الضغط على طهران لم ينجح…لماذا؟

المسار : يفهم كلا الجانبين الآثار السلبية لهذه الحرب. فبالنسبة لواشنطن، يتضمن ذلك ارتفاعات كبيرة في أسواق الطاقة، سوف تؤدي إلى تفاقم التضخم، في الوقت الذي تواجه فيه إدارة الرئيس ترامب موقفا سيئا بالفعل من الناخبين الأميركيين، عشية انتخابات الكونغرس….

يرى المحلل السياسي ألكسندر لانجلويس أنه، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء رحلة مبعوثيه إلى إسلام آباد، في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، والفشل الواضح للمفاوضات الأميركية الإيرانية في باكستان، بات من الواضح أنه، عقب قرابة تسعة أسابيع من الحرب، فشلت القوة العسكرية في تغيير الموقف التفاوضي للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وقال لانجلويس، وهو محلل سياسات خارجية أميركي يركز في عمله على شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويشغل منصب محرر أول في مجلة “الديمقراطية في المنفى” التابعة لمنظمة “الديمقراطية الآن للعالم العربي”، إنه، في هذا السياق، فإن خطورة العودة الكاملة المحتملة للقتال، إضافة إلى الأضرار المدنية والألم الاقتصادي الآخذ في التفاقم جراء الصراع، لا تزال عالية، حتى وسط شائعات منتشرة عن محادثات مستقبلية.

وفي نهاية المطاف، يتعين على واشنطن تجنب أي عودة لصراع عسكري مباشر مع إيران، بصرف النظر عن نتيجة المحادثات.

وأضاف لانجلويس، الذي يتميز بتحليلاته حول قضايا إعادة الإعمار، والسياسة الخارجية الأميركية، وعلاقات دول المنطقة، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية، أنه، في البداية، لم تشكل المحادثات غير المباشرة، التي انطلقت في الحادي عشر من الشهر الماضي، واستغرقت نحو 21 ساعة تقريبا قبل انهيارها، جهدا يتسم بحسن النوايا لإنهاء القتال.

ويفهم كلا الجانبين الآثار السلبية لهذه الحرب. فبالنسبة لواشنطن، يتضمن ذلك ارتفاعات كبيرة في أسواق الطاقة، سوف تؤدي إلى تفاقم التضخم، في الوقت الذي تواجه فيه إدارة الرئيس ترامب موقفا سيئا بالفعل من الناخبين الأميركيين، عشية انتخابات الكونغرس.

وبالنسبة لطهران، فإن الحرب ذات طبيعة وجودية، وتسعى إيران إلى إنهاء الحرب بشروط مرضية وملائمة، لمنع اندلاع جولة أخرى من القتال، والمزيد من التدهور للمصالح الاقتصادية والأمنية للبلاد.

ويجعل هذا العنصر الوجودي بالنسبة لإيران، المقترن بالتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، مسار الصراع مزعجا بالنسبة لترامب.

وبعدما نفذ بالفعل حملة قصف واسعة النطاق، وبعد حديثه الطنان عن محو حضارة، تتضمن خيارات الرئيس ترامب للتصعيد عمليات برية، أو توسيع رقعة حملة القصف، التي سوف تزيد اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان على نطاق واسع.

ويعكس قراره بفرض حصار على الموانئ الإيرانية، مباشرة بعد انهيار المحادثات في إسلام آباد، مسلكا وسطا داخل هذه الديناميكية.

وتمثل هذه الخطوة أيضا اعترافا بأن أي عملية برية من هذا القبيل سوف تضع المزيد من القوات الأميركية في خطر، من دون ضمان تأثير ذي مغزى على الموانئ والصادرات الإيرانية، ومن دون الدفع بزيادة ضخمة أخرى من الإمكانيات إلى المنطقة.

والأمر الأسوأ هو أن مثل هذه العمليات سوف تحول هذه الحرب إلى حرب يتم شنها على المجتمع الإيراني بوضوح، مما يعزز شرعية الجمهورية الإسلامية، وعزمها على الرد بأسلوب حرب الاستنزاف.

وسوف تشكل استراتيجية إفقار كل الإيرانيين جريمة الحرب المتمثلة في العقاب الجماعي، والتي أثار شبحها بالفعل تهديده بتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران.

