/إسرائيل اليوم 21/4/2026
معهد إسرائيلي: بين المطرقة الفارسية والسندان اللبناني.. لا حل إلا باحتلال الأرض والسيطرة الإقليمية
بقلم: د. يوسي مانشروف
المفاوضات المباشرة والتاريخية التي بدأت أمس بين إسرائيل ولبنان لا تجري في فراغ، بل في ظل استراتيجية إيرانية واسعة النطاق تسعى إلى فرض “معادلة حاسمة” على إسرائيل – حرب استنزاف متعددة الجبهات تهدف إلى تقويض حرية إسرائيل في العمل وحماية مصالح طهران الأساسية. وللفوز في هذه الحملة، يجب على إسرائيل أن تتبنى نهجاً واقعياً يحطم وهم السيادة اللبنانية وتستبدل به سيطرتها الإقليمية الراسخة.
الواقع في بيروت واضح للجميع: فرغم جهودها لإعادة بناء نفسها، لا تزال الدولة اللبنانية كياناً أجوف. فحكومة بيروت أضعف من أن تنفذ قراراتها، والجيش اللبناني يفتقر إلى القدرة، بل وأحيانًا إلى الإرادة، لتنفيذ قرارات الحكومة بشأن نزع سلاح المنظمة. لذا، فإن أي اتفاق سياسي يُوقع مع لبنان، دون ضمانات مادية على أرض الواقع، لا قيمة له. لا يمكن لإسرائيل أن تُسلّم أمن سكانها لها، فهم في قبضة سيادة زائفة لا تسيطر على أراضيها.
في ظل هذا الفراغ الحكومي، الذي لا تزال فيه إيران وحزب الله مسيطرين على لبنان، يتعين على إسرائيل التحول من استراتيجية الدفاع النشط إلى خلق واقع جديد في لبنان. ومفتاح ذلك في إقامة منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني. لقد أصبح التهديد بنشر أسلحة مضادة للدبابات مباشرة أداة حزب الله الاستراتيجية الرئيسية لزعزعة استقرار الحياة في الشمال. ويتطلب تحييد هذا التهديد سيطرة إسرائيلية فعلية على المنطقة، وتطهير القرى القريبة من الحدود من أي بنية تحتية عسكرية، والسيطرة على المرتفعات التي تُهيمن جغرافياً على مستوطنات الجليل.
ينبغي لإسرائيل أن توضح في المفاوضات أن الجيش الإسرائيلي سيحتفظ بالمناطق الاستراتيجية جنوب الليطاني ويسيطر عليها إلى أجل غير مسمى. هذا الوجود لا يُعدّ “منطقة أمنية” سلبية، بل ضمانة أمنية وورقة ضغط استراتيجية. على الصعيد العملياتي، يجب على إسرائيل الاستعداد لسيناريو تصبح فيه قواتها المتمركزة في المنطقة العازلة هدفًا دائمًا لهجمات المقاتلين. وهذا الاستعداد يتطلب تجاوز مفهوم “الدفاع الهجومي”: استخدام أنظمة دفاعية تكنولوجية، وتحصينات ذكية، وقدرة عالية على الحركة، إلى جانب استخدام نيران فورية وقاتلة ضد أي وحدة تحاول الاقتراب من خط التماس.
لن يكون الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة العازلة مشروطًا بجداول زمنية، بل بنتيجة واحدة فقط: نزع سلاح حزب الله بالكامل. وبذلك، تصبح المنطقة العازلة أداة الضغط الحقيقية الوحيدة على حزب الله وداعميه في طهران، الذين سيرون كيف تؤدي مغامراتهم إلى خسارة لبنان لموارده الإقليمية.
في الوقت نفسه، لا يكفي تطهير المنطقة حتى الليطاني. على إسرائيل العمل على تدمير طرق التهريب من إيران وسوريا بشكل منهجي، مع التأكيد على أن أي محاولة من حزب الله لمهاجمة قوات الجيش الإسرائيلي المتبقية في جنوب لبنان ستُقابل بضربات إسرائيلية حازمة تستهدف البنية التحتية الاستراتيجية للحزب في عمق البلاد.
ويجب على إسرائيل أيضاً أن ترفض ضغوط إدارة ترامب لوقف إطلاق نار سريع في لبنان، كجزء من محاولة أمريكية لتمهيد الطريق أمام اتفاق شامل مع إيران. يجب على إسرائيل رفض أي إملاءات تربط الحملة الشمالية باتفاق مع طهران. ويجب أن نوضح لأصدقائنا في واشنطن أن وقف القتال قبل الأوان، والذي سيترك حزب الله في موقف حرج، سيُمثل نصرًا استراتيجيًا لمحور الشر، وسيمهد الطريق لجولة أكثر عنفًا وفتكًا.
فضلاً عن ذلك، فإن إنهاء الحرب دون ضمان الفتح الدائم لمضيق هرمز ودون إزالة جميع احتياطيات اليورانيوم المخصب الإيرانية، قد يُؤدي إلى انقسامات داخل قيادة الحكومة. في طهران، هناك شعور زائف بالنصر، سيُغطي على الثمن الباهظ وغير المسبوق الذي دفعه النظام. إن منع هذا الشعور بالإنجاز يتطلب الالتزام بشروط صارمة، وهو مصلحة أمريكية واضحة لا تقل أهمية عن المصلحة الإسرائيلية. لا يمكن استخدام أمن المواطنين الإسرائيليين كورقة ضغط في صفقة شاملة مع طهران.
على الصعيد الاستراتيجي الأوسع، يجب على إسرائيل رفض المعادلة الإيرانية التي تحاول ربط مصير لبنان بحرب ضد إيران. بل عليها العمل على قطع الصلة بين الساحتين من خلال إظهار قوة تردع طهران عن التدخل المباشر. تُعد المفاوضات المباشرة أداة تكتيكية مهمة لكشف الوجه الحقيقي لحزب الله باعتباره مستعبد لبنان، ولكن يجب ألا تتحول إلى فخ “الصمت مقابل رفض التهديد”.
ختامًا، في عصر لا تزال فيه السيادة اللبنانية مجرد وهم، يجب أن تكون إسرائيل هي صاحبة السيادة الأمنية في الأراضي التي تهدد تجمعاتها. لن يضمن تغيير موازين القوى ضد إيران وحزب الله، وعودة السكان إلى ديارهم بأمان على المدى الطويل، سوى مزيج من الضغط السياسي الذي يكشف ضعف بيروت، إلى جانب ثبات لا هوادة فيه على خط الدفاع المضاد للدبابات، وموقف حازم ضد الإملاءات الخارجية. الأرض هي الضمانة الوحيدة في شرق أوسط فقدت فيه الكلمات معناها.
——————————————
N12/ معهدMind Israel 21/4/2026
خبيران إسرائيليان: وقف إطلاق النار في لبنان خطوة صحيحة وإن فُرضت علينا
بقلم: عاموس يدلين وأودي أفنتال
فرض ترامب وقف إطلاق النار في لبنان على إسرائيل، موضحًا أنه “لن يُسمح لها بمواصلة مهاجمة لبنان”. وسارعت إيران إلى الإعلان، عقب وقف إطلاق النار في لبنان، عن فتح مضيق هرمز، بهدف واضح هو ربط القضايا وتحقيق تقدم في المفاوضات مع الولايات المتحدة، ثم تراجعت عن قرارها بسبب ما وصفته بـ”استمرار الحصار”. إن هذا الإملاء على إسرائيل – حتى وإن جاء بعد نحو أسبوع واصلت خلاله إسرائيل استخدام القوة المفرطة في لبنان عقب وقف إطلاق النار ضد إيران – أمر مثير للقلق للغاية، إذ فقدت الحكومة الإسرائيلية فعليًا استقلاليتها في اتخاذ القرار. مع ذلك، يُعد وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات مع الحكومة اللبنانية خطوةً صحيحةً من الناحية الاستراتيجية، من وجهة نظر إسرائيل.
في المفاوضات التي يجريها ترامب مع إيران، طالب بوقف إطلاق النار في لبنان لإنقاذ حزب الله من الوضع الصعب الذي يجد نفسه فيه. ومع ذلك، فإن الضغط الإيراني ومساعي طهران “للسيطرة” على وقف إطلاق النار قد فاقمت التوتر ودفعت إسرائيل ولبنان إلى خطوة تاريخية تتمثل في مفاوضات مباشرة، وهو ما يتعارض مع المصالح الإيرانية.
في ضوء تصميم إسرائيل، وخاصة الحكومة اللبنانية، على عدم السماح لإيران بنسب الفضل لنفسها، بدأ البلدان محادثات مباشرة بينهما هذا الأسبوع في وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن برعاية أمريكية. وقد أثار هذا الأمر استياءً وغضباً لدى حزب الله، الذي حاول، دون جدوى، إفشال الاجتماع بالتهديدات. لم تُعقد المكالمة الهاتفية التمهيدية، التي كانت مقررة بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء نتنياهو، على ما يبدو بسبب مخاوف الرئيس، ولكن تم استدعاء الزعيمين إلى اجتماع في البيت الأبيض قريباً، وسيكون وصول الرئيس عون إلى واشنطن اختباراً لمدى جديته.
