الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

مركز القدس  للاستراتيجية والأمن (JISS) 22/3/2026

الموقف القطري تجاه إيران في سياق الحرب الحالية

بقلم: د. أرييل أدموني ود. بنينا شوكر 

منذ بدء العملية الأمريكية الإسرائيلية في إيران، شهدت قطر تحولاً حذراً ومدروساً في نهجها تجاه إيران. ورغم استمرار بعض جوانب العلاقة الوثيقة بين البلدين، يبدو أن العدوان الإيراني على دول الخليج، بما فيها قطر، سيدفع الدوحة على الأرجح إلى تبني سياسة أكثر انتقاداً، وإن لم تكن تصادمية، تجاه إيران، وإلى تخفيف رغبتها في خدمة مصالح النظام الإيراني.

قبل العملية، كانت قطر داعماً وشريكاً فاعلاً للنظام الإيراني، مع مراعاة حساسية الموقف بما يخالف توقعات الولايات المتحدة. وشملت هذه العلاقة الحفاظ على قنوات الاتصال والزيارات المتبادلة، والعلاقات التجارية، والوساطة القطرية بين إيران ودول أخرى. إضافة إلى ذلك، تتشارك إيران وقطر أكبر حقل غاز منفرد في العالم، وهو حقل قبة الشمال/بارس الجنوبي، مما يستلزم تعاوناً فنياً بين البلدين لضمان استمرارية الإنتاج والتصدير. إضافةً إلى دعم قطر المعروف لحزب الله وحماس، ساعدت الدوحة طهران على مرّ السنين في احتواء الاحتجاجات الداخلية؛ فعلى سبيل المثال، اعتادت قناة الجزيرة، الناطقة الرسمية باسم قطر، تصوير إيران بصورة معتدلة نسبيًا، متجنبةً تغطية الاحتجاجات فيها. بل وصل الأمر بالجزيرة إلى حدّ توجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل والولايات المتحدة، مدعيةً أنهما تُؤجّجان الاضطرابات الداخلية في إيران. علاوةً على ذلك، خلال كأس العالم 2022، اعتقلت قطر أنصار المعارضة في إيران ومنعت الصحفيين المناهضين للنظام من دخول الإمارة. وخلال موجة الاحتجاجات التي سبقت العملية الحالية في إيران، وثّقت السفارة القطرية في واشنطن المتظاهرين أمام بواباتها، ربما لتمرير بياناتهم إلى إيران.

إلا أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران قد اختبر قدرة قطر على الالتزام بهذه السياسة. في إطار محاولة إيران إلحاق الضرر بأي جهة تستضيف جنودًا أمريكيين على أراضيها، وممارسة ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة، أُطلقت صواريخ وطائرات مسيرة على أهداف أمريكية ومدنية في دول خليجية مختلفة في اليوم الأول للحرب، وفي الأيام التالية استهدفت أيضًا أهدافًا مدنية في قطر. في البداية، حاول القطريون ضبط النفس، بينما سعى الإيرانيون، من جانبهم، إلى تخفيف حدة التوتر مع الدوحة رغم الهجمات، كما يتضح من تصريحات كلا الجانبين التي صوّرت الهجمات على أنها لم تكن موجهة إلى قطر نفسها، بل إلى منشآت أمريكية فقط، مثل قاعدة العديد الجوية.

إلا أن القطريين ردوا لاحقًا بشدة على الهجمات التي استهدفت أهدافًا مدنية على أراضيهم، بما في ذلك بنى تحتية حيوية ومناطق صناعية، من بينها منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال، فضلًا عن مطار الدوحة الدولي (جوهرة قطر الاقتصادية والسياحية). وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية لشبكة CNN صراحةً بأن “إيران ستدفع ثمنًا باهظًا” على الهجوم على الأراضي القطرية، وأن الدوحة كانت آنذاك معزولة عن طهران. وقد جرى التأكيد على هذه الرسالة لاحقًا. رفض رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رفضاً قاطعاً مزاعم إيران الكاذبة بشأن محاولاتها تجنب استهداف المدنيين. واتهم آل ثاني إيران بجر جيرانها إلى الحرب، واصفاً ذلك بأنه انتهاك صارخ لسيادة قطر ومبادئ القانون الدولي، ومؤكداً أن الهجمات الإيرانية لن تمر دون رد. كما شدد آل ثاني على أنه بالرغم من ميل قطر التقليدي للحوار، فإنها ستواجه أي عدوان يمس سيادتها أو أمنها أو سلامة أراضيها أو مصالحها الوطنية. وقد وجهت قطر رسالة قوية إلى مجلس الأمن الدولي مفادها أنها تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51.

لقد شمل الهجوم الإيراني على قطر أضرارًا لحقت بمنشآت الغاز التابعة لشركة قطر للطاقة في رأس لفان. وردًا على ذلك، أمرت الحكومة القطرية بإغلاق جميع منشآت إنتاج الغاز والغاز الطبيعي المسال بشكل كامل، وهو قرارٌ، إلى جانب الحاجة لإعادة الإعمار والأسباب الأمنية، مدفوعٌ بإمكانية توليد ضغط دولي لإنهاء الحرب، نظرًا لاعتماد العديد من الدول، بما فيها بريطانيا وألمانيا، اعتمادًا كبيرًا على صادرات الغاز القطري. وبالمثل، أعلنت البحرين والكويت، بعد قطر، قطع إمدادات الطاقة. ويبدو أن قطر، في مواجهة العدوان الإيراني غير المتوقع، تحاول إظهار جبهة موحدة مع دول الخليج، مع أنها لا تتوانى في الظروف العادية عن تحديها.

ويبدو أن العدوان الإيراني قد حقق هدفه إلى حد ما، على الأقل في الساحة القطرية، فإلى جانب الخطاب الحاد والرد العسكري الدفاعي المحدود – إسقاط طائرتين إيرانيتين اخترقتا المجال الجوي القطري واعتقال عناصر من الحرس الثوري على أراضيها – يبدو أن الدوحة تسعى جاهدةً لإنهاء الصراع. وكما هو معتاد في قطر، ورغم انتقاداتها لإيران، لم تقطع البلاد علاقاتها معها، وهو ما شكّل محوراً أساسياً في تغطية قناة الجزيرة. فإلى جانب الخطاب الحادّ لكبار المسؤولين القطريين، تستمر الجزيرة في العمل بين الحين والآخر كقناة دعائية للنظام الإيراني، مُركّزةً على معاناة المدنيين في إيران نتيجة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية من جهة، ومُخففةً من حدّة العدوان الإيراني من جهة أخرى. وهذا دليل على أن الغضب القطري تجاه إيران سطحيٌّ إلى حدّ كبير، يهدف إلى الحفاظ على علاقات مع دول الخليج وواشنطن، ولا يعكس بالضرورة رغبةً حقيقيةً في الانفصال. ويمكن إيجاد دليل آخر على ذلك في الرواية التي تروج لها حالياً وسائل الإعلام القطرية والباحثون المرتبطون بقطر، مثل عزمي بشارة، والتي تزعم أن الحرس الثوري الإيراني يتصرف بشكل مستقل في الأحداث الجارية ودون توجيه من نظام آيات الله. وتهدف هذه الرواية إلى إضفاء الشرعية على استمرار العلاقات مع النظام الإيراني، إن بقي قائماً.

حتى لو قررت دول خليجية أخرى التكاتف والقيام بعمل عسكري ضد إيران (مع أن هذا الاحتمال يبدو مستبعدًا في الوقت الراهن)، فمن المرجح أن يكون تدخل قطر رمزيًا فقط، مع الحفاظ على “لعبة مزدوجة” على غرار التقاليد القطرية – بيانات دعم من جهة، والحفاظ على علاقات مع الطرف الآخر للتحوط من المخاطر في حال نجاة النظام الإيراني من الأزمة. ويعتمد استمرار السياسة القطرية، من بين أمور أخرى، على تحركات إيران المستقبلية، فإذا اتخذت خطوة أكثر صرامة تجاه قطر، كالمساس بقيادتها، فقد تُعتبر هذه الخطوة خطًا أحمر يدفع قطر إلى تدخل أكثر فاعلية ضد إيران.

وفي هذا السياق، ينبغي دراسة ديناميكية أخرى لقطر تجاه إيران، وهي موقف السلطات في الدوحة من وجود حماس. فقد أشار تقرير إسرائيلي إلى أن قطر، احتجاجًا على عدم إدانة حماس لأفعال إيران، أعلنت للإدارة الأمريكية أنها ستطرد قيادة الحركة من أراضيها. لم تُعلّق قطر رسميًا على التقارير، لكن باحثين مُقرّبين منها نفوا ذلك، معتبرين إياه محاولة إسرائيلية لنشر معلومات مُضلّلة. وطالما لم يتم التحقق من صحة التقرير، تجدر الإشارة إلى أن قطر بارعة في تسريب وعودها إلى وسائل الإعلام في جلسات مغلقة، لا سيما فيما يتعلق بحماس، مثل وعدها في أوائل تشرين الثاني 2024. علاوة على ذلك، إذا ما تمّ الطرد بالفعل، فمن المُفترض أن يستمر الدعم المالي لحسابات أعضاء حماس حتى عودتهم. ويبدو أن خلفية التقرير تكمن في غضب قطري تجاه بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في قطر، من أصول مصرية، والذين انتقدوا علنًا الوجود العسكري الأمريكي في قطر. وكان الهدف من التسريب الإيحاء للأمريكيين بأن قطر تدعم تحركات واشنطن حتى وإن لم تستطع مواجهة إيران بشكل مباشر.

