيبا في الحادث. وفي أم العيد اعتقل الجنود خمسة فلسطينيين بينهم راعي عمره 14 سنة، بعد ان اطلق مستوطن النار في الهواء بالقرب من عائلة فلسطينية.

في يوم الخميس أفادت التقارير بان مستوطنين هاجموا الرعاة الفلسطينيين في رجوم علي: الهلال الأحمر قام بنقل اثنين منهم للعلاج والجنود اعتقلوا الباقين. في نفس اليوم أفادت التقارير أيضا بان قوة عسكرية اعتقلت سكان فلسطينيين في خربة فحيت خلال هجوم للمستوطنين. ولم يعلق الجيش الإسرائيلي حتى الان على هذه الحالات. وفي منطقة الحديدية في الضفة الغربية اعتقل الجنود أيضا فلسطينيين بعد ان اقتحم المستوطنون مع قطيع ابقار حقل زيتون لاحد الفلسطينيين.

وقد افاد ناشطون وصلوا الى موقع الحادث بان المستوطنين اقتحموا المباني السكنية وخربوا الممتلكات اثناء قيام قوات الجيش الإسرائيلي باعتقال الرجال. وذكر مكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بان هذه الادعاءات غير مؤكدة، وان الفلسطينيين الستة الذين تم اعتقالهم اطلق سراحهم بعد فترة قصيرة. هكذا، في الأسبوع الثالث في شهر رمضان، في ظل عدم وضوح مدة الحرب وامتدادها، يشعر الفلسطينيون بالوحدة والعزلة اكثر من أي وقت مضى، نظرا لقلة الاهتمام الذي يثيره وضعهم في العالم، وعجز الهيئات الدولية عن وقف الإجراءات الإسرائيلية ضدهم.

وكتب احد المشاركين في مجموعة في الواتس اب توثق هجمات المستوطنين في يوم السبت: “هذه اصعب واسوأ الأوقات التي مرت علينا على الاطلاق، ولا احد يستمع الينا”. في النهاية يتم لومنا وانتقادنا لمغادرة بيوتنا. العبء اصبح لا يحتمل… انا اكتب من أعماق الألم والمعاناة التي نعيشها كل يوم. في كل لحظة نشعر بالقلق على مصير أولادنا ونخاف مما سياتي. لقد بقينا لوحدنا، بلا قوة، ولا نملك الا عون الله”.

——————————————

هآرتس 9/3/2026

في زمن الازمة حزب الله جر إسرائيل الى ملعبه البيتي

بقلم: تسفي برئيل 

لم تتضح معالم الحرب في لبنان حتى الآن. هل تهدف الى القضاء التام على حزب الله، أم انها تتوقع انشاء منطقة امنية جديدة يبقى فيها الجيش الإسرائيلي “طالما كانت هناك حاجة”؟، تطرح أسئلة مشابهة في لبنان أيضا. لماذا قرر حزب الله الانضمام للحرب؟ هل هذا جزء من التزامه تجاه ايران باعتباره الذراع المركزية لها، أو أن هذا صراع على بقائه السياسي والعسكري في الدولة؟.

تعمل إسرائيل وحزب الله الان في لبنان ضمن اطار سياسي جديد تطور في السنة الماضية. وفي هذا الاطار بلغ الخلاف بين الحزب والحكومة ذروته. في يوم الاثنين الماضي أصدرت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام قرار يقضي بان النشاطات العسكرية لحزب الله غير قانونية، وبالتالي، هي محظورة.

سلام امر الجيش بالتحرك لمنع أي اطلاق نار من أراضي لبنان على إسرائيل، واعتقال أي شخص يحاول شن مثل هذا الهجوم. بهذه الطريقة تجاوزت الحكومة اللبنانية انعطافة تاريخية تميزت بها الحكومة في لبنان لعقود، عندما منحت شرعية وطنية “للمقاومة” كجزء من منظومة الدفاع الحكومية. لقد استند هذا القرار الى تاييد شعبي واسع النطاق تجاوز الانقسامات الحزبية والطائفية. أيضا ارتفعت أصوات الانتقاد الموجهة للحزب في أوساط الأقلية الشيعية. إضافة الى ذلك برزت منظمات شيعية محلية طالبت الحزب بعدم الحاق كارثة جديدة بسكان لبنان بشكل عام وبالشيعة بشكل خاص الذين تكبدوا اكبر الخسائر بالارواح والممتلكات في حرب غزة.

لقد بدأ الخناق اللبناني يضيق على الحزب الذي فقد معظم قياداته ودعم اللوجستي المهم في سوريا. لقد وضع هذا الوضع الحزب في مازق لاكثر من سنة. وقد خرقت إسرائيل وقف اطلاق النار من البداية بمواصلة مهاجمة اهداف الحزب في الأراضي اللبنانية. لقد رفضت إسرائيل مطالبة الحكومة اللبنانية بالانسحاب من المواقع الخمسة التي سيطرت عليها في جنوب البلاد. ومارست ضغوط شديدة على الحكومة اللبنانية لاستكمال عملية نزع سلاح حزب الله.

ورغم ذلك تبنى الحزب سياسة الاحتواء واكتفى بإدانة تصرفات إسرائيل وتحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية الدفاع عن البلاد ضد الاحتلال الإسرائيلي. وقد دفع هذا الموقف الحزب الى مازق لم يتعود عليه، حيث جمد الكفاح المسلح وتنازل عن “مسؤولية” الدفاع عن البلاد، وهو نفس السبب الذي اتخذه ذريعة للاستمرار في امتلاك السلاح. هو الان ظاهريا يعد نفسه لمرحلة يتعزز فيها دوره السياسي على حساب نشاطه العسكري. هذا النهج يتوافق أيضا مع سياسة ايران، التي أصدرت في اطار مفاوضات الاتفاق النووي الجديد مع أمريكا، تعليمات لفروعها في لبنان والعراق بخفض مستوى نشاطها. لقد أدت الحرب الإسرائيلية – الامريكية ضد ايران الى تآكل أوراق الضغط، وازالت (مؤقتا) خيار المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران، وتركت ايران وفروعها في مواجهة خطر حرب وجودية مفتوحة على مصراعيها.

لكن بالمقارنة مع وضع المليشيات الموالية لإيران في العراق، حيث تحظى بدعم سياسي وحكومي ضمن هيئة الحشد الشعبي التي تحصل على ميزانية حكومية، بل وتتمتع بوضع رسمي، وبالمقارنة مع الحوثيين الذين يسيطرون بشكل كامل على ثلث أراضي اليمن، حيث يعيش حوالي 60 في المئة من السكان، فقد نشأ وضع متناقض وخطير في لبنان بالنسبة لإيران وحزب الله. وضع تعارض فيه الحكومة الحالية ومعظم الشعب النشاطات العسكرية للحزب، الامر الذي يعطي الحكومة شرعية لنزع سلاحه ويهدد في نفس الوقت وضعه السياسي.