إن وقف إطلاق النار في لبنان والمحادثات السياسية بين البلدين، إذا أُديرت بشكل صحيح، ربما يُعززان أهداف إسرائيل الاستراتيجية ويمنعان تحركات عسكرية عميقة وطويلة الأمد، مكلفة وغير ضرورية. ويصدق هذا بشكل خاص بعد أن وجّه الجيش الإسرائيلي ضربة قوية لحزب الله وحقق معظم أهدافه العسكرية التي وضعها لنفسه في هذه الجولة. وقد أوضح الجيش أن نزع سلاح حزب الله لم يكن من بين تلك الأهداف، بل هدف يُراد تحقيقه على المدى البعيد.
يُحقق نص شروط وقف إطلاق النار، المتفق عليها بين إسرائيل ولبنان، لإسرائيل عدة مكاسب:
* الجيش الإسرائيلي لا يُلزم بانسحاب فوري من لبنان، رغم اعتراف إسرائيل بوحدة أراضيه. وقد صرّح رئيس الوزراء بأن القوات ستبقى على “خط الدفاع المضاد للدبابات” على بُعد عشرة كيلومترات من الحدود (وليس حتى نهر الليطاني، الذي يبعد في معظمه حوالي 30 كيلومترًا عن الحدود، كما يُصرّح وزير الدفاع غالبًا). وهذا يُعزز الأمن لسكان الحدود الشمالية، بما في ذلك حمايتهم من أي توغل محتمل لقوات “الرضوان” التابعة لحزب الله داخل أراضينا.
* لقد حُدد وقف إطلاق النار لعشرة أيام، وتحتفظ إسرائيل بحق الدفاع عن النفس، بأي وسيلة ضرورية، لصدّ أي هجوم أو عمل عدائي من الأراضي اللبنانية، بما في ذلك استباق الهجوم، وهو ما تلتزم الحكومة اللبنانية بالفعل بمنعه. وتتعهد إسرائيل، من جانبها، بعدم اتخاذ أي إجراءات عسكرية هجومية ضد أهداف “الدولة”، مدنية كانت أم عسكرية، على الأراضي اللبنانية.
* يتضمن الإعلان اعترافاً متجدداً وهاماً من الحكومة اللبنانية بالضرر الذي تُلحقه الجماعات المسلحة غير الحكومية (بما في ذلك حزب الله، دون تسميته صراحةً) بسيادتها واستقرار المنطقة، والتي يجب الحد من أنشطتها وإحباطها. كما تُجدد الحكومة اللبنانية التزامها بممارسة سيادتها على كامل أراضي لبنان، والسعي نحو واقع تكون فيه الأسلحة في البلاد حكراً على الأجهزة الأمنية الرسمية.
* يتعهد البلدان بالدخول في مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية للتوصل إلى اتفاق شامل يُفضي إلى الأمن والاستقرار والسلام المستدام بينهما. وتُعد هذه خطوة جريئة ورائدة من جانب الحكومة اللبنانية، تتناقض تماماً مع القانون الساري في البلاد منذ عقود، والذي يحظر أي اتصال مباشر مع إسرائيل.
هذه ظروف مواتية لإسرائيل لمواصلة تعزيز مصالحها الاستراتيجية تجاه لبنان. وفيما يلي الخطوات والمطالب التي ينبغي تبنيها الآن:
* أولاً، التوصل إلى تفاهمات مع إدارة ترامب وتوضيح أن عملية نزع سلاح حزب الله في لبنان تُتيح فرصة نادرة لإضعاف إيران في المنطقة وترسيخ استقرارها. ويتطلب تحقيق هذه الفرصة مشاركة أمريكية مستمرة وعميقة، ضرورية لضمان أمن القيادة اللبنانية في مواجهة تهديدات حزب الله وإيران، وحشد دول المنطقة لدعم الحكومة في بيروت.
* ربط وقف إطلاق النار الحالي بوقف إطلاق النار السابق، الذي بدأ في تشرين الثاني 2024، والذي منح إسرائيل حرية هجومية واسعة في لبنان ضد جهود حزب الله لإعادة الإعمار. ويُوفر التمييز في الاتفاق الحالي بين أهداف “الدولة” وغيرها من الأهداف أساساً قانونياً لذلك.
* في ظل عدم قدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله فعلياً، وخوفها من صراع داخلي قد يصل إلى حد الحرب الأهلية، فمن المناسب التحرك ضده تدريجياً. هذا، بطريقة تحافظ على التزامها المعلن بهدف نزع سلاح حزب الله، وعلى المستوى العام، على التغيير الجذري في نهج لبنان تجاه حزب الله، بعد أن جرّ البلاد مرتين إلى حرب لم تكن ترغب بها ودفع ثمناً باهظاً.
* السعي نحو عملية دولية واسعة النطاق، برعاية أمريكية، من خلال إنشاء “مجموعة دول” متخصصة، لتعزيز الحكومة والجيش اللبنانيين، بهدف حشد دول الخليج من حيث التمويل وإعادة الإعمار، لبناء قدرتها على الوقوف في وجه حزب الله، وفرض السيادة تدريجياً واحتكار الأسلحة في جميع أنحاء البلاد.
في هذا الإطار، ستضع “المجموعة” “خارطة طريق”: لنزع سلاح حزب الله تدريجيًا، مع إنشاء آليات لمراقبة العملية ميدانيًا؛ ولإغلاق حدود لبنان أمام تهريب الأسلحة لحزب الله من إيران؛ ولقطع طرق تحويل الأموال إلى الحزب، مع الإضرار بنظامه المصرفي ومكاتب الصرافة. كل ذلك بهدف قطع الصلة بين إيران ولبنان في جميع المجالات.
– المطالبة بأن تنفذ الحكومة اللبنانية قرارها الصادر قبل بضعة أشهر، وتطرد من أراضيها عناصر الحرس الثوري الإيراني الذين يساعدون حزب الله (من داخل السفارة الإيرانية في بيروت، والتي يجب إغلاقها) على استعادة قدراته العسكرية وشن حملته ضد إسرائيل.
– تسوية النزاعات الحدودية البسيطة نسبيًا مع لبنان، كما هو منصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار. هذا من شأنه أن يحرم حزب الله من أي ذريعة للاستمرار في امتلاك الأسلحة، ظاهريًا “للدفاع عن لبنان”. لن تُنفذ الترتيبات المتفق عليها إلا مع تقدم عملية نزع سلاح حزب الله.
– في الخطة ينبغي أن يكون الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية مشروطاً بالتفكيك الفعلي لقدرات حزب الله جنوب الليطاني، وبالسيطرة الكاملة والفعّالة للجيش اللبناني في المنطقة. ومن الصواب أن توضح إسرائيل أنها لا تملك أي مطامع إقليمية في لبنان، ولا مصلحة لها في البقاء على أراضيها لفترة أطول من اللازم، بما يُظهرها كقوة احتلال ويُعطي حزب الله ذريعة للاحتفاظ بالأسلحة.
خلاصة القول، إن وقف إطلاق النار في لبنان خطوة صحيحة لإسرائيل في هذا الوقت، لم تتوصل إليها الحكومة، للأسف، إلا تحت ضغط. على الحكومة الإسرائيلية أن تعرض الوضع في لبنان على حقيقته للشعب، وأن تكف عن تضليل الشعب وتقديم وعود عسكرية غير قابلة للتحقيق على المدى القريب، مع إلقاء اللوم على الجيش وتجنب أي تحركات سياسية من شأنها ترجمة الإنجازات العسكرية إلى اتفاقيات تُحسّن الواقع الأمني.
والأهم، وبشكل عاجل، يجب على الحكومة الإسرائيلية أن تستيقظ وتُخصّص ميزانيات ضخمة للمستوطنات الواقعة على خط المواجهة في الحدود الشمالية وفي الجليل عمومًا لتحسين الحماية، وإنعاش الأعمال التجارية، وإصلاح الأضرار، نظرًا للمعاناة الشديدة التي تكبّدها السكان على مدى العامين الماضيين.
——————————————
هآرتس 21/4/2026
تهديدات ترامب وخلافات إيران الداخلية: بماذا تنبئ زيارة الرئيس الأرجنتيني هذه المرة؟
بقلم: عاموس هرئيل
ترسل الولايات المتحدة من جديد وفداً رفيع المستوى إلى باكستان، قبل استئناف المحادثات المتوقعة مع إيران حول الوقف الدائم لإطلاق النار في حرب الخليج. ويتوقع أن يترأس الوفد نائب الرئيس، جي دي فانس. وعلى مدار اليوم، واصلت إيران إرسال رسائل متضاربة حول إرسال وفدها الخاص إلى المحادثات في إسلام آباد. ويبدو أن صراعات داخلية في السلطة تدور رحاها في طهران بشأن استمرار المحادثات.
