هندسة تجويع ممنهجة بغزة..الاحتلال يخنق إمدادات الغذاء

المسار : أكد مسؤولون وجهات اقتصادية في قطاع غزة أن الاحتلال يمارس سياسة هندسة تجويع ممنهجة، عبر التحكم الكامل في تدفق السلع وعدم الالتزام بالبرتوكول الإنساني الذي ينص على إدخال 600 شاحنة يومياً.

وأشاروا في ندوة اقتصادية ، إلى أن ما يدخل فعلياً لا يتجاوز 50% في أفضل الأحوال، قبل أن يتراجع مع بداية مارس الماضي بنسبة 39%، ما فاقم أزمة الغذاء والدواء في القطاع.

واتهمت الجهات الاقتصادية في غزة تصريحات المبعوث الأممي السابق نيكولاي مالدينوف بشأن دخول مئات الشاحنات إلى القطاع بأنها شرعنة لعملية التجويع.

وأكدت أن الوقائع الميدانية تناقض هذه الأرقام بشكل واضح، وأن ما يُعلن لا يعكس حقيقة الكارثة الإنسانية المتفاقمة.

أرقام تكشف الكارثة

وكيل وزارة الاقتصاد حسن أبو ريالة، أكد أن الاحتلال يتحكم بشكل كامل في تدفق البضائع والمساعدات، مشيراً إلى أن الكميات التي تدخل لا تتجاوز في أفضل الأحوال 50% مما كانت عليه قبل الحرب، في ظل حصار مطبق.

وبيّن أن القطاع يحتاج يومياً إلى 450 طن من الدقيق، بينما تراجع ما يتم توفيره من برنامج الغذاء العالمي من 350 طن قبل عام 2020 إلى نحو 200 طن بعد 2026.

وأوضح أن هذا التراجع تسبب بعجز يومي يصل إلى 150 طناً من الخبز، في مؤشر صارخ على سياسة التجويع.

وأشار أبو ريالة إلى أن الاحتياجات الشهرية للقطاع تبلغ 330 طناً من السكر و2500 طن من الزيوت والسمنة.

وقفزت احتياجات المجمدات من 430 طناً قبل الحرب إلى أكثر من 5 آلاف طن حالياً، في ظل انهيار الإنتاج المحلي.

وأشار أبو ريالة إلى أن الاحتلال يعتمد 15 تاجراً فقط، 11 منهم خارج القطاع، وكان يُسمح لكل تاجر بإدخال 20 شاحنة قبل الحرب، لكن بعد الحرب لم يدخل أكثر من 4 شاحنات لكل تاجر.

انهيار الإمدادات

وتُظهر البيانات الرسمية تراجعاً حاداً في أعداد الشاحنات الداخلة إلى القطاع، حيث انخفضت خلال مارس 2026 بنسبة تصل إلى 41% مقارنة بفبراير، بمتوسط يومي يتراوح بين 130 و135 شاحنة فقط، مقابل 230 شاحنة سابقاً.

ولا تمثل هذه الأعداد سوى 22.5% من الحد الأدنى المتفق عليه، والبالغ 600 شاحنة يومياً، فيما لم تتجاوز كميات الوقود 17.1% من الاحتياج الفعلي، في وقت تراجعت فيه المساعدات لدى بعض المؤسسات الدولية بنسبة تصل إلى 80%.

وأكد أن أقصى ما تم إدخاله لا يتجاوز 50% من هذا الرقم، أي نحو 300 شاحنة يومياً في أفضل الحالات، وهو ما يكرس سياسة الحصار والتجويع.

وكشف أبو ريالة أن 30 مخبزاً فقط يعمل في القطاع، بإنتاج يومي يبلغ 133 ألف ربطة خبز، منها 48 ألف ربطة توزع مجاناً و85 ألفاً تباع بسعر مدعوم.

وبين أن هذه الكميات لا تغطي سوى 200 طن يومياً، بعد أن كانت تصل إلى 450 طناً قبل 2026.

وحذر أبو ريالة من خطر توقف دعم المخابز من قبل برنامج الغذاء العالمي، معتبراً أن ذلك سيعزز بشكل مباشر برنامج هندسة التجويع ويهدد بانفجار إنساني غير مسبوق.

اختلال اقتصادي حاد

من جهته، أكد رئيس اللجنة الوطنية لضبط الأسعار حماد الرقب، أن الاحتلال أحدث اختلالاً هائلاً في الميزان التجاري، عبر التحكم بمصادر التوريد وحصرها في شركات محددة، بعضها خارج القطاع.

وأوضح أن تدفق المنتجات الزراعية تراجع من 60 شاحنة يومياً إلى 3 فقط قبل الحرب الأخيرة، ثم توقف بالكامل.

وأشار إلى أن الاحتلال دمر 81 ألف دونم من أصل 85 ألفاً من الأراضي الزراعية، ولم يتبق سوى 4 آلاف دونم فقط.

ولفت الرقب إلى أن تدمير الأراضي الزراعية، أدى إلى انهيار الإنتاج المحلي الذي لم يعد يغطي سوى 10% من الاحتياجات.

وأضاف أن هذا الواقع أدى إلى تراجع الإنتاج المحلي إلى أقل من 10% من احتياجات السوق، في ظل منع إدخال البذور والأسمدة.

وسلّط الرقب الضوء على ظاهرة الابتزاز المالي، عبر فرض رسوم تنسيقات مرتفعة، تصل إلى 7 آلاف دولار للشاحنة الواحدة، و200 ألف دولار لشاحنات الأدوية، وهي مبالغ تفوق قيمة البضائع نفسها، وتُحمّل في النهاية على المواطن.

وتفاقمت الأزمة مع القيود المفروضة على إدخال النقد منذ أكتوبر 2023، وتدمير البنية المصرفية، ما أدى إلى صعوبة الوصول للأموال، ودفع السكان للاعتماد على الدفع الإلكتروني الذي ارتفع استخدامه من 10% إلى نحو 90%.

في مواجهة الأزمة، أعلنت الجهات المختصة عن اعتقال نحو 350 تاجراً خلال عامين بسبب مخالفات تتعلق بالأسعار، مع التهديد باتخاذ إجراءات أشد، مقابل إشادة بآخرين ساهموا في التخفيف من المعاناة.

تحذيرات من الانفجار

وأجمعت الجهات الاقتصادية أن ما يجري في غزة ليس أزمة عابرة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إذلال المجتمع الفلسطيني وكسره، محذرة من أن استمرار هذه الظروف، مع الصمت الدولي، ينذر بكارثة إنسانية أعمق.

ودعت إلى زيادة الضغط السياسي والإنساني على الاحتلال، ووقف هندسة التجويع، والعمل على دعم المبادرات المحلية لتعزيز الصمود في مواجهة الحصار المتصاعد.

Share This Article