تُعاني قطر من وضع دقيق: فمن جهة، تعتمد بشكل كبير على الحماية الدفاعية الأمريكية (بما في ذلك اعتراض الصواريخ في المطار)، ولذلك تُشارك في البيانات المشتركة مع الولايات المتحدة وتُدين العدوان الإيراني علنًا. ومن جهة أخرى، لا تزال تُطالب بالحوار وتسعى للحفاظ على إمكانية الوساطة، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها الوطنية. إذا استمرت إيران في مهاجمة المواقع المدنية والاستراتيجية القطرية، ورغم اعتمادها على الغاز، ستواجه الدوحة صعوبة في الحفاظ على علاقات طويلة الأمد مع طهران. إن الجمع بين محاولة مهاجمة المطار، والاعتماد على الحماية الدفاعية الأمريكية، والضغوط الخليجية، يُشكل حافزًا أقوى من ذي قبل للنأي بنفسها عن إيران، على الرغم من أن الطريق إلى قطع العلاقات تمامًا لا يزال طويلًا.

——————————————

القناة 12 العبرية 22/3/2026

الحفاظ على الشرف جزء من أهداف الحرب

بقلم: البروفسور ايلي فودة 

قال المبعوث الأمريكي الخاص، ستيف ويتكوف: “يتساءل الرئيس ترامب عن سبب عدم استسلامهم (الإيرانيين)”. فأجاب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي: “لأننا إيرانيون”.

والنتيجة معروفة: فقد دفع الموقف الإيراني المتشدد في المفاوضات الولايات المتحدة وإسرائيل إلى شن هجوم عليها لإلحاق الضرر بقادة الحكومة وإضعاف أسسها قدر الإمكان، على أمل أن ينجز الشعب الإيراني المهمة.

ويُظهر التاريخ الحديث للمنطقة أن هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها الحكام قوة عسكرية مفرطة، لكن الشرف الوطني والشخصي، والخوف من الإذلال العام، دفعهم إلى اختيار المواجهة العسكرية.

ناصر وحرب السويس 1956

في تموز 1956، أمّم الرئيس المصري عبد الناصر الشركة المشغلة لقناة السويس. وبذلك، أصبحت أرباح عبور السفن للقناة ملكًا لمصر، لا للشركة المملوكة مناصفةً لبريطانيا وفرنسا. استُدعيت الدولتان، بالإضافة إلى المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة، للتدخل في شؤون الرئيس المتمرد. وعلى مدى ثلاثة أشهر تقريبًا، جرت محاولات دبلوماسية عديدة، لكنها باءت جميعها بالفشل.

أما المؤامرة الثلاثية بين إسرائيل وبريطانيا وفرنسا في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956، فقد فاجأت ناصر. لم تكن غايتها استعادة السيطرة على القناة فحسب، بل الإطاحة بنظامه الذي كان يُنظر إليه على أنه العدو اللدود للغرب وإسرائيل. لكن ناصر سرعان ما استعاد توازنه. في الثاني من تشرين الثاني ، رداً على إنذار بالانسحاب من القناة بعد احتلال إسرائيل لسيناء، رد في خطاب ألقاه رمزياً من جامع الأزهر قائلاً: “علينا أن نقرر، هل نقاتل أم نستسلم؟ (أقول) سنقاتل من أجل شرف وحرية مصر… سنقاتل، سنقاتل، ولن نستسلم”.

في الغرب وإسرائيل، اعتُبر هذا القرار غير منطقي، إذ لم يكن بإمكان ناصر منافسة قوتين عالميتين وقوة إقليمية عسكريًا. والنتيجة معروفة: صحيح أن إسرائيل غزت سيناء، لكنها اضطرت للانسحاب منها بعد فترة وجيزة، ونجا ناصر، وازداد نظامه والقومية العربية قوة، بينما أُجبر رئيس الوزراء البريطاني إيدن على الاستقالة في خزي بسبب المؤامرة التي دبرها. لقد كانت مغامرة ناصر ناجحة للغاية، ليس فقط لأن بريطانيا وفرنسا كانتا قوتين متراجعتين، بل لأنها حظيت بتأييد الشعب المصري والعالم العربي بأسره. من جهة أخرى، فشلت مغامرة ناصر في عام 1967 فشلاً ذريعًا، وهناك أيضًا دُفع إلى الحرب، لأسباب من بينها الحفاظ على الشرف والخوف من الإذلال.

صدام حسين واحتلال الكويت عام 1990

في الثاني من آب 1990، غزا الرئيس العراقي صدام حسين الكويت واحتلها. وبذلك، لم يكتفِ بالسيطرة على نحو 10 في المئة من إنتاج النفط العالمي (الذي بلغ مع العراق 20 في المئة)، بل شكّل أيضاً تحدياً خطيراً للأعراف الدولية بإلغاء وجود دولة عضو في الأمم المتحدة. وقد شكّل هذا سابقة خطيرة. على مدى ستة أشهر تقريباً، تفاوضت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والعديد من الجهات الفاعلة الأخرى مع الحاكم العراقي لإيجاد مخرج من الأزمة، ولكن دون جدوى. في غضون ذلك، شكّل الرئيس الأمريكي جورج بوش تحالفاً عسكرياً وسياسياً دولياً حدّد مهلة لصدام للانسحاب: 15 كانون الثاني 1991، وإلا ستندلع الحرب.

بلغت الأزمة ذروتها في التاسع من كانون الأول، عندما التقى وزير الخارجية العراقي طارق عزيز بوزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في جنيف، في لقاء مماثل للاجتماع الذي جمع وزير الخارجية الإيراني عراقجي وويتكووف وكوشنر. بعد محادثات استمرت ست ساعات، لم يتم التوصل إلى اتفاق. وفي اللحظة الأخيرة، وصل الأمين العام للأمم المتحدة إلى بغداد، ولكن بعد أن أهانه صدام ولم يلتقِ به إلا بعد انتظار دام 24 ساعة، لم يُحرز أي تقدم.

تساءل كثيرون، كما تساءل ترامب وويتكوف، عن سبب عدم استسلام صدام؟ كان صدام يتخيل نفسه فاتحًا إسلاميًا عظيمًا كصلاح الدين أو جمال عبد الناصر، قادرًا على مواجهة الغرب مهما كانت الصعاب، والبقاء، وربما حتى الظهور كبطل. في مؤتمر صحفي، قال: “لم يتحدث بوش إلا عن استسلامنا. لم يتحدث عن السلام، ولذا أقول له الآن إن أيام الاستسلام قد ولّت. كلمة استسلام غير موجودة في قاموسي”.

هُزم جيش صدام في غضون أيام، وأُجبر على الانسحاب من الكويت، لكنه ونظامه صمدا. اندلعت ثورات من قبل الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، لكنها قُمعت بوحشية. فرض المجتمع الدولي عقوبات اقتصادية، لكنها لم تُفضِ إلى إسقاط النظام، الذي لم يحدث إلا في العام 2003 باحتلال الولايات المتحدة للعراق.

 الحرب ضد إيران

أصبح خطاب الشرف جزءًا محوريًا من خطاب الحرب الحالية. بينما وعد ترامب بأنه “لن يكون هناك اتفاق مع إيران، بل استسلام غير مشروط فقط”، فإن قادة إيران والحرس الثوري يؤكدون أنهم لن يستسلموا، وأن ترامب سيُهزم، وأنهم سيقررون متى ستنتهي الحرب. في ظل الضربات العسكرية التي تتلقاها إيران، كيف يُمكن تفسير ذلك؟

ذُكرت إهانة اليهود في القرآن الكريم (سورة الإسراء، الآية 3). وبالتحديد، فإن تاريخ الشيعة وإيران حافلٌ بالإهانات التي لحقت بهم على يد الأجانب، لا اليهود. وكانت أولى هذه الإهانات هزيمة الحسين، نجل الخليفة علي، في معركة كربلاء عام 680، والتي أدت إلى انقسام الشيعة عن السنة. ومن الأقوال المنسوبة إلى الحسين قبل استشهاده أنه لن يقبل الإهانة أبدًا. كما شهدت إيران العديد من الفتوحات الأجنبية، بدءًا من الإسكندر الأكبر، مرورًا بالأتراك والسلاجقة والمغول، وصولًا إلى بريطانيا وروسيا في القرن العشرين. وقد تركت كل هذه الفتوحات بصمة الهزيمة والإهانة في التاريخ الفارسي. ومع ذلك، في العام 1988، وافق الخميني على وقف إطلاق النار في الحرب التي استمرت ثماني سنوات مع العراق (والتي وصفها بـ”شرب الكأس المسمومة”). إن بقاء النظام على قيد الحياة مكّنه من تصوير وقف إطلاق النار على أنه “انتصار”.

