الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 1/5/2026 

نتنياهو تبنى رؤية امنية جديدة، لكن هذه الرؤية لا تعتبر أمن

بقلم: عاموس هرئيلِ 

هل يجوز القول بان ترامب يبحث عن مخرج من الحرب التي اشعلها مع ايران، أو ان هذا ينطوي على جرح كبير لمشاعر مؤيدي نتنياهو؟. عندما طرحت هذه النظرية بحذر قبل 6 – 7 أسابيع رد عليها مؤيدو نتنياهو بسيل من الازدراء. وأوضحوا بان وسائل اعلام اليسار قصيرة النظر، تغفل مرة أخرى عن العبقرية الاستراتيجية لرئيس الحكومة وشريكه الرئيس الأمريكي. ان ثنائي ترامب – نتنياهو مصمم على دحر محور الشر الإيراني، ولن تنتهي الحرب حتى يتم تغيير النظام في طهران. لقد مر شهرين على بدء الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي، وتم تمديد وقف اطلاق النار عدة مرات، واصبح من الواضح ان الأمور ربما تكون معقدة اكثر.

ما زال استئناف القتال، بل ومحاولة اسقاط النظام، احتمال قائم. وقد امر ترامب جنرالاته باعداد خطط لهجوم آخر، بما في ذلك على مواقع البنى التحتية المدنية في ايران. يحتمل ان يدفع تعنت النظام، انطلاقا من موقع قوة متوهم، الأمريكيين الى استئناف النشاطات العسكرية، بل وتصعيدها. ولكن ذلك ينطوي على مقامرة قد تؤدي الى المزيد من التعقيد. وتواصل أسعار النفط الارتفاع، وقد تجاوزت بالفعل حاجز الـ 120 دولار للبرميل.

ان تردد ترامب في اختيار الخيار العسكري، في ظل صعوبة التوصل الى اتفاق، لا يترك له الا الخيار الاقتصادي – استمرار الحصار لجنوب مضيق هرمز، على امل أن يؤتي الضغط على الاقتصاد الإيراني ثماره في نهاية المطاف. وفي غضون ذلك يمدد الرئيس وقف اطلاق النار مرة تلو الأخرى، ويبرر ذلك لنفسه بقصص عن استسلام الإيرانيين الفعلي، وعن استبدال القيادة كما يقول، بمجموعة اشخاص اكثر براغماتية. وفي نفس الوقت يهاجم بانتظام حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين بسبب رفضهم الانضمام لحرب لم يكلف نفسه عناء دعوتهم اليها مسبقا.

أيضا غياب الحسم في الخليج يلقي بظلاله السلبية على إسرائيل. فرغم ان ترامب أوقف اطلاق النار في بداية شهر نيسان وفرضه على الجيش الإسرائيلي، الا انه ما زال من المستحيل التحدث عن عودة الأمور الى حالها. ففي مركز البلاد وجنوبها بالكاد بدأت الجبهة الداخلية تتعافى من خمسة أسابيع من سقوط الصواريخ الإيرانية. وتنشغل وزارات الحكومة حاليا في علاج التاخير الناتج عن حالة الطوارئ. ومثلما تظهر الاستطلاعات فان الرأي العام في معظمه يدرك ان الحرب لم يتم حسمها بعد، وان الهدنة قد تكون مؤقتة، سواء في ايران أو في قطاع غزة.

كما هي العادة، هناك فجوة كبيرة بين ما يحاول نتنياهو تسويقه وبين الواقع السياسي. ففي رواية رئيس الحكومة للاحداث، فان إسرائيل تعافت تحت قيادته بسرعة بعد مذبحة 7 أكتوبر، متجاهلا مسؤوليته عن التقصير الذي مكن من حدوثها – وهي الان تتبنى سياسة امنية مختلفة كليا. ويتم التعامل على الفور مع أي تهديد حتى لو كان على بعد ألف كيلومتر، مثلا، الاسطول الأوروبي المتوجه الى غزة، الذي تم اعتراضه امس قبالة شواطيء جزيرة كريت. لقد قتل كبار قادة الدول والمنظمات المعادية وتم تدمير قدراتهم العسكرية. لا تكتفي إسرائيل بفرض سيطرتها على المنطقة، بل هي في عهد نتنياهو توسع حدودها من خلال ثلاثة احزمة امنية اقامتها في جنوب لبنان وهضبة الجولان السورية ونصف قطاع غزة.

أشار العقيد المتقاعد اودي افينتال الى الابتكارات والتناقضات في رواية نتنياهو، في مقال طويل ومبرر نشره في الأسبوع الماضي في شبكة “اكس”. وكتب افينتال بان رئيس الحكومة يركز على القوة العسكرية واستخدامها، ولا يتطرق الى الترتيبات السياسية أو حتى السعي اليها. وبحسبه، يشاهد مفهوم الامن الإسرائيلي تحول عميق ومثير للجدل، وكدرس من احداث 7 أكتوبر يسوق نتنياهو فكرة الوقاية – “القضاء على التهديدات فور ظهورها، في جميع الجبهات، من خلال استخدام القوة واحيانا بشكل غير متناسب، وبدون مراعاة قيود الموارد”. لذلك، هو ينحرف عن المباديء التي وضعها دافيد بن غوريون، والتي استرشد بها كل رؤساء الحكومات بعده. فقد عملوا على خوض حروب قصيرة بقدر الإمكان، مع ادراك نقاط ضعف إسرائيل.

يرى افينتال ان هذا التحول في الرؤية قد يضعف أمن إسرائيل. وحسب رأيه، انتقلنا “من سياسة سعت الى إطالة فترة الهدوء بين الحروب، استنادا الى إدارة المخاطر في مواجهة التهديدات والسعي الى التوصل الى تسويات، الى سياسة تبقي على سلسلة من الحروب بدون انقطاع وبدون تحركات سياسية، بينما تستنزف موارد الدولة وتلقي عبء متزايد على الجيش النظامي والاحتياط والاقتصاد”.

ويقول العميد آساف اوريون، من معهد بحوث الامن القومي، لـ “هآرتس” بان الجمع بين نهج نتنياهو والموقف الذي وجدت فيه قيادة الجيش الإسرائيلي نفسها تجاه المستوى السياسي، نتيجة مسؤوليتها عن الإخفاقات المحيطة بالمذبحة، ترك إسرائيل بدون تخطيط استراتيجي: “في ظل غياب هذا التخطيط ينتهي بك الامر الى التفكير في الرغبات والامنيات. هكذا تتعثر الأمور بدون اتمامها. اذا كانت الطريقة الوحيدة لمنع ايران من امتلاك القنبلة النووي هي تغيير النظام، فأنت تؤمن بتغيير النظام بدون السؤال اذا كان هذا هو هدف واقعي. بقيت المحادثات مع الإيرانيين من مسؤولية ترامب. نحن تنازلنا عن البعد السياسي، وننتظر استئناف الحرب. لقد وصلنا الى حالة خيار واحد مزيف، بين نصر مطلق وكارثة أخرى مثل كارثة 7 أكتوبر”.

يقول العميد احتياط اورن بان استنزاف الموارد، الذي ذكره افينتال، ليس اقتصادي فقط. فهذا يظهر أيضا في العبء على المقاتلين وازدياد عدد الجنود الذين يقومون بالانتحار، وفي تقدير العدد الكبير من الإسرائيليين الذين يعانون من مشكلات نفسية حادة بسبب الحرب، فضلا عن التراجع الكبير للتأييد الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة. عندما تحدث نتنياهو في السنة الماضية عن رؤيته تحويل إسرائيل تحت قيادته الى “اسبرطة عملاقة”، لم يكن ذلك مجرد ومضة عابرة. صحيح انه تراجع في حينه امام ردود الفعل المتوترة في الأسواق، ولكن طموحه بقي على حاله.

هل الهدف مقدس؟

ان الساحة الأكثر صعوبة ودموية في الوقت الحالي هي لبنان. يفترض ان ترامب قد فرض وقف لاطلاق النار هناك أيضا، لكن سواء اسرائيل أو حزب الله لا يلتزمان به. وفي ظل غياب اتفاق مع ايران يصعب التوصل الى اتفاق ملزم في لبنان. في النصف الثاني للعام 2025 بدأ جهاز الاستخبارات العسكرية يحذر من استعادة حزب الله لقدراته العسكرية في جنوب لبنان، وقد أوصى الجيش الإسرائيلي بـ “أيام قتال”، جولة هجمات كثيفة قد تؤدي الى التصعيد واطلاق النار من قبل حزب الله على البلدات في الشمال. ولكن الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في ايران في كانون الثاني وبداية الحرب هناك أدت الى تجميد الخطة. وعندما اطلق حزب الله بضعة صواريخ على الشمال ردا على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، استغلت إسرائيل الفرضة وشن الجيش الإسرائيلي هجوم على الحزب.