ظاهريا، عاد حزب الله الان الى مهمته الاصلية كاقوى حلقة في حزام النار الذي اقامته ايران مثل درع واقي حولها. من المفترض ان تمتص هذه الحلقة الهجمات نيابة عنها وان تدير الصراعات الإقليمية باسمها، ولكن هذه “الحلقة” فقدت معناها العملي، بل وحتى الرمزي، في ضوء النطاق الكبير للهجوم على ايران. وقد أعطيت فروعها في المنطقة الاذن للتصرف باستقلالية واتخاذ قرارها المستقل بشان المشاركة في الحرب وتوقيتها. مع ذلك، ادراكها بان نشاطاتها غير كافية لوقف الهجوم على ايران أدى الى تباين في ردود افعالها.

لقد أظهرت المليشيات في العراق حتى الان مشاركة قليلة في الحملة، اذ لم تستخدم الا اثنتان منها من بين تقريبا 12 مليشيا، سلاحا فعليا. اما الحوثيون، الذين كان يمكنهم الانضمام للحصار البحري ومهاجمة منشآت النفط في السعودية والامارات، بل وحتى في مناطق ابعد، ما زالوا في موقع المراقب. في غضون ذلك قرر حزب الله بسبب “الحصار” السياسي الذي يحاصره، خوض ما يوصف في لبنان بانه “حرب انتحارية” و”معركة وجوده الأخيرة”.

القتال من اجل الافشال

في هذه الحرب يدفع مواطنو لبنان مرة أخرى الثمن الاغلى. لقد نزح نحو مليون شخص من ديارهم، ويضطرون الى قضاء الليل في مبان عامة ومواقع بناء وملاجيء مؤقتة تفتقر الى ابسط مقومات الحياة. لقد تضررت امدادات الغذاء والاحتياجات الأساسية الأخرى، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وموسم زراعي آخر على وشك الضياع في قرى الجنوب. واذا كان حزب الله تعهد في السابق بتعويض المتضررين، بل ودفع جزء من الايجار للنازحين، هو اليوم لم يلتزم بذلك ولا يمكنه التأكد من قدرة ايران على تحويل المبالغ المطلوبة من اجل إعادة ترميمه وتعويض السكان.

نتيجة لذلك، لم يبق امام هؤلاء المواطنين الا ملجأ واحد وهو الحكومة اللبنانية. نظريا، في هذا الوضع يمكن للحكومة اللبنانية ان تحل محل حزب الله في جنوب لبنان، وتبعده عن المناطق العامة المهمة التي يسيطر عليها في هذه المناطق وتكمل نزع سلاحه. مع ذلك فان هذه الحكومة تعاني من نقص حاد في الموارد، وقدرتها على إعادة تاهيل أو حتى إدارة تدفق النازحين معدومة. إضافة الى ذلك تقصف إسرائيل جنوب لبنان ومناطق أخرى، ويبدو انها تخطط لغزو بري لاقامة منطقة امنية أو منطقة منزوعة السلاح. في ظل هذه الظروف فان أي نشاط عسكري للجيش اللبناني في هذه المنطقة هو غير واقعي.

يعتبر حزب الله ان هذا الوضع يمنحه مزايا استراتيجية. على الصعيد العسكري يتيح له جر إسرائيل الى عملية برية في لبنان، التي توفر له اهداف قريبة وفورية مكن ان تحقق له إنجازات بواسطة استخدام قوات قليلة في مناطق معروفة له جيدا. على الصعيد السياسي سيتمكن حزب الله من تقديم نفسه من جديد باعتباره القوة الوحيدة القادرة والراغبة في مواجهة تهديد إسرائيل. والاهم من ذلك هو ان حزب الله يعرقل عملية نزع سلاحه على يد حكومة لبنان، نشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان ونية الحكومة التقدم الى مفاوضات سياسية مع إسرائيل. هذه خطوة سبق للحكومة الموافقة عليها بصورة مبدئية، وحزب الله يعتبرها تهديد حقيقي على استمرار وجوده كقوة عسكرية.

من غير الواضح الى اين ستمتد حدود طموحات إسرائيل في لبنان في الحرب الحالية، ولكن حتى لو نجحت في اجتثاث قوات حزب الله من جنوب الليطاني، فان حزب الله ما زالت لديه قوة كبيرة في شمال الليطاني، في البقاع اللبناني وفي بيروت وفي مناطق أخرى في الدولة. إسرائيل سبق وتعلمت من تجربتها الطويلة والصعبة في لبنان بانها تحتاج الى تعاون وثيق من جانب الحكومة من اجل تقييد نطاق نشاط حزب الله. هذا كان دائما هو جوهر الطلب من حكومة لبنان، سواء عندما قصفت بنى مدنية لدفعها الى العمل ضد الحزب أو عندما وقعت معها على اتفاقات.

اليوم توجد في لبنان حكومة ليست بحاجة الى تشجيع إسرائيلي عنيف من اجل كبح نشاطات حزب الله. هذه حكومة تعتبر نفسها شريكة في نفس الهدف. ولكن عندما تهدد إسرائيل بتحويل بيروت الى خانيونس ولبنان الى قطاع غزة، يجدر التذكر بانه أيضا بعد الدمار المطلق في غزة، فان حماس ما زالت تعمل بنشاط وتزداد قوة.

——————————————

يديعوت أحرونوت 9/3/2026

في الدم والنار: تنشأ وترتقي الحروب

بقلم: يونتان أديري

في عالم الأحياء، تُصمَّم تجارب “اكتساب الوظيفة” لتعريض الكائن الحي لضغط شديد بهدف تحفيز التطور وتشجيع اكتساب سمات ووظائف جديدة. حفّز غزو 7 أكتوبر والأيام الـ 800 التي تلته سمات جديدة في إسرائيل: الشجاعة العسكرية والسياسية، والصبر على القتال المستمر، والاستعداد لدفع الثمن في الحاضر من أجل رسم ملامح المستقبل. يتطلب حجم ضحايا غزو أكتوبر مراجعة ذاتية واستخلاص العبر. إذا لم ننظر إلى التطورات بموضوعية، فلن نكون جديرين بقوة هذا الجيل.

 فيما يلي عشرة استنتاجات أولية انبثقت من مجريات الأحداث التي بدأت يوم السبت في طهران.

1- تشكيل اليوم التالي، في اليوم السابق. حرفيًا

أحسنت دولة إسرائيل تقدير القيادة التأسيسية للرئيس الهندي ناريندرا مودي في بداية مسيرته السياسية. ففي الأيام التي عانى فيها مودي من تجاهل العالم الغربي له، أدركت إسرائيل عمق التغيير الذي كان يقوده، ورحبت به علنًا. وتُجسد الصورة الشهيرة لرئيسي الوزراء وهما حافيي القدمين يغمسان أقدامهما في مياه البحر الأبيض المتوسط ​​عمق هذه العلاقة.