غداً سينتهي الإنذار الذي وجهه ترامب للإيرانيين مع إمكانية تمديده. وصرح ترامب لـ “نيويورك بوست” أمس بأنه يهتم بالالتقاء مع كبار المسؤولين الإيرانيين إذا نجحت المفاوضات. وقال: “من المفروض أن نجري المحادثات، لذلك أعتقد أنه لا مجال للمماطلة في هذه المرحلة. لا مانع لدي في الالتقاء معهم إذا رغبوا في ذلك”. عندما سئل الرئيس عن عواقب فشل المحادثات أجاب: “لن يكون الوضع جيداً”.
وأضاف نتنياهو بأن المحادثات ستفشل، وأن الطرفين سيعودان إلى الحرب. وهذا ما يعتبره النتيجة المفضلة. في مؤتمر صحافي مشترك الثلاثاء مع رئيس الأرجنتين خافيير ميلي أثناء زيارته للبلاد، قال نتنياهو: “الأمر لم ينته بعد، وقد تحمل لنا أي لحظة تطورات جديدة. في كل مرة يزور فيها ميلي إسرائيل فذلك ينبئ بوقوع حدث ما”. وكانت آخر زيارة لرئيس الأرجنتين في إسرائيل في حزيران 2025 قبل الحرب السابقة ضد إيران. وأضاف نتنياهو: “من يعرف ماذا يخبئ لنا غد أو بعد غد؟”.
في إسرائيل يتحدثون عن نزاع داخلي متصاعد بين مختلف المعسكرات في القيادة الإيرانية. ويبدو أن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي ما زال يمارس بعض مهماته بعد إصابته في عملية إسرائيلية اغتالت والده في 28 شباط الماضي، اليوم الذي بدأت فيه الحرب. علاقاته مع أعضاء القيادة الآخرين ضعيفة، ربما بسبب اختفائه، وهذا يؤثر على عملية اتخاذ القرارات.
يبدو أن قيادة الحرس الثوري مترددة في استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، في حين يرغب السياسيون المدنيون في إيران في استمرارها، ولو لتأجيل هجوم أمريكي – إسرائيلي جديد. وقد هدد ترامب بالفعل بأن استئناف الحرب سيلحق دماراً كبيراً بإيران، مشيراً بالتحديد إلى الأضرار المحتملة التي قد تلحق بمحطات الطاقة الرئيسية في أرجاء البلاد كلها.
مجلة “إيكونيميست” البريطانية نشرت أمس، بأن الخلافات داخل الوفد الإيراني كانت حادة جداً في الجولة الأولى للمحادثات، إلى درجة أن الوسطاء في باكستان أمضوا وقتاً متساوياً، في محاولة التوفيق بين الإيرانيين أنفسهم وفي المحادثات مع الأمريكيين. وحسب التقرير، تلاحظ مؤشرات على حالة تأهب عسكري قصوى في إيران، بينما يهتف المتظاهرون المؤيدون للمعسكر الراديكالي في القيادة بشعارات مسيئة ضد القيادة السياسية في طهران في المظاهرات الليلية.
——————————————
هآرتس 21/4/2026
قدرة صمود إيران أعلى من الولايات المتحدة: توازن بين القوة والتهديد
بقلم: تسفي برئيل
“سيحدث هذا، بطريقة ما، سواء سهلة أو صعبة، ولكنه سيحدث”، هكذا حذر ترامب أول أمس، ويقصد فتح مضيق هرمز بالكامل، ولا يقصد وقف اتفاق نووي أو تقييداً لبرنامج الصواريخ أو قطع العلاقات بين إيران وحلفائها. ما هي هذه “الطريقة الصعبة”؟ يحرص هذه المرة على عدم الوعد بـ “تدمير حضارة إيران”، ولا يتحدث (حتى الآن) عن استئناف الحرب وغزو جزيرة خرج، لكنه ما زال يهدد بقصف البنى التحتية من كهرباء وجسور في كل أرجاء إيران.
حتى كتابة هذه السطور، لا يعرف إلا شيء واحد؛ أن ترامب يعتزم إرسال مبعوثيه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ونائبه جي دي فانس إلى إسلام آباد. ولكن ليس هناك ما يضمن وجود النظراء الإيرانيين في الفندق الذين لم يعلنوا رسمياً عن نيتهم الحضور حتى الآن. بالنسبة للقيادة الإيرانية، يعتبر الحصار البحري الأمريكي لإيران واحتجاز سفينة الحاويات الإيرانية التي حاولت عبور المضيق انتهاكاً لوقف إطلاق النار، الذي “سترد عليه إيران قريباً وستنتقم من عملية القرصنة التي نفذها الجيش الأمريكي”، هذا حسب بيان لمكتب التنسيق العسكري الأعلى الإيراني “خاتم الأنبياء”.
ورغم التهديدات المتبادلة، ما زالت واشنطن ترى في القناة الدبلوماسية الطريقة الوحيدة التي من المرجح أن تثمر نتائج، لا سيما أن التحركات العسكرية والقصف الكثيف وإزاحة القيادة الإيرانية “القديمة” لم تحقق التحول المأمول. لم ينهر النظام في إيران، ولم تتغير مواقفه الأساسية بشأن القضايا النووية والصاروخية، ويبدو أن سيطرته على مضيق هرمز قد أعطته ورقة ضغط قوية حولت الصراع من مستوى ثنائي إلى تهديد شامل للاقتصاد العالمي.
مع ذلك، تحتاج طهران أيضاً إلى حل دبلوماسي. فالموقف الحازم والتهديد الإقليمي يعتبران إنجازات مهمة، ولكن في ظل غياب الاتفاق الذي يرفع العقوبات فإنها تعادل مؤقت، في حين يتعين على إيران الآن كسب وقت “بقاء” مؤلم.
لقد فتح قرار ترامب العودة إلى سياسة “الضغط الأقصى” على إيران عبر فرض الحصار البحري على تسويق النفط الإيراني، مسار جديد للمواجهة، قد لا يحدد فيه القرار العسكري نتائجه، بل سيمتحن قدرة كل طرف على الاستيعاب. يفترض الأمريكيون أن توقف تسويق النفط الإيراني بالكامل الذي يمثل 35 – 45 في المئة من المداخيل وامتلاء مواقع تخزين النفط المنتج، ما سيجبر إيران على إغلاق آبار النفط، سيجبر إيران على إعادة النظر في أولوياتها.
مع ذلك، قد يتحول الأمر -من حيث القدرة على الاحتواء- إلى منافسة غير متكافئة تثبت فيها الولايات المتحدة أنها الطرف الأضعف. فقد حولت العقوبات التي عانت منها إيران لسنوات إلى دولة تستطيع التكيف، ونجحت في ترجمة مصطلح “اقتصاد المقاومة” الذي صاغه علي خامنئي، إلى نمط حياة مكنها من البقاء، بل والتطور أيضاً. فقد وسعت إيران صناعتها المحلية ونوعتها وزادت مداخيلها وعززت نظام التعليم والصحة وحافظت على شرعية النظام وكأنه الوحيد القادر على رعاية مواطنيه.
أنشأت الوزارات الحكومية والحرس الثوري ومؤسسات الرفاه شبه الحكومية (البونياد) – التي يقدر نصيبها بـ 20 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي – والشركات الخاصة، وأنشأت شبكات توريد وتسويق مستقلة، متجاوزة بذلك العقوبات الفعلية. وحسب تقارير لشركات كبيرة في بورصة إيران، معظم هذه الشركات ما زالت تحتفظ بمخزونات ضخمة تكفيها لثلاثة أشهر على الأقل. وحتى مع إغلاق الخليج، تستطيع إيران استيراد وتصدير المنتجات غير النفطية إلى روسيا وتركيا وأفغانستان وباكستان براً. وقد توقعت ميزانية الدولة، التي قدمت في نهاية السنة الماضية قبل الحرب، خفضاً حقيقياً يبلغ 45 في المئة، واعتمدت على زيادة كبيرة في إيرادات الضرائب.
يصعب تخيل كيف سيتمكن النظام من تحقيق هذه التوقعات نظراً لخسارة الإيرادات الناتجة عن إغلاق المصانع وانخفاض الانفاق الاستهلاكي، ولكن إيران شهدت أزمات مشابهة من قبل، حيث مولت جزءاً من نفقاتها بواسطة صندوق الطوارئ الذي أودعت فيه فائض أرباح عائدات النفط، وطبعت كمية كبيرة من العملة “الجديدة”، ما ساهم على الأقل في إظهار صورة دولة عاملة.
يمكن القول إن الأزمة الاقتصادية الشديدة التي ضربت البلاد في 2012، خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد، هي التي دفعتها في نهاية المطاف إلى التوقيع على الاتفاق النووي. في ذلك الحين، بلغ التضخم 27 في المئة (مقارنة مع 19 في المئة في العام 2005 و45 في المئة الآن)، وارتفعت نسبة البطالة بشكل حاد، وبلغ إنتاج النفط 1.1 مليون برميل في اليوم (مقارنة مع 1.5 – 1.8 برميل في اليوم)، وخسر الريال 40 في المئة من قيمته، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بـ 2 في المئة تقريباً. مع ذلك، لم تتسرع إيران في التوقيع على الاتفاق النووي. وقد امتدت المفاوضات لسنتين، منذ انتخاب حسن روحاني رئيساً في 2013 وحتى التوقيع على الاتفاق النووي في 2015.
