المسار : بدأت الصواريخ الإيرانية، ونسبيا التي يطلقها حزب الله، تتجاوز في بعض الأحيان الدفاعات الإسرائيلية والأمريكية، ومردّ هذا إلى أسباب متعددة، منها ضرب الرادارات الأمريكية في المنطقة، وبدء معرفة الإيرانيين بعمل أنظمة الدفاع الجوي التي ينقلها البنتاغون من مناطق أخرى في العالم إلى الشرق الأوسط بسبب النقص في المخزون.
ولا تكشف إسرائيل عن مناطق سقوط الصواريخ والأهداف التي ضربتها إلا في حالات استثنائية عندما لا تستطيع الرقابة العسكرية السيطرة على جميع الأخبار. غير أن الضربة القوية التي استهدفت منطقتي عراد وديمونا نهاية الأسبوع الماضي، دقت ناقوس الخطر، لأنها استهدفت منطقة حساسة للغاية والأكثر حراسة في إسرائيل بمختلف أنظمة الدفاع الجوي وخاصة من “نظام ثاد”.
وفي حوار طويل مع الموقع الرقمي المتخصص في الأخبار العسكرية “وار زون”، يقول دافيد شانك، كولونيل متقاعد عمل مسؤولا عن أنظمة الباتريوت في أوروبا والأردن والبحرين، وهو أستاذ لتدريس أنظمة الدفاع في مدرسة فورت سيل في أوكلاهوما، “درست لسنوات الصواريخ الباليستية والمجنحة التي تمتلكها منها إيران وهي بالآلاف. ولا يوجد نظام دفاع جوي يعمل 100%”.
وحول ضرب منطقة ديمونا، يؤكد شانك أنه يجب بحث هذا الحادث من كل الجوانب بما فيها هل كان نظام ثاد يعمل بالكامل أو فيه خلل. وكشف كيف أن البنتاغون بدأ بنقل أنظمة دفاع جوي من مناطق مثل جنوب شرق آسياإلى الشرق الأوسط، وذلك في إشارة إلى تراجع المخزون.
وعموما، يرتبط النجاح النسبي لبعض الصواريخ الإيرانية في اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية بثلاثة عوامل رئيسية وهي:
في المقام الأول، نجاح إيران في تدمير عدد من قواعد الرادارات الأمريكية في الشرق الأوسط، وخاصة الرادار AN/TPY-2 في عدد من دول الشرق الأوسط وأساسا في الأردن، حيث إن هذا النوع من الرادارات يعمل بتنسيق مع نظام ثاد الأمريكي ونظام آرو الإسرائيلي. إذ أن ضرب هذه الرادارات يجعل فعالية هذه الأنظمة تتراجع، ويتم تعويضها بالرادار على متن السفن الأمريكية وطائرات الرصد التي تطير على مدار الساعة، لكنها تبقى أقل من فعالية الرادار الثابت الأرضي.
في المقام الثاني، أنظمة الدفاع التي تعتمدها إسرائيل لم تخضع لتحديث يتماشى والصواريخ الإيرانية، لأن الموساد والاستخبارات العسكرية في الكيان لم تحصلا على المعلومات الكافية حول التطور الحقيقي للصواريخ الإيرانية في الثلاث سنوات الأخيرة، ولاسيما العنقودية التي تشكل مفاجأة حقيقية. إذ أن بعض الصواريخ تحتوي على رؤوس حربية قابلة للمناورة ويمكنها تعديل مسارها أثناء الهبوط. علاوة على أن إيران تستعمل الطائرات المسيّرة لتوفير معلومات في الوقت الحقيقي للصواريخ. وهذا ينطبق على بعض صواريخ حزب الله خاصة الذي ضرب محطة رادارات في إسرائيل الأسبوع الماضي.
في المقام الثالث، تحصل إيران على دعم روسي وصيني يساعدها في التصويب بما في ذلك استعمالها لنظام “بايدو” حول التموقع الجغرافي والملاحة، حسبما كشف عنه المدير الأسبق للمخابرات الخارجية الفرنسية آلان جوييه منذ أسبوعين. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تحدث عن دور روسي في مساعدة إيران. في الوقت نفسه، تستمر إيران في نهج “إستراتيجية الإغراق” والتي تعني إرسال عدد كبير من الصواريخ والمسيرات لإرهاق أنظمة الدفاع الجوي ذات الطبقات المتعددة، باستعمال نسبة أعلى من الصواريخ الاعتراضية وهذا يهدد المخزون منها.
هذا هو التحول الذي طرأ على الصواريخ الإيرانية التي انتقلت من مستوى دقة متوسط إلى مستوى أعلى، وهذا ما يفسر لماذا تنجح في ضرب بعض الأهداف ولماذا قلصت من نسبة الصواريخ لأن نسبة إصابة الأهداف أصبحت أعلى بأقل عدد من الصواريخ.
ومن خلال هذه الإستراتيجية تسعى إيران إلى محاولة تحقيق نوع من التوازن ولو في حده الأدنى مع تفوق سلاح الجو الأمريكي والإسرائيلي. وتشدد الولايات المتحدة وإسرائيل على ضرورة إخضاع صناعة الصواريخ الإيرانية للمراقبة وتحديد مداها في ألف كلم فقط.