في هذه الحالات الثلاث، يمكن تحديد ثلاث أوجه تشابه: أولاً، النظرة السائدة للغرب وإسرائيل باعتبارهما يمثلان قوى الظلام، تلك التي لا تكتفي بإسقاط النظام، بل تسعى أيضاً إلى إذلال الأمة العربية و/أو الإسلامية. ثانياً، سوء تقدير قدرات العدو، ولا سيما مدى جدية تنفيذه لتهديداته. وأخيراً، الاستعداد للصمود من أجل البقاء وعدم الاستسلام، لأن الاستسلام العلني سيؤدي إلى الإذلال، وهو أسوأ من الموت، وعلى الأرجح إلى فقدان السلطة أيضاً.

لا ينبغي حصر أهمية الاحترام بالعرب والمسلمين فقط. دعونا نواجه الحقيقة: لا أحد يحب الخسارة أو الاستسلام، بغض النظر عن ثقافته. ولنتذكر على وجه الخصوص خطاب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، الذي قال في البرلمان في حزيران 1940، ردًا على احتمال سقوط فرنسا وغزو هتلر لبريطانيا: “سنقاتل على الشواطئ، وسنقاتل في مناطق الإنزال، وسنقاتل في الحقول والشوارع، وسنقاتل في التلال، ولن نستسلم أبدًا”.

في الصين أيضًا، تُستخدم رواية “مئة عام من الإذلال” (1839-1949)، التي تشير إلى الهزائم العسكرية والاستسلام للقوى الغربية واليابان، لبناء التضامن وتحفيز الأمة ضد أعدائها.

ترامب مهووسٌ أيضاً بشرفه الشخصي وشرف الأمة الأمريكية. تتداخل كلمتا “الشرف” و”الإذلال” في خطاباته. ففي خطاب تنصيبه مرشحاً رئاسياً عن الحزب الجمهوري العام 2016 ، تحدث عن الإهانات المتكررة التي تعرضت لها البلاد في الصومال وسوريا وليبيا. وإلى حد كبير، يمكن اعتبار فكرة استعادة عظمة أمريكا تعبيراً عن استعادة شرف الأمة المفقود.

“ستمنحني الشرف الذي أستحقه”، هكذا يقول القاضي للمتهم في المشهد الكوميدي الشهير “قصة التسلل” من إنتاج صحيفة “بالي مونيتور”. الجميع ينشد الشرف، لكنه أمرٌ مراوغ. أحياناً يأتي بعد هزيمة عسكرية – كما حدث مع ناصر العام 1956؛ وأحياناً يكون قد تعرض لإصابة قاتلة – كما حدث مع ناصر العام 1967 وصدام حسين العام 1991، من السابق لأوانه التكهن بكيفية انتهاء الأمر مع إيران، لكن من الواضح أن للشرف دوراً حاسماً في هذه الحملة.

——————————————

يديعوت 22/3/2026

كيف غيّرت حادثة اليئور ازاريا العلاقة بين السياسة والجيش في اسرائيل؟

بقلم: رعنان شكيد

أطلقت رصاصة في رأس إرهابي ملقى على الأرض في الخليل عاصفةً غير مسبوقة من الصراعات الداخلية. أصبح الجندي الذي أطلق النار عليه، اليئور ازاريا، رمزًا في الوقت الحقيقي مزّق البلاد بين مؤيديه ومعارضيه (وأولئك، مثل رئيس الوزراء، الذين غيّروا آراءهم لاحقًا). بعد عشر سنوات من الحادثة، عاد رعنان شاكيد إلى الناس الذين كانوا في قلب العاصفة، وإلى النقطة التي لم يعد فيها الجيش والسياسة والتفاعل بينهما كما كانا.

باستثناء أنهم يتذكرون. يتذكرون الكثير. يتذكرون كل شيء تقريبًا. لكن – وهذا أمرٌ محزنٌ للغاية – من منظور هذا العقد، تبدو حادثة اليئور ازاريا ضئيلةً للغاية. بالتأكيد مقارنةً بكل ما تلاها وكل ما حدث للجيش منذ ذلك الحين. بالتأكيد منذ السابع من أكتوبر، ومنذ الحربين الإيرانيتين الأولى والثانية. وبعد مرور كل هذا الوقت، وبعد كل ما مررنا به وما زلنا نمر به، قد تبدو قضية اليئور ازاريا تافهة بعض الشيء؛ هل يعقل حقًا؟ هل هذا ما مزّق الشعب الإسرائيلي آنذاك؟ هل هذا ما جعل عروق جباهنا تنتفخ أثناء نقاشاتنا الحادة؟ هل هذا هو السبب؟

 ما الذي حدث بالضبط؟

لم ننسَ، لذا ربما لا داعي لذكره، لكن دعونا نشاهده مجددًا، كما بُثّ مرارًا وتكرارًا في ذلك الفيديو: إرهابيان يبلغان من العمر 21 عامًا يصلان إلى موقع للجيش الإسرائيلي في تل الرميدة بالخليل، ويهاجمان جنديًا في الموقع بالسكاكين. يفتح الجنود النار، وينتهي الحادث سريعًا بتحييد الإرهابيين، أحدهما قتيل والآخر جريح. أصيب أحد الجنود في كتفه. يصل الرقيب إيلور أزاريا – الذي سيصبح رقيبًا قريبًا – في إطار مهامه كمسعف ميداني في كتيبة شمشون، برفقة تعزيزات، لعلاج جندي جريح. يُظهر الفيديو أزاريا وهو يُسلّم خوذته بهدوء لأحد الجنود، ثم يسحب سلاحه الشخصي، ويتقدم بخطوات متأنية، ويطلق النار على رأس الإرهابي الملقى على الأرض، بعد تحييده.

لماذا أطلق النار على الإرهابي المُحايد؟ حسنًا، سؤال وجيه.

على ما يبدو، دون سبب وجيه. أو كما يرويها موشيه (بوغي) يعالون، وزير الدفاع آنذاك: “كانت هذه القضية واضحة لا لبس فيها. كان الإرهابيان ملقيين على الأرض وقد تم تحييدهما، وقد قام ضابط من السرية المجاورة بتفتيشهما من الرأس إلى القدمين، وتأكد من عدم وجود سلاح أو حزام ناسف بحوزتهما، ثم أعلن: تم تحييدهما (خلال المحاكمة، ادعى أزاريا خلاف ذلك وقال إنه كان يخشى وجود حزام ناسف – ر.س.). وصل إيلور أزاريا إلى مكان الحادث بعد 11 دقيقة، وبعد أن انتهى من إسعاف الجندي الجريح، ودون أي ضغط، رفع سلاحه وأطلق النار على رأس الإرهابي المحتضر من مسافة قصيرة. سأله صديقه: “ماذا فعلت؟”، فأجاب: “كل من يؤذي أصدقائي يستحق الموت”. وفي وقت لاحق، في حديث مع قائد اللواء، كرر نفس الإجابة: “كل من يأتي ليطعن أصدقائي يستحق الموت”. يدرك قائد اللواء أن هذا ليس حادثًا تأديبيًا بل جنائيًا، فيلجأ إلى المدعي العام العسكري ويرفع إليه تقريرًا، ومن ثم يبدأ تحقيق وزارة الداخلية.

 عمليًا: هنا تبدأ أكبر معركة داخلية شهدتها إسرائيل على الإطلاق.

ثم يُوقف قائد لواء كفير، غي حزوت، عزاريا عن العمليات. ثم يُصدر وزير الدفاع يعالون، ورئيس الأركان غادي آيزنكوت، ورئيس الوزراء نتنياهو بيانات إدانة وتحفظ (نتنياهو: “إنه لا يُمثل قيم الجيش الإسرائيلي”، آيزنكوت: “يقترح أن يُحدد رئيس الأركان إجراءات إطلاق النار، لا قادة العصابات”). ثم يُدرك نتنياهو، كعادته، موقف ناخبيه ويتراجع عنه (“أبناؤنا، جنود الجيش الإسرائيلي، يواجهون هجمات إرهابية دموية”)، ويتحدث مع تشارلي عزاريا، والد إليئور، بتعاطف كبير. ثم ينفي عزاريا أن يكون دافعه الانتقام. عند تلك النقطة، سيتحول كل شيء إلى صراع سياسي، وعاطفي، وعابر للأحزاب.

