تفاصيل اتفاق بلا حياة.. قراءة في المشهد الغزي بعد 200 يوم من وقف النار

المسار : مرّ 200 يوم على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في قطاع غزة (10 أكتوبر 2025)، وعلى الرغم من التهدئة المعلنة، فإن الواقع الميداني عن “هدنة هشة” لم تجلب للغزيّين سوى مزيد من المعاناة، وسط توثيق مستمر لانتهاكات الاحتلال وسياسات الخنق الاقتصادي التي حوّلت القطاع إلى منطقة منكوبة.

حصيلة الضحايا

وبلغ إجمالي عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر إلى 817 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 2,296، إلى جانب تسجيل 762 حالة انتشال، بحسب التقريرالإحصائي لوزارة الصحة بغزة، اليوم الإثنين.

فيما ارتفعت الحصيلة التراكمية منذ بدء العدوان على غزة في 7 أكتوبر 2023، فقد بلغت 72,593 شهيدًا، و172,399 إصابة.

موت بطيء في المشافي

تشير تقارير وزارة الصحة الفلسطينية في غزة إلى أن القطاع الصحي يعيش حالة من الانهيار التام؛ إذ لا يزال عشرات المرضى والجرحى يفارقون الحياة أسبوعياً نتيجة العجز في الإمدادات الطبية الحادة.

من جانبها، قدّرت منظمة الصحة العالمية الأضرار التي لحقت بالقطاع الصحي وحده بنحو 1.4 مليار دولار، موضحة أن أكثر من 1800 مرفق صحي دُمر جزئيا أو كليا، بدءا من المستشفيات الكبرى مثل مستشفى الشفاء في مدينة غزة، وصولا إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية الأصغر حجما، والعيادات، والصيدليات، والمختبرات.

وأشارت الصحة العالمية في بياناتها الدورية، أن نقص الوقود اللازم بغزة لتشغيل المولدات الكهربائية أخرج العديد من المستشفيات عن الخدمة، مما يمنع تقديم الرعاية الحيوية، في ظل منع الاحتلال لتحويل الحالات الطبية الخطيرة للعلاج بالخارج.

مخيمات النزوح.. كارثة صحية متفاقمة

وتواجه مخيمات النزوح في قطاع غزة أزمة إنسانية متفاقمة مع انتشار واسع للقوارض داخل الخيام المكتظة، ما أدى إلى تسجيل حالات اعتداء مباشرة على الأطفال أثناء نومهم، في ظل ظروف صحية ومعيشية متدهورة.

وسجلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 17 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض والطفيليات بين النازحين بغزة منذ بداية العام 2026، فيما أبلغت أكثر من 80% من مواقع النزوح عن إصابات جلدية، نتيجة تدهور ظروف المعيشة.

هندسة التجويع وسوء التغذية

حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” من أن ستمرار سياسة “التجويع الممنهج”؛ حيث أظهرت بيانات المكتب أن حجم المساعدات التي تدخل القطاع لا يتجاوز 25% من الاحتياج الفعلي للسكان.

وشددت وكالة “أونروا” أن قيود الاحتلال على إدخال المواد الأساسية حوّل المساعدات المحدودة إلى “أداة ضغط سياسي”، تاركاً غالبية العائلات تحت خط الجوع المباشر.

ويعيش نحو مليوني فلسطيني بقطاع غزة، في ظروف كارثية نتيجة الحصار المزدوج والتلكؤ في الإسرائيلي في إدخال القدر الكافي من المساعدات الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى تفشي سوء التغذية والأمراض المرتبطة بها، وسط عجز المستشفيات عن تقديم الرعاية الكافية بسبب النقص الحاد في الأدوية والإمدادات الطبية.

وكانت وزارة الصحة الفلسطينية، قد أفادت في بيان صحفي سابق، بأن مستويات المجاعة في قطاع غزة تفاقمت إلى حدود خطيرة وفق التصنيفات الأممية.

وبينت “صحة غزة” أنه تم تسجيل 460 حالة وفاة جراء المجاعة وسوء التغذية منهم 154 طفلا؛ “فيما لا يزال 51196 طفلا دون سن الخامسة يعانون سوء التغذية.

مأساة الإجلاء الطبي

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية والبيانات الرسمية لوزارة الصحة الفلسطينية إلى وجود أكثر من 18,500 مريض وجريح بحاجة ماسة لإجلاء طبي عاجل، لا تتوفر لهم علاجات داخل القطاع بعد خروج معظم المستشفيات عن الخدمة.