ليس معروفاً حجم الأموال التي توجد في صندوق الطوارئ، الذي ضخ عشرات مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة، ولكن من غير المستبعد احتمالية أن تقرر الصين تقديم المساعدة لإيران وإيداع الأموال مباشرة في بنوك إيرانية أو في حسابات تستخدم لتمويل مشترياتها النفطية. خلافاً للدول الغربية، لا يجد النظام الإيراني صعوبة في تطبيق آلية لخفض النفقات وترشيد الموارد، بما في ذلك إطالة مدة انقطاع الكهرباء وتنظيم، بل وإغلاق، المواقع التي تعتبر مهدرة للطاقة، وفرض رسوم “طارئة” وتقليص خطوط المواصلات العامة أو إلغاؤها وتجميد خدمات أخرى بهدف خفض التكاليف.
يقدر احتياطي النفط الإيراني، في المواقع والناقلات خارج البلاد بنحو 170 مليون برميل، منها عشرات ملايين البراميل خارج الخليج. وحتى الآن، اضطرت دول الخليج تحديداً إلى تقليص إنتاج النفط مع غياب بدائل لنقل النفط –مثل خط الأنابيب الذي يربط شرق السعودية بميناء ينبع، أو خط الأنابيب الذي يربط كركوك في العراق بميناء جيهان في تركيا- كافية لاستيعاب الإنتاج كل.
في سباق على “قدرة الاستيعاب”، تقدر إيران بأن صعوبات ترامب أكبر بكثير. فإلى جانب القضية الاقتصادية، يواجه الرئيس الأمريكي معارضة شعبية وسياسية ستختبر في انتخابات نصف الولاية بعد خمسة أشهر تقريباً، وهو يتعرض لضغط من الكونغرس ومن حزبه، كما أن الرأي العام في أمريكا يعارض استئناف الحرب وبشدة، وحالياً لا يوجد أي تحالف دولي أو عربي مستعد للانضمام إلى الحملة ضد إيران. أما النظام الإيراني فهو في منأى عن كل ذلك، حيث يعزز شرعيته من خلال تصوير الحرب والحصار والضرر الذي لحق باقتصاد البلاد بأنها نضال وطني، ليس دينياً أو ثورياً، بل من أجل بقاء الدولة.
الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في كانون الأول الماضي واجتاحت معظم أرجاء البلاد كانت نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب، وقد قوضت بشكل جذري ليس فقط شرعية النظام، بل أيضاً فكرة الثورة الإسلامية نفسها. الثورة نفسها التي تعهدت في 1979 بتحسين الوضع الاقتصادي للشعب وكل “الشعوب المضطهدة” وتقاسم الموارد مع الشعب والتحرر مما وصف بـ “السيطرة الأجنبية” على اقتصاد إيران وثقافتها وسياستها، وجدت نفسها من جديد في مواجهة، ربما تكون الأخطر، مع الشعب.
محاولة النظام تهدئة الاحتجاجات بالطرق المعتادة، مثل زيادة رواتب موظفي الخدمة المدنية و”تبني” طلبات المحتجين ووصفها بأنها “مبررة” وإظهار الاستعداد الظاهري للحوار معهم، استقبلت بعدم ثقة وبتصاعد في حدة الاحتجاجات. وقد مثلت المذبحة الجماعية، التي قتل فيها تقريباً 5 – 30 ألف شخص، القطيعة النهائية بين الشعب والنظام. لقد تلاشى الحشد الوطني والتضامن العابر للحركات، الذي ميز رد فعل الشعب بعد حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي.
مع ذلك، يبدو أن توقع تجدد الاحتجاجات أمر غير واقعي، ليس فقط بسبب إجراءات القمع الوحشية التي يتبعها النظام وسيطرة قوة الباسيج على الشوارع وغياب قيادة متفق عليها ومخولة بقيادة الاحتجاجات ومن ثم الثورة المضادة.
عندما يهدد ترامب بـ “تدمير الحضارة” فإنه لا ينظر إلى التهديد على أنه موجه للنظام ومؤسساته فقط، بل للحضارة الفارسية والأمة الإيرانية بشكل عام. هو يذكرنا بالطريقة التي نظر فيها الرئيس بوش للحرب في العراق، التي وصفها، حسب وثائق نشرت في السنة الماضية، بأنها “حملة صليبية تشنها الأمة التي اختارها الله ضد الظالمين”. وحتى أشد المعارضين للنظام لا يمكنهم الانضمام لمثل هذه الحرب.
في العام 1951 عقب قرار رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق تأميم النفط في إيران، فرضت بريطانيا وأمريكا عقوبات شديدة على إيران، شملت الحصار البحري الكامل وإخراج كل المهندسين والفنيين الأجانب من البلاد، ما أدى إلى إغلاق منشآت النفط وحظر استيراد وتصدير السلع الأساسية وتجميد الودائع في البنوك البريطانية وقرارات قمعية أخرى، التي بلغت ذروتها في الإطاحة بنظامه في 1953 بواسطة انقلاب دبرته المخابرات البريطانية والأمريكية. مصدق اليساري، الذي لو كان على قيد الحياة أثناء الثورة الإسلامية وكان من شبه المؤكد طرده من البلاد أو إعدامه، كان بالنسبة لعلي خامنئي الدليل الوطني على خداع الغرب وخيانته.
لقد حققت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في رأيها توازناً بين الإرهاب والردع العسكري عندما جعلت دول الخليج هدفاً لهجماتها وأغلقت مضيق هرمز. وهي الآن توازن بين “القدرة على الصمود” وقدرة الولايات المتحدة بشكل عام وترامب بشكل خاص. وحسب رأيها، تكون بهذا قد حققت التوازن بين القوة والتهديد. وربما يرتكز الحل الدبلوماسي الذي سيبنى على نفس المفهوم القائم على التكافؤ في التنازلات، على هذه البنية التحتية التي تمكن النظام من إظهار صورة النصر في مواجهة “الغطرسة الأمريكية”.
——————————————
إسرائيل اليوم 21/4/2026
الخيار الإسرائيلي: إما استئناف القتال أو تفجير المفاوضات وترك النظام الإيراني مشلولاً
بقلم: مئير بن شباط
بقي يوم حتى نهاية وقف النار. وكما الحال في الفصول السابقة من المعركة، يصعب الآن أيضاً تخمين كيف ستنتهي هذه المرحلة. ثلاثة إمكانات وضعت منذ اليوم الأول لوقف النار لا تزال سارية المفعول: الوصول إلى اتفاق، تمديد وقف النار أو استئناف القتال.
التصعيد في الخطاب، وتعزيز القوات وحتى خطوات استخدام القوة في مضيق هرمز، لا تؤشر بالضرورة إلى الاتجاه المتوقع. ورغبة الطرفين الآن تشير إلى تسوية تنهي الحرب، وهذه الخطوات قد تكون جزءاً من الضغوط للتأثير على جودتها، وفي الوقت نفسه تشكيل رواية الثبات والتصميم في الرأي العام.
على أي حال، على إسرائيل أن تستعد لإمكانية استئناف القتال ومسموح لها أن تأمل بذلك، بخاصة بعد المنشورات عن قدرات إطلاق الصواريخ التي تبقت لدى النظام، وبعد وقف النار في لبنان الذي فرض عليها وعزز صلة إيران بهذه الساحة.
إذا ما نفذ ترامب تهديداته، فلن يكون الهجوم بمثابة توسيع لبنك الأهداف، بل سيكون تغييراً يؤثراً على غاية الحرب: الانتقال من ضرب القدرات العسكرية والأهداف السلطوية إلى ضرب قدرة أداء الدولة لوظائفها. وهذه ستتضمن ضرب شبكة الكهرباء القطرية، والبنى التحتية للطاقة، والجسور المركزية ومحاور حركة السير الحرجة، ما سيؤدي إلى شل إيران كمنظومة دولة، لزمن ما على الأقل.
بالنسبة للوضع الداخلي الذي سينشأ في إيران، ينبغي الافتراض أن مثل هذه الخطوة أيضاً ستؤدي فوراً إلى آثار سلبية، مثل توجيه غضب جزء من المواطنين الإيرانيين إلى الولايات المتحدة. لكن في الميزان العام وفي الأيام التالية، سنرى تقليصاً عميقاً في شرعية النظام، وصدوعاً في وحدته، ومصاعب في أدائه. كل هذه ستعطي معارضيه الضوء الأخضر للخروج إلى الشوارع.
ما الأفضل لإسرائيل؟
مقابل هذا السيناريو، فإن تمديد وقف النار سيخدم الجانب الإيراني الذي يشخص حساسية إدارة ترامب لبعد الزمن، ويرى في ذلك رافعة ضغط لتحسين إنجازاته في المفاوضات.