ولكن الأمور لم تسر وفق الخطة التي تبين بعد ذلك بانها لم تكن محكمة الاعداد، وانها استخفت بالخصم بعد الضربة التي تعرض لها في الجولة السابقة في 2024. بسرعة لاحظ حزب الله ان الجيش الإسرائيلي سيقاتله بنقص حاد بالقوة الجوية، بسبب التركيز الكامل على الهجوم في ايران. ونتيجة لذلك ارسل الحزب عدد اكبر من المقاتلين الى جنوب لبنان لمواجهة القوات الإسرائيلية. ورغم ان نسبة الخسائر في الطرفين في الصراع الحالي هي تقريبا 1: 100 حسب الجيش، الا ان حزب الله لا يظهر أي نية للاستسلام. ففي نظر قيادة الحزب يعتبر الهدف – تغيير قواعد اللعب بحيث يمنع إسرائيل من مهاجمته – هام جدا الى درجة التضحية بعدد كبير من رجاله.

بعد اعلان ترامب وقف اطلاق النار في لبنان في منتصف شهر نيسان، قلص الجيش الإسرائيلي عدد القوات المتبقية هناك. وفي نفس الوقت ادخل حزب الله بشكل متزايد سلاح جديد الى حملته مثل طائرات مسيرة صغيرة متفجرة تعمل بالالياف الضوئية. تحلق هذه الطائرات المسيرة بارتفاعات منخفضة، ويتجنب بعضها الرادارات الإسرائيلية، ولأنها لا تعمل لاسلكيا فان نظام الحرب الالكترونية التابع للجيش الإسرائيلي لا يمكنه تعطيل الاتصال معها واسقاطها. ويكمن حل هذه المشكلة في نشر تدابير دفاعية مثل الشباك المموهة واتباع نهج عملياتي صارم اكثر واستخدام السلاح الخفيف من الأرض. وقد اظهر فيلم فيديو يوثق احد الاحداث عندما انفجرت طائرة مسيرة قرب مروحية تقوم باخلاء مصابين، مدى صعوبة ذلك. في احداث هذا الأسبوع قتل جنديان ومدني وأصيب عشرات الجنود، معظمهم بهجمات الطائرات المسيرة.

تتطور هنا مشكلة حقيقية وملحة تثير تساؤلات إضافية. فبما ان معظم قوات حزب الله في جنوب لبنان قد تضررت أو تراجعت نحو الشمال، فان معظم نشاطات الجيش الإسرائيلي على الأرض يبدو وكأنها نسخة طبق الأصل لتحركات العام 2025 في قطاع غزة – التدمير المنهجي للبيوت في القرى التي توصف بأنها بنية تحتية إرهابية. ويثير العدد الكبير من الضحايا التساؤلات في الوحدات نفسها: هل يبرر الهدف الاخطار الكبيرة التي يتعرض لها الجنود من الطائرات المسيرة؟، وتتمثل الصعوبة الإضافية في القرار الواضح لانشاء نوع من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان. لقد كان الهدف العلني هو إزالة خطر الصواريخ المضادة للدروع، التي تبعد حوالي 8 – 10 كم عن المستوطنات على الحدود. ولكن بعض الطائرات المسيرة الجديدة تحلق على مدى أطول بقليل، وتعاني المستوطنات الآن من إنذارات لا تنقطع.

——————————————

هآرتس 1/5/2026 

المفاوضات مع لبنان بحاجة الى تدخل ترامب كي لا تتحطم

بقلم: تسفي برئيل 

ما زال تبادل اطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله مستمرا في ظل القيود التي فرضها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي حدد “المناطق”، الجغرافية والكمية، التي يسمح لإسرائيل بالعمل فيها في لبنان. وقد استندت مرونة وقف اطلاق النار في البداية الى مطالبة ايران بوقف اطلاق النار في لبنان كشرط لمشاركتها في جولة المحادثات الأولى بينها وبين الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر. وقد نفى ترامب وجود أي صلة بين الموقفين، لكن تقارب الاحداث لا يترك أي مجال للشك.

لقد كان على إسرائيل ضمان اعداد الظروف المطلوبة لعقد هذا اللقاء، الذي لم يسفر عن أي نتائج ملموسة. وبعد ثلاثة أيام من محادثات اسلام أباد، عقد اول لقاء على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان في واشنطن. ومنذ ذلك الحين لم يتصاعد التوتر في لبنان فحسب، بل امتد الى منطقة الخليج الفارسي: فقد توقفت جولات المحادثات المخطط لها بين الوفدين الأمريكي والإيراني، ويبدو ان الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على ايران، الى جانب خطاب ترامب التهديدي ورد ايران عليه، تمهيد لعمل عسكري. مع ذلك، لم يخفف ترامب القيود التي فرضها على إسرائيل، وما زال يمنعها من شن حملة واسعة النطاق في لبنان كما تشاء.

سواء كان ترامب يسعى الى تحييد لبنان كورقة ضغط إيرانية، أو كان يفصل بين الجبهتين، يبدو انه، خلافا لموقف إسرائيل، يعطي أهمية كبيرة لتقوية القناة الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان. في واشنطن، مثلما في إسرائيل، يسود اجماع حول قدرة الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني على نزع سلاح حزب الله. وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي، روبيو، في هذا الأسبوع عن دعمه لتقديم المساعدات والدعم للجيش اللبناني، بل وأشار الى وجود نية لانشاء وحدات مختارة فيه، تخضع لتدريب متخصص وتجهز بالادوات المناسبة لمواجهة حزب الله. ولكنه اقر أيضا بان “الجيش تنقصه القدرات الكاملة للتعامل مع كل تهديدات حزب الله”.

كان من المفروض ان يدفع هذا الفهم لقدرات الجيش اللبناني الإدارة الامريكية الى مطالبة الكونغرس برزمة مساعدات شاملة للجيش اللبناني، وإعادة البنية التحتية المطلوبة للتنسيق العسكري والسياسي بين إسرائيل وحكومة لبنان، واقتراح خطة عمل مشتركة وتسريع جولة اللقاءات القادمة بين الدولتين. مع ذلك اكتفى البنتاغون حتى الان بمطالبة الكونغرس بتخصيص 36 مليون دولار للجيش اللبناني، مقارنة بـ 250 مليون دولار تمت الموافقة عليها في نهاية السنة الماضية. ويخصص المبلغ المطلوب في اقصى الحالات لشراء سيارات مدرعة ومعدات قتالية أخرى، لكنه لا يكفي لتلبية احتياجات جيش يعاني من صعوبة في دفع رواتب جنوده. أيضا هذه المساعدة لن تكون كافية لتمويل تجنيد آلاف الجنود اللبنانيين الاضافيين، الذين سيتمكنون بعد استكمال تدريبهم من الانتشار في جنوب لبنان والعمل ضد حزب الله شمال نهر الليطاني وفي كل ارجاء البلاد.

بدون دعم مالي حقيقي، وبدون خطة عمل منسقة بين إسرائيل والولايات المتحدة ولبنان، فان قرار الحكومة اللبنانية غير المسبوق بنزع شرعية حزب الله العسكرية، وفرض سيادة لبنان على كل أراضيه، إضافة الى اللقاءات الدبلوماسية رفيعة المستوى، قد يبقى مجرد فصل مثير للاهتمام في كتاب يستكشف تاريخ العلاقات بين الدولتين والفرص الضائعة. ويستغل حزب الله وايران غياب سياسة أمريكية حازمة بشكل كامل، هدفهم المباشر هو تقويض الدعم الشعبي في لبنان للتحركات الدبلوماسية، وتفكيك وحدة الصف في الساحة السياسية الهشة أصلا، وبالتالي، إعادة إضفاء الشرعية على حزب الله وتعزيز قبضة ايران.

خطوة حزب الله الأولى هي افشال المفاوضات المباشرة، وإعادة العمل حسب مبدأ المفاوضات غير المباشرة، التي ستكون مشروطة أيضا بوقف اطلاق نار كامل وشامل. من المهم التذكير بان الحكومة اللبنانية قد تجاوزت هذا “الخط الأحمر” مرارا وتكرارا عندما وافقت على التفاوض مع إسرائيل تحت ضغط النار، بحجة ان الامر يتعلق بانتهاكات إسرائيلية وليس حرب شاملة، ولم تحصل على ما ارادته، وهو السماح لسكان جنوب لبنان بالعودة الى بيوتهم، ولم تكتف إسرائيل بعدم الانسحاب من المواقع الخمسة التي سيطرت عليها في بداية الحرب، بل واصلت السيطرة على مناطق في عمق لبنان مع تدميرها الممنهج لعشرات القرى وتشريد اكثر من ربع مليون لبناني من بيوتهم. كل ذلك يخدم حزب الله في ترسيخ معارضته لسياسة الحكومة ومجرد اجراء المفاوضات ولمواصلة اطلاق النار، الذي يستهدف اثبات ادعاءه الأساسي الذي يقول بانه هو فقط القادر على الدفاع عن الدولة ومواطنيها.

لكن هذه ليست مجرد حرب بقاء أخرى. فالهجمات الكثيفة على إسرائيل والحاق الأذى بجنود الجيش الإسرائيلي تهدف الى تحقيق ثلاثة اهداف رئيسية: اظهار التحدي العسكري الذي ستواجهه الحكومة اللبنانية اذا قررت تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله، منع الانقسام في صفوف الطائفة الشيعية التي بدأت بعض مكوناتها تظهر بوادر التفكك، والأكثر أهمية هو إعادة ايران الى مكانة الدولة “الوسيطة” الوحيدة القادرة على توجيه سياسة الحكومة اللبنانية، وبالتالي، استغلال هذه الظروف لانهاء الحرب في الخليج.

