بقلم: نمرود الوني
المسار: مؤخراً ازداد استخدام مصطلح “النازيين اليهود” لوصف اليهودي الذين ينفذون مذابح دموية ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية. هؤلاء يستخدمون في تحديهم الأخلاقي التعبير الذي صاغه البروفيسور يشعياهو لايفوفيتش، الذي يشير إلى الديناميكية الحتمية التي ستنشأ نتيجة استمرار نظام الاحتلال الإسرائيلي: ديناميكية الإرهاب المستمر ضد الفلسطينيين، ونمو النزعة القومية في أوساط اليهود الإسرائيليين، إلى درجة الوحشية الأخلاقية ونشوء عقلية نازية يهودية تقوم على التفوق العرقي والتطهير العرقي الدموي. ومع انتقادات لايفوفيتش المتمردة، والتدهور الأخلاقي وتزايد مذابح اليهود ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة، فقد أصبح ضرورياً تطبيق مبدأ العدالة والمساءلة.
كي نأخذ مصطلح “العقلية النازية” على محمل الجد، لا بد من مراعاة نوع ما من الشر البشري، الذي له خصائص فريدة ومحددة، إضافة إلى قوة هذا الشر وشدة انتشاره والأرقام القياسية التي وصل إليها هذا الشر. على سبيل المثال، هناك حركات نازية جديدة مختلفة في العالم، ولكن لا يتم الحكم عليها بالضرورة بالعقلية النازية أو السلوك النازي.
وثمة من يترددون في إصدار هذا الحكم الصارم ضد حركات عنصرية مثل جماعة الكو كلوكس كلان التي نشطت في الولايات المتحدة في القرن الماضي، أو نظام ميانمار الذي نفذ تطهيراً عرقياً دموياً بحق الروهينغا، أو احتلال “داعش” الدموي في الشرق الأوسط، أو الهوتو الذين نفذوا إبادة جماعية ضد التوتسي في رواندا في تسعينيات القرن الماضي. ولا يخفى على أحد بأن سياسيين وإعلاميين إسرائيليين استخدموا في مناسبات كثيرة مصطلح “النازي” للإشارة إلى مقاومة الفلسطينيين والتنظيمات الإرهابية، وأيضاً قادة النظام الأصولي في إيران.
من جهة، لا يستحق أي عدوان حربي ينطوي على فظائع جماعية، أو أي عمل إرهاب عنصري، أن يوصف بالنازية. ومن جهة أخرى، يستخدم مصطلح “النازي” أيضاً للإشارة إلى فظائع جماعية لا تشمل معسكرات الإبادة أو خطط الحل النهائي. لذلك، سنحاول هنا مع الحذر المطلوب، وضع معايير يمكن من خلالها إصدار حكم معقول ومشروع، وربما صحيح، بشأن استخدام مصطلح “النازي” بشكل عام و”النازي اليهودي” بشكل خاص.
من المعايير الواضحة المتعلقة بنوع الشر المرتبط بالعقلية النازية، وجود نظرية عنصرية منهجية ترسخ نظاماً هرمياً للجودة البشرية بين المجتمعات. وحسب هذا التسلسل الهرمي العنصري، تنسب الجماعة العرقية أو الدينية المعنية لنفسها التفوق الجوهري، الذي وفقاً له تطلب امتيازات خاصة بها، بما في ذلك الحق في استعباد وقمع وإقصاء وسجن، بل وحتى قتل أو إبادة، كل من ينظر إليهم ليس فقط بأنهم أدنى منها، بل أيضاً كأعداء يهددون تحقيق المصير المقدس لها.
تشمل سمات هذا السلوك في الواقع، أولاً وقبل أي شيء، تصنيف سكان العدو، بما في ذلك النساء والشيوخ والأطفال، بأنهم ليسوا أبرياء، وأن المسؤولية الأخلاقية لا تسري عليهم. بسبب ذلك، يسمح بأي ضرر يلحق بهم: الإحراق المتعمد، الإعدام خارج القانون، السرقة، تدمير المباني السكنية ومصدر الرزق، التطهير العرقي، الاستعباد، قتل المعارضين، بل وحتى القتل الجماعي لغير المعارضين، بهدف اجتثاث نسلهم من العالم.
على خلفية هذه المعايير، هل من المشروع أو من المناسب إطلاق اسم “اليهود النازيين” على الذين يصرخون بشعار التفوق اليهودي والذين يطالبون بإبادة الفلسطينيين في غزة على اعتبار أنهم من نسل العماليق، وسكان المستوطنات الذين ينفذون مذابح دموية ضد سكان القرى الفلسطينية في الضفة الغربية؟ هل يرى المنتقدون ظل الجبل كجبل، ويسارعون إلى توجيه أشد الإدانات الممكنة للعنصرية الإرهابية الناتجة عن صراع وطني محلي؟
ربما الأهم في هذه القضية هو تجنب الإجابة الثنائية القاطعة – نعم، عقلية نازية/ لا ليست عقلية نازية، والتركيز بدلاً من ذلك على مظاهر تقترب من العقلية النازية، من حيث أنواع الشر وشدته، التي يجب اعتبارها جرس خطر، وأن نقف في وجهها بشكل حازم بالقانون والأفعال.
في ضوء التجربة الإنسانية في القرون الأخيرة، فإن الرفض الكلي للعقلية النازية وما يشبهها من ظواهر هو مسؤولية كل مواطن في واقعنا العالمي اليوم، فضلاً عن كل يهودي، الذي يشمل تاريخه مذابح دموية لاسامية، وأقبح مظاهر الشر في السلوك النازي.
——————————————

