المسار: أكد تقرير نشره المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن “العنف الجنسي” ضد الفلسطينيين في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، يمثل “سياسة دولة فعليّة”، ويُستخدم كأداة للإخضاع والتدمير، وقدم توثيقا لحالات اغتصاب واعتداءات طالت المناطق الحساسة للمعتقلين، وخلفت تشوهات وإصابات جسدية دائمة.
وتطرق المرصد الحقوقي، في التقرير الذي حمل عنوان “إبادة جماعية أخرى خلف الجدران” إلى الأنماط الواسعة من العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، استخدمت ضد معتقلي قطاع غزة بوصفها أداة تدمير تستهدف كسر الإرادة الفردية والجماعية وإحداث ضرر جسدي ونفسي بالغ، شملت الاعتداء الجنسي المباشر والاعتداء بالأدوات والتعذيب الموجه للأعضاء التناسلية، إلى جانب مظاهر استعراضية منظمة مثل التصوير والحضور الجماعي لعناصر القوة أثناء ارتكاب الاعتداء، بما يعزز قرائن الطابع المؤسسي والمنهجي لهذه الجرائم.
مهمة توثيق صعبة
وقال المرصد إن هذه الانتهاكات تتداخل مع سياسات احتجاز تفضي إلى أذى جسدي ونفسي جسيم وطويل الأمد، بما في ذلك إصابات تخلف عجزًا دائمًا وتداعيات تمس الوظائف الإنجابية لدى بعض الضحايا.
واستند التقرير إلى شهادات حية ومباشرة أدلى بها معتقلون فلسطينيون من قطاع غزة أفرجت عنهم القوات الإسرائيلية خلال الأشهر والأسابيع الماضية، أفادوا خلالها بتعرضهم لأشكال مختلفة من العنف الجنسي على نحو ممنهج.
وقال خالد أحمد، الباحث في المرصد الأورومتوسطي، إن الوصول لحالات العنف الجنسي وتوثيق الشهادات في هذا الإطار كانت مهمّة “شبه مستحيلة”، وأضاف: “كنا نعلم أن هناك عشرات الحالات من الاغتصاب والاعتداء الجنسي، ولكن في مجتمع محافظ، من الصعب جدًا أن يخرج أحد ويقول إنه تعرض للاغتصاب”، مشيرا إلى أنه رغم الصعوبات، تمكننا من الوصول إلى بعض الحالات، لكن معظمها كانت من الذكور لأن سياق الاعتداء الجنسي على المرأة في المجتمع الفلسطيني له وقع أكبر وأكثر تعقيدًا، خاصة وأنه من الصعب جدًا أن تقول المرأة إنها تعرضت للاعتداء.
وبحسب التقرير، تعمد منظومة التعذيب الإسرائيلية إلى توسيع دائرة الأذى عبر استراتيجية “الحرب النفسية”، التي تقوم على استغلال المكانة العالية لقيم “الكرامة” و”الخصوصية” في الوعي الجمعي الفلسطيني، وتحويلها من قيم حامية إلى أدوات ضغط على المعتقلين.
شهادات مؤلمة
وفي إحدى الشهادات التي وثقها فريق المرصد الأورومتوسطي الميداني، قال “وجدي” (43 عامًا) الذي أمضى عامًا كاملًا داخل الاعتقال، إنه تعرض للاغتصاب المباشر والمتكرر من جنود وكلب خلال التحقيق معه، وجاء في إفادته: “خلال التحقيق، قيدوني عاريًا على سرير حديدي، وسألني أحد الجنود كم إسرائيلية اغتصبت داخل إسرائيل؟ فنفيت أنني دخلت إسرائيل. بعدها قام جندي باغتصابي، شعرت بألم شديد في فتحة الشرج، وكنت أصرخ، وكلما أصرخ أتعرض للضرب. استمر ذلك عدة دقائق، وكان الجنود يصورون ويسخرون مني، وتركني الجندي بعد أن أنزل سائله المنوي داخلي”.، وأضاف: “كنت في وضع مهين، تمنيت الموت، وكان هناك نزيف لدي، ثم في وقت لاحق فكوا قيودي وأحضروا كلبًا، حيث قام باغتصابي أيضًا. وخلال اليوم نفسه تعرضت للاغتصاب مرتين على الأقل بعد أن تم ربطي على السرير، وقام أحد الجنود بوضع عضوه الذكري داخل فمي، ثم تبول عليّ، وتكرر الاغتصاب بعد يومين من ثلاثة جنود، وكنت في وضع صحي ونفسي سيئ جدًا”.
