المسار: تترقب الأوساط السياسية في “تل أبيب” التصويت على القراءة الأولى لحل كنيست الاحتلال لعام 2026، يوم الاثنين القادم، في ظل مشهد انتخابي متفجر ومفتوح على كل الاحتمالات.
وتعكس استطلاعات الرأي الصادرة نهاية مايو/أيار 2026 خريطة سياسية بالغة التعقيد؛ حيث يتداخل الإخفاق الأمني في المواجهة الأخيرة مع إيران، والمعارك التشريعية الداخلية حول تجنيد “الحريديم”، لتعيد رسم تحالفات معسكري الائتلاف والمعارضة، وتضع “إسرائيل” أمام معضلة شلل سياسي ممتد.
أولى المفاجآت الصادمة كانت التراجع الحاد لتحالف الوسط “معاً”، المتمثل في الاندماج الذي جرى بين نفتالي بينيت ويائير لابيد.
ووفقاً للاستطلاع الذي نشرته صحيفة “معاريف” العبرية (29 مايو/أيار 2026) للمحرر السياسي موشيه كوهين، فإن هذا الحزب الموحد يخسر مقاعده بشكل متسارع محققا 22 مقعدًا فقط، بانخفاض قدره 6 مقاعد عن ذروته.
وجاء في التقرير: “قبل الاندماج، بلغ عدد المقاعد التي حصدتها القوائم المنفصلة بقيادة بينيت ولابيد 31 مقعدًا مجتمعة، لذا فإن التراجع حادّ للغاية – 9 مقاعد – مقارنة بقوتها منفردة”.
هذا النزيف الرقمي أكده أيضاً المحلل السياسي عميت سيغال عبر استطلاع “القناة 12” العبرية (28 مايو/أيار)، مانحاً تحالف “معاً” 22 مقعدًا في المرتبة الثانية، متخلفاً بمقعد واحد عن حزب الليكود (23 مقعدًا)، مما يثبت أن خطوة الاندماج كانت متسرعة وأدت لبعثرة الأصوات وإحباط القواعد الانتخابية.
في مقابل انكسار موجة بينيت-لابيد، يبرز رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق “غادي آيزنكوت” كالمستفيد الأكبر؛ حيث يواصل حزبه “يشار!” قفزاته الصاروخية.
وأظهر استطلاع “معاريف” العبرية أن آيزنكوت نجح في إضافة مقعدين جديدين لتصل قائمته إلى 17 مقعدًا، محققا زيادة إجمالية بلغت 5 مقاعد منذ تأسيس تحالف “معاً”.
ولم تقتصر قوة آيزنكوت على حصاد المقاعد، بل امتدت لتنافس نتنياهو على القيادة؛ إذ أظهر استطلاع “القناة 12” أن آيزنكوت هو الشخصية المفضلة داخل معسكر المعارضة؛ فعند تخيير ناخبي المعارضة بينه وبين بينيت، اكتسح آيزنكوت النتيجة بنسبة 45% مقابل 36% لبينيت، وهو ما يعكس نزوع الشارع الإسرائيلي في أوقات الأزمات الوجودية نحو “العباءة العسكرية” بحثاً عن الأمن.
في المقابل، جاء استطلاع صحيفة “إسرائيل هيوم” العبرية اليمينية المحافظة، والذي نشرته المراسلة السياسية شيريت أفيتان كوهين في 28 مايو/أيار، ليكشف عن تصدعات عميقة داخل القواعد الصلبة لمعسكر اليمين.
الاستطلاع حمل دلالة رقمية لافتة بنجاح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في تجاوز عتبة الحسم لأول مرة محققا 4 مقاعد، وهو ما وصفته كوهين بقولها: “طوال فترة الحرب، كان من الصعب للغاية فهم كيف سيتجاوز سموتريتش العتبة الانتخابية.. ليس هذا معجزة، بل تغيير حقيقي في التوجهات.. وربما كان الأمر الأكثر فعالية هو الخطوة العملية الأخيرة للحزب بغياب أعضائه عن التصويت على قانون الرعاية النهارية للحريديم، بينما يدفع بن غفير حالياً ثمنًا باهظًا بتراجعه إلى 8 مقاعد”.
وتكمن الدلالة الإستراتيجية هنا في رصد حالة “العزوف الانتخابي” لدى ناخبي اليمين الغاضبين الذين فضلوا البقاء في منازلهم بدلاً من التصويت للمعارضة.
كما سلط التقرير الضوء على “شبح” العميد احتياط عوفر وينتر الذي يثير قلق أقطاب الائتلاف، حيث تشير الدراسات المعمقة إلى أن دخوله المرتقب للحياة السياسية كبديل أمني وديني سيلحق ضرراً بالغاً بأحزاب اليمين كافة، مما يهدد ببعثرة أصوات الائتلاف أسفل نسبة الحجب.
وتمثل القائمة العربية المشتركة بأعضائها الأربعة: القائمة العربية الموحدة، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحركة العربية للتغيير، التجمع الوطني الديمقراطي، المعضلة الأكبر لكتلة التغيير المناهضة لنتنياهو.