سيُصوَّر عزاريا كبطل، و”ابننا”، بل وحتى “رجل العام” (كما ورد في صحيفة “ماكور ريشون” على سبيل المثال) بين مؤيديه – ومعظمهم من اليمين – بينما سيُصوَّر كشخصٍ تجاوز القانون، وتجاهل قيم الجيش الإسرائيلي ومعاييره، وشوّه سمعة الجيش الإسرائيلي وإسرائيل، ويجب محاكمته ودفع ثمن أفعاله من قبل الطرف الآخر. أو كما يقول يعالون حتى يومنا هذا: “تلقى إليئور حكماً مخففاً، بل وخفف حكمه لسلوكه”.

ثم جاءت المحاكمة، والمظاهرات أمام المحكمة، والتجمع الداعم لعزاريا في ساحة رابين، وأغنية أرييل زيلبر الداعمة، والإدانة بالقتل غير العمد والسلوك غير اللائق، والحكم بالسجن 18 شهراً، والاستئناف، والمطالبات بالعفو، وتخفيف الحكم من قبل آيزنكوت. ثم، في النهاية، انتهى كل شيء.

عاد أزاريا إلى منزله. أصيب والده تشارلي بجلطة دماغية. عائلة بسيطة من الرملة لم تفكر يومًا في الشهرة، وأصبحت هدفًا للاسغلال – أو ربما انتصارًا – حيث استغلها السياسيون والصحفيون ورئيس الوزراء في كل مكان، كلٌّ لمصالحه الخاصة.

تُركت العائلة وراءها – عندما اتصلت بأزاريا لكتابة المقال، أجاب سريعًا “أنا مشغول” وأغلق الخط، ولم يعد إلى الرسائل – ولم تخرج إسرائيل من هذه الأزمة كما دخلتها. لقد خرجنا بشكل مختلف. حدث شيء ما. وما حدث هو أن الجيش أصبح، بشكل غير رسمي ولكن عمليًا، حدثًا سياسيًا. هيئة تمثل السياسة وتتأثر بشكل مباشر بالسياسيين.

استغل السياسيون والصحفيون عائلة لم تسعَ للشهرة. تشارلي أزاريا مع ابنه إليئور في المنزل. يوضح البروفيسور ياغيل ليفي، رئيس معهد دراسات العلاقات بين المجتمع والجيش في الجامعة المفتوحة، والذي نشر مقالًا أكاديميًا حول القضية، ويزعم أنها مثّلت ما آل إليه الجيش: “أشعلت هذه القضية فتيل الصراع حول هوية الجيش”. ويضيف: “نعلم أن أزاريا لم يكن استثناءً، لكن الاستثناء كان أنه أُلقي القبض عليه”. “عندما قال غادي آيزنكوت في الكنيست “روح العصابة” في إشارة إلى ما حدث هناك، كان يقصد ما تمثله العصابة: منظمة ميليشيات تتسم بعلاقات شبه عائلية، وتنتقم لمقتل أحد أفراد الأسرة أو صديق مقرب. وقد أوضح الخطاب اليميني في قضية أزاريا المكانة المتجددة لدافع الانتقام في الخطاب العام، والذي كان حتى ذلك الحين مهمشًا وغير شرعي”.

بالطبع، من منظور عقد من الزمن، يسهل إدراك كيف تحول إليئور أزاريا إلى نحلة نذرت بقدوم خريف ملتبس أخلاقياً، حيث سيجري السياسيون جولات على الجيش لتحقيق مكاسب سياسية آنية. يقول العميد (احتياط) غي حزوت، الذي كان آنذاك قائد لواء كفير، والذي أمر فوراً بتعليق مشاركة أزاريا في العمليات، ثم تقاعد لاحقاً من الجيش، ومؤلف كتاب “الجيش عالي التقنية وجيش الفرسان” الأكثر مبيعاً: “قضية أزاريا حدث له ما قبل وما بعد”. ويضيف: “هذه نقطة تحول حاسمة، لأن تدخل العديد من العناصر السياسية والإعلامية كان سافراً للغاية”.

 يستطيع حزوت أن يرسم الخط الفاصل بدقة – ناهيك عن المنحدر الزلق – الذي أوصل الجيش الإسرائيلي من نقاء الأسلحة وأوامر إطلاق النار الواضحة وقيم بن غوريون، إلى فرار النائبة العسكرية من مطارديها لأنها أرادت محاكمة الجنود. يقول: “الحدث الذي سبق ذلك – الحملة الترويجية، التي كانت آنذاك شبه خالية من وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اقتصر تعامل الجيش مع ما يُسمى بين قوسين “أصوات الجنود” – كان قضية “ديفيد النحلاوي”،” مشيرًا إلى الجندي ديفيد أداموف، الذي صُوّر عام 2014 وهو يدفع فلسطينيًا، ويشتمه، ويدوس عليه بسلاح بينما كان يحمل قبضة معدنية في يده. عندما حوكم أداموف وسُجن، أثار موجة صغيرة على الإنترنت، حيث نشر عشرات الجنود والمدنيين صورًا لأنفسهم وهم يرتدون قمصانًا ولافتات كُتب عليها “أنا أيضًا مع ديفيد النحلاوي”.

يقول حزوت: “كان الأمر لا يزال حادثًا بسيطًا لأن السياسيين والإعلام لم يكونوا منخرطين فيه بشكل كبير بعد، ثم انفجر في قضية أزاريا، ووصلنا إلى النتائج النهائية في قضية سديه تيمان، حيث لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان الجندي مذنبًا أم لا لارتكابه فعلًا ما بحق إرهابي تم تحييده، بل حول مجرد تجرؤهم على التحقيق مع جنود مشتبه بهم في جريمة خطيرة للغاية، وهذه المرة هم أنفسهم من قاموا بتصوير الفيديو! وأصبح التحقيق نفسه غير شرعي، وأي شخص يجرؤ على فتحه يُعتبر خائنًا أو متعاونًا مع العدو. وأصبح من المشروع أيضًا للسياسيين اقتحام قاعدة تابعة للجيش الإسرائيلي وتحريض الحشود على محاولة الدخول بالقوة وتحرير المعتقلين”.

ويزعم حزوت أننا وصلنا إلى المحطة الأخيرة – مؤقتًا – لتحويل الجيش إلى قضية سياسية في حادثة وحدة المستعربين من حرس الحدود قبل ثلاثة أشهر، ألم تسمع بها؟ هذا هو لبّ الموضوع. في تلك الحالة، نُشر مقطع فيديو يُشتبه في أن ثلاثة من مقاتلي وحدة المستعربين أطلقوا النار على رجلين مطلوبين للعدالة، كانا قد خرجا من مبنى غير مسلحين ورفعا أيديهما، ما أدى إلى مقتلهما. ويقول حزوت: “لو كان مثل هذا الحادث في الماضي سيثير نقاشًا حادًا في المجتمع الإسرائيلي ويُفتح تحقيق معمق، فإن جهات التحقيق هنا – وزارة الداخلية ووزارة الأمن الداخلي – تتنازع فيما بينها، إذ لا توجد جهة مهتمة بالتحقيق في الأمر على الإطلاق”. لا يوجد نقاش عام، بل يُكمم على الفور. فإذا كان من المقبول إعدام إرهابي مُحيد، فمن المقبول أيضاً ممارسة اللواط مع إرهابي من النخبة، وإذا كان هذا مقبولاً، فماذا ستكون الخطوة التالية؟ هل الاغتصاب مقبول؟ قطع الرؤوس؟ قتل الأطفال؟ هل سنصبح مثلهم، وإلى أين سيقودنا هذا؟ لقد سمعتُ إسرائيليين يقولون إنهم لا يكترثون حتى لو تبيّن أن جنوداً قد مارسوا اللواط. إذا كان الأمر كذلك، ففي رأيي، حماس قد انتصرت. نحن نواجه الإرهاب والحروب وأحداث 7 أكتوبر – لم يكن التهديد يوماً هو قدرتهم على هزيمتنا. التهديد الذي يواجه المجتمع الإسرائيلي هو الفساد الأخلاقي، وستهزمنا حماس عندما نصبح مثلهم. عندما ننزل إلى الشوارع ونُقسّم الشعب لأننا قتلنا قائداً بارزاً في حماس، أو نتجاهل حقيقة أن جندياً يأخذ القانون بيده، فإننا نصبح مثلهم. وهذا لم يعد مجرد انحدار تدريجي، بل هو سقوط حر.

يتفق معظم من أجريت معهم المقابلات على أن قضية اليئور ازاريا قد جرّت إسرائيل إلى هاوية أخلاقية وسياسية ما زالت تتخبط فيها منذ ذلك الحين. في البداية، تراجع نتنياهو عن إدانته الأولية، “في ذلك الأسبوع تحديدًا رأيتُ فيه بوادر ضعف، وقلتُ: ‘دعونا نوقف هذا، دعونا نتحدث مع العائلة’، ثم خرج وعانق العائلة، وبقيتُ أنا السياسي الذي يدافع عن الجيش”، كما يتذكر يعالون.