السيناريو الثالث، الوصول إلى اتفاق، يحمل في طياته مخاطر للمدى البعيد. ليس فقط إزاء طبيعة الاتفاقات في مسائل النووي والصواريخ ونظام الرقابة على ذلك، بل أيضاً إزاء تحرير الأموال التي جمدت في إطار العقوبات. التقارير الصحافية التي تتحدث عن أن الولايات المتحدة عرضت إقامة صندوق مساعدة لإيران في إطار المفاوضات بمبلغ 250 مليار دولار، تثير القلق.
هذه خشبة إنقاذ تتوق لها طهران. إذا ما خرج النظام من المفاوضات مع أمل ومقدرات للإعمار، فلن يغير تطلعاته. بالعكس، الحرب الحالية ستعزز لديه الفهم بأنه ملزم بتزويد نفسه بالنووي لضمان وجوده.
من زاوية نظر إسرائيل – إذا ما سارت الأمور بهذا الاتجاه، من الأفضل أن ينتهي الفصل الحالي “بلا اتفاق وبلا حرب”.
وعندها، ستكون الحلول تجاه تحديات النووي والصواريخ ومضيق هرمز، في إطار إنفاذ أحادي الجانب، فيما تكون إيران في موقع ضعف، وسيواجه نظامها التحدي داخلياً أيضاً.
لقد فرض ترامب على إسرائيل وقف النار في لبنان”. البيان الإيراني عن فتح مضيق هرمز عقب وقف النار في لبنان يدل على أهمية الساحة اللبنانية في نظر طهران، ومدى تمسها بهذا الذخر.
إن جهود تغليف وقف النار بمسيرة سياسية لإقامة سلام مع لبنان وإضفاء أهمية تاريخية على ذلك، لم تنجح في تحطيم حاجز الشك في إسرائيل.
بعد عدد كبير من الاتفاقات السياسية التي لم تكبح تعاظم قوة حزب الله والتصريحات الواعدة من الحكم اللبناني التي بقيت بلا غطاء، يصعب اليوم لوم الإسرائيليين الذين لم يعودا يتأثرون بالمحادثات المباشرة مع الحكم اللبناني ولا يثقون به.
مصلحة لبنان
إن هدف الحكم في بيروت هو تحقيق وقف النار وصولاً إلى وقف القتال. صحيح أنهم يريدون رؤية تنظيم حزب الله منزوع السلاح، لكنهم واعون أيضاً للفجوة الهائلة بين الرغبة والقدرة على تحقيق ذلك، حيال جهة عسكرية قوية تمثل الطائفة الأكبر في الدولة.
هذا هو الحكم الذي أخفق حتى في تنفيذ قراره لطرد السفير الإيراني، وتضم حكومته الآن أيضاً وزراء ونواباً من حزب الله.
ومع أنه ليس بوسع التسويات مع هذا الحكم أن تزيل التهديد الأساس تجاه إسرائيل، لكنها قد تكون أوزاناً مربوطة بقدميها.
وهذا ليس فقط في طلب وقف الأعمال الهجومية لإسرائيل في أراضي لبنان، بل أيضاً في طلب تقييد وجودها العسكري في المنطقة أو التعامل عبر آليات دولية قبل هجمات جوية – حتى ضد خطوات تسلح من حزب الله.
إن سلوك الجنرال عون إزاء مبادرة ترامب لإجراء مكالمة هاتفية ثلاثية مع نتنياهو، ربما يشهد على ما هو متوقع لنا معه في سياق الطرق. لقد سبق أن كنا في هذا الفيلم.
13 سنة من مشروع أوسلو كانت تجربة فاشلة وأليمة لنهج “مراعاة ضعف الشريك”. دروس فخ أوسلو ذات صلة وثيقة أيضاً لساحة الأرز.
“في الرابعة عصراً، أعلن الاستقلال اليهودي وأقيمت الدولة. مصيرها في أيدي قوات الأمن”. هكذا كتب دافيد بن غوريون في يومياته بعد بضع ساعات من اللحظة التاريخية.
عشية الاستقلال الــ 78 تلقى أقوال بن غوريون في حينه معنى نبوءة للأجيال.
حتى من يصعب عليه قبول الصيغة التي تلقي بكل آمالنا على قوات الأمن، سيوافق على عمل المنظومة المسؤولة عن أمن الدولة انطلاقاً من هذه الفرضية.
هل سنعيش على حرابنا إلى الأبد؟ لا نعرف. رؤية السلام لا تزال تفعم قلوبنا، مغروسة في قلوبنا، في وعينا وصلواتنا. محظور أن يؤثر تطلعنا إليها كمخدر. لن يأتي السلام الحقيقي إلا بعد أن تهزم قوى الشر وتفقد الأمل.
سياقات وعوامل مختلفة أدت بالفكرة القومية الأساسية المتمثلة بـ “مجتمع مجند” و”جيش الشعب” التي اعتمدت عليها إسرائيل في سنتها الأولى، أخلت مكانها لأفكار أخرى.
سيتعين عليها أن تعزز التعليم الرسمي الوطني، وتعمق وتوسع قبضتها على الأرض، بخاصة في مناطق التماس ومناطق بعيدة عن الحوكمة، وفوق كل ذلك تثبيت وتعميق قيم التكافل والتضامن الاجتماعي.
إسرائيل ما بعد الحرب ملزمة بأن تعود وتتبنى هذه الفكرة التأسيسية انطلاقاً من الاعتراف بأن هناك حاجة للصراع بشكل دائم في سبيل وجود الدولة وفي سبيل استقلالها.
——————————————
هآرتس 21/4/2026
إن لم تنته هذه الحرب سنشهد خلال أسابيع وضعاً معقداً يضع الدولة على مفترق طرق
بقلم: إيهود باراك
يذكرنا يوم ذكرى شهداء حروب إسرائيل وعيد الاستقلال الذي يرافقه بالثمن الباهظ الذي تم دفعه لنيل سيادة شعب إسرائيل على أرضه. وفي المرة الـ 78 تبقى هذه الذكرى مصدر فخر، ومطلوب فيها محاسبة النفس.
يبدو أن أطول حرب في تاريخ إسرائيل تقترب من نهايتها، وإلا فسنجد أنفسنا خلال بضعة أسابيع في وضع أكثر تعقيداً. تقف إسرائيل الآن على مفترق طرق حاسم عقب الحرب. لديها إنجازات وفرص تتيح رؤية سياسية محدثة ومليئة بالأمل، إلى جانب أخطار خارجية وداخلية تحتاج إلى قراءة واقعية للواقع وتفكير استراتيجي وإعادة الصدق والثقة للخطاب السياسي. دون ذلك، لا يمكن بناء مجتمع حديث ناجح.
أظهر الجيش الإسرائيلي على مدى السنتين والنصف الأخيرتين، قدرة استخبارية وعملياتية استثنائية. تكبد الأعداء خسائر كبيرة وتم إضعاف جميعهم. تعتبر إسرائيل أقوى قوة عسكرية في المنطقة، ومع ذلك لم يتحقق أي هدف من أهداف الحرب. فحماس في غزة وحزب الله في لبنان، قائمان ونشطان، والنظام الإيراني ثابت أمام الهجوم الإسرائيلي – الأمريكي، والتهديد النووي وتهديد الصواريخ البالستية ما زالا قائمين، ومشكوك فيه أن تتم إزالتهما في الاتفاق المرتقب.
يعتبر هذا فشلاً استراتيجياً وسياسياً خطيراً إذا نظرنا إلى ميزان القوة. ولأنها حرب غير متكافئة، على إسرائيل والولايات المتحدة الانتصار، بينما الطرف الآخر يكفيه البقاء. وقد يكون العدو اللدود الذي ينجو، أكثر عزماً على السعي للحصول على السلاح النووي والصواريخ البالستية. والأسوأ أن إسرائيل أصبحت خلال الحرب “دولة محمية” للولايات المتحدة، التي تفرض عليها قرارات عملياتية ودبلوماسية حاسمة بأوامر قاسية، بل ومهينة أحياناً.
يكمن جوهر هذا الفشل الاستراتيجي في عدة نقاط ضعف عميقة لدى القيادة الإسرائيلية: أولاً، هناك سيل من الخطابات الجوفاء والأوهام والأكاذيب الصارخة الموجهة للجمهور، مثل: “لقد أزلنا خطر الإبادة الفورية بقنبلة نووية”، و”نصر سيستمر لأجيال!” (استمر هذا الادعاء ثمانية أشهر فقط). أكاذيب تقف وراءها عمليات تلاعب إجرامية بالوعي (مثلما في تسريب الخبر إلى صحيفة “بيلد” الألمانية)، واعتبارات سياسية وشخصية لا صلة بها بأمن الدولة.
ثانياً، هناك تجاهل لحقيقة أنه لا يوجد نصر مطلق في القرن الحادي والعشرين. فأي حرب يجب التخطيط لها مسبقاً على أسس سياسية تضمن ترجمة إنجازاتها إلى نتائج سياسية مستقرة. ولن يتم نزع سلاح حماس إلا بدخول قوة أخرى إلى قطاع غزة، قوة شرعية في نظر العالم والمنطقة. هذه القوة، التي تدعمها مصر والإمارات والسعودية، ستكون بالضرورة تابعة للسلطة الفلسطينية، ولكنها ستكون أقوى من حماس التي تدعمها تركيا وقطر.