بحسب الشهادات التي وثقها “الأورومتوسطي”، فقد تعرّض الرجال والفتيان لأنماط بالغة القسوة من التنكيل الجنسي استهدفت تحطيم كرامتهم وسلامتهم الجسدية، شملت الاغتصاب باستخدام أدوات صلبة، مثل القضبان المعدنية والعصي الخشبية وفوهات مطافئ الحريق، ما تسبب في تمزقات شرجية ومعوية حادة وخطيرة، فضلاً عن إخضاع المعتقلين للصعق الكهربائي واعتداء مباشر على الخصيتين بالأيدي أو بالأحذية العسكرية، ما أسفر في حالات موثقة عن إصابات جسدية دائمة، بما في ذلك فقدان دائم للوظائف التناسلية أو الإخراجية، أو الاستئصال للخصيتين، وانتهى في بعض الحالات بالوفاة تحت التعذيب.
وفي إحدى الشهادات التي وثقها فريق “الأورومتوسطي”، قال “أ. ج” (48 عامًا) الذي اعتقل من قطاع غزة وبقي محتجزًا لأكثر من عام: “خلال التحقيق معي، تعرضت للضرب، بما في ذلك على خصيتي، وعندما أجبت عن أسئلة وجهوها إلي بلا أعرف، ضغط المحقق على خصيتي بقوة، وحاول إدخال جسم في فتحة عضوي الذكري، شعرت بألم هائل. في إحدى المرات عندما جرى الضغط على خصيتي أغمي عليّ، وعندما أفقت وجدت نفسي في المستشفى مقيدًا، وعلمت لاحقًا أنه جرى استئصال خصيتي، ما تركني في حالة نفسية سيئة”.
النساء والفتيات
وأوضح التقرير، أن النساء والفتيات الفلسطينيات من قطاع غزة، اتخذ العنف الجنسي ضدّهن منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 منحى منهجيًا ومؤسسيًّا؛ ويشمل هذا النمط الممنهج التعرية القسرية العلنية، والتحرش الجسدي، والتهديد بالاغتصاب كأداة للضغط النفسي وانتزاع الاعترافات، وصولاً إلى وقوع حالات اغتصاب فعلي ومتكرر تحت تهديد السلاح.
ومع اتساع حجم الانتهاكات، بيّن التقرير أن منظومة العدالة الإسرائيلية لم تنشئ مسارًا فعليًا للمحاسبة أصلًا، بل جرى توظيفها تاريخيًا، بصورة منهجية، لترسيخ الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، وأكد المرصد “الأورومتوسطي” أنه لا يمكن فصل جرائم التعذيب والعنف الجنسي المنهجية المرتكبة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين عن الغطاء القانوني والمؤسسي الذي توفره منظومة العدالة الإسرائيلية.
وقال المرصد إنه، استنادًا إلى الوقائع والشهادات الموثقة، وتحليلها في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الجنائي، يثبُت أن ممارسات العنف الجنسي والتعذيب التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين لا تقع في دائرة الحوادث العرضية أو السلوكيات الفردية المنعزلة، بل تشكل منظومة متكاملة من الانتهاكات والجرائم الدولية الأشد خطورة، والتي تجتمع فيها الأركان المادية والمعنوية لتوصيفات جرمية متعددة بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف الأربع وغيرها من الصكوك الدولية ذات الصلة.