وتُظهر زيارة مودي وخطابه في الكنيست في اليوم السابق لإطلاق الحملة في إيران، حيث قال دون تردد وبكل ثقة “أنا أقف مع إسرائيل”، عمق الشراكة بين البلدين. فما بدأ كتحالف أمني شجاع، صمد أمام اختبارات القتال الشديدة بين الهند وباكستان خلال عملية سندور في صيف العام 2025، يشهد حاليًا تطورًا كبيرًا ليصبح علاقة مميزة بحق. يمثل التحالف الهندي الإبراهيمي، الذي سيمتد من الهند إلى كوش، الركيزة الشرقية لإسرائيل في المنطقة، وليس السعودية، التي برزت، كما كان متوقعًا، كحليف عنيف وغير مستقر، ينبغي لإسرائيل العمل معه على تطبيع العلاقات وإرساء السلام، ولكن دون أوهام بترسيخ مفهوم أمني إقليمي.

2- تفوق التحرك العسكري غير المخطط له

شهدت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تحولًا هادئًا. فقد استُبدلت الفلسفة القديمة، التي كانت تتضمن تراكمًا تدريجيًا للضغط، وردًا متناسبًا، وتوضيحًا مستمرًا للشرعية الدولية، وإبقاء مجال للمناورة السياسية، بمبدأ جديد: تحقيق أقصى قدر من الإنجازات في البداية.

هذا ليس عدوانًا سافرًا، بل هو تفكير منظومي ينبع من التواضع وفهم تعقيدات ساحة المعركة الحديثة. تكمن ميزة الضربة الاستباقية الجذرية في سعيها للحد من قدرة العدو على التعلم الفعال. وعلى النقيض من ذلك، فإن خوض معارك متقطعة سعياً وراء تأثير “قوي” ينطوي على مخاطر فقدان الزخم، والسماح للعدو بالفوز، ومنع الإنجاز المطلوب.

3- قيادة سياسية مثالية

في كل ما يتعلق بالعمليات في إيران والمنطقة، أظهر رئيس الوزراء قيادة سياسية منظمة وفعّالة، تُعظّم من إمكانيات إسرائيل في هذه المرحلة. وتُعدّ الشراكة مع الولايات المتحدة، دفاعًا وهجومًا، فريدة من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدين. وهذا نضج استراتيجي يأتي في وقت يصعب فيه تصوّر تكراره. يجب على إسرائيل أن تعمل حيال ترامب كما لو أنه لا غد لها، وأن تستعد لغدٍ لن يكون فيه ترامب موجودًا، وهذا ما تفعله الآن. ويتم تنفيذ التحرك في إيران بما يتوافق تمامًا مع مبادئ الأمن القومي التي نشرها البيت الأبيض والبنتاغون، الذي يؤمن بالعمل من خلال الشركاء الإقليميين. وتعمل إسرائيل وفقًا للخطة الأمريكية، وتُثبت جدارتها كحليف استراتيجي. والنتيجة هي بسط نفوذ هائل في المنطقة، واستعادة مكانة القدس كـ”النموذج الأمثل لحليف الولايات المتحدة”، على حد تعبير وزير الحرب.

 4- التفوق التكنولوجي: تحركات إيران متقدمة للغاية

كانت عملية التجسس الإلكتروني مذهلة. لكن ما يحدث حاليًا في إيران يعكس إنجازات تكنولوجية أعمق بكثير.

يُعدّ الهجوم على اجتماع القيادة للمرشد الأعلى خامنئي (الذي يُعتبر، وفقًا للدستور الإيراني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالي هدفًا مشروعًا تمامًا بموجب القانون الدولي) استعراضًا فائقًا للبراعة العسكرية. لم يقتصر الأمر على قدرة استخباراتية فائقة سمحت بالاختراق إلى الدائرة المقربة، بل أظهر هذا الهجوم القدرات القصوى لنظام عسكري حديث: تشغيل أحدث الأدوات في العالم، وربط أحدث المقاتلين على الأرض بأنظمة منتشرة في الفضاء، على بُعد 2000 كيلومتر من الوطن، وبشكل مستمر، وهو إنجاز عسكري ستتعلم منه جميع جيوش العالم – من بكين إلى بوينس آيرس. ليس من قبيل المصادفة أن صرّح وزير الخارجية التركي النشط، هاكان فيدان، هذا الأسبوع قائلاً: “إن الجيوش التي تفتقر إلى القدرات المتقدمة، كما تجلّى هذا الأسبوع في مجال الفضاء الإلكتروني، من الأفضل لها ألا تُجري حواراً سلبياً مع إسرائيل أو الولايات المتحدة”.

 5- حرج تركي

يُكمل الرئيس أردوغان حالياً 25 عاماً في السلطة. وخلال العام الماضي، وبعد نجاحه في تطبيق استراتيجيته العسكرية في ليبيا والصومال وصولاً إلى سوريا، انشغل الزعيم التركي باتخاذ خطوات فعّالة ضد إسرائيل. ومنذ انتخاب ترامب، روّج أردوغان لمواطنيه صورة “أفضل صديق لأمريكا”. وفي صباح السبت، الساعة 8:15، بدأت 72 ساعة من الكابوس لأنقرة، مُعلنةً انهيار هذه الاستراتيجية.

لم تكن تركيا غافلة عن الوضع. فبينما كان وزير الخارجية فيدان يتباهى بموقع بلاده “الحيوي” في المنطقة، ويحاول وضع صيغ لحل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، كانت إسرائيل والولايات المتحدة تُنسّقان اللمسات الأخيرة لعمل مشترك.

وإذا لم يكن كل هذا كافيًا، فإن الأتراك قلقون من احتمال صعود العناصر الكردية التي قمعها النظام الإيراني. ويُعدّ انتصار إسرائيلي-أمريكي في المنطقة، والذي من شأنه أن يُحدث فراغًا في السلطة في شمال العراق، كابوسًا بالنسبة لهم. فالأكراد يزدادون قوة، وتتجدد لديهم تطلعاتهم للاستقلال. ويتطلب تحسين المواقف الإسرائيلية من تركيا اتخاذ إجراءات، على سبيل المثال، لتعزيز سيطرتها على القرن الأفريقي وترسيم الحدود في سوريا على المدى البعيد.

6- انهيار “جهاز المناعة” الإيراني

كانت النتيجة المباشرة للضربة الإسرائيلية الأمريكية الافتتاحية انهيارًا “لجهاز المناعة” الإيراني. يُعيد العدوان الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط الانقسام السني الشيعي إلى الواجهة. وتتجلى أمام الجميع، من قطر إلى قبرص، كل المخاوف القديمة من عدوان القوة المهيمنة الإيرانية واستعدادها لإلحاق الضرر بالبنية التحتية الحيوية.

