لماذا يدفع الاحتلال الإسرائيلي الضفة نحو الانفجار؟

المسار : تصاعدت حملة القمع التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين إلى مستوى جعل كثيراً من الفلسطينيين يشعرون بأن هذا الواقع القاسي أصبح الوضع الطبيعي الجديد.

ويقول سكان الضفة إن حياتهم اليومية باتت مخنوقة بسلسلة من الإجراءات العسكرية والإغلاقات والاستيلاء على الأراضي، في وقت يتزايد فيه الاعتقاد بأن ما يجري هو محاولة لفرض واقع لا رجعة فيه.

ويأتي هذا التصعيد رغم أن السياسة التقليدية للاحتلال الإسرائيلي كانت تقوم لسنوات طويلة على تقليل الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين في الضفة الغربية لتجنب اندلاع انتفاضة واسعة. وظل هذا النهج سائداً لدى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حتى أحداث السابع من أكتوبر عام 2023.

القمع يتصاعد في شهر رمضان

قبيل حلول شهر رمضان هذا العام حذرت أجهزة الأمن التابعة للاحتلال حكومتها من احتمال تصاعد التوتر في الضفة الغربية، نظراً للتجارب السابقة التي شهدت احتجاجات واسعة مرتبطة بالقيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى.

لكن سلطات الاحتلال تجاهلت تلك التحذيرات وفرضت قيوداً غير مسبوقة على دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان. ولم تمنح سوى عشرة آلاف تصريح لسكان الضفة الغربية لزيارة المسجد، وهو أدنى مستوى منذ سنوات طويلة.

كما فرض الاحتلال قيوداً إضافية على الأعمار المسموح لها بالدخول، حيث حُددت التصاريح للأطفال دون سن الثانية عشرة والرجال فوق سن الخامسة والخمسين والنساء فوق سن الخمسين.

ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ألغى الاحتلال جميع التصاريح الخاصة بزيارة المسجد الأقصى خلال شهر رمضان.

وتزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد اقتحامات المستوطنين لباحات المسجد الأقصى، حيث اقتحم المستوطنون الحرم القدسي أربعاً وعشرين مرة خلال شهر فبراير وحده، وشارك آلاف المستوطنين في طقوس دينية داخل المسجد في انتهاك للوضع التاريخي القائم في المكان.

مخطط تفجير الضفة

يرى مراقبون أن هذه الخطوات تمثل تصعيداً خطيراً قد يؤدي إلى تفجير الأوضاع في الضفة الغربية، خاصة أن استفزازات مشابهة في المسجد الأقصى كانت سبباً في اندلاع موجات احتجاج واسعة في الماضي.

وكانت انتفاضة عام 2021 التي عرفت باسم انتفاضة الوحدة مثالاً واضحاً على ذلك، حيث اندلعت احتجاجات واسعة في القدس والضفة الغربية بسبب اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى ومحاولات تهجير سكان حي الشيخ جراح.

ويطرح هذا التصعيد سؤالاً أساسياً حول الأسباب التي تدفع الاحتلال الإسرائيلي إلى اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى تفجير الأوضاع في الضفة الغربية رغم تحذيرات مؤسساته الأمنية.

ويرى المؤرخ الفلسطيني بلال شلاش أن الاحتلال الإسرائيلي دخل مرحلة جديدة يسعى فيها إلى إنهاء الصراع مع الفلسطينيين بشكل حاسم، عبر فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد على الأرض.

ويقول شلاش إن هذه الاستراتيجية تتجلى في العدوان المتواصل في المنطقة، سواء في إيران ولبنان أو في الضفة الغربية التي يسعى الاحتلال إلى إحكام السيطرة عليها بشكل كامل.

ويضيف أن السياسة الإسرائيلية التقليدية كانت تقوم على تنفيذ حملات قمع محدودة النطاق ضد الفلسطينيين بهدف إبقاء التوتر تحت السيطرة، وهي السياسة التي عرفت داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باسم سياسة “قص العشب”.

وكان الهدف من هذه السياسة تنفيذ عمليات عسكرية دورية محدودة ثم السماح بعودة نوع من الاستقرار النسبي.

لكن المرحلة الحالية تشهد تحولاً واضحاً في هذه الاستراتيجية، حيث يسعى الاحتلال إلى فرض واقع جديد لا يمكن التراجع عنه.

خطط تهجير الفلسطينيين

يتمثل هذا الواقع في تهجير آلاف الفلسطينيين من مناطق واسعة في الضفة الغربية، إضافة إلى محو مجتمعات فلسطينية بأكملها في بعض المناطق وضم تلك الأراضي فعلياً إلى السيطرة الإسرائيلية.

ويقول شلاش إن الهدف النهائي لهذه السياسة هو محاصرة الفلسطينيين في جيوب معزولة داخل مناطق تسيطر عليها إسرائيل، ما يدفعهم في النهاية إلى مغادرة البلاد.

ويشير الباحث الفلسطيني خالد عودة الله إلى أن هذه الاستراتيجية تستفيد أيضاً من حالة الشلل التي يعيشها المجتمع الفلسطيني نتيجة سنوات طويلة من القمع.

ويضيف أن الاحتلال الإسرائيلي عمل خلال السنوات الأخيرة على تفكيك الهياكل الاجتماعية التي يمكن أن تنتج رد فعل جماعياً ضد سياساته.

وشمل ذلك إغلاق مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان واعتقال نشطاء النقابات والطلاب، إضافة إلى تهجير سكان مخيمات اللاجئين في مدن مثل جنين وطولكرم.

ويرى عودة الله أن غياب كيان فلسطيني قوي قادر على الرد يجعل من الصعب وقف هذه العملية التي يسعى الاحتلال إلى فرضها في الضفة الغربية.

عدوان شامل في رمضان

منذ بداية شهر رمضان نفذت قوات الاحتلال أكثر من مئتي عملية اعتقال في الضفة الغربية، وفق معطيات نادي الأسير الفلسطيني.

كما هدمت قوات الاحتلال أكثر من ثلاثمئة منزل ومنشأة فلسطينية منذ بداية العام، بحسب مركز القدس للمساعدة القانونية.

وتزامن ذلك مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، حيث قُتل خمسة فلسطينيين خلال أسبوع واحد نتيجة هجمات المستوطنين في الضفة الغربية.

ويتزامن هذا التصعيد مع اقتراب الانتخابات في دولة الاحتلال المقررة في نوفمبر المقبل، حيث يطرح قادة اليمين الإسرائيلي مشاريع أكثر تطرفاً لفرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية.

وكان وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش قد دعا علناً إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

كما تحدث عن ضرورة اتخاذ خطوات لتشجيع الفلسطينيين على الهجرة من الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويرى مراقبون أن هذه السياسات تمثل محاولة واضحة لفرض واقع جديد يقوم على الضم التدريجي للأراضي الفلسطينية، وهو ما يعتبره كثيرون شكلاً من أشكال التطهير العرقي تحت مسميات سياسية مختلفة.

Share This Article