ويعد ذلك الفهم هو السبب وراء لجوء ترامب إلى خيار تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى مع إيران، يوم 21 نيسان/ أبريل، بدلا من استئناف الهجمات.

ويفهم ترامب أن التمادي في الحرب غير الشعبية، قبل انتخابات التجديد النصفي، وسط تراجع كبير في التأييد، سوف يفاقم سوء موقفه في الداخل. غير أن الحصار ما زال يشكل عملا من أعمال الحرب.

وبينما من المؤكد أنه مؤلم للجمهورية الإسلامية، فإنه يفشل في إعادة فتح مضيق هرمز، ناهيك عن أنه يمنع بالكامل أسطول الظل الإيراني من نقل النفط إلى منافسي الولايات المتحدة، مثل الصين.

وبينما يكرر المعلقون المتشددون، في تقييماتهم، أن طهران سوف تخسر في نهاية المطاف لعبة التحدي مع واشنطن، فإن الحقيقة أكثر تعقيدا للغاية، بصفة خاصة لأن الجانبين، والمجتمع الدولي الأوسع نطاقا، يعانون جميعا من تأثيرات اقتصادية سلبية لصراع متجمد، من الناحية الافتراضية.

وفي هذا السياق، ينتظر مسؤولو إدارة ترامب، الذين يعولون على إضعاف عزم إيران، نتيجة غير محتملة.

ومنذ اندلاع الحرب، كسبت إيران نفوذا من خلال تشديد السيطرة على نقطة العبور اللوجستية الحيوية لمنتجات الطاقة والبضائع الأساسية الأخرى، مثل الأسمدة.

ولا تحتاج إيران إلى استخدام تكتيكات تقليدية للاحتفاظ بسيطرتها، إذ يتعين عليها فقط مواصلة الهجمات والتهديد بها، لكي تغلق بالفعل المضيق.

وبينما فهم أولئك الذين حذروا من الدخول في حرب مع إيران احتمال هذا السيناريو، أعربت إدارة ترامب عن صدمة حقيقية إزاء هذا التطور.

ويبدو أن واشنطن تعتقد أن زيادة الضغط يمكن أن ترغم إيران على الاستسلام بشأن قضية مضيق هرمز، وأنه يتعين على دول أخرى أن تساعد الولايات المتحدة في حل هذه المشكلة، التي ساعدت هي نفسها في حدوثها.

ومن المرجح أن تكون هذه افتراضات خاطئة.

وتعكس رغبة الإدارة الأميركية المستمرة في استخدام ترهيب وإكراه دول أخرى على معالجة هذه القضية، حتى من خلال تشكيل تحالف جديد، الثقة المحدودة للإدارة في ذلك الافتراض أساسا.

ويصل هذا الاعتماد المستمر على القوة الغاشمة، التي فشلت بالفعل في تحقيق النتيجة المرجوة في الحرب، إلى حد التخلي عن السيطرة على الصراع لصالح جهات فاعلة أخرى.

والأمر الأسوأ أنه يعكس رغبة في إرغام جهات فاعلة أخرى على حل المشاكل التي تسببت فيها الولايات المتحدة.

وهذه ليست سياسة جيدة، وهذا تهديد يضر بالمكانة العالمية لواشنطن.

وتعد تلك العقلية في التفكير هي السبب وراء فشل المحادثات في إسلام آباد، ومن المرجح أن تفشل مرة أخرى، من دون حدوث تغيير كبير في طريقة التفكير من جانب البيت الأبيض.

وتفهم إيران أنها قد زادت نفوذها، واختارت تشديد مواقفها التفاوضية نتيجة لذلك.

ولم يعد يشكل ما قاله وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، قبيل اندلاع الحرب، بأن طهران مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة بشأن برنامجها النووي خلال تلك الجولة من المحادثات في مسقط، موقف الجمهورية الإسلامية.

ويمثل هذا الموقف الجرح الأحدث، الذي تم التسبب فيه ذاتيا في ملف إيران، تماما مثلما حدث في عام 2018، عندما انسحب الرئيس ترامب من اتفاق نووي فعال وسارٍ مع الجمهورية الإسلامية، ما دفع إيران إلى توسيع نطاق قدراتها النووية ومخزونها، في نهاية المطاف.

ويجب أن يعالج ذلك التطور وحده إخفاقات ما أصبح مستنقعا آخر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو مستنقع يتعين عليها أن تتجنبه مهما كان الثمن في المستقبل.

Share This Article