أظهرت أعمدة الدخان المتصاعدة من منشآت الطاقة في السعودية وقطر، ومراكز البيانات في البحرين والإمارات، عبثية محاولتهم اكتساب الحصانة عبر الحياد. مع ذلك، لا بد من القول بصراحة إن العنف الإيراني في هذه المرحلة لم يُشجع معظم دول الخليج على التخلي عن ضعفها العسكري، رغم أنه من المفترض أن قادتها لن ينسوا الهجوم الإيراني المباشر على أراضيهم.

7- تحييد روسي كامل للمنطقة، رسالة إلى الصين

لطالما شكلت إيران ومنطقة آسيا الوسطى مجال نفوذ عميق لروسيا. ليس من قبيل المصادفة أن الدفاع الجوي الإيراني كان قائماً بالكامل على التكنولوجيا الروسية، وأن المفاعل النووي في بوشهر بُني وشُغّل من قبل موسكو، وأن التدخل الروسي في مجلس الأمن حمى النظام لعقود. ومع ذلك، التزمت روسيا الصمت طوال فترة القتال، منذ أيام “الأسد الصاعد” وبشكل أكبر في الحرب الحالية. هذا تحول جذري يدركه جميع الفاعلين في المنطقة ويعملون على ترسيخه، برعاية أمريكية.

في الوقت نفسه، تُعد رغبة إسرائيل في قطع العلاقات التكنولوجية مع الصين والانخراط الكامل في “السلام الأمريكي”، إلى جانب عملية عسكرية مشتركة كهذه، رسالةً أيضاً إلى الصين. في نهاية الشهر، وبعد أن تنشر الصين خطتها الخمسية الجديدة، من المتوقع أن تُعقد قمة بين شي جين بينغ وترامب في بكين. وتُعدّ الحرب في إيران أيضاً، وربما في المقام الأول، استعراضاً للغاية الأمريكية في هذا السياق.

8- خطوة إسرائيل التالية: “قبة السيليكون”

تُعتبر “قبة السيليكون” في تايوان اليوم أسمى تعبير عن استخدام التكنولوجيا المتقدمة كأداة جيوسياسية. فقد جعلت هيمنة هذه الدولة الجزيرة على المجال العلمي الذي يُفضي إلى إنتاج أشباه الموصلات – حيث تُصنّع 96 في المئة من المعالجات الأساسية للذكاء الاصطناعي المتقدم حصرياً على أراضيها – منها عاملاً يعتمد عليه العالم بأسره.

ولإنشاء “قبة سيليكون” خاصة بنا، يجب على إسرائيل استغلال مزاياها التنافسية في المجالات الستة التي ستنبثق منها أعظم إنجازات البشرية بحلول العام 2050. ويمكن تلخيص هذه المجالات في “MARQS”، المواد، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والفيزياء الكمية، والفضاء، وعلم الأحياء التركيبي. إن أهمية تنمية العقول الإسرائيلية واستقطاب أفضل العقول في العالم، يهودية وغير يهودية، أمر بالغ الأهمية. يجب علينا دراسة كيفية تهيئة أفضل الظروف لزيادة احتمالية تحقيق هذا الإنجاز العلمي هنا في إسرائيل.

9- الدفاع الجوي والتأهب المدني

أظهرت إسرائيل قدرة لا تُشترى: تماسك اجتماعي في أوقات الطوارئ، وبنية تحتية مدنية متزامنة بفضل نظام رقمي متطور يضمن استمرارية العمل بشكل كامل حتى في ظل هجوم باليستي متواصل. كل هذا بفضل نظام دفاعي متعدد الطبقات يراقبه العالم أجمع.

يشهد سوق الأسهم ارتفاعًا، ويحافظ الشيكل على قوته. ويستمر قطاع التكنولوجيا المتقدمة في النمو، كما أثبت نظام الصحة العامة كفاءته. إنه نظام فريد من نوعه على مستوى العالم، ولا ينبغي لنا الاستهانة به.

10- نهاية الأمم المتحدة وأوروبا

أصدرت أوروبا بيانات تنديد. وعقدت الأمم المتحدة اجتماعًا طارئًا. وكلاهما لم يُحقق النتائج المرجوة: فقد كانا غير ذي صلة.

إسرائيل تستمع إلى واشنطن ونيودلهي وأبو ظبي. إنهم يمثلون الركيزة الأساسية للنظام الإقليمي. وقد صنّف البيت الأبيض منظومة المنظمات الدولية على أنها منظومة يجب تفكيكها وكشف فشلها الأخلاقي والعملي، ويبدو أن هذه الخطوة تؤتي ثمارها – سواء في محيط الولايات المتحدة (فنزويلا، وبشكل عام – مبدأ “دونرو”) أو في علاقتها مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والشرق الأوسط.

في هذا السياق، من الصواب أن تسعى إسرائيل إلى تأسيس “تحالف ماسي” في نطاق نفوذها المتنامي: مستفيدةً من التطورات لتشكيل محور شرقي تُعدّ الهند ركيزته الأساسية، ومحور شمالي يتمحور حول الشراكة الجريئة مع أذربيجان، ومحور جنوبي في القرن الأفريقي في مواجهة إثيوبيا وأرض الصومال، وأخيرًا التحالف اليوناني مع قبرص واليونان. هذا المحور، إلى جانب الشراكة الأساسية مع الإمارات العربية المتحدة والعمق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، يُمثّل محورًا مرجعيًا لإسرائيل في المرحلة المقبلة.

 وختامًا: يجب أن تكون هذه الإنجازات مثابة بوصلةٍ للتحركات الجذرية على الصعيد الداخلي في المرحلة المقبلة. إن استعادة صيغة الثقة وإرساء اتفاق داخلي جديد يتطلب تغييرًا في النظام العالمي. يجب ألا نسمح لأنفسنا بالانغماس في الغرور والتراخي كما كان الحال عشية الخروج من حرب الأيام الستة، بل يجب أن نتصرف كأحفاد مؤسسين للسيادة اليهودية في أرض إسرائيل.

——————————————

هآرتس 9/3/2026

الحكومة الإسرائيلية تحافظ على التوتر العسكري، ولا تبالي تجاه محنة الجبهة الداخلية

بقلم: عاموس هرئيلِ 

 في قراره الاستثنائي بشن الحرب على ايران واجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثلاث عقبات رئيسية: معارضة داخلية في الكونغرس في محاولة لاجباره على الحصول على اغلبية الأصوات للموافقة على هذه الخطوة، وتاثير ذلك على سوق الطاقة العالمي، وربما لاحقا، بشكل مباشر، على المستهلك الأمريكي؛ ضرورة اثبات نجاحه في التعامل مع التهديد النووي الإيراني وهو السبب الرئيسي من وراء إعلانه للحرب.

