المسار: كتب إسماعيل الريماوي: في عالم السياسة لا توجد علاقات بريئة، ولا تحالفات قائمة فقط على العواطف أو القيم المعلنة، خلف الشعارات الكبرى تتحرك المصالح، وتتشابك شبكات النفوذ، وتُعاد صياغة موازين القوى بطرق أكثر تعقيدًا مما يبدو على الشاشات والخطابات الرسمية، ومن بين أكثر العلاقات إثارة للجدل عالميًا تبرز العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، ليس فقط بسبب حجم الدعم غير المحدود الذي تمنحه واشنطن لتل أبيب، بل بسبب السؤال الذي ظل حاضرًا لعقود في أروقة السياسة والإعلام والفكر: من يُسيّر من؟ هل إسرائيل مجرد أداة أمريكية في الشرق الأوسط، أم أن النفوذ الصهيوني داخل بنية القرار الأمريكي جعل من واشنطن نفسها أسيرة لهذه العلاقة؟
هذا السؤال غالبًا ما يُطرح بطريقة انفعالية أو عبر نظريات مؤامرة تبسيطية، لكن الحقيقة أكثر تركيبًا وتعقيدًا، فالعلاقة بين أمريكا وإسرائيل ليست علاقة سيّد وتابع بالمفهوم التقليدي، بل علاقة اندماج مصالح، حيث يحتاج كل طرف الآخر بدرجات مختلفة، ويؤثر فيه بطرق متبادلة، حتى أصبحت الحدود بين الداعم والمدعوم ضبابية في كثير من الأحيان.
منذ نشأة الحركة الصهيونية أدرك قادتها أن المشروع لا يمكن أن ينجح بالقوة العسكرية وحدها، ثيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية السياسية، فهم مبكرًا أن بناء دولة يهودية يحتاج إلى اختراق مراكز القرار الدولي، والسيطرة على أدوات التأثير الحديثة، من المال إلى الإعلام إلى السياسة ، لم تكن الصهيونية مشروع استيطان فقط، بل مشروع نفوذ طويل المدى، يقوم على بناء شبكة علاقات داخل القوى العظمى القادرة على حماية المشروع وضمان استمراره.
لاحقًا، جاء زئيف جابوتنسكي ليطوّر مفهوم “الجدار الحديدي”، الذي لم يكن مجرد عقيدة عسكرية تجاه العرب، بل فلسفة سياسية كاملة تقوم على فرض الوقائع بالقوة، ومنع أي تراجع عن المشروع الصهيوني عبر بناء تفوق دائم سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، ومنذ ذلك الوقت بدأت الحركة الصهيونية تتحرك بذكاء داخل البنية الغربية، خصوصًا في الولايات المتحدة، التي كانت تتجه لتصبح القوة الأعظم بعد الحرب العالمية الثانية.
حين اعترف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بإسرائيل عام 1948، لم يكن القرار مجرد تعاطف أخلاقي بعد المحرقة النازية، بل كان أيضًا قرارًا استراتيجيًا ينسجم مع رؤية أمريكية تعتبر إسرائيل قاعدة متقدمة للمصالح الغربية في الشرق الأوسط، ومع مرور الوقت، تحولت إسرائيل من حليف ناشئ إلى ركيزة أساسية في السياسة الأمريكية الإقليمية.
لكن ما يميز هذه العلاقة أن إسرائيل لم تكتفِ بدور “الوكيل” أو “القاعدة المتقدمة”، بل عملت على بناء نفوذ عميق داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، هنا يظهر دور اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها “إيباك”، التي تحولت إلى واحدة من أقوى جماعات الضغط السياسي في واشنطن، هذا النفوذ لا يعمل عبر السيطرة المباشرة كما تروّج بعض الخطابات الشعبوية، بل عبر أدوات السياسة الأمريكية نفسها: تمويل الحملات الانتخابية، التأثير في الإعلام، الضغط على الكونغرس، وصناعة بيئة سياسية تجعل أي انتقاد لإسرائيل مكلفًا انتخابيًا وسياسيًا.
ولهذا أصبح الدعم الأمريكي لإسرائيل شبه ثابت، بغض النظر عن الحزب الحاكم أو الرئيس الموجود في البيت الأبيض، الجمهوريون والديمقراطيون يختلفون في ملفات كثيرة، لكنهم يلتقون تقريبًا عند حدود حماية إسرائيل وضمان تفوقها العسكري والسياسي في المنطقة.
الرئيس الأمريكي جو بايدن عبّر بوضوح عن هذه الحقيقة حين قال: “لو لم تكن هناك إسرائيل لوجب علينا أن نخترعها”، لم تكن الجملة مجرد مجاملة سياسية، بل اختصارًا لفلسفة أمريكية ترى في إسرائيل
أداة استراتيجية لحماية النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وضمان بقاء المنطقة ضمن توازنات تخدم المصالح الغربية.
