أ.د. يوناتان مندل|رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون في النقب
“الاستعارات قد تقتل”—بهذه العبارة افتتح جورج لايكوف، أستاذ اللسانيات في جامعة بيركلي، محاضرته في يناير 1991، في ذروة حرب الخليج الأولى، التي سُمّيت آنذاك “عاصفة الصحراء”. كان لايكوف قد رسّخ مكانته بوصفه أحد أبرز منظّري اللسانيات الإدراكية، وجاءت محاضرته بعد نحو عقد على صدور كتابه المشترك مع مارك جونسون Metaphors We Live By—”الاستعارات التي نحيا بها”.
في صلب مشروعهما الفكري تقف فكرة بدت راديكالية: الاستعارة ليست مجرد زينة لغوية أو أداة بلاغية، بل بنية تُشكّل طريقة تفكيرنا وفهمنا للعالم. ما يسمّيانه “الاستعارات الكبرى” أو البنيوية يمتلك القدرة على تبسيط عوالم معقّدة إلى صور يسهل استيعابها. وقد كرّس لايكوف محاضرته، “الاستعارة والحرب”، لتحليل حرب الخليج الأولى من هذا المنظور.
أظهر كيف استخدمت إدارة جورج بوش الأب الاستعارة كأداة فعّالة لتهيئة الرأي العام للحرب. فبحسب لايكوف، ومن أجل تبرير الحرب وإضفاء طابع الإلحاح عليها—وكذلك لإغلاق الباب أمام الحلول الدبلوماسية—كان لا بد من استعارة كبرى تتكئ على حكاية مألوفة، أقرب إلى أسطورة شعبية، أطلق عليها “حكاية الحرب العادلة”. ولكي تنجح هذه الاستعارة، أوضح، ينبغي أن تضم ثلاثة عناصر: شريرًا، وضحية، وبطلًا. وقد ظهرت هذه الأدوار بوضوح في الخطاب الأمريكي: العراق وصدام حسين في موقع الشرير، الكويت—التي احتُلّت—في موقع الضحية، والولايات المتحدة في موقع البطل.
لم يكن لايكوف يدعو إلى نبذ الاستعارة، لكنه شدّد على ضرورة اليقظة إزاء ما تنطوي عليه من تلاعب، خاصة في السياسة والعلاقات الدولية. لذلك دعا إلى تفكيك الاستعارات التي تُقدَّم لنا كعدسة نرى من خلالها قضايا الحياة والموت والمصالح والحروب. أولًا: ابحثوا عن الاستعارة التي تُصاغ بها الرواية. ثانيًا: اسألوا ماذا تُخفي؟ ما الذي لا تقوله؟ وثالثًا: هل هناك استعارات أقل تدميرًا يمكن أن تحلّ محلها؟ وختم محاضرته بتحذير واضح: من أجل واقعنا، علينا أن ننتبه لآليات التفكير الاستعاري التي تستخدمها الدول باستمرار، لأن الاستعارات، حين تُدعَم بالقنابل، قد تقتل.
يصعب اليوم ألّا نستعيد تلك المحاضرة، بعد قرابة أربعة عقود، ونحن منخرطون في حرب أخرى في الخليج. حربٌ يُقال إنها اندلعت لأن “الحيوان المفترس الجريح لا يكف عن محاولة التعافي”، على حد تعبير رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وبدأت بـ”قطع رأس الأفعى”، كما قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، و”تهشيم رأس الأخطبوط الإيراني، والعمل على بتر أذرعه”، كما صرّح وزير الدفاع إسرائيل كاتس.
صيغت هذه الحرب منذ يومها الأول بوصفها حربًا لا مفرّ منها، حرب ضرورة لا يمكن تجنّبها. حتى دونالد ترامب قال: “لو لم نهاجمهم، لهاجمونا أولًا”—وفي الوقت نفسه، وبينما كانت المفاوضات الدبلوماسية قائمة، كان يدفع بقوات عسكرية ضخمة إلى المنطقة. هكذا، دفعت هذه الضربة الموصوفة بالاضطرارية المنطقة بأكملها إلى حرب مفتوحة عصيّة على التنبؤ بمآلاتها. وقد خلّفت حتى الآن عشرات القتلى والدمار والصدمة في إسرائيل؛ ونحو ألف قتيل مدني وأضرارًا جسيمة في البنى التحتية في إيران؛ وتصعيدًا في التوتر بين إيران وجيرانها العرب، شمل استهداف حقول النفط والغاز ومنشآت تحلية المياه، وتعطيل مضيق هرمز، وزعزعة غير مسبوقة لاستقرار المنطقة. لقد أفضت الحرب إلى واحد من أكثر الأوضاع قابلية للانفجار في تاريخ المنطقة، ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، تسببت في “أكبر اضطراب في تاريخ إمدادات النفط العالمية”.