 ترامب نجح في تجاوز العقبة الأولى، ورغم المعارضة الكبيرة للحرب في الرأي العام الأمريكي الا ان الكونغرس لم يتمكن من فرض قيود جوهرية على استمرار العملية. تبقى هناك مشكلتان قد تؤثر على قراره بشان الاطار الزمني الذي سيخصصه لاستمرار الحرب. تشهد سوق النفط العالمية حالة من التوتر على خلفية اعلان ايران اغلاق مضيق هرمز في الخليج وهجوم إسرائيل عشية يوم السبت، الذي استهدف لأول مرة مواقع للنفط قرب طهران. أصبحت صور أعمدة الدخان الكثيفة من ابرز الصور البصرية للحرب.

 قفز سعر برميل النفط من 60 – 70 دولار الى اكثر من 90 دولار. وتشير بعض التوقعات الى انه قد يصل الى 150 دولار. وتثير صعوبة اخراج ناقلات النفط من الخليج الفارسي قلقا بالغا، الامر الذي يجبر على ابطاء الإنتاج بسبب صعوبة التخزين. وقد اتخذ العراق والكويت ودولة الامارات خطوات لابطاء الإنتاج، وأعلنت قطر انها ستفحص الانضمام اليها في غضون أسبوع.

 ويشكل الموضوع النووي مشكلة أخرى. فبعد الحملة السابقة على ايران في حزيران السنة الماضية تفاخر ترامب بتدمير البرنامج النووي، بل وقال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بان التهديد الوجودي على إسرائيل قد زال. الحقيقة كانت مختلفة، فقد تسبب الهجوم الأمريكي على المنشأة الموجودة تحت الأرض في فوردو باضرار كبيرة، وكذلك أيضا التفجيرات الإسرائيلية في نتناز واصفهان، لكن حرب حزيران لم تعالج تهديد رئيسي وهو مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي يبلغ نحو 440 كغم بمستوى تخسيب 60 في المئة. وفي الأيام الأخيرة نشرت وسائل الاعلام الامريكية تقارير عن فحص إمكانية شن عملية برية للتعامل مع هذه المادة التي يعتقد ان معظمها موجود في أصفهان.

 قد يشكل هذا مشكلة خطيرة لترامب اذا بقي النظام الإيراني في السلطة، اذ سيشجع هذا القادة الناجين من الحرب على تسريع تطوير المشروع النووي والمضي قدما حتى بناء منشاة نووية بدائية لاعادة بناء ميزان الردع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وباستثناء تأكيده على ضرورة معالجة الملف النووي، لم يعلن الرئيس عن كيفية التعامل مع هذا الامر.

 مواعظ أخلاقية

 أمس واصلت ايران اطلاق صواريخ متفرقة بمعدل كل ساعتين تقريبا، على وسط وشمال البلاد. وانضمت الى ذلك محاولات متكررة من حزب الله لاطلاق مسيرات على الجليل، واسفرت الصواريخ عن إصابة ستة مواطنين في منطقة تل ابيب الكبرى امس، احدهم في حالة خطيرة. لكن يبدو ان الضرر الأكبر الذي احدثه القصف في الأيام الأخيرة هو الضرر المعنوي، اذ باتت ايران قادرة على تعطيل حياة ملايين الإسرائيليين من خلال اللجوء المتكرر الى الملاجيء كل بضع ساعات.

 تعكس قرارات وزارة المالية وقيادة الجبهة الداخلية بشان عودة الاقتصاد الى العمل انفصال واضح عن المعاناة اليومية لشريحة كبيرة من المواطنين. فالعائلات الشابة على وجه الخصوص تواجه صعوبة في التوفيق بين رعاية الأطفال والذهاب الى العمل، وعندما يضاف الى ذلك مواعظ مؤيدي الحكومة وتصريحاتهم اللاذعة بشان ما يزعم انه “بكاء” المواطنين يتولد لدى المرء مجددا انطباع بان متخذي القرارات لا يبالون بالعبء الذي تفرضه الحرب الممتدة على المواطنين.

 وقد نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” امس ان قوة الباسيج التابعة للنظام الإيراني ما زالت منتشرة في شوارع طهران، حيث تقيم نقاط تفتيش فجائية وتجري عمليات تفتيش لسيارات المواطنين في محاولة لمصادرة صحون الأقمار الصناعية والسلاح. في المقابل، نظرا لتفجيرات مراكز الشرطة المدنية وبيوت كبار مسؤولي النظام، يفضل العديد من ضباط الشرطة النوم في السيارات تجنبا لأي اخطار. وقد اصدر الجيش الإسرائيلي امس تهديد مباشر لاستهداف أعضاء مجلس خبراء مصلحة النظام في ايران في محاولة للايقاع بهم خلال اجتماع آخر يهدف الى انتخاب خليفة خامنئي.

 الى جانب مواقع النفط تستمر الغارات الجوية بالتركيز على اهداف تابعة لقوة الباسيج والشرطة والحرس الثوري. ويبدو ان المخططين ياملون في ان يؤدي استهداف آليات القمع الوحشية التي أبقت النظام قائم خلال السنوات القليلة الماضية، وقمعت بوحشية موجة الاحتجاجات الواسعة في كانون الثاني الماضي الى انهيار النظام أو على الأقل الى توقيع اتفاق نووي جديد، مع تلبية الطلبات الامريكية واسعة النطاق. وقد اعلن ترامب في عطلة نهاية الأسبوع بانه يتوقع استسلام إيراني كامل وهو لا ينوي تقديم أي تنازلات.

 لا تنشر الولايات المتحدة وإسرائيل معلومات مفصلة عن نجاح الضربات بحجة انهما لا ترغبان في تزويد العدو بمعلومات مفيدة في زمن الحرب. وتشير الإنجازات العملياتية السابقة للجيش الإسرائيلي في لبنان وايران خلال الحرب التي بدات في مذبحة 7 أكتوبر الى ما يمكن تحقيقه في هذه المرة، في حملة أوسع نطاقا بكثير، يسعى الإيرانيون الى توسيعا لتشمل دول الخليج. ويتفاقم هذا الوضع مع التحديث المستمر للقدرات الامريكية التي لم تعرض علنا منذ فترة طويلة.

 لكن المشكلة ما زالت قائمة، وهي صعوبة تحويل الإنجازات العسكرية الى تحرك شامل يسقط النظام. وذكرت “نيويورك تايمز” بان تقرير استخباري قدم لادارة ترامب عشية الهجوم قدر ان فرصة اسقاط النظام بهذه الطريقة ضئيلة. وزعمت الصحيفة أيضا في نهاية الأسبوع بان نحو نصف الصواريخ البالستية والمسيرات التي كانت ايران تمتلكها في بداية الحرب لم تدمر بعد.

 توزيع الاهتمام

 تحول جزء من اهتمام إسرائيل من ايران الى لبنان في الفترة الأخيرة. أمس اسفر اطلاق نار من حزب الله في لبنان عن قتل جنديين إسرائيليين من كتيبة هندسية نظامية. هذه هي الخسارة الأولى في صفوف الجيش الإسرائيلي منذ بداية الحرب في 28 شباط. والى جانب اطلاق المسيرات والصواريخ على الأراضي الإسرائيلية، يركز حزب الله جهوده على استهداف القوات التي دخلت المنطقة الأمنية التي وسعها الجيش الإسرائيلي جنوب البلاد. وقد خلص التحقيق الاولي الى ان القتلى أصيبوا بصاروخ مضاد للدروع أو بقذيفة هاون اطلقت على جرافة كانت تساعد في اخراج دبابة عالقة في المنطقة.