لقد حقق حزب الله انجاز سياسيا بتاجيل الاجتماع المخطط لعقده في يوم الاثنين بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري من اجل مناقشة الخطوات الدبلوماسية القادمة، وذلك بسبب خلافات في الرأي بين عون وبري. وقد تم الغاء لقاء بديل تقرر في يوم الأربعاء بمبادرة من نبيه بري. الامر الذي ازعج رئيس البرلمان هو تصريح عون بان المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بما في ذلك لقاءات السفراء، جرت بعد تنسيق مسبق مع بري. وقد رد بري بغضب على هذه التصريحات وقال: “مع كل الاحترام لمكانة الرئيس، الا ان ما قاله غير دقيق على اقل تقدير، سواء فيما يتعلق باتفاق وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024، أو فيما يتعلق بالمفاوضات”. بكلمات أخرى، يقول بري بان عون يكذب عندما يقول بان رئيس البرلمان وافق على تحركات الحكومة تجاه إسرائيل ودعمها. ومن اجل تجنب الظهور بمظهر من يواصل تنسيق مواقفه مع القيادة، الغى مشاركته في اللقاء الثلاثي.

لكن بري نفسه غير دقيق (لا حاجة للتحدث أكثر)، ويظهر استعراض تصريحاته الأخيرة بانه أيد قرار الحكومة توحيد السلاح الخاضع لسيطرتها، وانه لم يعارض تماما اللقاء في واشنطن. صحيح انه طالب بان يطرح لبنان انسحاب إسرائيل وعودة سكان القرى الى بيوتهم كشروط أساسية لاستمرار المفاوضات، أو على الأقل ان يكون هناك التزام إسرائيلي بتنفيذ هذه الشروط وان يكون ذلك على رأس سلم أولوياته. ولكن دقة الصياغة وقول الحقيقة ليست القضية الأساسية.

يخوض بري صراع سياسي على تمثيل الطائفة الشيعية وعلى مكانته كأقوى سياسي في البلاد، والقادر على توجيه مسارها. هذا ليس صراع محسوم ضد الرئيس ورئيس الوزراء فقط، بل ضد حزب الله أيضا. هذا يعني انه طالما استطاع عون تقديم سياسته ضد حزب الله بأنها مدعومة من بري باعتباره ممثل للشيعة، فقد تم وضع حزب الله في زاوية التنظيم المتمرد الذي لا يمثل حتى كل أبناء الطائفة. والان اصبح من غير الواضح كيف يعتزم الرئيس ورئيس الوزراء مواصلة المساعي الدبلوماسية في ظل “خرق بري للقواعد” وتقديمه فجأة لموقف متناقض. بالنسبة لحزب الله يعتبر هذا الانقسام الجديد الذي احدثه بري نجاح كبير، رغم ادراكه بان الاتساق ليس من صفات الزعيم الشيعي المخضرم.

من اجل تجنب ازمة سياسية يمكن أن تعرقل العملية الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان، مطلوب تدخل امريكي سريع يحدد ملامح الجولة القادمة للمحادثات بينهم، ورزمة المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها حكومة لبنان. هذا يعني ان على ترامب ان يقرر اذا كان سيوقف اطلاق النار بشكل كامل في جنوب لبنان أيضا، واذا كان سيطلب من إسرائيل الالتزام بالانسحاب من “كل المناطق” أو فقط من بعض المناطق التي سيطرت عليها في لبنان وضمن أي جدول زمني.

من اجل اتخاذ مثل هذا القرار يجب اقناع الرئيس الأمريكي بان هذه الخطوة، التي تعني مواجهة مباشرة مع إسرائيل، هي افضل من منحها حرية استئناف الحرب بكامل قوتها. وهذا ليس بالضرورة قرار صعب. فعندما لا يكون لديه يقين بان الجيش الإسرائيلي وحده سينجح في نزع سلاح حزب الله، وعندما يخدم استمرار الحرب مصالح ايران، فان تحييد النفوذ السياسي لحزب الله وتضييق نطاق تاثير ايران والتوصل الى اتفاق سياسي بين إسرائيل ولبنان، قد يشكل هذا انجاز جدير، يضاف الى قائمة الحروب التي تمكن ترامب من انهائها بنفسه.

——————————————

يديعوت احرونوت 1/5/2026 

تجنيد النشطاء، وتكديس الأسلحة: حماس حية، فاعلة، وحاكمة

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

في ضوء وقف إطلاق النار في حرب “زئير الأسد”، تتفاقم مشكلة غزة العالقة، وذلك بعد ستة أشهر من توقيع الاتفاق لإنهاء الصراع في هذه المنطقة. خلال هذه الفترة، كان من المفترض أن يشهد قطاع غزة وقلبه تحولاً جذرياً: نزع سلاح حماس، أو على الأقل بدء عملية نزع سلاحها، وإقامة نظام سياسي جديد تحت رعاية مجلس السلام الذي أنشأه ترامب وتديره حكومة فلسطينية تكنوقراطية، مع خطة لنشر قوات دولية على الأرض إلى جانبها. في الواقع، وبعد ستة أشهر، لم يتغير الوضع في غزة جوهرياً عما كان عليه في أكتوبر الماضي. توقف القتال العنيف، لكن هجمات الجيش الإسرائيلي والاشتباكات العنيفة على طول “الخط الأصفر” الذي يعبر القطاع لا تزال مستمرة (بحسب الفلسطينيين، قُتل أكثر من 800 شخص في هذه الهجمات منذ وقف إطلاق النار)؛ ويعيش مليونا غزي، مكتظين في 47 في المئة من مساحة القطاع (لا يعيش في الجزء الإسرائيلي من القطاع سوى بضعة آلاف من أعضاء الميليشيات المدعومة من إسرائيل وعائلاتهم)، بين موجات الدمار، مع بطالة وفقر شبه كاملين، ويعتمدون على المساعدات الخارجية. لا تزال حركة التنقل من وإلى المنطقة محدودة، على الرغم من فتح معبر رفح في شباط (حتى الآن، غادر نحو 1800 مريض ومرافقيهم قطاع غزة لتلقي العلاج في الخارج، من بين آلاف ينتظرون ذلك)؛ ولا توجد أي بوادر على وصول الحكومة التكنوقراطية أو تنفيذ خطط إعادة الإعمار البراقة التي تضمنتها العروض الأمريكية.

يوضح البروفيسور مخيمر أبو سعدة، محاضر العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة، في حديث له: “خلال الحرب ضد إيران ولبنان، أُهملت غزة بالفعل، لكن المحادثات التي جرت قبل نحو أسبوعين في القاهرة بين حماس ونيكولاي ملادينوف، رئيس مجلس السلام لقطاع غزة، أعادت إحياء النقاش حول هذا الموضوع، وتثير على وجه الخصوص تساؤلاً حول متى ستبدأ الحكومة التكنوقراطية بالتحرك، وما إذا كانت ستفعل ذلك أصلاً”. ويضيف: “إذا لم يندلع الصراع في إيران مجدداً، فأعتقد أننا سنشهد قريباً تقدماً في قضية غزة”.

مع ذلك، على الأقل في الوقت الراهن، لا توجد أي مؤشرات على إحراز تقدم. وصف ملادينوف خطة ترامب بأنها “حساسة”، وذلك قبل نحو أسبوع عندما لخص وقف إطلاق النار الذي دام ستة أشهر. وأضاف: “لم يُحقق انتهاء الحرب التغيير الذي كان يتمناه سكان قطاع غزة. فالهجمات المستمرة والنقص في المساعدات الإنسانية يعكسان فجوة كبيرة بين التفاهمات السياسية التي تم التوصل إليها والواقع على الأرض”. كما أكد ملادينوف على أهمية الحكومة التكنوقراطية قائلاً: “إنها جسر يربط بين قطاع غزة والضفة الغربية”. تشكل سيطرة إسرائيل على نصف قطاع غزة، إلى جانب تدمير البنية التحتية، عقبة رئيسية أمام تنفيذ الخطة، بل ووجه انتقاداً لاذعاً لمن يطمحون لاحتلال غزة أو ضم الضفة الغربية: “قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية”. والعقبة الرئيسية، بطبيعة الحال، هي نزع سلاح حماس. فقد صرّح حازم قاسم، المتحدث باسم حماس في قطاع غزة، قبل نحو أسبوع: “إن إصرار إسرائيل على إدراج قضية نزع السلاح في مناقشات التسوية في قطاع غزة يتعارض مع خطة ترامب ويؤخر التنفيذ الكامل للمرحلة الثانية من الاتفاق”. وأوضح “أبو عبيدة 2، المتحدث باسم الجناح العسكري للحركة والذي حلّ محل حذيفة كحلوت (أبو عبيدة الأصلي) الذي أُغتيل في آب الماضي، أنه لا مجال للنقاش حول هذه القضية، ويؤكد قادة آخرون في حماس أن هذه القضية وجودية بالنسبة للحركة، وأنهم على استعداد للتخلي عن الأسلحة الهجومية – وخاصة الصواريخ، التي لا يزال بعضها في غزة – ولكن ليس عن بقية وسائل الدفاع. ومن جهة أخرى، يزعم مسؤولون كبار في الإدارة الأمريكية، مثل وزير الخارجية روبيو، أنهم رصدوا “مؤشرات مشجعة” في المناقشات حول نزع سلاح حماس. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” قبل نحو أسبوع أن حماس وافقت على تسليم الحكومة التكنوقراطية (عند وصولها إلى الميدان) آلاف الأسلحة الخفيفة التي بحوزة ضباط شرطتها، بالإضافة إلى منحها الصلاحيات الكاملة في مجال الأمن الداخلي، على الرغم من أن هذا لم يتم التحقق منه بعد.

