المسار: في أحد الأزقة المزدحمة في مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، تصطف بسطات الملابس والأحذية المستعملة، المعروفة محليًا باسم “البالة”، حيث يتجمع العشرات منذ ساعات الصباح الأولى بحثًا عن قطع ملابس بأسعار زهيدة.
وبين أكوام القمصان والبناطيل والأحذية المتنوعة، يقف متسوقون من مختلف الأعمار يقلبون البضائع بدقة، آملين العثور على قطعة مناسبة بسعر يتلاءم مع ظروفهم الاقتصادية الصعبة.
أم محمد، وهي موظفة حكومية وأم لأربعة أطفال، تقول إنها أصبحت تعتمد على أسواق البالة منذ أكثر من عام، وتوضح: “لم نكن نشتري من هنا في السابق، لكن مع تأخر الرواتب وارتفاع الأسعار أصبحنا مضطرين لذلك. أحيانًا نجد ملابس بحالة جيدة جدًا وبسعر مناسب، وهذا يساعدنا كثيرًا”.
وتضيف وهي تمسك بقطعة قماش لطفلها: “ليس المهم أن تكون جديدة، المهم أن تكون صالحة للاستخدام وتوفر علينا جزءًا من المصروف”.
شرائح مختلفة
ولا تقتصر ظاهرة التسوق من أسواق البالة على العائلات محدودة الدخل فقط، بل باتت تجذب أيضًا شريحة من الطبقة المتوسطة التي تأثرت بتراجع القدرة الشرائية.
يقول الشاب محمود، وهو عامل فقد عمله قبل أشهر: “كنت أعمل في ورشة بناء، لكن العمل توقف. الآن أحاول التقليل من المصاريف قدر الإمكان، لذلك أشتري من البالة. أحيانًا أجد ملابس ماركات أصلية لكنها مستعملة وسعرها بسيط”.
في المقابل، تحولت هذه الأسواق إلى مصدر رزق بديل للكثير من الفلسطينيين الذين فقدوا وظائفهم أو تضررت أعمالهم خلال السنوات الأخيرة.
على إحدى البسطات، يقف أبو أحمد، وهو بائع في سوق البالة منذ عامين بعد أن أغلق متجره الصغير بسبب الخسائر. يقول: “لم أتخيل يومًا أن أعمل في هذا المجال، لكن الظروف أجبرتني. كثير من الناس الذين تراهم هنا كانوا يعملون في وظائف مختلفة، والآن أصبحوا إما باعة أو زبائن دائمين”.
ويضيف أبو أحمد أن الإقبال على أسواق البالة ازداد بشكل واضح في الفترة الأخيرة. “الناس تبحث عن الأرخص. في بعض الأيام نبيع كميات كبيرة لأن الأسعار منخفضة مقارنة بالأسواق العادية”.
عمق الأزمة الاقتصادية
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي في مدينة نابلس الدكتور شادي حمد أن انتشار أسواق البالة وتزايد الإقبال عليها يعكس بوضوح عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون.
ويقول إن “تراجع القدرة الشرائية لدى نتيجة ارتفاع الأسعار وعدم انتظام صرف الرواتب، إضافة إلى فقدان بعض العمال لوظائفهم، دفع الكثيرين إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة لتلبية احتياجاتهم الأساسية”.
ويضيف حمد أن هذه الأسواق تؤدي دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا في الوقت ذاته، إذ توفر ملابس بأسعار منخفضة لفئات واسعة من المجتمع، كما تخلق فرص عمل مؤقتة لمن فقدوا مصادر دخلهم. لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن توسعها يعكس مؤشرات مقلقة على تدهور الأوضاع المعيشية.
ويتابع: “عندما تصبح الملابس المستعملة الخيار الأول لشريحة واسعة، فهذا يعني أن هناك ضغوطًا مالية كبيرة تواجه الأسر الفلسطينية. وهو مؤشر على الحاجة إلى حلول اقتصادية أوسع لمعالجة البطالة وتحسين مستوى الدخل”.
وبين أكوام الملابس التي تتبدل يوميًا فوق البسطات، تستمر حركة البيع والشراء في هذه الأسواق الشعبية.
فبالنسبة للكثير من الفلسطينيين، لم تعد أسواق البالة مجرد خيار اقتصادي مؤقت، بل أصبحت جزءًا من واقع معيشي فرضته الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع.
عن قدس برس