 ويتم نشر القوات في جنوب لبنان على شكل دفاع امامي، بهدف عزل حزب الله عن سكان المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الجدار. وياتي هذا بعد نقل الحزب بعض عناصره من قوة الرضوان الى جنوب الليطاني. ويعتقد الجيش الإسرائيلي ان هناك فجوة متزايدة بين القيادة الإيرانية وحزب الله منذ بدء الحرب، على خلفية الهجمات الإسرائيلية والأمريكية. ويقدر الجيش بان الحزب اضطر الى إدارة حملته بشكل شبه مستقل. وحسب الجيش الإسرائيلي فقد قتل اكثر من 200 عنصر من حزب الله في الأسبوع الماضي، وهذه  هي المرة الأولى التي يشتبك فيها حزب الله علنا مع الجيش الإسرائيلي منذ وقف اطلاق النار في لبنان في تشرين الثاني 2024، الذي انهى المعركة السابقة بين الطرفين. وحتى اندلاع المعركة الحالية فضل حزب الامتناع عن الرد على هجمات اسرائيل المتكررة. والان عاد الى القتال الشامل رغم ان قدرته العسكرية اقل مما كانت عليه في الحرب السابقة.

 في هذه المرحلة من الحرب ما زال هناك اجماع شعبي واسع نسبيا في إسرائيل بشان أهدافها. علينا ان ننتظر لنرى اذا كان يمكن انهاء الحملة في ايران بتغيير النظام بالقوة هناك. ولكن من الجدير أيضا الانتباه الى ما يحدث في لبنان، الذي ينظر اليه كساحة ثانوية. قبل اندلاع الحرب الحالية في ايران كانت إسرائيل بصدد اضعاف حزب الله بالتعاون مع الولايات المتحدة، والى درجة كبيرة مع الحكومة اللبنانية، على أمل تحقيق بعض اهداف نزع سلاحه. والان اختارت إسرائيل التحرك العسكري الهجومي مع توسيع السيطرة على الأراضي اللبنانية وتكثيف هجماتها الجوية هناك.

 المبرر الرئيسي يتمحور حول ضرورة حماية سكان الشمال ومنع غارة واسعة النطاق على شاكلة احداث 7 أكتوبر. ولكن فيما يتعلق بالحكومة الحالية يصعب تجاهل الشكوك بوجود اعتبارات أخرى. فالهجوم المتواصل من قبل الجيش يمنح حزب الله فرصة العودة الى الذريعة المعهودة وهو انه لا يفعل سوى الدفاع عن الأراضي اللبنانية من المحتلين الأجانب. وهذا يضمن استمرار الاحتكاك العسكري، وهو ما يخدم نتنياهو. قبل بضعة اشهر وصف رئيس الحكومة إسرائيل بانها اسبرطة العصر الحديث. وللحفاظ على هويتها المحاربة تحتاج اسبرطة الى احتكاك عسكري دائم يسمح لحاكمها بالبقاء في السلطة مهما كان الثمن.

——————————————

إسرائيل اليوم 9/3/2026

ايران وحزب الله: لا تتوقفوا في الوسط

بقلم: ايال زيسر 

المعركة التي خرجت اليها إسرائيل والولايات المتحدة ضد نظام آيات الله في ايران، والتي انضم اليها بشكل غير مفاجيء تنظيم حزب الله، الفرع المتقدم للنظام الإيراني في لبنان – تثبت مرة أخرى ما تعلمناه بالطريقة الصعبة في 7 أكتوبر: تهديد وجودي لإسرائيل محظور احتواءه والامل بان تترتب الأمور من تلقاء نفسها بل يجب تصفيته.

الامر صحيح بالنسبة لإيران وصحيح باضعاف بالنسبة لتنظيم حزب الله، الذي سمحنا له قبل سنة بان ينهض من الأرضية التي القي اليها بعد الضربات القاسية التي تلقاها منا في اثناء الحرب الأخيرة. غير انه عندها بدلا من هزيمته سمحنا بوقف نار كان بالنسبة له حبل نجاة. هذا الخطأ محظور تكراره هذه المرة.

ان اسقاط النظام الإيراني، نظام كل جوهره هو الصراع ضد إسرائيل والالتزام بابادته، هو الهدف الاستراتيجي الذي يجب ان يقف امام ناظرينا. لهذا الغرض وكخطوة واجبة التحقق، توجد ضرورة لتدمير القدرات العسكرية لهذا النظام – البنى التحتية التي بناها، القدرات الباليستية لديه وفروعه في ارجاء الشرق الأوسط. يبدو أن في هذا تركز إسرائيل والولايات المتحدة في المرحلة من المعركة. ففي اللحظة التي يفقد فيها نظام ايات الله قدرته على تهديد إسرائيل، جيرانه العرب بل وأبناء شعبه، ففي المدى البعيد يكون مصيره قد حسم. المهم هو إذن التركيز على المهمة العسكرية التي امامنا – لكن الا ننسى الهدف النهائي الذي يجب ان يأتي في اعقاب الإنجاز العسكري – والذي هو فقط سيضمن لنا وللمنطقة كلها هدوءا ًوأمنا.

النظام الإيراني يفهم هذا، ولهذا فهو يعمل كي يحاول انهاء الحرب. الهجمات على دول الخليج ومنشآتها النفطية تستهدف زرع الفوضى التي تحت رعايتها، كما يأملون في طهران، سيشتد الضغط من دول الخليج، من أوروبا، لكن أيضا من داخل الولايات المتحدة على الرئيس ترامب بوقف النار. وعندها سيقترح الإيرانيون التوقيع على اتفاق يسمح لهم، مثل اتفاقات سابقة وقعوا عليها في الماضي، بمواصلة الاندفاع كل الطريق الى تحقيق الثلاثي المقدس للنووي، صواريخ بعيدة المدى وشبكة منظمات إرهاب تنتشر في كل ارجاء الشرق الأوسط. غير أن في هذه الاثناء يحققون الإيرانيون النتيجة المعاكسة – يثيرون عليهم دول عربية ويزيدون تصميم إسرائيل والولايات المتحدة على ضربهم.

يفترض بالصراع ضد حزب الله ان يكون أبسط، بخاصة بعد الضربات التي وجهناها للتنظيم في السنتين الأخيرتين. فانضمام حزب الله الى المعركة لم يفاجيء أحدا. فالايرانيون هم الذين اقاموا حزب الله، مولوه بمليارات الدولارات وزودوه بالصواريخ التي يطلقها علينا. وكانوا فعلوا ذلك كي يقف للدفاع عنهم في لحظة الحقيقة، وفي الأسبوع الماضي جاءت لحظة الحقيقة هذه التي من أجلها أقيم حزب الله ولا يزال موجودا.