في ظل الواقع غير المستقر تمامًا في غزة، ثمة أمر واحد واضح: حماس – التي شُبّهت بالنازيين الذين يجب إبادتهم، ووُصفت كل خطوة ضدها بأنها “معركة برلين” – هي القوة المهيمنة في القطاع. تسيطر الحركة على النظام العام، وتطارد العملاء والمتعاونين، وتتحكم في المساعدات الإنسانية، وتفرض الضرائب على عمليات النهب المنظم وتديرها، وتُزيح الميليشيات التي رعتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية (أُفيد هذا الأسبوع أن الحركة صدّت هجومًا مشتركًا شنته عدة ميليشيات بدعم من إسرائيل)، وتُدير قطاع التعليم والمؤسسات الدينية التي تواصل غسل الأدمغة وتشكيل الوعي، لا سيما لدى جيل الشباب. ونتيجةً لذلك، تُركّز إسرائيل هجماتها على قوات الشرطة في غزة التي تُمثّل وتُرسّخ حكم حماس، مُلحقةً أضرارًا بالغةً بالحركة ونقاط التفتيش. يقول الباحث في شؤون غزة، أحمد الطناني: “يهدف التركيز على الشرطة إلى منع إرساء النظام وخلق الفوضى، فضلًا عن جعل حياة سكان غزة لا تُطاق لتشجيعهم على النزوح من القطاع”.

لا تُثير حرب “زئير الأسد” قلق حماس، بل على العكس تمامًا. فنجاة إيران وحزب الله من هذه الحملة الشرسة، وعدم هزيمتهما في “نصر مطلق”، يُعطي بعض التفاؤل لمن يتبنون مبدأ المقاومة. ويأمل الفلسطينيون، بمن فيهم حماس، أن يسعى ترامب إلى فرض “هيمنة أمريكية” في الشرق الأوسط، وأن يُجبر إسرائيل، كما فعل الرئيس بوش الأب بعد حرب الخليج الأولى، على تسوية القضية الفلسطينية، حتى وإن تعارضت مع مواقفها (كما حدث في مؤتمر مدريد). أما في غزة، فالأمل الأكبر هو أن يُنفذ مشروع ترامب بالكامل قريبًا، وأن يُمارس، إلى جانب إعادة الإعمار وإقامة نظام حكم جديد، ضغطًا على إسرائيل للانسحاب من الخط الأصفر، الذي يُعرّفه كثيرون في إسرائيل بأنه “الحدود الأمنية الجديدة”. من جانبها، تُؤكد حماس ترحيبها بالحكومة التكنوقراطية، وهو موقف يعكس رغبتها في محاكاة نموذج حزب الله، أي الموافقة على حكومة ضعيفة تُتيح لها الاستمرار في السيطرة على غزة.

تركز حماس نفسها على استعادة قوتها، لا سيما على الصعيد العسكري، وكما ورد في وثيقة استخباراتية قُدّمت مؤخراً إلى القيادة السياسية، فإنها تستغل وقف إطلاق النار لتعزيز نفوذها على جميع المستويات. وأوضح مصدر أمني في حديثه: “بشكل عام، وضع الجناح العسكري صعب”. كان قادتها الحاليون من الرتب الدنيا حتى قبل عامين ونصف، ولكن بسبب عمليات الاغتيال المكثفة، تم تعيينهم في مناصب عليا بسرعة ودون الخبرة والتدريب اللازمين. بعضهم كان قائد سرية في 7 أكتوبر، واليوم هم قادة ألوية. إضافة إلى ذلك، هناك ضائقة مالية واضحة، ولا توجد إمكانية لتهريب الأسلحة والمعدات كما كان الحال قبل 7 أكتوبر، لأن الجيش الإسرائيلي يسيطر بشكل محكم على جميع حدود قطاع غزة. ومع ذلك، تُبذل جهود لتجنيد ناشطين جدد، بما في ذلك من خلال أنشطة في المساجد وتوزيع منشورات موجهة بالدرجة الأولى إلى جيل الشباب؛ ويجري تكديس الأسلحة (بما في ذلك تفكيك مخلفات الجيش الإسرائيلي لغرض تجميع العبوات الناسفة)، ويتم نقل الأسلحة بين المناطق والوحدات؛ ويجري إنشاء منشآت عسكرية جديدة، بما في ذلك في المدارس والمستشفيات (وهي ظاهرة تنبع، من بين أمور أخرى، من “النقص الحاد في العقارات” في قطاع غزة اليوم)؛ ويجري استخلاص الدروس، إلى جانب صياغة عقيدة قتالية حديثة ونشرها. يُلقي مصدر أمني آخر الضوء على جهود حماس لترسيخ وضعها الحكومي: “تُوسّع الحركة نطاق تقديم الخدمات المدنية في جميع المجالات، ويتم افتتاح أقسام في المستشفيات، وفصول دراسية في المدارس، وكليات في الجامعات يوميًا. صحيح أن الوضع العام صعب، لكن لا توجد حاليًا أي انتقادات أو احتجاجات ضد حماس. من جانبها، تمتلك الحركة حساسية عالية في رصد تحركات الشارع، وتعرف، على سبيل المثال، متى تُقلّص وجودها وفرض سيطرتها في الأماكن والأوقات التي ترى أنها ستُثير احتكاكًا مع السكان. وتبرز صعوبة أخرى في دفع رواتب عناصر الحركة: فالفجوة بين مواعيد صرف الرواتب تتسع باستمرار، وكذلك حجمها – من حوالي 2000 شيكل للعنصر الواحد في الماضي إلى حوالي 800 شيكل اليوم، وهي فجوة يتم سدّها، من بين أمور أخرى، بتوفير منتجات مدنية (بعضها يأتي من المساعدات الإنسانية التي تُسيطر عليها حماس عند دخولها غزة).”

 * * *

يدير التنظيم في غزة شخصيات كانت على هامش العمل حتى 7 أكتوبر، وعلى رأسهم: علي العمودي، المسؤول عن أنشطة آليات الحركة والحكومة، وعز الدين حداد، رئيس الجناح العسكري، ومحمد عودة، الذي شغل منصب رئيس المخابرات. ويتواصل هؤلاء مع شخصيات بارزة من الخارج، وعلى رأسهم خليل الحية. ويُتيح هذا الحوار المستمر الحفاظ على مكانة القطاع كساحة رئيسية داخل حماس.

في غضون ذلك، أُجريت يوم السبت الماضي انتخابات محلية في القطاع، وهي الأولى منذ 20 عامًا، حدث لم يُبدِ فيه كل من السلطة الفلسطينية وحماس والجمهور اهتمامًا يُذكر. وتركزت الانتخابات على الضفة الغربية، بينما اقتصرت في قطاع غزة على دير البلح فقط – “المكان الوحيد الذي بقيت فيه مدينة وبلدية على حالهما”، كما يقول ناشط من حركة فتح شارك في إدارة إحدى القوائم الانتخابية. في هذا السياق، أوضح مصدر أمني: “بعد الدمار الذي لحق بالمدن الكبرى، مثل غزة وخان يونس، تتزايد أهمية دير البلح، لتصبح مركزًا حكوميًا ومركزًا مهمًا لقوة حماس”.

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات بالمدينة 22 في المئة (مقارنةً بـ 53.4 في المئة ​​في الضفة الغربية)، مما يشير إلى عزوف الناخبين، وانقسمت المقاعد بين قائمة تابعة لحماس (لم تترشح الحركة رسميًا، إذ كان الشرط هو الاعتراف بالاتفاقيات السياسية الموقعة مع السلطة الفلسطينية)، إلى جانب قوائم من حركة فتح وأحزاب مستقلة. قلل ممثلو حماس من أهمية فوز الحركة بمقعدين فقط من أصل 15 في مجلس المدينة، زاعمين أن الانتخابات لا تعكس الواقع، وبالتالي لا تعكس سيطرتها القوية على الأرض.

يجسد الواقع في غزة حقائق يصعب على الكثيرين في إسرائيل تقبّلها: فبالرغم من النجاحات العسكرية الباهرة على جميع الجبهات، فإن الأعداء الأيديولوجيين المتعصبين لا يختفون حتى بعد عمليات الإعدام المروعة (وخاصةً، بالطبع، إعدام خامنئي ونصر الله والسنوار وهنية ومعظم خلفائهم)؛ وأنه لا يوجد حل عسكري تقليدي في الصراعات ضد هذا النوع من الأعداء؛ وأن النهاية لا بد أن تكون تسوية أو حلاً دبلوماسياً، وهي مصطلحات غالباً ما تسخر منها إسرائيل، لكنها تكتشف لاحقاً أن هذا الغرور يُلحق ضرراً بالغاً.