… تلقى آيزنكوت ضربة مباشرة عندما اختار التمسك بقيم ومعايير الجيش الإسرائيلي، “بدأت ضجة إعلامية كبيرة، وبعد ذلك اليوم خرج نتنياهو ووزير الدفاع ليقولا: ‘حادث خطير’ وما إلى ذلك – رصدت القيادة السياسية توجهًا شعبيًا قويًا يدعم هذا التصرف، وفي اليوم التالي، وبعد مشاورات مع المستشارين والعائلة، تراجع نتنياهو. وأُرسل جميع وزراء الليكود باستثناء يعالون وستاينيتس لمهاجمة الجيش الإسرائيلي ورئيس الأركان، وبعد سنوات تفاخر أحد مستشاريه بأنهم ‘قلبوا هذا الحادث ضد رئيس الأركان’.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     

سرعان ما وقف آيزنكوت ويعلون وستاينيتس إلى جانبه، مدافعين عن معايير الجيش الإسرائيلي في المتاريس، بينما احتضن الجميع عائلة ازاريا، وانطلق الشعار الصادم “غادي احذر، رابين يبحث عن صديق” بنجاح من أقصى اليمين إلى المجال العام. “أسمع من السياسيين: ‘كيف يتخلى الجيش الإسرائيلي عن الجندي البطل؟’ وأنا يقول يعلون: “اصعد إلى منصة الكنيست وقل: أيها السادة، لقد جرى تحقيق، هذا ليس جنديًا بطلًا، بل جندي ارتكب جريمة”.

لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا. فقد أصبح أزاريا محبوبًا لدى اليمين، بل وأكثر من ذلك. وكما يُشير البروفيسور يغيل ليفي، “تتجه أخلاقيات العصابات نحو الوسط، وقد انهار الحاجز الذي كان يحجب وصمة العار عن استخدام العنف أو إخفائه، وكذلك الحاجز الذي كان يحجب الانتقام، في الخطاب العام”.

لا يزال الجيش غير متجاوب مع هذا التوجه الخارجي، ويعود ذلك أساسًا إلى أن الجيش الإسرائيلي دأب لسنوات – كما هو معروف عن ليفي والأستاذ والمؤرخ المختص بشؤون الشعب اليهودي داني غوتوين – على توجيه بعض الجنود إلى مهام حفظ الأمن في المناطق المحتلة، وآخرين إلى أدوار نخبوية في وحدات الاستخبارات النخبوية. ولا حاجة تقريبًا لتوضيح أي فئات سكانية مختلفة ومتميزة نتحدث عنها.

يوضح ليفي قائلًا: “في اللحظة التي أسس فيها الجيش جيش حفظ الأمن على توجيه الجماعات القومية والمهمشة إلى مهام حفظ الأمن، وضع بذلك الأساس لسلوك من شأنه أن يتمرد على قيم الجيش، وسيُنظر إليه حتمًا على أنه نوع من الخيانة إذا تم كبحه ومقاضاته”. ويضيف: “كانت قضية أزاريا بمثابة الشرارة التي أشعلت شعور الجنود من ذوي الياقات الزرقاء بأنهم يُضحى بهم، بينما يتم “ابتلاع” الطبقة الوسطى العلمانية لصالح الوحدات التقنية. وهكذا يُحرمون من العائد الذي يحصلون عليه من الخدمة العسكرية، ويُضحى بهم في مهام غامضة لا تحظى بالتقدير الاجتماعي، ومع ذلك يتعرضون للخيانة والتبرؤ من قبل النخب المخضرمة”.

ويمكن التعبير عن ذلك بطريقة أبسط: يقول غوتوين: “وصف أحد آباء الجنود في وحدة اليئور ازاريا أبناءه بأنهم ‘عمال متعاقدون مع الجيش الإسرائيلي’، ما يعني أن اختيارهم للجيش الإسرائيلي مسألة طبقية، ولذلك شعر قطاع واسع من الإسرائيليين بضرورة حماية اليئور ازاريا، مع أنني أفترض أن ضمائرهم الأخلاقية أدركت أن ثمة خللاً ما، لأن القضية كشفت عن انقسام طبقي متجذر في المجتمع الإسرائيلي”.

لكن آيزنكوت لا يتفق بالضرورة مع هذا التصريح المثير للجدل. ويرفض قائلاً: “كان من السهل القول ‘الفتى من الرملة، أبوان شرقيان’، وهذا هراء محض، لا يمكنني قول ذلك”. حتى لو كان ليبوفيتتش من كفار شمرياهو، لظل موقفي من الأمر كما هو. في الواقع، كان قائد الكتيبة دافيد شابيرا وقائد اللواء غي حزوت هما من توقعا الحادث، وهما يستحقان كل الثناء.

سيجادل غوتوين وليفي بأن هذه هي القصة بالضبط – أن أزاريا لم يكن من الممكن أن يكون ليبوفيتتش بسبب طبيعة نظام الفرز والاختيار في الجيش الإسرائيلي – وأكثر من ذلك: أنه من الصعب على أمثال ليبوفيتش، أينما كانوا، أن يفهموا ما يمر به أزاريا، لأنه ما لم يمروا بتجربته المجازية – أي في مهمة أمنية مهددة في منطقة معادية – فلن يمتلكوا الأدوات الأساسية لفك شفرة أي شيء أو الحكم عليه.

يقول العميد (احتياط) موشيه (تشيكو) تامير، القائد السابق من لواء جولاني وفرقة غزة، الذين سبق لهم الدفاع عن أزاريا: “عندما ترسل أفرادًا في مثل هذه المهام المعقدة تحت تهديد الموت، فإنهم يجدون أنفسهم في وضع معقد لا ينطبق عليهم فيه معيار الشخص العاقل، لأنهم ليسوا في وضع الشخص العاقل”.

إذا سألت تمير، فسيقول إن القضية برمتها كان من الممكن، بل من الواجب، تجنبها لو عومل أزاريا كما ينبغي، أي لم يُحال إلى تحقيق الشرطة واُكتفى بتأديبه بدلاً من مقاضاته جنائياً. “عندما يرتكب جندي ما مخالفة لقيم الجيش الإسرائيلي، لديك ألف وسيلة لمعاقبته: محاكمته، تنزيل رتبته، سجنه 54 يوماً، ثم ترقيته لاحقاً إلى منصب رئيس سائقين. لكن استخدام الوسيلة الجنائية، والادعاء بأنه مجرم، هو إهمال من جانب الجنود. لماذا؟ لأن قواعد القانون الجنائي مصممة لحالات الناس في الحياة الطبيعية، والظروف التي تصرف فيها عالم مختلف تماماً. لحظة اعتقاله بالأصفاد، حوّلتموه إلى قاتل بدلًا من أن يتحمل قادته المسؤولية”.

ماذا يعني تحمل المسؤولية في مثل هذه الحالة؟ “يجب أن تفهموا أنه عند إرسال أفراد في مهام معقدة تتضمن انتحاريين، سيكون هناك من يتصرف تحت الضغط، أو بقلة التفكير، أو بقيم متدنية. وحتى لو تصرفوا بشكل خاطئ، فعليهم أن يعلموا أنهم سيحصلون على الدعم إذا لم يرتكبوا جريمة.”

سبب نقله إلى إدارة التحقيقات الجنائية للاستجواب هو إطلاقه النار بدم بارد على شخص مُحيد. هذه جريمة. “لقد تصرف ضد عدو ليس بريئًا – إنه إرهابي – خلال عملية عسكرية، حيث يتصرف الجندي تحت تأثير المخدرات أو الكحول. لذا، وفقًا لقيم الجيش الإسرائيلي، أتوقع من الجندي أن يكون أكثر هدوءًا وينفذ الأوامر، ولكن لو أخرجتُ سلاحًا في الشارع وأطلقت النار على أحدهم، لهاجمني جميع من في الشارع.” والآن، ألقِ نظرة فاحصة على الفيديو من الخليل، وسترى: من بين جميع القادة المحيطين به، لم ينقضّ عليه أحد، ويأخذ سلاحه، ويسأله: “ماذا تفعل يا سافل؟” لأن الجميع كانوا في حالة توتر، بعد دقائق من محاولة هجوم، وما نتج عنها من إصابات وإطلاق نار في المنطقة، ولذلك كان الوضع صعب الفهم على أي شخص من خارج المؤسسة العسكرية. لذا، توجد قوانين تأديبية عسكرية وأدوات قيادية. وهذا ما لم يفعله آيزنكوت، لقلة فهمه العميق للمهنة العسكرية. لم يقل: “لم تتصرف وفقًا لقيمنا، ولكن هذا ضمن نظامي. هل أنت قاتل؟ كلا. ولحظة اعتقاله بالأصفاد، أصبح قاتلًا.”