ان مهمة هزيمة حزب الله هامة بقدر لا يقل عن هزيمة نظام ايات الله في طهران. هنا أيضا يجب أن يكون تصميم من جانب إسرائيل. حزب الله هو تنظيم يوجد له ذراع عسكري والى جانبه ذراع سياسي، ذراع اقتصادي وذراع اجتماعي. السبيل لتصفيته هو قطع كل هذه الاذرع معا.

اذا واصلت إسرائيل البحث فقط عن قادة التنظيم ومخازن سلاحه، فانها ستحقق الكثير. وعليه فان كل عضو في حزب الله، سواء كان عضو برلمان او مندوب في مجلس محلي لقرية او بلدة يجب أن يصبح هدفا شرعيا، وهكذا أيضا كل مبنى يعود للتنظيم – سواء كان مؤسسة اقتصادية ام مبنى يخدم المنظومة الاجتماعية لحزب الله، التي بواسطتها يجند مؤيديه ومخربيه.  وما هو مهم ذكره هو انه رغم الأصوات التي تصدر عن لبنان، فان أحدا لن يقوم بهذا العمل نيابة عنا، لا جيش لبنان ولا حكومة لبنان، اللذين يتوقعان بان نقوم نحن بما يخشون هم من عمله.

لا يدور الحديث هنا عن ضربة قاضية وانتهينا. فقد سمحنا للنظام الإيراني ولحزب الله بالازدهار والتعاظم على مدى عشرات السنين. هذه معركة كفيلة بان تستمر أياما طويلة، لكن يمكن تحقيق الأهداف العسكرية التي تقررت لها ولهذا الغرض يجب المواصلة بكل القوة وعدم التوقف في الوسط.

——————————————

يديعوت احرونوت 9/3/2026

الحرب التي بدأت بحملة عسكرية ناجحة، تحتاج إلى استراتيجية خروج

بقلم: ناحوم برنياع

 (المضمون: هل يحتمل ان يكون ترامب قرر بداية ان يهاجم والان يحاول ان يفهم لماذا؟ هل نسوا ان يرووا له ان في منطقتنا سهل بدء الحرب لكن صعب انهاؤها. بدأت الحرب بحملة عسكرية لامعة لكن بدون استراتيجية خروج. واليوم أيضا لا توجد لترامب استراتيجية خروج – المصدر).

كل مساء أفتح “فوكس نيوز” واستمع باعجاب لكل قول يخرج عن لسان كبير أصدقاء إسرائيل، الرجل والاسطورة. دونالد جي. ترامب. التجربة مشوقة: بخلاف الاخرين، نتنياهو مثلا، الذين يكررون الخطاب نفسه كل الوقت، ترامب يعرف كيف ينوع. منذ بداية الحرب وهو يعطي عشرة أسباب مختلفة ومتضاربة لقراره مهاجمة ايران. هذا يقلق الأمريكيين. حسب الاستطلاعات، معظمهم لا يفهمون لماذا خرجت بلادهم الى حرب تكلفهم مليار دولار في اليوم وتقفز بأسعار الوقود. لماذا على الاطلاق ولماذا الان.

في السطر الأخير هذه مشكلة الأمريكيين – وليست مشكلتنا. في هذه الاثناء يمكننا أن نفرح بالدخان الذي يتصاعد من كل مصنع صواريخ يقصف، من كل مخزن مُسيرات يحترق، من كل مسبب إرهاب يغتال. خير أن نعرف بان مهمتنا يقوم بها “أيضا” آخرون.

ومع ذلك، يوجد في وفرة التفسيرات شيء ما مقلق. هل يحتمل الا يكون ترامب يعرف بيقين لماذا هاجم؟  بداية قرر، والان يحاول أن يفهم لماذا؟ هل يحتمل أن يكونوا نسوا ان يرووا له بان في منطقتنا سهل بدء الحروب لكن صعب انهاؤها. هل يحتمل أن يكون تشوش بين ايران وفنزويلا، واحد في البيت الأبيض لم يتجرأ على إصلاح؟ بيتر بيكر، رئيس فريق المراسلين من “نيويورك تايمز” في البيت الأبيض قدر هذا الأسبوع بان احد الأسباب التي أدت الى قرار ترامب مهاجمة ايران كان عمره: قريبا سيكون ابن 80؛ وقد بدأ يفكر بمكانه في التاريخ.

التاريخ هو مبرر محترم. عشية نهاية ولايته، في نهاية كانون الأول 2008 وافق جورج بوش الابن، الرئيس الـ 43 على أن يستقبل شمعون شيفر وأنا بلقاء صحفي في البيت الأبيض. ضمن أمور أخرى سألناه عن الحرب في العراق، التي اعتبرت في حينه كخطأ مأساوي. التاريخ سيثبت اني كنت محقا”، قال الرئيس. نحو 17 سنة مرت منذئذ، ولعله من السابق لاوانه ان نتوقع محاكمة التاريخ. في هذه الاثناء ذكرى الحرب إياها لا تبش بوجهها لبوش.

عودة الى ايران: عندما أسعى لان اتعرف على حجج نظام ايات الله اقرأ مقالات تريتا فارسي. فارسي، إيراني من مواليد الأحواز يحمل جنسية إيرانية وسويدية. هو يعيش في الولايات المتحدة. في الماضي ترأس المجلس الإيراني الأمريكي – جسم عمل في اللوبي من اجل مصالح الجمهورية الإسلامية. مقالاته ذكية: فهي تغلف سياسة النظام الإيراني بحجج عقلانية، مريحة للاذن الغربية. وحتى العلاقة مع إسرائيل يصفها بتعابير براغماتية. جامعات عليا في أمريكا تكثر من دعوته؛ الاعلام أيضا. ليس للنظام دعائي أفضل منه.

النظام، هكذا يكتب، ليس معنيا بوقف النار أو بالاتصال مع ترامب. وهو يعلل:

قادة النظام يؤمنون انهم اخطأوا عندما وافقوا على وقف النار في حزيران – فقد اتاحوا بذلك لإسرائيل ولامريكا الاستعداد للجولة الحالية. بداية كان عليهم ان يلحقوا بالولايات المتحدة ضررا يردعها عن العودة للهجوم؛ وعندها فقط يوافقون على وقف النار.

غيروا استراتيجيتهم تجاه إسرائيل. هم يفهمون بانه طالما كانت أمريكا تقاتل الى جانبهم، لا يمكن لاي رشقة صواريخ، مهما كان ضررها، ان تقنع الإسرائيليين بوقف الحرب. يوجد لهم مستوى صبر عال. وعليه فقد خفض النظام بشكل كاسح كمية الاطلاقات. البؤرة ليست إسرائيل بل القواعد الامريكية في دول الخليج. فقط جنود امريكيون قتلى وضرر كثيف للدول التي تستضيفهم يوقفان الحرب.