وفي تحليل استقصائي للصحفي محمد مجادلة في “القناة 12″ العبرية، كشف عن كواليس الاتفاق الفني التاريخي في سخنين لتجاوز الخلافات الجوهرية حول مسألة الانضمام لحكومة مستقبلية.
وأوضح مجادلة أن هذا الاندماج الفني، رغم أنه قد يرفع نسبة إقبال الناخبين العرب إلى أكثر من 65% ويمنح القائمة ما بين 15 إلى 16 مقعدًا، فإنه يمثل “كابوسا” سياسياً لكتلة التغيير الصهيونية؛ لأن الزيادة في المقاعد العربية تأتي مباشرة على حساب وعاء يسار الوسط، مما يحرم أحزاب الوسط الصهيوني من الوصول إلى حاجز الـ 61 مقعدًا دون الحاجة لشراكة عربية ترفضها أحزاب ليبرمان وبينيت، وهو ما قد يترك إسرائيل في مأزق الدوران في حلقات مفرغة تعزز بقاء نتنياهو رئيسا لحكومة تصريف أعمال.
وفي استطلاع نوعي أجرته “القناة 13” وبثته المراسلة السياسية ليئور كينان (أواخر مايو/أيار 2026)، ظهرت أرقام صادمة تضرب الرواية الرسمية الحكومية في مقتل؛ حيث اعتبر 27% فقط من الجمهور الإسرائيلي أن إسرائيل والولايات المتحدة قد انتصرتا في الحرب، في حين جزم 40% بأن إيران هي التي خرجت منتصرة، بينما تراجع تقييم أداء نتنياهو في إدارة الحرب إلى متوسط (4.97 من 10)، مدفوعاً بانهيار ثقة ناخبي المعارضة به (3.13).
وعكس استطلاع صحيفة “معاريف” انقسام الشارع ذاته؛ إذ أفاد 35% من المستطلعة آراؤهم بأن الوضع الأمني لإسرائيل تدهور بعد الحرب، مما جرد نتنياهو من ورقته الرابحة تاريخياً وحوله إلى رئيس وزراء “عاجز”.
ولم تتوقف الانتقادات الأمنية عند حدود الجمهور بل تجاوزتها إلى نخب معسكره السابق؛ ففي مقابلة إذاعية أجرتها محطة “103 إف إم” العبرية مع عضو الكنيست عن حزب “يشار” متان كاهانا (الضابط السابق بقوات النخبة)، شن هجوماً عنيفاً على أداء الحكومة قائلًا: “لقد خصخص بنيامين نتنياهو وحكومته أمن دولة إسرائيل وسلموه للأمريكيين. لا نستطيع تحريك ساكن في الشمال أو في غزة دون إذن… حماس تزداد قوة تحت أنظارنا”.
وعلى الجانب الآخر من معسكر اليمين، بدأت التحركات الجدية لترتيب مرحلة “ما بعد نتنياهو” عبر محاولات لتأسيس أحزاب يمينية ليبرالية لا تدور في فلك الحريديم.
وفي تقرير للكاتب اليميني ماتي توخفيلد في صحيفة “معاريف” العبرية، كشف عن حراك يقوده الوزير والسفير السابق جلعاد أردان لتشكيل قوة سياسية جديدة بالتحالف مع شخصيات مثل حيلي تروبر أو يوعاز هيندل.
وفي مقابلة مع أردان عبر إذاعة “103 إف إم”، عبر عن طموحاته السياسية الجريئة ورؤيته لانسداد الأفق الإسرائيلي قائلاً: “في المستقبل، وبعد انتهاء عهد نتنياهو، أرى نفسي رئيسا للوزراء… الهدف هو تشكيل قوة سياسية تقول كفى. لن ننضم إلى حكومة ضيقة تعتمد على قطاع أو هيئة متطرفة.”
وتثبت هذه التحركات الحزبية أن الخوف من “الفيتو المتبادل” بين القطاعات المتطرفة يهدد بشلل كامل للنظام السياسي الإسرائيلي، ويجعل من القراءة الأولى لحل الكنيست مجرد بداية لزلزال سياسي طويل الأمد قد لا ينتهي بصناديق الاقتراع.
كما تثبت استطلاعات الرأي المنشورة في نهاية مايو/أيار 2026 أن إسرائيل مقبلة على حالة “استعصاء سياسي مركّب”، حيث تعجز كتلة نتنياهو عن حسم الأغلبية المطلقة (61 مقعدًا) بسبب تداعيات الفشل الأمني في الحرب مع إيران وأزمة تجنيد الحريديم.
في حين تظل كتلة المعارضة مكبلة بعجزها البنيوي عن تشكيل حكومة دون الاعتماد على أصوات القائمة العربية المشتركة، وهو الأمر الذي يمثل خطاً أحمر ليمين الوسط الصهيوني؛ مما ينذر بدخول الدولة العبرية في دوامة ممتدة من عدم الاستقرار السياسي.