كانت غزة أول مكان انكشفت فيه إسرائيل على ضرورة التعامل مع بديل هو أهون الشرين بدلاً من الاستمرار في التلويح بأوهام لا أساس لها. ومع ذلك، فبدلاً من دراسة هذه الثغرة وتجنبها، تكرر الأمر نفسه في الصراعات مع إيران ولبنان، والتي تُوجّه نحو تسوية سياسية تُفرض في الواقع على إسرائيل، ودون “نصر مطلق” يتمثل في إسقاط النظام في طهران والقضاء على حزب الله.

تواجه إسرائيل حاليًا ثلاثة خيارات فيما يتعلق بقطاع غزة: 1) الاستمرار في الوضع الراهن، الخالي من أي استراتيجية أو توجيه؛ 2) اللجوء إلى قرار يتضمن تصعيد الحرب واحتلال القطاع بأكمله (وهي خطوة لا يبدو أن ترامب يوافق عليها في الوقت الراهن)؛ 3) قبول الوضع الراهن – شئنا أم أبينا – القائم على حكومة تكنوقراطية، مع إضعاف حماس وتقييد نفوذها، لكنها لم تختفِ تمامًا، ومن الضروري مواصلة العمل ضدها.

مرة أخرى، يبدو أن القرار النهائي بشأن المسار المختار من بين هذه الخيارات الثلاثة ليس بيد صناع القرار في القدس، بل بيد شخص واحد في واشنطن.

——————————————

هآرتس 1/5/2026 

قائد المنطقة الوسطى: الفلسطينيون لن يظلوا غير مبالين للارهاب اليهودي طويلا

بقلم: يهوشع براينر وينيف كوفوفيتش

 أدان قائد المنطقة الوسطى، اللواء آفي بلوط، بشدة عنف المستوطنين في الضفة الغربية مؤخرا، ووصفه بـ “الإرهاب اليهودي”، وحذر من انه يتوقع ان يؤدي ذلك الى انتفاضة عنيفة من قبل الفلسطينيين. وقالت مصادر لـ “هآرتس” بان بلوط قال في منتدى مغلق: “تكاد تكون معجزة ان يبقى الفلسطينيين غير مبالين. ولكن ذلك لن يبقى الى الابد”. وقد ميز بلوط بين المزارع في الضفة الغربية التي قال انها أقيمت “بالتنسيق مع الجيش ومؤسسات الدولة”، وبين البؤر الاستيطانية “التي تقام بدون تنسيق وتطلق على نفسها اسم مزارع”. وأشار الى ان الـ 150 مزرعة التي أقيمت بالتنسيق مع الجيش “ساعدته بدون شك”، لانها تساهم في منع “انتشار البناء الفلسطيني غير القانوني” في المناطق ج وفي مكافحة الإرهاب.

قائد المنطقة الوسطى أيضا بان معظم اعمال العنف ضد الفلسطينيين تنطلق من بؤر استيطانية أقيمت بدون تنسيق. وأشارت المصادر الى انه على غرار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وصف القائد المهاجمين بأنهم “شباب فوضويون مهمشون، بحاجة الى تدخل الخدمات الاجتماعية”. وقال “لقد تم الحفاظ على الوضع الأمني رغم اعمال الإرهاب اليهودي. هم يزيدون الغليان”.

 وأضاف الضابط بان هناك من أرادوا استغلال الحرب مع ايران لتصعيد العنف. وأوضح قائلا: “كان هناك من اعتقدوا ان الوقت قد حان لمعركة يأجوج وماجوج، وأن الوقت قد حان لاحتلال المناطق أ”. واضاف: “اتحدث اليهم، لكنهم ليسوا من النوا المهذب. يقولون لي “نحن ابطال داود وكل الردع لنا”. هذا وهم. يجب أن تلتقوا مع هؤلاء الأشخاص فهم ليسوا من أصحاب الرتب العليا، وهم يضرون بشكل كبير بدولة إسرائيل والمشروع الصهيوني. أنا اعرف تجمعات في الضفة الغربية يقولون فيها: “نحن ضد العنف، لكن حان الوقت للردع، لكننا لا نرى الى أي منحدر زلق سيقود هذا الدولة”.

 وأشار قائد المنطقة الوسطى في المنتدى الى انه حذر نتنياهو والحكومة مؤخرا من اندلاع اعمال عنف من قبل الفلسطينيين في الضفة الغربية. وقال ان هذا يعود لهجمات المستوطنين وسياسة الحكومة، بما في ذلك عدم تحويل أموال الضرائب التي تحتفظ بها إسرائيل للسلطة الفلسطينية. “أنا قلت لرئيس الحكومة، يجب ان تعرف ان الوضع الراهن جيد بشكل عام والإرهاب في ادنى مستوى، لكن هناك توتر متبادل ولا نعرف أين سيكون هناك انزلاق. ولكن عندما يتدهور الامر فانه يتدهور بسرعة”.

 وأشار بلوط الى انه اقترح على مجلس الوزراء تقديم مساعدات للفلسطينيين. “لقد قلت بانه يجب ان تكون لدينا أدوات لتهدئة الوضع بين حين وآخر، وخفض شدة التوتر. يجدر ان تكون لدينا أدوات أيضا بين حين وآخر لتخفيف حدة النيران من خلال الترهيب والترغيب، وليس الترهيب فقط. هناك أمور قد تزيد شدة التوتر، مثل الأموال التي لم يتم تحويلها للفلسطينيين منذ سنة، وقوات الامن الفلسطينية التي لم تحصل الا على 40 في المئة من الرواتب منذ سنة تقريبا”.

 وبحسبه فان الجيش يبذل كل جهده للحد من الجرائم القومية بقدر الإمكان. مع ذلك قال ان الجيش الإسرائيلي لا يجمع معلومات استخبارية عن الإسرائيليين، بل عن الفلسطينيين فقط. “في مرحلة معينة قد يتفاقم هذا الوضع، وعندها سيصبح حدث عظيم. الجميع يعرفون ان وجود 2.5 مليون فلسطيني على بعد متر واحد عن الطريق السريع 5 يعتبر حدث هام جدا”. قال وأضاف “الجيش الإسرائيلي يعمل على تعزيز المستوطنات الإسرائيلية من اجل انه اذا، لا سمح الله، بدأت انتفاضة، هي ستشكل سلسلة من العمليات وليس حادث اقتحام مثلما كان في 7 أكتوبر”.

 بلوط قال أيضا بانه وجد صلة مباشرة بين اعمال الانتقام التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين وبين ازدياد الإرهاب الفلسطيني. “اليوم نحن نعرف عن اشخاص تضرروا من عمليات تدفيع الثمن، وذهبوا على الفور بعد ذلك لتنفيذ عملية”. قال وأضاف “هؤلاء الأشخاص لا يعتبرون العرب بشر، ويعتقدون انه يمكن احراق الناس واحراق البيوت بسكانها، وهم يفعلون ذلك، للأسف، صبح مساء. لقد قرروا أنهم “يمحون عار أوسلو”. هذا عار على الشعب اليهودي، وأنا اشعر بالخجل الكبير من هذا الامر بشكل عام”. ومن بين الأمور التي تحدث عنها بلوط هي ان عدد من المستوطنين قاموا باحراق وسائل تشخيص عسكرية في مستوطنة بات عاين من اجل ان لا يشخصونهم، عندما كانوا في طريقهم لاحراق بيوت الفلسطينيين في قرية صوريف القريبة. “لقد احرقوا وسائل امنية استهدفت الحماية من المخربين كي لا يصلوا اليهم. اذا من الذي انتقموا منه؟”، تساءل.

 بلوط انتقد أيضا في تصريحاته عجز جهاز القضاء والشرطة امام عنف المستوطنين وقال “بعد قتل يهودا شيرمان قاموا باحراق ثلاث قرى في ثلاث ليالي متتالية. من بين الـ 100 شخص الذين احرقوا البيوت والسيارات اعتقلنا خمسة ملثمين وقدمناهم للمحاكمة. ماذا كان حكمهم؟ ثلاثة أيام في الإقامة الجبرية. هذا امر لا يصدق. بعد 72 ساعة خرجوا وقاموا بمهاجمة جنود حرس الحدود، فحكم عليهم قاض بابعادهم عن القرية مدة شهر. هل هذا يعتبر رادع؟ هذا مضحك. لانهم ذهبوا الى قرية أخرى”.

 وقد المح بلوط أيضا الى ان قرار وزير الدفاع يسرائيل كاتس التوقف عن استخدام الأوامر الإدارية ضد اليهود في الضفة الغربية يضعف جهاز الامن عن التصدي لهجمات المستوطنين. وقال “هم متوحشون، هؤلاء اشخاص مكانهم في السجن. أنا لا الوم أي احد، لكن يجب علينا تسمية الشيء باسمه: عندما يتم احراق البيوت بسكانها يسمى هذا إرهاب إسرائيلي، حتى لو لم تكن هناك جهة منظمة وراءه. لم يعد وزير الدفاع يصدر أوامر اعتقال اداري، لكن أنا ابذل كل جهدي لأنني ادرك الاخطار”.