ومن حيث الخطاب الإسرائيلي والأمريكي—وبما ينسجم مع أطروحة لايكوف—تتوزّع هذه الحرب على ثلاثة أدوار واضحة: شرير (نظام آيات الله في إيران)، وضحية (الشعب الإيراني)، وبطل (إسرائيل والولايات المتحدة). وقد حظي الشرير، في العبرية والإنجليزية، بسلسلة من الصور البلاغية: “رأس الأفعى”، “رأس الأخطبوط”، “سرطان”، “طائفة موت”، وفي الوقت نفسه قُدِّم كعدو يسهل القضاء عليه، إذ إنه—وهنا استعارة أخرى—ليس سوى “نمر من ورق”.
أما الضحية، أي الشعب الإيراني، فتم تصويره بعبارات مفعمة بالرمزية: “أحفاد كورش العظيم”، بحسب بنيامين نتنياهو، الذي أدرج الإيرانيين ضمن أفق الرؤية الصهيونية قائلاً: “إذا أردتم، فإيران حرّة ليست أسطورة”. ومن جهته، ضمّ دونالد ترامب الشعب الإيراني إلى خطابه الجمهوري، حين صاغ الشعار MIGA—”اجعلوا إيران عظيمة مجددًا”—على غرار MAGA. حتى غيلا غمليئيل انجرفت إلى خطاب “التحرير”، فنزعت حجابها—وحجاب سارة نتنياهو—مجازيًا في فيديو بالذكاء الاصطناعي نشرته تضامنًا مع النساء الإيرانيات.
أما أبطال الحكاية فهم، بطبيعة الحال، الإسرائيليون والأمريكيون: في العبرية يُشبَّهون بالأسد—”شعب كالأسد” (يونيو 2025)، و”زئير الأسد” (فبراير 2026)—وفي الإنجليزية يُصوَّرون كأبطال مندفعين في نوبة غضب: “مطرقة منتصف الليل” (يونيو 2025)، و”غضب هائل” (فبراير 2026).
لكن في حربٍ تحمل هذا القدر من احتمالات الدمار—وخاصة في ظل حكومة نتنياهو الحالية وإدارة ترامب—لا يجوز التعامل مع هذه السردية كما لو كانت حقيقة مكتملة. السؤال الأهم: هل الشعب الإيراني وحده بحاجة إلى “خلاص”؟ أم أننا نحن أيضًا أسرى استعارات يصوغها قادة في إسرائيل والولايات المتحدة؟ هل الواقع فعلًا بهذه البساطة التي يُراد لنا أن نصدّقها؟ وهل لم يكن هناك أي خيار سوى الحرب؟ وهل حقًا سيأتي “سوبرمان” إسرائيلي–أمريكي ليحرّر “الأميرة” الإيرانية الأسيرة، ويعيد الشاه رضا بهلوي إلى طهران، لتُختتم القصة بنهاية سعيدة؟ أم لعلّ الأجدر التوقف لحظة، والتساؤل عمّا إذا كانت ضربة كهذه—تقودها إسرائيل والولايات المتحدة وبدعم من الشاه، وهم جميعًا أطراف غير مرغوب فيها داخل إيران—لن تؤدي إلى تحفيز الشارع الإيراني، بل إلى خنقه؟
هذه الأسئلة ضرورية عندما تكون الاستعارات نفسها جزءًا من تبرير الحرب. فالحرب الجارية، التي تشمل استهداف منشآت مدنية في إيران، بما فيها محطات تحلية المياه، قد تُفضي إلى نتائج معاكسة تمامًا لما يُراد لها: لن تدفع الإيرانيين إلى “الركوع” كما يُقال، بل قد تدفعهم إلى مزيد من التماسك.
للإيرانيين ذاكرة مثقلة بتجارب التدخل الخارجي—منها عملية “أجاكس” التي نفّذتها وكالة الاستخبارات المركزية عام 1953 لإسقاط حكومة محمد مصدّق—ولا يبدو واضحًا كيف يمكن لتدخل جديد أن يقرّبهم من الغرب. هل حقًا ينتظر 92 مليون إيراني “التحرير”؟ وهل أُخذ في الحسبان أن جزءًا غير قليل منهم، بعد نحو نصف قرن من حكم آيات الله، قد يدعمون النظام؟ في هذه الحالة، قد تنزلق الحرب نحو سيناريو حرب أهلية وفوضى تُفاقم اضطراب المنطقة.
في الحكاية التي تُروى لنا شقوق واضحة. حتى من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تصدر تحذيرات، كما قال داني سيتْرِينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في شعبة الاستخبارات العسكرية، تعليقًا على اغتيال علي خامنئي: “كان لدى إيران رجل واحد يمنعها من امتلاك سلاح نووي—وقد قمنا بتصفيته”.
ويبقى السؤال الأوسع: في ما يتعلق بمجمل التهديدات الأمنية لإسرائيل—إيران، حزب الله، الحوثيون، حماس—هل الحرب هي السبيل الوحيد لإزالتها، أم أنها في الواقع تزيدها قوة؟ وماذا عن استعارة “جزّ العشب” الإسرائيلية—أليس واضحًا أن كل عملية تصفية تخلّف من يأتي بعدها، وغالبًا من هو أصغر سنًا وأكثر توقًا للانتقام؟