ما الذي حلّ بنا منذ اليئور ازاريا؟ على سبيل المثال، كانت هناك سديه تيمان. وكان هناك إطلاق النار على الرهائن الإسرائيليين في غزة وهم يلوحون بقطعة قماش بيضاء. يقول يعالون: “إذا لم تكن هناك قواعد، وأطلقت النار على كل ما يتحرك، وإذا لم تسمح للعدو بالاستسلام، فستدفع الثمن في النهاية”. ويضيف: “أربط ذلك أيضًا بأحداث مثل إطلاق النار على المحامي يوفال كاستلمان، وهو مواطن كان في طريقه إلى عمله في القدس، سمع دويّ إطلاق نار، وأدرك وجود هجوم، فأوقف سيارته بشجاعة، وتعرّف على الإرهابي وأطلق النار عليه، ثم لمح جنود احتياط، فرفع يديه وصاح: “أنا يهودي”، ومع ذلك أطلقوا النار عليه. وبالطبع حادثة الرهائن الذين تمكنوا من الفرار، ولوّحوا بقطعة قماش بيضاء كالعلم، ومع ذلك أُطلق عليهم النار”.

بعبارة أخرى، ربما بقيت تعليمات الجيش الإسرائيلي بشأن إطلاق النار دون تغيير، لكن الأعراف والسياسات المحيطة بها حوّلتها من مبدأ أخلاقي إلى توصية عامة غير ملزمة على الإطلاق. يقول غوتوين: “قبل عشر سنوات، كانت إسرائيل معزولة، أما اليوم، فاليئور ازاريا يُذكر يوميًا في الأراضي المحتلة، ولا يتجاوز ظهوره الصفحات الثالثة والخامسة في الصحف، وهذا كل شيء. لقد حدث التطبيع خلال هذه السنوات العشر.”

وتعدّ الشعبوية السياسية مثابة جبل الجليد الذي ينهار عليه العمود الفقري الأخلاقي للجيش الإسرائيلي حاليًا، ولم يكن ازاريا سوى الضربة الأولى. يقول آيزنكوت: “ما زلتُ أؤكد ما قلته حينها، أن هذه هي روح عصابة ورئيس وزراء يتهرب من مسؤوليته كقائد أعلى في القيادة العليا للجيش الإسرائيلي بسبب الشعبوية.” وقد خرجت عائلة ازاريا نفسها من هذه القضية بجراح عميقة – فقد أصيب الأب تشارلي، كما ذُكر، بجلطة دماغية، وأصيب عم ازاريا بنوبة قلبية، وأطلق ازاريا نفسه مشروعًا لجمع التبرعات لنشر كتاب يروي قصته، والذي لم يُنشر قط – ولكن يبدو أن إسرائيل أيضًا قد دخلت في دوامة لم تخرج منها بعد. “كان هناك انتقالٌ للراية هنا – من مقولة بن غوريون: ‘مصير إسرائيل مرهونٌ بقوتها وعدالتها’، إلى شعار ميكي زوهر: المال، والشرف، والسلطة. هذا استسلامٌ من السياسيين لروحٍ شعبويةٍ قصيرة النظر أضرت بالجيش الإسرائيلي. واليوم، يقود تسفي سوكوت، الذي تهرب من الخدمة، نقاشاتٍ حول تغيير روح الجيش الإسرائيلي”، هكذا يُشخّص آيزنكوت الوضع.

يقول حزوت: “حتى في كيبوتسي، كان الناس يأتون إليّ على انفراد ويسألونني: ‘يا رجل، ألا تعتقد أنك تُبالغ قليلاً؟ لقد أطلق النار على الإرهابي’. ما علاقة هذا بالموضوع؟ كنت أتمنى لو مات هذا الإرهابي من الرصاصات الست الأولى التي أُطلقت عليه. ولكن بمجرد تحييده وعدم موته وعدم كونه خطراً، هذا ما يُميّزني عن أعدائي: سيُعدمونني أو يُطلقون النار على رأسي، ولن نفعل نحن ذلك”.

أو هكذا يبدو. إذا سألتَ تشيكو تامير، فسيقول لك إن الجيش لا يمكنه، بل لا ينبغي له، أن يعمل في ظل “شرعنة كاملة للحرب، بمفاهيم قانونية جوهرها في نهاية المطاف عدم إلحاق الأذى بالمدنيين. لدينا شريحة واسعة من السكان – معظمهم من المتدينين القوميين، الذين يشكلون أغلبية القادة الميدانيين – ومفهومهم الأخلاقي الأساسي هو أن سلامة جنودنا تأتي قبل سلامة المدنيين الأعداء. لقد نشأتُ في مدرسة داخلية عسكرية وفي المدرسة الملكية على قيمنا الأخلاقية السامية، وعلى فكرة أننا نعرض أنفسنا وجنودنا للخطر لكي لا نؤذي المدنيين العرب الذين يستخدمونهم كدروع بشرية. اليوم أشعر بالندم على ذلك. لقد نضجتُ وأدركتُ أن هذه أخلاق منحرفة. حياة المقاتلين أهم من حياة المدنيين الأعداء الذين يتعاونون معهم أو يؤوونهم.”

ووفقاً لتمير، كانت قيم الجيش الإسرائيلي، ولا تزال، هي الالتزام بالمهمة في ضوء الهدف، ثم الحفاظ على أرواح الجنود. “ولسنوات، نمت قيمة خفية في الأوساط الليبرالية والمدنية، استولت على عقول الجيش الإسرائيلي، مع فقهاء برروا ذلك بشتى الطرق، وأصبح جيل كامل في حيرة من أمره بشأن القيم – وللأسف، كنتُ أنا أيضاً جزءاً من ذلك.”

من السهل أن نرى كيف أن الصدع الكبير الذي أحدثته قضية ازاريا، بعد مرور عقد من الزمن، لا يزال، بل وأكثر من ذلك، يمزق إسرائيل، وهو صدع في القيم والتصورات، فضلاً عن كونه صدعاً اجتماعياً وطبقياً وسياسياً. كل من أُجريت معهم مقابلات لهذه المقالة، فعلوا ذلك بنفس الغضب والألم والحدة التي ميزت النقاش في حينه. لم يلتئم الجرح فحسب، بل تعمق واستمر في النزيف، ولا تزال قيم وصورة الجيش الإسرائيلي – وما يترتب عليها من قيم وصورة المجتمع الإسرائيلي – في صراع محموم على السلطة.

ويعترف حزوت قائلاً: “بعيداً عن قضية ازاريا وقضية سديه تيمان، فإن أحداث السابع من أكتوبر تهزنا جميعاً وتصدمنا، وتثير فينا جميعاً مشاعر الغضب، بمن فيهم أنا”. لكن هذا هو الخطر الأكبر؛ فالانتقام شعور طبيعي. لذا أعلنت دولة إسرائيل الحرب على حماس ببيان واضح جدًا – بأننا سندمرهم – ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل شيء في هذه الحرب مشروع. لا أقول هذا خوفًا من المجتمع الدولي، أو خشية اتهامي بارتكاب جرائم حرب، فهذا ليس مهمًا. أقول هذا لحماية أنفسنا؛ كي لا نتحول إلى وحوش بشرية مثلهم.

يذكر يعالون قصيدة “الذات” للشاعر نتان ألترمان، التي نُشرت في قسم “الطابور السابع” في تشرين الثاني 1948، والتي أمر بن غوريون بتوزيعها على جنود الجيش الإسرائيلي. تتناول القصيدة أخلاقيات القتال العسكري السليمة، ويقول أحد أبياتها: “لأن الأبناء والبنات، ونحن معهم / يندفعون، وكأنهم مجبرون/ الى “القوة” و”الانتقام” / إلى حافة مجرمي الحرب”.

يقول يعلون إنه هو الآخر، في ذلك الوقت، أمر بطباعة ملصق مستوحى من الأغنية وتوزيعه على مكاتب القادة. لم يعد يعالون في الجيش أو في السياسة، وكان آخر نشيد عسكري رئيسي مسجل لنيس وستيلا. وكما هو معتاد هنا، فإن كل شيء يختزل بطريقة أو بأخرى إلى الخيارات التي نتخذها جميعًا، والتي سيُطلب منا اتخاذها في المستقبل.

——————————————

هآرتس 22/3/2026

صمت الهند بالنسبة لحرب ايران هو جزء من استراتيجية محسوبة

بقلم: اوشريت بيروودكر

لو أن ناريندرا مودي تنبأ بان الحرب على ايران ستبدأ بعد بضعة أيام على مغادرته لإسرائيل، لكان مشكوك فيه ان يختار القيام بزيارته التاريخية في البلاد. التوقيت المؤسف حول ما كان من المفروض ان يكون انتصار دبلوماسي الى بؤرة من نظريات المؤامرة، الامر الذي عرض العملاق الآسيوي لانتقادات شديدة، داخلية وخارجية.

لقد أدى اغلاق ايران لمضيق هرمز الى تفاقم الانتقادات واثارة الخوف في الأسواق. ولكن نيودلهي التي جعلت الحذر الدبلوماسي ميزة لها، تسير مرة أخرى في مسارها وفقا لمصالحها الوطنية. الان مع تزامن الاضطرابات الجيوسياسية مع اندماجها بالاقتصاد العالمي، أصبحت عملية صنع القرار معقدة اكثر وحساسة اكثر.

رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها بسبب العقوبات الدولية التي تم فرضها على ايران، بدء بقطع التمويل عن ميناء تشابهار الاستراتيجي ومرورا بوقف مشتريات النفط وانتهاء بتجميد مليارات الدولارات في البنوك في طهران، الا أن الهند دائما تفاخرت بقدرتها على الحفاظ على علاقات وثيقة مع كل الأطراف. لذلك فان صمت الهند في الأيام الأولى للحرب اعطى فرصة للمحللين وشخصيات معارضة لانتقاد سياسة مودي الخارجية. وتصدر عناوين الصحف المحلية سؤال مؤثر وهو “لماذا لم تقم الهند حتى الان بإدانة قتل خامنئي؟”. وقد جادلت سونيا غاندي، وهي من ابرز الأصوات في حزب المؤتمر، في مقال راي، بان عدم التعزية لا يعني الحيادية، بل التخلي عن مباديء السياسة الخارجية للهند. وتساؤل راؤول غاندي، ابنها، “هل تؤيد الهند اغتيال زعيم دولة؟”.

الواقع معقد

انتقد سانغاي سينغ، زعيم حزب “إيه إيه بي”، صمت الحكومة في نيودلهي إزاء الهجمات الامريكية والإسرائيلية في ايران وقال: “قل أي شيء عن استبداد أمريكا وإسرائيل، يا سيد مودي… استبداد أمريكا، الديكتاتور العالمي، سينتشر في كل العالم”. هذا الانتقاد جاء في وقت سارع فيه المحللون الى استنتاج ان الهند تغير استراتيجيتها وتدخل تحت جناح الغرب.

ولكن الواقع يتكون من تقسيم ثنائي (ابيض واسود) الذي يقدسه العصر الحديث. فبينما ينظر الى الصمت أحيانا بانه ضعف في المجال العام، الا انه في الدبلوماسية قد يكون استراتيجية محسوبة. فالتوقيت الحرج للهجوم على ايران بعد بضعة أيام فقط من اعلان مودي فوق منصة الكنيست بان “الهند تقف بحزم مع إسرائيل”، لم يترك أي مجال لاصدار ادانة مدوية، لا سيما مع امتناع دول المنطقة نفسها عن ذلك. إضافة الى ذلك كان المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول للحرب، من ابرز الأصوات التي تعارض الهند في قضية كشمير.

حسب مصادر حكومية تدخل خامنئي في الشؤون الداخلية للهند اربع مرات في الأعوام 2017 – 2024، وتبنى رواية الباكستان، الامر الذي أدى الى استدعاء الممثلين الإيرانيين الى محادثات توبيخ في نيودلهي. ولكن في مواجهة موجة الاحتجاجات للشيعة والسنة في شوارع الهند، والخوف من اندلاع فتنة طائفية، اختارت الحكومة في نهاية المطاف ارسال مسؤول صغير لتقديم التعزية في السفارة الإيرانية وهكذا طويت القضية.

مع ذلك إضافة الى القلق على تسعة ملايين مواطن هندي الذين يعيشون في دول الخليج التي تعرضت للقصف، والذين يتم تهديد مليارات التحويلات المالية التي يرسلونها الى عائلاتهم في الهند، تجبر الهند على التعامل مع ازمة أخرى لها تداعيات خطيرة على النمو الاقتصادي فيها، اغلاق مضيق هرمز.

ما زالت الهند، التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز من الشرق الأوسط رغم خططها الطموحة لتنويع مصادر الطاقة، تجد نفسها تتحمل عبء حرب لم تكن طرف فيها. تعتبر الهند المستوردة الثالثة للنفط في العالم والمستهلكة الثانية للغاز المسال، وياتي نصف استهلاكها من المنطقة، الامر الذي يجعلها معرضة للخطر بشكل خاص. من شأن ارتفاع سعر برميل النفط الى اكثر من 100 دولار ان يبطيء النمو الاقتصادي في الهند ويؤدي الى التضخم ويضعف العملة المحلية، الروبية، ويفاقم عجز الميزانية بشكل ملحوظ.

تعتمد مكانة نيودلهي الدولية الان على النمو الاقتصادي. ولهذا السبب بالذات، لا يمكن لاقتصاد ودولة بهذا الحجم ان تخاطر بالاعتماد على مصدر واحد فقط. تعتبر الهند حاليا اسرع الاقتصادات نموا في العالم ووجهة استثمار رئيسية في الطريق الى ان تصبح ثالث اكبر اقتصاد في العالم. ويكمن نجاحها في القدرة على تحقيق هذا الاستقرار الاستراتيجي، وذلك من خلال سياسة توزيع المخاطر، فضلا عن حكومة منتخبة لولاية ثالثة.

هذه العقلية هي التي دفعت نيودلهي لشراء النفط الرخيص من روسيا في فترة الحرب مع أوكرانيا رغم الضغط الدولي. ومن الصحيح أيضا ملاحظة استثمار شركة “ريلانس” الهندية في إقامة مصفاة نفط في تكساس. ويضاف الى ذلك القرار المفاجيء للرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح الهند استثناء في شراء النفط الروسي لمدة ثلاثين يوم في ضوء الحرب الجارية مع ايران. ويأتي ذلك في اعقاب مواجهات مستمرة مع إدارة مودي على مدى الأشهر الستة الأخيرة، التي تضمنت فرض رسوم جمركية عقابية تبلغ 25 في المئة. مع ذلك، تصرف ترامب لا ينبع من حبه لمودي وتعاطفه مع تعقيدات الهند، بل بدافع براغماتي لكبح ارتفاع أسعار النفط ومعرفته ان الهند ستستمر في العمل فيما يخدم مصالحها الوطنية في كل الحالات. ومن المرجح أن تعود الى شراء النفط من روسيا، سواء بموافقته أو بدونها.

يبدو ان نيودلهي تستغل بدرجة كبيرة رصيدها الاستراتيجي الذي بنته بعناية كبيرة، وهو شبكة العلاقات الواسعة التي تحافظ على مسافة آمنة عن كل الأطراف. هذه الاستراتيجية هي التي مكنت الهند من تامين مرور ناقلتي النفط في مضيق هرمز، بالتنسيق والموافقة مع ايران. وقد أوضح وزير خارجية الهند، سوبر امانيام جنشيكار، ان هذا ليس اتفاق اطار شامل، بل هو دراسة متانية لكل حالة على حدة.

تشير تقارير كثيرة الى وجود صفقة مقايضة يجري العمل عليها بالسر، تتمثل بتزويد الهند بمعدات طبية مقابل الافراج عن ثلاث سفن إيرانية سمحت لها بالرسو في شواطئها عند اندلاع النزاع في نهاية شهر شباط.

ان دعوة ترامب للدول الأخرى للمشاركة في تامين عبور السفن في مضيق هرمز وتخفيف العبء عن الولايات المتحدة، كانت ستكون خطأ استراتيجي لو انها وجهت ضد الهند. قد يؤدي دفع نيودلهي الى تدخل عسكري فعلي الى جعلها طرف مباشر في النزاع، وهو سيناريو يتعارض مع مصالح كل الأطراف، لانه قد تكون الهند هي “الورقة الرابحة” الوحيدة التي بقيت من اجل التوسط في الحالات القصوى. في غضون ذلك تواصل الهند الحذر في خياراتها، وتؤمن مصالحها الآنية، بينما تعد نفسها بهدوء للمستقبل.

——————————————

هآرتس 22/3/2026 

ستكون جولات أخرى الى حين ندرك بأنه بالقوة لا ننتصر

بقلم: يوسي كلاين

لقد انتصرنا. لم ننتصر فقط، بل انتصرنا بشكل ساحق. يمكن القول وبكل صدق اننا قمنا بتاخيرهم عشر سنوات. ماذا تعني عشر سنوات أو عشرين سنة على الأقل؟ وماذا بشان الصواريخ؟ دعكم من ذلك، هذا يأتي بدافع اليأس، هذا آخر ما بقي لديهم. هذه اغنية البجع. لقد انتصرنا. لكننا نتوسل، قولوا ذلك، اخبروا ترامب بانه انتصر أيضا. نعم نحن نعرف اننا لم ننتصر، لكن الى ان تقولوا باننا انتصرنا، انتصار عظيم، سنبقى في الملاجيء حتى رأس السنة العبرية.

لكن كيف سيقولون اننا انتصرنا عندما يكون واضحا اننا لم ننتصر؟ الامر غير فظيع، سيكذبون. هذه كذبة معقولة، كذبة بيضاء. كذبة مقبولة، بالكاد يمكن تسميتها كذبة. سنسميها “سلم للنزول عن الشجرة”. حديثنا مليء بالاكاذيب أصلا. الجميع يكذبون. نتنياهو يكذب بشان النصر، ايزنكوت يكذب بشان التضامن، سيغال بشان الإنجازات السياسية الكبيرة. هم يكذبون ونحن نقوم باحتوائهم. اذا هم يكذبون، وماذا في ذلك، نحن فعلنا ما هو أسوأ من ذلك.