 أيضا قال بلوط بان تصاعد العنف في الضفة الغربية لا يقتصر على هذه المنطقة، لان كل المجتمع الإسرائيلي اصبح عنيف اكثر في اعقاب حرب قطاع غزة. وقال: “نرى الخطاب العنيف في الحياة العامة الإسرائيلية. مؤسف ان نقول ذلك، لكن إسرائيل أيضا تغيرت، وحسب رأيي اصبح السكان عنيفين اكثر”.

 رغم ان بلوط حمل المحاكم والشرطة مسؤولية التعامل مع العنف في الضفة الغربية، الا ان الوثائق والشهادات تشير الى ان الجيش الإسرائيلي يمتنع أحيانا عن التعامل مع الهجمات ضد الفلسطينيين، أو مع هجمات المستوطنين على التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية. فقد عاد المستوطنون الذين اشعلوا النار في بيت في جالود في جنوب نابلس في هذا الأسبوع الى البيت في اليوم التالي، وتجولوا بحرية بجانب جنود الجيش الإسرائيلي. وفي شهر شباط شهد فلسطينيون بان الجنود وقفوا الى جانب مستوطنين مسلحين بالعصي، الذين هاجموا تجمع للبدو في قرية رمون قرب رام الله، ولم يقوموا بابعادهم لفترة طويلة.

——————————————

معاريف 1/5/2026 

أوبك جديدة

بقلم: البروفيسور يئير زيمون وعودي سورير

 هذا الأسبوع تلقت عبارة “النظام العالمي القديم مات” معنىً متجددا. فالاعلان الرسمي لاتحاد الامارات عن الانسحاب من منظمة أوبك زائد، بعد عشرات السنين من العضوية ليس فقط قرار اقتصادي – فني بل اعلان استقلال استراتيجي يغير قواعد اللعب في سوق النقد، يؤثر على استقرار الأسعار العالمي، ويعيد تصميم ميزان القوى في الشرق الأوسط مع تداعيات مباشرة على إسرائيل.

كي نفهم عظمة الساعة، ينبغي النظر الى تركيبة المنظمة عشية الانسحاب. منظمة أوبك زائد هي رفع مستوى الكارتل الأصلي الذي نشأ كي يضم قوى عظمى إنتاجية أخرى برئاسة روسيا. نواة أوبك تضم السعودية (الزعيمة الفعلية)، العراق، الكويت، اتحاد الامارات المنسحبة، الجزائر، ليبيا، ايران، نيجيريا، الكونغو، جابون، غينيا الاستوائية وفنزويلا. الشركاء الخارجيون هم روسيا، كازخستان، المكسيك، عُمان، أذربيجان (موردة مركزية لإسرائيل)، البحرين، بروناي، ماليزيا، السودان وجنوب السودان.

منظمة الدول المنتجة للنفط التي تعرف باسم أوبك تأسست في 14 أيلول 1960. وتم تأسيس المنظمة في مؤتمر عقد في بغداد، العراق، بمبادرة الدول المؤسسة الخمسة: ايران، العراق، الكويت، السعودية وفنزويلا. انضمت دولة اتحاد الامارات العربية الى منظمة أوبك في العام 1967. وكان هدف تأسيس المنظمة هو توحيد سياسة النفط للدول الأعضاء ولضمان أسعار مستقرة وعادلة لمنتجات النفط في ظل ضمان توريد منتظم للدول المستهلكة. المقر المركزي للمنظمة يوجد في فيينا، النمسا.

أستعرضت السعودية قوتها في اعقاب حرب يوم الغفران في العام 1973 وقادت مقاطعة نفطية تاريخية هزت العالم. الدول العربية، أعضاء أوبك، قلصت الإنتاج وأوقفت تماما الارساليات للدول التي دعمت إسرائيل في حرب يوم الغفران، مما أدى الى ارتفاع بأربعة اضعاف في أسعار النفط العالمية في غضون اشهر معدودة. وتسببت المقاطعة التاريخية بركود عالمي عميق وغيرت مفهوم امن الطاقة في الغرب مما أدى الى إقامة وكالة الطاقة الدولية (IEA) والبحث عن مصادر طاقة بديلة.

كانت منظمة أوبك زائد تحوز حتى وقت قصير مضى نحو 59 في المئة من انتاج النفط العالمي، مما سمح له ان تملي الأسعار من خلال تقليص او زيادة الإنتاج بالتنسيق. مغادرة اتحاد الامارات، المنتجة الثالثة في أهميتها في المنظمة تسحب البساط من تحت اقدام قدرة التنسيق هذه.

لم يقع الانفجار بين أبو ظبي والرياض في يوم واحد. فقد استثمرت اتحاد الامارات في العقد المنصرم عشرات مليارات الدولارات في تطوير شبكات النفط لديها وفي رفع قدرة الإنتاج الى نحو 5 مليون برميل يوميا. السقوف المتصلبة التي فرضتها أوبك زائد اجبرتها على ان تنتج اقل بكثير مما تستطيع مما مس بمردود الاستثمار وبقدرة تمويل رؤيا “اقتصاد المستقبل” للدولة.

وبينما حاولت السعودية بقيادة محمد بن سلمان الإبقاء على أسعار عالية (فوق 90 دولار للبرميل) كي تمول مشاريع طموحة، دفعت اتحاد الامارات نحو استراتيجية “البيع بأكبر قدر ممكن طالما كان النفط لا يزال هاما”، انطلاقا من الفهم بان عصر الطاقة الخضراء يقترب.

وبالطبع النزاع في الشرق الأوسط.  التوتر الأمني مع ايران والاغلاقات المتكررة في مضيق هرمز دفعت اتحاد الامارات بان تفهم بانها تحتاج الى يد حرة للتوقيع على اتفاقات لتوريد ذاتي مع المستهلكين في الغرب ومع الشرق الأقصى دون أن تكون مقيدة بمصالح روسيا او ايران في اطار منتدى المنظمة.

“ضغط لتخفيض الأسعار”

ان ترك اتحاد الامارات هو رصاصة بدء لمنافسة عنيفة. فبدون التزام بالقيود من المتوقع لاتحاد الامارات ان تضخ الى السوق نحو مليون برميل آخر في اليوم في المدى القصير. عندما يعمل لاعب كبير كهذا وحده، من شأن السعودية وروسيا أن تردا بـ “اغراق مضاد” كي تحافظا على نصيبهما في السوق مما هو كفيل بان يؤدي الى انهيار الأسعار مثلما رأينا في 2014 وفي 2020.

دول أخرى كالعراق او كازخستان تعاني هي الأخرى من القيود التي فرضتها السعودية، كفيلة بان تسير في اعقاب اتحاد الامارات. اذا تفكك أوبك زائد، فان النفط سيتحول من بضاعة تسيطر عليها السياسة الى بضاعة يقررها العرض والطلب فقط، مما سيؤدي الى حراكات متطرفة.

في المدى الفوري، تدفع الحرب الإقليمية السعر الى اعلى (في محيط 105 دولار للبرميل، صحيح حتى اليوم)، لكن التفكك البنيوي لاوبك زائد سيخلق ضغطا لتخفيض الأسعار في المدى البعيد. بالنسبة لدولة إسرائيل يعد هذا حدثا ذا تداعيات اقتصادية وجيوسياية دراماتيكية. فإسرائيل تعتمد أساسا على استيراد النفط الخام من أذربيجان، كازخستان، نيجيريا والبرازيل.

ان الارتفاع الاولي في الأسعار في اعقاب الحرب والهزة في أوبك زائد يبدو ملموسا جزئيا حاليا من اليوم، الأول من أيار، في جيب كل إسرائيل في محطة الوقود. مع ذلك، اذا أدت الخطوة الى منافسة حرة في سوق النفط العالمية، فان إسرائيل كفيلة بان تتمتع في المدى البعيد بأسعار مستقرة ومتدنية اكثر، ما يقلص غلاء المعيشة.

تخلق اتفاقات إبراهيم فرصة لإسرائيل لاتفاقات توريد بعيدة المدى مباشرة مع اتحاد الامارات دون “وساطة” كارتل النفط. هذا ذخر استراتيجي من الدرجة الأولى. خروج اتحاد الامارات من الاطار العربي – الروسي – السعودي يخلق مسيرة محتملة من تقرب إضافي للغرب ولاسرائيل، ويعمق التعاون الاقتصادي أيضا الى مجالات الطاقة والبنى التحتية.

ان وجود خط أنبوب ايلات – عسقلان والمم البري الى البحر المتوسط يصبحان اكثر جاذبية حين تعمل اتحاد الامارات خارج أوبك 6 ويسمحان بنقل النفط من الخليج عبر إسرائيل الى أوروبا (التفافي قناة السويس والتفافي مضيق هرمز). كما أن أوبك زائد كانت أحد آخر الأماكن التي كان يمكن لإيران فيه أن تؤثر على سياسة دول الخليج. اضعاف المنظمة هو ضربة لقدرة النفوذ الاقتصادي لطهران.