ولتفكيك حزب الله، لا بد من احتلال لبنان بالكامل، وهذا أمر غير عملي. لذلك، كان ينبغي مناقشة تسوية سياسية في لبنان (وسوريا) منذ زمن مع الولايات المتحدة وفرنسا ودول المنطقة. أما المواجهة مع إيران فسيتم الاتفاق بشأنها على طاولة المفاوضات دون مشاركتنا، ومن غير المؤكد أننا سنكون راضين عن النتيجة. وحتى دعم ترامب غير مضمون إلى الأبد، والضرر كبير. وقد نرى ثمنه الباهظ عند تعطيل الفيتو الأمريكي التلقائي لصالح إسرائيل في مجلس الأمن الدولي.
تحتاج إسرائيل إلى حكومة لا تعمل كرهينة لعناصر كهانية وعصابة “السلطة والمال والشرف”، أو لمن يدمرون سيادة القانون، بل بروحية الواقعية والاتزان، التي تحلى بها بن غوريون وجابوتنسكي، الجدار الحديدي وإعلان الاستقلال. هذه طريقنا. نحن ديمقراطية دفاعية. لا مجال للمساومة بين من يؤمنون بها ومن يسعون إلى تدميرها. مستقبلنا هو أثينا ليبرالية، قوية وواثقة بمسارها، وليس إسبرطة مسيحانية، فاسدة ومنبوذة. هذه السنة سيكون الأمر بأيدينا، وهذا ما سنُمتحن فيه.
——————————————
هآرتس 21/4/2026
“منعنا محرقة ثانية”.. هكذا يتلاعب نتنياهو بأمن الدولة ووعي الإسرائيليين
بقلم: أسرة التحرير
بعد يومي استقلال أحييناهما تحت الحرب، يأتي يوم الاستقلال الـ 78 في ذروة وقف النار. غير أن الحديث لا يدور عن مبادرة إسرائيلية تعبر عن رغبة في التوقف عن الحرب والمضي بدبلوماسية. فقد فرض وقف النار على إسرائيل – في كل الجبهات – من قبل ترامب الذي صادر عملياً من حكومة إسرائيل ورئيسها خيوط سيادتها.
لشدة المأساة، فالضرر الذي لحق بسيادة إسرائيل أفضل من مواصلة ترك مصيرها في أيدي قيادة عديمة المسؤولية تدفع نحو استمرار الحروب، تندفع إلى ضياعها دون أي رؤية سياسية فيما تعمق الشروخ الاجتماعية السياسية بداخلها وتمضي بتدمير أساسات نظامها الديمقراطي.
لقد تباهى نتنياهو الأسبوع الماضي في أنه منع محرقة ثانية. هذا قول يدل على غرور تاريخي يطغى عليه وعلى تفكره، وهو تلاعب خطير يسعى إلى ضعضعة أمن مواطني إسرائيل وحملهم إلى وعي يشبه وعي شعب بلا دولة يسعى الآخرون لإبادته.
حيثما وجهنا نظرنا سنرى نتائج سياسة نتنياهو وحكومته السائبة. فلم يتبقَ جانب رسمي يمكن لعموم مواطني إسرائيل أن يقفوا عليها، ليحدوا أو ليحتفلوا، لا في المقابر ولا في الاحتفالات الرسمية. رئيس دولة يتعرض لشتائم من رئيس الولايات المتحدة وتهديدات مبطنة كي يخلص رئيس الوزراء من محاكمته، ووزير عدل لا يعترف برئيس المحكمة العليا، ووزراء يدعون إلى عدم تنفيذ قرارات محكمة العدل العليا، ومستشارة قانونية تتعرض لهجمات تحريض سامة، ونواب ووزراء يتصرفون كالبهائم والرعاع، وعائلة رئيس الوزراء وعلى رأسهم نتنياهو نفسه تدير منظومة السم هذه.
إسرائيل-نتنياهو دولة مكسورة، منقسمة ومنبوذة، لكن شيئاً من هذا لا يجعل قيادتها تجري حساباً للنفس. العكس هو الصحيح؛ فهي تتمسك بخطئها، تعاند، ترفع الصوت، تلوح بقبضتها ضد أصدقائها في العالم ومعارضيها في داخل الدولة وتضاعف الرهان على حياة مواطني إسرائيل وعلى مستقبل الدولة.
إسرائيل بحاجة ماسة إلى تغيير جذري، بحاجة إلى قيادة جديدة تفهم بأن لا أمل في الحفاظ على استقلالها وتجسيده بكامله ما دامت تواظب على رفضها العمل على حل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني وتبادر إلى خطوة سياسية تحرر الفلسطينيين من سيطرتها. هي بحاجة لقيادة تبحث عن حل وسط، وتدفع قدماً بالسلام مع أعدائها والسلام في داخلها، تسعى إلى تكون دولة يعيش عموم مواطنيها – يهوداً وعرباً – بأمان في حدود معترف بها وتهجر أحلامها المسيحانية عن دولة شريعة في حدود الوعد. القيادة الجديدة وحدها قد تسمح بمستقبل حقيقي ويوم استقلال سعيد.
——————————————
صخب بلا استراتيجية: حرب ترامب الفاشلة على إيران
ألون بن مئير* 2026/4/6
فشل خطاب ترامب الذي وجهه للأمة في بداية الشهر بشأن الحرب على إيران في إقناع أي شخص خارج قاعدته الشعبية بأن الحرب قد عززت الأمن القومي الأميركي. وكشف عن رئيس يكافح للسيطرة على صراع لم يستطع تحديده بوضوح، راسماً صورة مقلقة من الارتباك. في لحظة، احتفل بـ”إنجاز المهمة”، مدعياً النصر على القدرات العسكرية الإيرانية؛ وفي اللحظة التالية، تعهد بـ”إنهاء المهمة”. ولم تُسهم مزاعمه غير المتماسكة، وأهدافه المتغيرة، ونبرته المُشيدة بنفسه إلا في تعميق الشكوك حول منطق الصراع وغايته. وقد أظهرت تبريراته المتغيرة، ومزاعمه المبالغ فيها وتجاهله للحقائق، ضعفاً لا ثقةً، ما جعل حتى أقرب مستشاريه في حيرة من أمرهم بشأن معنى النصر.
***
رفض تسميته حرباً
رفض ترامب، في تطور غريب، تسمية الصراع الدائر مع إيران “حرباً”، مفضلاً مصطلح “عملية عسكرية”، حتى وهو يقارنه بفيتنام والعراق وأفغانستان. ويعكس هذا التناقض تلاعباً بالخطاب ونسياناً للتاريخ. كان هدفه من هذه المناورات اللغوية التقليل من المساءلة، مع استحضار مكانة القادة العسكريين السابقين. لكنها كشفت بدلاً من ذلك عن تناقضه. كانت محاولةً منه لإعلان النصر من دون الاعتراف بالتكاليف الأخلاقية والاستراتيجية للحرب المفتوحة.
لغز اليورانيوم المخصّب
تطرق ترامب بإيجاز إلى مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مدعياً أن الضربات الأميركية “دمرت” المواقع النووية الإيرانية، ومصرحاً بأن “الأمر سيستغرق شهوراً للوصول إلى غبار اليورانيوم”، في إشارة على ما يبدو إلى اليورانيوم المخصب نفسه -وهو تصريح سخيف بقدر ما هو ملتوٍ بشكل مؤسف. كان هذا التعليق مثالًا على خطاب مليء بالمبالغات والتشويهات، مما زاد من الشكوك حول الأمن النووي.
التباهي باقتصاد متدهور
أشاد ترامب بما أسماه “أعظم اقتصاد في التاريخ”، متجاهلًا البيانات التي تُظهر ارتفاع التضخم وتزايد البطالة طويلة الأجل وتضخم العجز. وبدا خطابه أقرب إلى تجمع انتخابي منه إلى تقرير رصين عن زمن الحرب. ومن خلال ترديد نقاط نقاش عفا عليها الزمن، بدا منفصلاً عن الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الأميركيون. وبدلاً من إظهار الثقة، عزّز خطابه الأجوف الانطباع بأن الرئيس معزول عن الواقع ويائس للحفاظ على وهم الكفاءة.
استقلال الطاقة ومفارقة أسعار الغاز
بإعلانه أن الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً في إنتاج النفط والغاز، تجاهل ترامب حقيقةً مُزعجة: يدفع الأميركيون أكثر من 4 دولارات للغالون، أي بزيادة تقارب 40 في المائة عما كان عليه الوضع قبل الحرب. ومحاولته إلقاء اللوم على “المضاربة العالمية” تجاهلت حقيقة أن أفعاله هي التي زعزعت استقرار الأسواق. ويُبرز التناقض بين ادعائه بالاستقلال والأثر الاقتصادي السلبي لأسعار الوقود انفصاله عن عواقب سياساته، مما يُقوّض الثقة في قيادته الاقتصادية.