اقتنع النظام بان محافل في البنتاغون وفي البيت الأبيض فسرت استعداده للتفاوض كدليل ضعف. الاستنتاج: يجب الابداء بكل سبيل بانه لم يعد للنظام خطوط حمراء. احدى النتائج هي الهجوم على القاعدة البريطانية في قبرص وعلى القاعدة الفرنسية في الامارات. أوروبا هي الأخرى يجب ان تعاني.

الاحتجاج الداخلي في ايران لا يؤدي في هذه اللحظة دورا هاما في اعتبارات النظام. لقد كانت للمحتجين فرصة للخروج بجموعهم الى الشوارع للاحتجاج على تصفية خامنئي. فوتوها. النافذة أغلقت.

خطة ترامب كانت انهاء الحرب في غضون يومين. فقد اعتقد بان تصفية خامنئي والقيادة الأمنية ستؤدي الى انهيار النظام. الحرب بدأت يوم السبت: يوم الاثنين صباحا سيحتفل بالنصر. هذا لم يحصل ولن يحصل قريبا. الإيرانيون يفهمون بان ترامب مضغوط كي ينهي: الزمن يعمل في صالحهم. ولاجل اقناعهم بانهم مخطئون، يتحدث ترامب الان عن أربعة أسابيع حرب.

ما كان يفترض أن يكون حملة خاطفة من الجو، سينتهي بعملية على الارض، مع قوات كوماندو أمريكية وإسرائيلية. الولايات المتحدة ستتورط مرة أخرى في حرب طويلة، فاشلة في الشرق الأوسط.

فارسي يقصد هجوما متداخلا يتضمن قتالا على الأرض، يحاول ان ينزع من ايران الـ 450 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، بطاقة دخول ايران الى النادي الذري. محللون امريكيون يقدرون بان هذا الكنز، الكأس المقدس للحرب، مدفون في مكان ما قرب أصفهان.

الحرب بدأت بحملة عسكرية لامعة، لكن بدون استراتيجية خروج. هذه الصعوبة بحثت هنا من اليوم الأول. اليوم أيضا لا توجد لترامب استراتيجية خروج: هو يتحدث عن استسلام لكنه يتحفظ على الفور بانه هو، وليس الإيرانيين، سيقرر ما هو الاستسلام.  استسلام بدون بيان استسلام مثله كعفو بلا اعتراف بالذنب: لعله ممكن تسويقه للمؤمنين، لكنه لا يستوي مع الواقع.

——————————————

معاريف 9/3/2026

نصف قوة

بقلم: افي اشكنازي

في 27 تموز 2024 ارتكب حزب الله احد الأخطاء الأكثر دراماتيكية في كل سنوات عمله. قبل ذلك، أدار حزب الله اكثر من تسعة اشهر من القتال بقوة محدودة تجاه إسرائيل، منذ 7 أكتوبر 2023. غير أنه عندها اطلق حزب الله صاروخا ثقيلا أصاب ملعب كرة قدم في مجدل شمس في هضبة الجولان. في هذا الحدث قتل 12 طفلا وأصيب 34 آخرين.

أجبر الحدث الجيش الإسرائيلي بدحرجة الخطوة التي في نهايتها بدأت مناورة برية في لبنان، صفي رئيسا أركان حزب الله وسلسلة أخرى من كبار المسؤولين في التنظيم، وعلى رأسهم زعيم التنظيم حسن نصرالله.

يوم الثلاثاء الماضي نفذ حزب الله بضعة اطلاقات بصواريخ ومُسيرات نحو خليج حيفا والكريوت. وهكذا يكون فتح بشكل رسمي جولة القتال الحالية تجاه إسرائيل. وكان الرد الإسرائيلي الأول قويا. حزب الله انضغط، فزع، تردد. كمية الاطلاقات الى أراضي إسرائيل لاحقا، كرد، كانت محدودة.

سارع الجيش الإسرائيلي لان يستولي على مواقع متقدمة خلف الخط الأزرق ونقل نحو مليون مواطن من بيوتهم في جنوب لبنان – شمال بيروت. أجبرت هذه الخطوات حزب الله لان يحسب خطواته الحربية تجاه إسرائيل.

لكن يخيل ان الأثر الاولي سرعان ما تبدد، ومنذ يوم الخميس مساء يبدو ان حزب الله يبدأ بالعودة الى نفسه. فهو يحشد جهدا مضاعفا. أولا، نار صواريخ مضادات دروع وقذائف هاون على قوات الجيش الإسرائيلي التي دخلت الى جنوب لبنان وتوجد في خط الدفاع المتقدم الذي يحاول الجيش الإسرائيلي بناءه وتثبيته في الميدان. في هذه الهجمات قتل أمس مقاتلا هندسة قتالية من الجيش الإسرائيلي.

الخطوة الثانية هي نار صاروخية متعاظمة – بالتواتر وبالمدى. ليس فقط استحكامات، قواعد الجيش الإسرائيلي في الشمال وبلدات الجدار. حزب الله يوجه النار أيضا الى المراكز السكانية الكبرى.

لشدة الحظ، تعترض منظومة الدفاع الجوي معظم الاطلاقات. في هذه اللحظة ساحة لبنان هي ساحة فرعية. قيادة المنطقة الشمالية مطالبة من هيئة الأركان والمستوى السياسي بعدة خطوات: الأولى، عدم التدهور بالخطوة الى حدث اقوى في هذا الوقت؛ الثانية، منع إصابة النار المباشرة والقنص في المنازل في البلدات المحاذية للجدار؛ الثالثة، محاولة اضعاف حزب الله لدفعه الى الانهيار في اليوم التالي لإزالة حكم آيات الله في ايران.

الجيش الإسرائيلي ليس قوة عظمى بحجم الولايات المتحدة. هو جيش جيد، وحتى جيد جدا. جيش صغير يعرف كيف يقوم باعمال كبيرة. لكن يوجد له قيد قوة ومقدرات. هو ليس جاهزا لان يدير ساحتين في نفس الوقت بقوة القاء الاف القنابل في كل يوم من الحرب.

المشكلة الكبرى في كل نظرية الجيش الإسرائيلي وبموجبها تغيير في ايران سيؤدي الى التغيير المنشود في لبنان، هي التالية: ماذا سيحصل اذا ما وقع لا سمح الله حدث آخر مثل ذاك في مجدل شمس؟ ماذا سيفعل عندها الجيش الإسرائيلي؟ هل سيوقف القصف في سماء ايران كي يخرج الى هجوم قوي في لبنان؟

الجيش الإسرائيلي ملزم بان يرفع مستوى هجماته مع قوة نار أكبر.

احد الأمور التي يجدر بالجيش الإسرائيلي ان يفعلها هو مثلا ان يصفي زعيم التنظيم الشيخ نعيم قاسم. في المرة السابقة، مع نصرالله، كان هذا ناجحا على نحو خاص.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article