ان ترك اتحاد الامارات أوبك زائد ليس اقل من انهيار مفهوم يعود الى 50 سنة. يدور الحديث عن انتقال من عالم كارتيلات ممركزة الى عالم منافسة حرة، في ظل حرب إقليمية. بالنسبة لإسرائيل، هذا تحدٍ لادارة أسعار في المدى القصير، لكنه فرصة هائلة لتثبيت مكانتها الطاقية والسياسية حيال شريك قرر المراهنة على المستقبل.

——————————————

يديعوت 1/5/20226

آيزنكوت يتفكر في مساره ليقرر اذا كان سينضم الى “معا” ام يتنافس بمفرده

بقلم: ناحوم برنياع

يقع مقر آيزنكوت في مبنى مكتبي جديد شرقي رمات هشارون، وهو مبنى مطابق لمبنى مكاتب بينيت في شمال رعنانا. مدة العقد ثلاثة أشهر، مع إمكانية التمديد. باختصار، يصف هذا الترتيب، في خمس كلمات، الوضع الذي وجد آيزنكوت نفسه فيه بعد أن قرر بينيت ولبيد توحيد جهودهما. الخطة هي الترشح بقائمة مشتركة، معًا وبنزاهة، لكن خيار الترشح منفردًا، حتى النهاية، لا يزال مطروحًا. الجميع يعرف آيزنكوت الانطوائي، التحليلي، الرجل الذي يدعو مظهره إلى التربيت، بل وحتى الاحتضان. ليس من المؤكد أن شركاءه المستقبليين يعرفون مدى تمسكه برأيه، وحسمه، وعناده.

على جدار غرفته المتواضعة، بجوار صور أفراد عائلته، تُعلّق لوحة كبيرة تحمل اقتباسًا يُنسب إلى بن غوريون: “من الجيد لأعدائنا في الخارج أن يعلموا: أن على رأس أمن إسرائيل يقف رجل لا يُقهر”. هذا الاقتباس، وهو اقتباس مُعدّل من جملة في خطاب ألقاه في أواخر عام 1947، ليس من قبيل الصدفة؛ وكذلك ليس من قبيل الصدفة تكرار ذكر بن غوريون كقدوة. قبل شهرين ونصف، وصل آيزنكوت لحضور اجتماع مع بعض الشخصيات البارزة في كتلة التغيير. قال لهم: “سأقرأ عليكم الخطوط العريضة لمقترحاتي”. قرأها، فقالوا: ممتاز، كل شيء متناسق، سنتوصل إلى اتفاق في غضون عشر دقائق. قال آيزنكوت: “لم أكتب هذه الوثيقة. هذا خطاب بن غوريون في الكنيست، في آذار 1949”.

منذ ذلك الحين، قطع بينيت ولبيد الاتصال بآيزنكوت. واستمر هذا الانقطاع منذ ذلك الحين وحتى هذا الأسبوع.

لقد غيّر الزمن الذي انقضى خريطة القوى داخل الكتلة. حافظ غولان على اليسار وليبرمان على اليمين على استقرارهما في استطلاعات الرأي، وبقيت الكتلة ككل مستقرة، على مشارف الحصول على ستين مقعدًا، لكن سُجّلت تحولات في الوسط: فقد تراجع غانتس إلى ما دون العتبة الانتخابية بكثير؛ وبعده، شهد لبيد تراجعًا تدريجيًا، من عدد مقاعد مكون من منزلتين إلى منزلة واحدة. وتوقعت التنبؤات مزيدًا من التراجع، إلى ما دون العتبة. لقد علّمني الراحل يوسي سريد هذا الدرس عن حزبه ذات مرة. قال: “عندما يتوقف حزب مثل ميرتس عن كونه ضابط ايقاع، فإنه يتراجع”. عمل أعضاء الكنيست في حزب يوجد مستقبل بجد في اللجان، وألقى لبيد خطابات مُنمّقة في الجلسة العامة، لكن الايقاع انتقل إلى مجالات أخرى أكثر حيوية. ووقع على عاتق غادي آيزنكوت، الذي يفتقر إلى الكاريزما.

لقد أدرك لبيد خطورة موقفه وقرر اتخاذ إجراء. أقول هذا تقديرًا له: في مناورة سياسية بارعة، أنقذ حزب “يوجد مستقبل” ونفسه من كارثة انتخابية، ونصب نفسه زعيمًا مطلقًا في الكتلة، ومنح بينيت القيادة التي كان يتوق إليها، ووفر له 24 وحدة تمويل للانتخابات. بل إنه فعل شيئًا آخر: أعاد المعارضة، التي اعتبرها ناخبوها خاملة ومهزومة ولا تحظى باهتمام الرأي العام، إلى دائرة الضوء. امتلأ النظام السياسي بمبادرات، بعضها سابق لأوانه والبعض الآخر زائف: حزب يميني جديد مؤيد لنتنياهو ومعارض له في آن واحد، وتحالف بين هندل وليبرمان، وتحالف بين آيزنكوت وجولان. وقد احتفت وسائل الإعلام بهذا الحدث.

لقد عزز هذا التحالف اعتماد بينيت على التجربة المجرية: فقد شكل اليمين المجري ائتلافًا شاملًا، وجلب أصوات اليمين التي أطاحت بأوربان.

لكن لهذه العملية ثمن. اجتمع فريق آيزنكوت في اليوم التالي لمناقشة تأثير هذا التحالف على الكتلة بأكملها، وعلى حزب “يشار!” على وجه الخصوص. هل سيقرب التحالف الكتلة من تحقيق هدفها المنشود، وهو 61 مقعدًا، أم سيبعدها عنه؟ كيف سيكون رد فعل المترددين، وكيف سيكون رد فعل الناخبين الجدد، وكيف سيصوت العرب الذين قد يدعمون حزبًا يهوديًا؟ يعمل خبير استطلاعات الرأي مانو جيفا لصالح آيزنكوت، وبينيت، والقناة 12. ويرى الجميع الأرقام نفسها. وفقًا لأرقامه، يحتل التحالف بين بينيت ولبيد المرتبة التاسعة أو العاشرة – بحسب فئة الناخبين – في جذب الأصوات المترددة. ولكل فئة تحفظاتها بشأن بينيت، أو لبيد، أو الشراكة بينهما. عندما يزول الحماس، وعندما تهدأ الأمور، كما اعتقد فريق آيزنكوت، سيختفي السحر.

بالطبع، لديهم مصلحة. فعندما يُقام حفل في الحي، حتى أولئك الذين لم يرغبوا بالمشاركة يشعرون بعدم الارتياح وهم يقفون في الخارج. لم يكتفِ الاتحاد بإقصاء آيزنكوت من الحفل، بل هدد بإقصائه من الإجماع الذي يوحد معارضي الحكومة. الهدف المتفق عليه هو إسقاط الحكومة الحالية. وأي شخص يضع العراقيل، مهما كان السبب، سيُستبعد من الطريق.

بعد ظهر يوم الأحد، اتصل لبيد بآيزنكوت. جرت المكالمة في تمام الساعة الخامسة إلا خمس دقائق، أي قبل خمس دقائق من الإعلان الرسمي. بينما يتذكر آخرون أنها كانت قبل سبع دقائق. استقبله آيزنكوت على الفور، بكل ما يُتوقع منه في مثل هذه اللحظات، لكن الحدث ترك بصمته. لم يكتفِ لبيد بذلك، بل أعلن في اليوم التالي استعداده للتخلي عن منصبه كثاني شخص في قائمة “معًا” لإفساح المجال لآيزنكوت. اعتبر الجمهور هذا الإعلان بادرة كرم، حيث تبرع شخص بالغ مسؤول بجزء من موارده من أجل الصالح العام. لقد فهم الحدث بشكل أفضل، باعتباره محاولة أخرى لعزله، وتهميشه، وإجباره. ما فعله شارون بنتنياهو في خطابه “بيبي أيضًا، بيبي أيضًا”، فعله لبيد مع آيزنكوت.

ستكون لهذه الإهانة تداعيات على علاقة الثقة في الحكومة المقبلة، إن وُجدت. يعرف خصوم آيزنكوت وأصدقاؤه أنه لا ينسى أبدًا. وكعادته، لخص الحدث بعبارة ساخرة: الأمر أشبه بحرب أكتوبر، ولكن بدلًا من أن يقاتل المصريون والسوريون ضد إسرائيل، تقاتلوا فيما بينهم.

 أجواء القمم

يختبر هذا التحالف قدرة آيزنكوت على النأي بنفسه عما حدث والنظر إلى المستقبل. تمامًا كقائد في جولاني اختار مسارًا ليسلكه ثم اكتشف أنه مسدود. التوقف وأعادة حساب المسار. يبقى الهدف كما هو – تحقيق أغلبية تسمح بتشكيل ائتلاف مستقر بدون نتنياهو. هو مقتنع بأن نتنياهو سيخسر الانتخابات: التفاؤل هو عصب أي مرشح.

وهو يبرر رفضه الانضمام حاليًا بأمله في جلب أصوات جديدة للكتلة بفضل شعبيته. هذا هو المنطق. لكن وراء هذا المنطق، يتشكل شيء آخر: ثقة متزايدة بأنه قادر على الفوز بالانتخابات، وأنه سيؤدي دوره كرئيس للوزراء على أكمل وجه. هو وحده. لقد تغير فيه شيء ما في الأسابيع الأخيرة: يبدو وكأنه يعيش في قمة السعادة. حتى مظهره تغير قليلًا – فقد 11 كيلوغرامًا في العام الماضي.