سوء فهم دوافع إيران
أساء ترامب في خطابه تفسير هجمات إيران على دول الخليج، مُصوّراً إياها على أنها أعمال عدوانية غير مُبررة بدلاً من كونها ردود فعل استراتيجية. بدا وكأنه غير مُدرك -أو غير راغب في الاعتراف- بأن إيران استهدفت القواعد الأميركية لأنها لا تستطيع ضرب الأراضي الأميركية. وهذا الفشل في استيعاب منطق الردع يُعمي إدارته عن التصعيدات الإقليمية المتوقعة. هذا الإغفال لا يُشير إلى قوة، بل إلى جهل بالديناميات الأساسية التي تُحرك الصراع الذي أشعله بنفسه.
تجاهل دور إسرائيل في الصراع
من اللافت للنظر غياب أي إشارة في تصريحات ترامب إلى دور إسرائيل في تشكيل مسار الحرب. صحيح أن تأثير نتنياهو في حثّ طهران على المواجهة المباشرة موثق جيداً، إلا أن ترامب تجنّب الخوض في هذا الموضوع تماماً. هذا الصمت الانتقائي يوحي بشعوره بالامتنان السياسي وتردده في مواجهة الانتقادات الداخلية. ومن خلال التعتيم على دور إسرائيل في الصراع، شوّه ترامب فهم الرأي العام للمسؤولية، وعزّز فكرة أن الرئاسة تُسيّرها التحالفات الشخصية على حساب المصلحة الوطنية.
التبجّح والمقارنات مع الأسلاف
كعادته، ملأ ترامب خطابه بالتباهي بإنجازات زعم أنها تفوق إنجازات أوباما وبايدن. وصوّر نفسه على أنه الزعيم الوحيد المستعد للتحرك بحزم، لكنه لم يقدم أي دليل على أن نهجه حقق نتائج أفضل. وكشفت المقارنات المبالغ فيها عن انعدام الأمن لا عن القوة. وتحول خطاب ترامب إلى استعراض للذات، وليس للقيادة، مؤكداً وجهة النظر القائلة بأن ساحة معركة ترامب ليست إيران، بل هي التنافس على إثبات الذات.
إلقاء اللوم على الحلفاء الأوروبيين بشأن هرمز
انتقد ترامب الحلفاء الأوروبيين لتقاعسهم عن الانضمام إلى جهوده لإعادة فتح مضيق هرمز. وأصر على أن الولايات المتحدة لم تعد في حاجة إلى نفط الشرق الأوسط، وأن على أوروبا “معالجة مشاكلها بنفسها” زاد هذا الخطاب الأحادي من عزلة شركاء الناتو وعمّق التوترات القائمة عبر المحيط الأطلسي. ولم تقدم رسالته أي جديد لتغيير المسار الكئيب للصراع، مما عزز مخاوفهم من أن واشنطن أكثر التزاماً بالتصعيد من الدبلوماسية. وبدلاً من حشد الوحدة، أكدت تصريحاته عزلة واشنطن وعزّزت التصورات عن قوة عظمى متقلبة وغير موثوق بها.
أسطورة الاحترام الأميركي المتجدد
لا شك أن خطاب ترامب كشف زيف ادعاءاته المتكررة في الماضي بأن “أميركا تحظى باحترام أكبر من أي وقت مضى”. لكن الواقع مختلف تماماً: أصبحت الولايات المتحدة موضع خوف وعدم ثقة متزايدين، ويُنظر إليها على أنها غير قابلة للتنبؤ. وقد أدى خطابه العدائي وتجاهله للتحالفات إلى تآكل السلطة الأخلاقية التي كانت تُشكل ركيزة القيادة الأميركية. وما يُقدمه على أنه قوة ليس إلا عزلة -قوة عظمى تائهة، تضاءلت سمعتها بسبب رئيس يخلط بين الترهيب والاحترام.
خطاب كشف عن قصور أميركا
لم يُقنع خطاب ترامب الرأي العام أو حلفاء أميركا بأن الحرب ضد إيران تُعزز الأمن القومي الأميركي. بدلاً من ذلك، كشفت تصريحاته عن قوة عظمى مقيدة بتناقضاتها الداخلية، مما أدى إلى نفور شركائها في الخليج، وتوتر العلاقات مع أوروبا، وإظهار تشتت الاستراتيجية الأميركية. وبدلاً من بثّ الثقة، زادت كلماته من انعدام الثقة والشك. وبدا أضعف وأكثر ارتباكاً وغروراً وتبجحاً كعادته، بينما شعر خصومه بالرضا، وشعر مؤيدوه بالإحباط والحيرة.
لا استراتيجية للخروج في الأفق
على الرغم من تبريراته المطولة لاستمرار الأعمال العدائية، فشل ترامب في تقديم أي خطة أو جدول زمني أو هدف قابل للقياس لإنهاء الحرب. لم يقدم أي رؤية لتحقيق الاستقرار، ولا قناة دبلوماسية، ولا معايير للنجاح. ويؤكد هذا الإغفال على إدارة تعمل بدافع الاندفاع بدلاً من الاستراتيجية. وكما قال سابقاً، سيشعر في قرارة نفسه متى ينهي الحرب. ولغياب خطة للخروج دلالات كثيرة، وهو يعكس رئيساً تحركه المظاهر السياسية بدلاً من الجوهر، تاركاً أميركا متورطة في مستنقع مكلف آخر.
لم ينجح خطاب ترامب في إقناع أي شخص خارج دائرة مؤيديه المخلصين بأن الحرب عززت أمن أميركا. فقد أظهرت مزاعمه المتناقضة وتفاخره الأجوف ضعفاً لا قوة، مما أدى إلى نفور الحلفاء وتعميق انعدام الثقة. وكان ما برز هو صورة لقائد تائه في أوهامه، معزول ويصبح دوره هامشياً بشكل متزايد.
*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي. يركز على سياسات الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، ويدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين.
——————————————
عن “N12” 21/4/2026
المعضلة الإسرائيلية في لبنان أعمق من أن يحلّها اتفاق
بقلم: إيال تسير كوهين
وقف إطلاق النار الموقت الذي أُعلن ليلة (الخميس – الجمعة) لم يهدّئ فعلياً سكان الشمال، ومن الصعب لومهم إلى حدٍّ كبير؛ فخوفهم لا ينبع فقط من الذكرى القريبة للحرب، ولا من الاستنزاف الطويل طيلة أشهر المواجهة، بل من إدراكٍ أساسي، حتى لو لم يُصَغ دائماً بالكلمات، ومفاده أن المشكلة في لبنان أعمق من أي تسوية مؤقتة.
لقد كتبتُ سابقاً أن الساحة اللبنانية لا تستجيب جيداً للحلول التكتيكية وحدها؛ أعود إلى هذه النقطة لأننا نرى مرة أُخرى أن الصعوبة ليست فقط في تحديد مسار الخط، ومَن ينسحب، وكم كيلومتراً، أو أي آلية رقابة ستُفعّل في الأسابيع القريبة؛ المشكلة هناك أعمق لأنها بنيوية أكثر، وبالتالي أكثر تهديداً.
بعد 40 عاماً من العمل في المنظومة الأمنية، تعلّمت أنه لا يجب التقليل من شأن الشعور بانعدام الأمن لدى السكان المدنيين، بصفته مجرد إحساس، فكثيراً ما يكون هذا الشعور قادراً على تشخيص واقع استراتيجي غير محلول، وبالضبط هذا هو الوضع في الشمال الآن؛ إن الخطأ الأساسي هو النظر إلى لبنان فقط من منظور عسكري، فالأمر لا يتعلق فقط بعدد منصات الإطلاق التي دُمّرت، أو أين يوجد عناصر قوة “الرضوان”، أو كم كيلومتراً ابتعدوا عن الحدود، المشكلة في لبنان ديموغرافية وجغرافية وسياسية ومدنية أيضاً. التهديد الذي سيعود إلى داخل المخازن الخاصة والبيوت في القرى
طوال أعوام، شهد الجنوب اللبناني عملية متواصلة من “التشيّع” على خط المواجهة مع إسرائيل.
لقد عززت الطائفة الشيعية قبضتها على منطقة الحدود، واشتدت هذه العملية بشكل خاص خلال سنوات “الربيع العربي”، وخلال الحرب ضد تنظيم داعش، كجزء من الاستراتيجيا الإقليمية لقاسم سليماني، وفي موازاة إضعاف السكان السّنة في مناطق حدودية عديدة وتهجيرهم، دخل الشيعة إلى مناطق مفصلية، بما في ذلك منطقة سورية – لبنان ومناطق الحدود.
إن دلالة هذا المسار بسيطة وقاسية في آنٍ معاً، وهي أن الجنوب اللبناني اليوم ليس مجرد منطقة يعمل فيها “حزب الله”، بل هو فضاء جرى فيه، على مدى الزمن، بناء بيئة حياة ودعم وإخفاء واحتضان تتيح له الحفاظ على قوته.