وتحول “التدقيق الأمني” الذي يفرضه الاحتلال على قوائم المرضى إلى أداة لتعطيل الإجلاء، حيث يستغرق الفحص فترات زمنية طويلة تؤدي -في حالات كثيرة- إلى استشهاد المرضى قبل الحصول على الموافقة.

ويتم الإجلاء يتم عبر مسارين، وهما: معبر رفح؛ لنقل الحالات إلى مستشفيات مصر، ومعبر كرم أبو سالم؛ لنقل المصابين إلى الأردن ودول أخرى، مشددا على أنهما يواجهان عراقيل أمنية إسرائيلي عديدة.

وأعاد الاحتلال فتح معبر رفح جزئيًا مطلع فبراير 2026، حيث سُمح بخروج مرضى وجرحى فلسطينيين من القطاع وعودة فلسطينيين إليه وفق شروط إسرائيلية وبعد الحصول على موافقات أمنية، في إطار تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.

ويُعد معبر رفح المنفذ البري الوحيد الذي يربط قطاع غزة بالعالم الخارجي دون المرور بـ”إسرائيل”، ويقع في منطقة ما زالت خاضعة لسيطرة قوات الاحتلال منذ مايو/ أيار 2024، بعدما أُعيد فتحه لفترات محدودة في مطلع عام 2025.

إعادة الإعمار.. ركام بلا أفق

وعلى مستوى البنية التحتية، أكدت وزارة الأشغال العامة والإسكان بقطاع غزة، أن أكثر من 90% من المباني والمرافق الحيوية في غزة مدمرة بالكامل.

فيما لم تتجاوز الوحدات السكنية التي أُدخلت لقطاع غزة 2000 وحدة حتى الآن، وهو ما يمثل أقل من 1% من الاحتياج الفعلي، وذلك بسبب قيود الاحتلال المستمرة على مواد البناء، بحسب الوزارة.

وأشارت الوزارة في تقاريرها إلى أن القيود الإسرائيلية الصارمة على إدخال مواد البناء تعيق أي خطط للإعمار أو توفير وحدات إيواء لائقة، مما يترك آلاف العائلات عرضة للظروف الجوية القاسية، خاصة مع دخول فصل الصيف الذي يضاعف من معاناة النازحين في الخيام.

الخط الأصفر.. ابتلاع الجغرافيا

وتشير التقديرات إلى أن “الخط الأصفر” يقتطع ما بين 53% و55% من مساحة قطاع غزة، واضعاً إياها تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي المباشرة.

ووثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، تسارع إقامة مواقع عسكرية محصنة على امتداده، في مؤشر على نية تثبيت وجود دائم.

ويعاني السكان والنازحون القاطنون قرب هذا الخط من إطلاق نار متكرر، خاصة خلال ساعات الليل، ما يفاقم حالة انعدام الأمن رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

وارتقى 269 شهيداً بنيران الاحتلال قرب الخط الأصفر خلال 6 أشهر من الهدنة، منهم 100 طفل، وفق معطيات حقوقية فلسطينية.

ويُعرف “الخط الأصفر” بأنه خط ميداني يُحدد بكتل إسمنتية صفراء، يفصل بين مناطق شرقية خاضعة لسيطرة الاحتلال وأخرى غربية يتواجد فيها الفلسطينيون، وقد ظهر ضمن ما سُمي “خطة السلام في غزة” التي أُعلن عنها في أكتوبر 2025 بدعم أمريكي، على أن يمثل حدود الانسحاب، إلا أن تحريكه المتكرر يعكس سياسة توسعية على الأرض.

نداء عاجل للمجتمع الدولي

وبعد مرور 6 أشهر على التهدئة بغزة، ووصول الواقع الإنساني الكارثي بغزة إلى هذه المرحلة الحرجة، تضع المؤسسات الفلسطينية الحقوقية والدولية المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.

وتطالب هذه الجهات الوسطاء بالضغط الفعلي لإنهاء الحصار، وفتح المعابر لتدفق الإمدادات الإنسانية ومواد البناء، وضمان عدم تحول “وقف إطلاق النار” إلى غطاء لاستمرار الموت البطيء بحق أهالي القطاع.

Share This Article