اتصل به الطيار الأسطوري يفتاح سبيكتور. سأله: لماذا ترفض تشكيل حكومة مع حزب عربي؟ العرب يشكلون 20 في المئة من سكان إسرائيل.

أجاب آيزنكوت: “انتبه لما قلته”. قلتُ حكومة صهيونية ورسمية. حكومة الرسمية تشمل العرب والمتدينين المتشددين. على كل من ينضم إليها أن يستوفي ثلاثة شروط: إسرائيل يهودية وديمقراطية، وقيم إعلان الاستقلال، والالتزام بالخدمة، عسكريًا أو مدنيًا.

ربما أكون مخطئًا، لكنني أفترض أن منصور عباس قادر على استيفاء هذه الشروط. آيزنكوت، على عكس بينيت ولبيد، لا يستبعد التعاون مع حزب عربي، ولا حتى مع حزب متدين متشدد. هذا مثير للاهتمام.

الناس يحبونه. عندما زار الأسبوع الماضي مستوطنات السامرة، وأريئيل، وبركان، وفدوئيل، وغيرها، استقبله السكان باحترام. هذا لا يعني أنهم سيصوتون له. في هذا السياق، يجب أن نتذكر الشعار الذي خاض به إيهود أولمرت انتخابات بلدية القدس عام 1993، ضد تيدي كوليك. “نحب تيدي، نصوت لأولمرت”، ​​هكذا كان الشعار. وقد أقنع الكثيرين. تُعبّر منشوراته عمومًا عما يُجمع عليه جميع معارضي الحكومة. كان بإمكان لبيد وبينيت التوقيع عليها دون تردد. لكنه، على عكس بينيت، يُؤيد حل الدولتين، واتفاقيات أوسلو. ولعل الأهم في الوقت الراهن، أنه واضح جدًا في انتقاده للحرب في إيران ولبنان. لا يخشى وصف الحرب على الجبهتين بالفاشلة.

يجد مغالطة منطقية في الحملة ضد إيران. فالأهداف التي حددتها الحكومة – تفكيك المشروع النووي والصواريخ والوكلاء – تتطلب وجود النظام واستمراره في العمل. أما الهدف الرابع، وهو إسقاط النظام، فيُناقض الأهداف الثلاثة الأولى. ويُؤكد أن الإيرانيين يُحققون النصر بعدم الخسارة. وينطبق الأمر نفسه في غزة ضد حماس، وفي لبنان ضد حزب الله. لقد ذهبت جميع الخطط الموضوعة في الجيش الإسرائيلي، من ضربة قاضية في غزة إلى احتفالات التكريم في لبنان، وكل الإنجازات العسكرية، سدىً. وضاعت 15-30 مليار شيكل هباءً.

يثير لبنان غضبه بشكل خاص، ربما لأنه كان متورطًا، بصفته قائدًا للقيادة الشمالية، ورئيسًا لشعبة العمليات، ورئيسًا للأركان، في التخطيط لسلسلة من التحركات العسكرية التي كان من المفترض أن تحل المشكلة اللبنانية نهائيًا. ويؤكد أنه لا يوجد قتال في لبنان، وأن الجيش الإسرائيلي يناور بشكل جانبي، على بعد ما بين خمسة وعشرة كيلومترات داخل البلاد. كان ينبغي بذل المزيد من الجهود في مناطق أوسع بكثير، بما في ذلك بيروت. لقد دخلنا في مستنقع. إن الفشل الذي أعقب السابع من أكتوبر أسوأ من فشل السابع من أكتوبر نفسه.

في إحدى مناقشات مجلس الوزراء في بداية الحرب، عندما كان آيزنكوت وزيرًا بلا حقيبة وزارية وعضوًا في الحكومة، انطلق نتنياهو في حديثه عن إسرائيل باعتبارها إسبرطة الحديثة، إسبرطة فائقة. فأعطاه آيزنكوت درسًا في التاريخ. قال إن إسبرطة كانت وكيلة لإيران. ما الذي جعلها تسقط؟ لقد سقطت بسبب انخفاض معدلات التجنيد، والسيطرة على شعب آخر، وعدم تعليم المواضيع الأساسية.

لقد أعلن آيزنكوت هذا الأسبوع انضمام شاؤول ميريدور إلى حزبه. ميريدور، الرئيس السابق لقسم الميزانية، ينتمي إلى الجيل الثالث في عالم السياسة. وإن لم أكن مخطئًا، فلأول مرة في إسرائيل، يترشح مرشح من الجيل الثالث: كان جده إلياهو قائدًا في منظمة الإرغون وعضوًا في الكنيست عن كتلة حيروت؛ وكان والده دان سكرتيرًا في حكومة بيغن ووزيرًا في عدد من الوزارات المركزية.

لم يُعجب الجميع على الإنترنت بهذا التعيين الجديد. سأل أحد رواد الإنترنت: “متى ستضيفون مغربيًا إلى قائمتكم؟”. فأجابه آيزنكوت بسؤال: “مغربي غيري؟”.

 أمرٌ مُزعج.

“معًا”، الاسم الذي اختاره بينيت ولايد لقائمتهما المشتركة، هو مجرد ومضة عابرة. تذكرت وزيرة النقل ميري ريغيف، التي ملأت محطات القطارات والطرق بين المدن بلافتات “معًا سننتصر”. أمرٌ مُزعج. يجب إزالة هذه اللافتات من الأماكن العامة، وكان من الأفضل لو وُضعت قبل ساعة.

——————————————

هآرتس 1/5/2026

“تعيين موضع شك”.. هل تقبل بريطانيا بسفير إسرائيلي متهم باعتداءات جنسية؟

بقلم: أسرة التحرير

إن موافقة الدولة على ضم المرأة التي زعم أن تساحي بريفرمان اعتدى عليها جنسياً إلى خطة حماية الشهود، هي تعبير خطير آخر على تدهور الحزب الحاكم إلى مطارح منظمات الجريمة. امرأة، حسب الاشتباه، تعرضت لاعتداء جنسي وحشي من رئيس طاقم رئيس الوزراء، بحاجة إلى خطة كثيرة المقدرات تبني لها هوية جديدة في بلاد أخرى كي تحظى بالعدالة على ما ارتكب بحقها.

وحسب ما نشره غيدي فايس ويهوشع براينر في “هآرتس” (28/4) فإن قرار عرض انضمام المرأة إلى برنامج حماية الشهود اتخذ قبل أن تدلي بشهادة كاملة في القضية. رغم ذلك، فإن محاولات أخذ إفادة كاملة لم تنجح، لأنها لم تصل إلى اللقاءات مع أفراد الشرطة بسبب التخوف من رد فعل بريفرمان. لا يمكن التقليل من خطورة الحدث: شكوى في مخالفة جنسية لا تتمكن من الوصول إلى التحقيق فيها، لأن المشتكية تخاف من رئيس طاقم رئيس الوزراء وكأنه كان مجرم قمة. الدولة مستعدة لأن تستثمر في تحقيقها تلك الوسائل التي تستخدمها تجاه الجريمة المنظمة، وحتى هذا لا يكفي.

لقد وقعت الحادثة موضع البحث في أوائل 2022 وبقدر ما هو معروف، علم بتفاصيلها في الزمن الحقيقي لمقربي الضحية مما يعزز مصداقيتها، بخلاف ادعاءات بريفرمان وكأنه “ابتز” بواسطة شبهات بمخالفة جنسية. ومع ذلك، بغياب شكوى رسمية لم يفتح تحقيق. إن تعيين بريفرمان سفيراًلإسرائيل في بريطانيا أقر في أيلول الماضي، بعد نحو سنة من فتح تحقيق ضده للاشتباه في تغيير محضر جلسة الحكومة في 7 أكتوبر 2023. حتى لو أقرّ التعيين دون أن تعرف الحكومة الاشتباه بمخالفة جنسية خطيرة، فإن هذه القضية وحدها توصم ترشيحه بالعار. منذ أقر التعيين انكشفت أيضاًقضية “اللقاء الليلي”، حيث أطلع بريفرمان -حسب الاشباه- إيلي فيلدشتاين بشأن تحقيق أمني خفي، لكن هذه الحالة لم تدفع الحكومة أيضاً للتراجع عن التعيين.

إن السحابة الكثيفة التي ترافق بريفرمان، بما في ذلك ادعاؤه بأنهم يحاولون ابتزازه، تجعله مرشحاً غير مناسب ليمثل إسرائيل في عاصمة إحدى الدول الهامة في أوروبا، في فترة وصلت فيها مكانة إسرائيل الدولية إلى درك غير مسبوق. إن إصرار الحكومة على التمسك بتعيينه رغم كل هذه القضايا يثير الاشتباه بأن هناك من يريد إبعاد بريفرمان عن إسرائيل والحكومة، ويصعّب تحقيقات معمقة في قضاياه، ولهذا السبب أيضاً فإن تعيينه موضع شك. إذالم تلغِ إسرائيل التعيين فعلى حكومة بريطانيا أن ترفض أوراق اعتماده.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article