ربما لا ينطبق ذلك بالقدر نفسه على كل مواطن وكل قرية، لكن مَن يرفض فهم الصلة الوثيقة بين البنية الديموغرافية للجنوب والبنية التحتية التي يستند إليها “حزب الله”، فإنه يرفض فهم عُمق المشكلة.
وهذا هو بالضبط السبب في أن اتفاقات من هذا النوع لا تغيّر أسس الواقع.
وفقاً للقانون الدولي، لا يمكن منع سكان الجنوب اللبناني من العودة إلى قراهم، والعالم لن يقبل خطوة كهذه، لكن المعنى العملي واضح: سيعود السكان، ومعهم ستعود أيضاً، وبالتدريج، الظروف التي تسمح بإعادة بناء التهديد.
لا حاجة إلى قواعد صواريخ كبيرة على السياج لإعادة الخطر إلى الشمال؛ يكفي أن تتحرك وسائل قتالية ضمن الحياة المدنية اليومية، ويكفي أن يتحول مستودع خاص في قرية إلى مخزن طوارئ مرة أُخرى، ويكفي أن ينقل شخص واحد، ويخزّن آخر، ويُخفي ثالث، ويُشغّل رابع.
مَن الذي سيوقف ذلك في المدى الطويل؟ مَن سيراقب كل مستودع، وكل شاحنة، وكل بيت، وكل طريق ترابية؟
حتى لو وُجد قدر معيّن من حُسن النية لدى الجيش اللبناني، فلا توجد طريقة عملية لمنع عملية كهذه على مدى أعوام؛ لذلك، المشكلة في لبنان هي مشكلة وقت، عام، عامان، خمسة أعوام، والروتين يفعل فعله.
التهديد يعود، وربما ليس بالشكل نفسه، وربما ليس بالحجم نفسه، لكنه يعود، وهذا بالضبط ما يفهمه سكان الشمال جيداً، حتى من دون استخدام مصطلحات استراتيجية.
وما لا يقلّ أهمية عن ذلك أن “حزب الله” يحتاج إلى هذه التهدئة، ليس فقط لإعادة التنظيم، وترميم البنية التحتية، والتسلح، بل يحتاج إليها أيضاً لكي نعود نحن، ونعيد الإعمار، ونبني من جديد، ونتعوّد مرة أُخرى على جمال الهدوء، وعلى البيت، وعلى الحياة اليومية، وعلى الشعور بالأمان، فمن وجهة نظره، هذا أيضاً جزء من المنطق: الانتظار حتى يمتلئ الشمال بالحياة مجدداً، ثم العودة إلى تقويضها.
وهكذا يكون الثمن الذي يمكن أن يفرضه علينا أثقل، ليس فقط من حيث الضرر المادي، بل أيضاً من حيث الأثر النفسي والمعنوي، فالتهدئة تخدمه أيضاً في التحضير لضربة مستقبلية أشد، وهذا لا ينطبق فقط على إطلاق النار المباشر، بل أيضاً – وربما بشكل أساسي – على النيران غير المباشرة.
ولإعادة تهديد كبير لإسرائيل، لا حاجة إلى انتشار كثيف مباشرة على خط الحدود، بل إن الصواريخ والطائرات المسيّرة ووسائل النيران الأُخرى يمكن أن تعمل أيضاً من شمال نهر الليطاني، من مسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات؛ لذلك، فإن مجرد الابتعاد عن الحدود، على الرغم من أهميته على المستوى التكتيكي، لا يُعتبر حلاً استراتيجياً.
إذا كان هناك درس واحد يجب أن يرافقنا منذ 7 تشرين الأول، فهو أن المنطقة العازلة يمكن أن تؤخر التهديد، لكنها لا تستطيع تفكيكه، فمَن يريد أمناً طويل الأمد، عليه أن يعمل ضد القوة التي تُبنى في العمق. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتكاك المستمر على حدود إسرائيل يخدم أعداءها أحياناً؛ إذ يجذب انتباهنا إلى الحافة، بينما في العمق، يُعاد بناء الخطر الحقيقي.
هذا ما يحدث في لبنان داخل دولة ضعيفة، مخترقة، وفي كثير من النواحي، أسيرة للقوة التي استولت عليها من الداخل.
لا يجوز لإسرائيل أن تعتمد على مَن لا يملك القدرة، أو الإرادة.
من هنا، تنبع أيضاً الخلاصة الثانية: لا يجب التعويل على الجيش اللبناني كحلّ، فالاستعداد الذي تُبديه الحكومة اللبنانية اليوم أمر إيجابي، لكن يجب النظر إليه بصدق، لأنه ينبع بدرجة أكبر من الضعف والضغط واليأس، وليس من موقع قوة.
لا تمتلك الحكومة اللبنانية قدرة حقيقية على نزع سلاح “حزب الله” في المدى الطويل، ولا يوجد يقين بأن الجيش اللبناني سيتمكن، أو يرغب في خوض مواجهة عميقة ومستمرة معه؛ علاوةً على ذلك، لا يجب الوقوع في الوهم المعاكس وتعزيز الجيش اللبناني بشكل مفرط؛ في الشرق الأوسط، لا تبقى الأسلحة دائماً في أيدي مَن حصل عليها؛ فالدول تنهار، والأنظمة تتغير، والجيوش تبدّل ولاءاتها، وما يُعزَّز اليوم باسم الاستقرار ربما يُوجَّه ضدنا غداً.
صحيح أن “حزب الله” ضعف كثيراً، وتلقّى ضربة قاسية، وتضرّر بُعده الاقتصادي؛ فصعوبات التمويل ودفع الرواتب مؤشر مهم على التآكل الداخلي، لكن الضعف لا يعني فقدان القدرة، فحتى لو كان متضرراً، فإنه لا يزال عدواً خطِراً يمتلك قدرات يمكن أن تُلحق ضرراً كبيراً بإسرائيل إذا أُتيحت له الفرصة لإعادة بناء نفسه.
ولهذا تحديداً، يجب النظر إلى الفترة الحالية على أنها نافذة فرصة لمواصلة استنزافه: ضرب البنى التحتية ومسارات التهريب والتمويل والتسلح، والعلاقات بينه وبين إيران.
في نهاية المطاف، إذا كانت هذه هي صورة الوضع فعلاً، فالمحصلة هي أنه لا يوجد حلّ سحري في لبنان، وبالتالي لن يكون هناك خطوة واحدة تزيل التهديد؛ التحدي الحقيقي هو إدارة المخاطر في المدى الطويل، عبر مزيج من خطوات عديدة، يعتمد كلٌّ منها على الآخر.
على الصعيد العسكري، هذا يعني إقامة حيّز أمني واسع، مع وجودٍ ثابت ومتحرك للجيش الإسرائيلي، إلى جانب حملة متواصلة ضد بناء قوة “حزب الله” في العمق، من دون العودة إلى سياسة الاحتواء التي سادت في الأعوام السابقة.
يجب عدم الانتظار حتى ينضج التهديد مجدداً، بل ضربه بشكل منهجي منذ مرحلة التشكّل.
على الصعيد السياسي، ينبغي لإسرائيل تعميق العلاقة بالحكومة اللبنانية ومحاولة الدفع بترتيبات عملية معها، لكن من دون أوهام – ليس انطلاقاً من الاعتقاد بأنها ستحلّ المشكلة وحدها، بل لتمكينها من تعزيز قوتها سياسياً والاستفادة من الواقع الجديد. وفي موازاة ذلك، يجب إشراك الدول الأوروبية في الضغط على بيروت لتتحمّل مسؤولياتها داخل أراضيها.
على الصعيدين الاقتصادي والقانوني، هناك حاجة إلى حملة أكثر شراسةً ضد أموال “الإرهاب”، وضد قنوات التمويل، وضد مؤسسات، مثل “القرض الحسن”، التي تمكّن “حزب الله” من الاستمرار وإعادة بناء نفسه وتعزيز قوته.
من دون إلحاق ضررٍ مستمر بمصادر التمويل، فحتى الإنجازات العسكرية تتآكل بمرور الوقت.
علاوة على هذا كله، يجب القول بصراحة إن الساحة اللبنانية لا تقف معتمدةً على نفسها، ففي كثير من النواحي، يمرّ التأثير في لبنان أيضاً عبر طهران؛ مَن يريد تقليص الخطر من الشمال، لا يمكنه الاكتفاء بما يحدث في بيروت، أو جنوب نهر الليطاني؛ للسيطرة على الساحة اللبنانية بشكل أفضل، يجب الاستمرار في استهداف مركز الثقل الإيراني الذي يموّل “حزب الله” ويوجّهه ويدعمه.
لا يوجد هنا حلّ كامل، وما يوجد هو سياسة أكثر جدية لإدارة المخاطر: مزيج من الحضور العسكري، والضغط المستمر على بناء القوة، والتعزيز المدروس للمسار السياسي، وضرب اقتصادي وقانوني للآليات التي تُبقي “حزب الله” حياً؛ هذا لن يزيل المشكلة، لكنه يمكن أن يقلّصها ويؤخرها، ويمنعها من العودة مرة أُخرى إلى ذلك الواقع المألوف والخطِر.
—————-انتهت النشرة—————–