كيف يكذبون؟ ببساطة، يقسمون الحرب الى قسمين، قسم عظيم وقسم غير مؤكد وجوده تماما. لا يمكن التعامل معهما كوحدة واحدة. الطيارون الابطال الذين يقومون بالتدمير والابادة لا يعرفون معاناة كبار السن والأطفال الذين يتعثرون على الدرج اثناء الذهاب الى الملاجيء. الحرب البطولية لا تعرف حجم الخسارة الجانبية التي تتمثل بـ 19  قتيل ومباني مدمرة ومدارس معطلة. احدهما حرب بطولية والثاني مجرد ازعاج.

الصواريخ على إسرائيل تشكل ازعاج لرئيس الأركان. لديه أمور كثيرة تشغله، تحديات عظيمة تاريخية ودينية. وقف اطلاق الصواريخ ليس من أهدافه الحربية. نيف دبوري يهتز سعادة عندما يعلن عن اغتيال جديد، لكن كيف يمنع ذلك ايران من اطلاق الصواريخ؟ هذه الاغتيالات تثير اهتمامي كثيرا. لكن اطلاق الصواريخ علينا يثير اهتمامي اكثر.

لكن ما يثير اهتمامي ينظر اليه في الاستوديوهات على انه ضعف، مثل تمايل المخللات، فقط المدللون الذين يعتبرون انفسهم مركز الكون ينزعجون من الليالي التي يقضونها بدون نوم. في الاستوديوهات ينظرون اليهم مثل اباريق صغيرة لا قيمة لها. يمكن تفهمهم. لا توجد للمدللين رؤية شاملة، بانورامية وعميقة، مثل التي توجد للمحللين في الاستوديوهات. هم لن يهدروا مواهبهم في الحديث عن أن هذا تمت سرقة كرسيه في الملجأ أو أن هذا تمت سرقة فرشته في الملجأ. 21 قتلوا و10 آلاف فقدوا بيوتهم؟ هذا لا يهمهم، هذه مشكلتهم.

كلما كان الثمن اقل كان النصر اعظم. لهذا السبب يتم خفض الثمن واخفاءه. المحللون لا يتحدثون عن القتلى والجرحى والمباني المدمرة واغلاق المدارس. لا قيمة لارواح البشر، سواء ارواحنا أو ارواحهم. المستعربون يقتلون عائلة فقط لمجرد شعورهم بالتهديد. تتم التضحية بالجنود ويقتلون لمجرد استعادة رفاة شخص ميت، واغراق القاعدة بالانباء السعيدة. كم من المباني دمرت؟ احمدوا الله انها لم تكن مبانيكم.

ما بقي لنا هو النصر فقط

آخر انتصار لنا كان في العام 1967. ومنذ ذلك الحين لم نتوقف عن الانتصار رغم الهزائم المتكررة. لم نهزم أبدا أي منظمة إرهابية على أراضينا. دائما “ردعنا” و”اعدنا سنوات للوراء” ودائما “لاجيال”. الآن نحن نعدكم بأننا سنكون مستعدين للجولة القادمة. ولكن من يربون أولادهم هنا لا يريدون استعداد للجولة القادمة، بل هم لا يريدون أي جولة على الاطلاق. لا يمكنكم وعدهم بعدم وجود جولة. ولكن من حقهم المطالبة ببذل كل ما في الاستطاعة لمنعها.

لن يفعلوا أي شيء. ستكون جولات الى أن نقر بان النصر لا يتحقق بالقوة. القضاء على المعتدي يعتبر انتصار، لكن كيف ننتصر ونحن المعتدون؟ عندما نكون نحن المعتدين فاننا نفقد الايدي والارجل. وننسى سبب اعتداءنا ولا نعرف كيف سنخرج من هذا المازق. أي نصر نتوقع؟ احتلال ايران؟ احتلال لبنان؟.

كم من الضحايا الذين سيسقطون حتى نعرف أن النصر لا يتحقق بالقوة؟ نحن نحتاج القوة من اجل البقاء، ولكن نحن نبقى على قيد الحياة لملئها بالمضمون، المضمون الذي يملأ فيه دعاة “القوة وحدها” حياتنا بالسأم وخيبة الأمل. ليتهم ينتصرون. لكنهم يفشلون منذ 59 سنة. لقد حان وقت التخلص منهم. الامر لن يكون سهل. لقد تم بناء دولة بالكامل على اسطورة “القوة وحدها”. وقام بتغذيتها نظام تعليم وتشبث بها سياسيون فاشلون. يوجد خلل معين هنا اذا كان حلم الشاب الإسرائيلي هو السكن في شقة فيها “غرفة آمنة”.

 ——————————————

إسرائيل اليوم 22/3/2026

تدويل غزة: المسيرة الهادئة التي تجري بينما العيون على ايران

بقلم: عدي روتم

بينما يتجه الانتباه العام في إسرائيل في هذه الأيام الى المواجهة مع ايران وحزب الله، تجري في غزة مسيرة استراتيجية عميقة – تكاد تكون من تحت الرادار. فاذا ما تحققت بالفعل النوايا لارسال قوات أولية للمشاركة في القوة الدولية للقطاع قريبا، بمن فيهم جنود من دول مثل اندونيسيا، فستكون هذه لحظة تأسيسية: هكذا بالضبط تبدو مسيرة تدويل نزاع.

تبدو الفكرة ظاهرا منطقية. قوة دولية يفترض أن تفرض الاستقرار في المجال وتساعد في الإدارة المدنية. لكن من ناحية استراتيجية من شأن المعنى أن يكون مختلفا: تقليص كبير لحرية العمل الإسرائيلية في القطاع.

على مدى سنين تمتعت إسرائيل في الضفة بتفوق عملياتي حرج: حرية عمل شبه كاملة للجيش الإسرائيلي والشباك في المجال. هذا هو احد العوامل المركزية في مفهوم الامن الإسرائيلي التي سمحت لإسرائيل بان تحبط الإرهاب بشكل متواصل. اما ادخال قوة دولية الى غزة فسيخلق واقعا مختلفا تماما: مجال مليء بلاعبين دوليين، حساسية سياسية عالية وقيود متزايدة على قدرة إسرائيل على العمل بشكل مستقل.

“سلطة فلسطينية خفيفة”

 الى جانب هذا تجري مسيرة أخرى: عودة السلطة الفلسطينية الى غزة، حتى وان كان تحت أسماء مغسولة. على مدى اشهر طويلة شددت إسرائيل على أنها لن تسمح بعودة السلطة الفلسطينية الى القطاع. اما عمليا فيلوح الان نموذج “خفيف للسلطة”: أجهزة مدنية وإدارية ترتبط بالسلطة وتعمل عبر اطر دولية رسمية. غير أنه بخلاف النموذج القائم في الضفة، هنا لا تحصل إسرائيل على الربح المركزي – حرية عمل أمنية كاملة.

من ناحية حماس، هذا التطور هو الاخر ليس بالضرورة تهديدا استراتيجيا. فطالما أبقت في ايديها الاحتكار الفاعل على استخدام العنف في القطاع، أي القوة العسكرية والقدرة على فرض النظام على الأرض، أجهزة مدنية بديلة يمكنها أن توجد الى جانبها دون أن تهدد قوتها حقا. بكلمات أخرى: طالما كانت حماس تستولي على ما وصفه ماكس بابر كــ “احتكار العنف” فلا يشغل بالها على نحو خاص وجود لاعبين مدنيين جدد. تعاون تكتيكي مع قوة الاستقرار الدولية كفيل حتى بان يخدمه: آخرون يتحملون العبء المدني بينما تحافظ حماس على مراكز القوة الحقيقية. يحظى هذا الموقف أيضا بسند إقليمي من دول مثل قطر والسعودية.

 حماس تبني نفسها من جديد

والى ذلك فان حماس لا تقف جامدة أيضا. فالمنظمة تستغل جيدا الانخفاض في مستوى الاهتمام الدولي بالساحة فتعيد بناء قبضة مدنية وتعيد تكليف قدراتها العسكرية مع واقع قتال حرب عصابات متواصل.

من تجربتي، فانه دائما تقريبا تأتي لحظة تغلق فيها نافذة الفرص لتصميم الواقع – وعندها يبدأ الواقع في أن يصممه الاخرون. هذه بالضبط اللحظة التي يقترب فيها الواقع في غزة.

في مثل كل ساحة، هنا أيضا يجب للخطوة العسكرية أن تنتهي بخطوة سياسية تعرف “اليوم التالي”. ولما كانت هذه المرحلة تأجلت او بقيت غامضة، فان الساحة تمتلىء بسرعة بلاعبين آخرين.

غزة ليست حالة منعزلة. هي جزء من التغيير الواسع الجاري اليوم في الشرق الأوسط – تغيير سيتصمم أيضا في نهاية المعركة ضد ايران وحزب الله. السؤال ليس فقط من ينتصر في الحرب بل من سيكون هو من يصمم الواقع بعدها.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article