لكن في المقابل، تكشف مواقف عديدة أن إسرائيل لا تتحرك فقط بوصفها تابعًا يتلقى الأوامر، ففي كثير من الأحيان استطاعت التأثير في القرار الأمريكي نفسه، وجرّ واشنطن إلى تبني سياسات تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية المباشرة، فالحرب على العراق عام 2003 مثلًا، ظلّت تُطرح في كثير من الدراسات باعتبارها واحدة من أكثر الحروب التي استفادت منها إسرائيل استراتيجيًا، رغم الكلفة الباهظة التي دفعتها الولايات المتحدة نفسها.
كما أن شخصيات أمريكية عديدة تحدثت عن حجم الحساسية تجاه اللوبي الإسرائيلي داخل واشنطن، الرئيس ريتشارد نيكسون أشار في تسجيلات شهيرة إلى الخشية من الاصطدام بالنفوذ اليهودي في الإعلام والسياسة، بينما ذهب دونالد ترامب إلى مستوى غير مسبوق من الانحياز العلني لإسرائيل، سواء عبر نقل السفارة إلى القدس او في الحرب على غزة او في الحرب على إيران وفي دعمه المفتوح لبنيامين نتنياهو حتى في أزماته الداخلية والقضائية.
ورغم كل ذلك، يبقى من الخطأ الحديث عن “سيطرة يهودية مطلقة على العالم”، لأن هذا التوصيف يختزل نظامًا عالميًا شديد التعقيد في سردية مبسطة وغير دقيقة، العالم لا تحكمه جماعة واحدة، بل شبكة مصالح تضم دولًا وشركات عملاقة ومؤسسات مالية ولوبيات متعددة الجنسيات والانتماءات، النخب اليهودية المؤثرة جزء مهم من هذه الشبكات، لكنها ليست القوة الوحيدة فيها.
في الواقع أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أصبحت مع الوقت أقرب إلى شراكة عضوية متداخلة، أمريكا تمنح إسرائيل الحماية العسكرية والسياسية والاقتصادية، وإسرائيل تمنح أمريكا دور “الشرطي المتقدم” في منطقة تعتبر من أكثر مناطق العالم حساسية واستراتيجية، وكل طرف بات يحتاج الآخر إلى درجة تجعل الحديث عن التبعية المطلقة غير دقيق.
المفارقة أن إسرائيل، رغم صغر حجمها الجغرافي والديمغرافي، نجحت في بناء تأثير عالمي يفوق بكثير حدودها الطبيعية، ليس فقط بسبب الدعم الأمريكي، بل بسبب قدرتها على التغلغل داخل دوائر النفوذ وصناعة السرديات والتحالفات ، لقد فهمت مبكرًا أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضًا بالإعلام والاقتصاد والقدرة على تشكيل الوعي والرأي العام.
السؤال الحقيقي ليس من يحكم من، بل كيف وصلت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب إلى هذا المستوى من التشابك الذي جعل المصالح متداخلة إلى حد يصعب فيه أحيانًا التمييز بين القرار الأمريكي الخالص، والقرار الذي تُعيد إسرائيل تشكيله من الداخل عبر نفوذها السياسي والإعلامي والاستراتيجي، فالعالم الحديث لا يُدار فقط من فوق، بل من داخل المؤسسات والشبكات ومراكز التأثير، وهناك تحديدًا تكمن قوة الصهيونية الحقيقية.
وفي خضم هذا التشابك المعقد بين النفوذ الأمريكي والقوة الصهيونية، جاءت حرب غزة لتكشف أن أعظم ما كانت تملكه إسرائيل لم يكن السلاح وحده، بل الصورة التي نجحت لعقود في ترسيخها داخل الوعي الغربي باعتبارها “الدولة الديمقراطية المحاصرة” التي تدافع عن نفسها، والمدافع الحقيقي عن الحضارة والقيم الغربية الديمقراطية في وسط عالم إسلامي متطرف ، غير أن مشاهد الإبادة والدمار والتجويع الجماعي التي خرجت من غزة إلى العالم لحظة بلحظة، بدأت تُحدث شرخًا غير مسبوق في هذه الرواية، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، الحاضنة الأكبر للمشروع الإسرائيلي.
ففي الجامعات الأمريكية، ووسائل الإعلام، وداخل الشارع الغربي، ظهرت للمرة الأولى موجة واسعة من التساؤلات حول طبيعة هذا الدعم غير المشروط لإسرائيل، وحول النفوذ الذي جعل الإدارات الأمريكية تبدو عاجزة أخلاقيًا وسياسيًا أمام جرائم تُبث على الهواء مباشرة، لقد بدأت صورة إسرائيل
تتآكل تدريجيًا، ليس فقط كدولة احتلال، بل كمشروع فقد قدرته على إقناع الأجيال الجديدة بالرواية القديمة التي طالما احتكرت دور الضحية.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر؛ فالقوة التي نجحت لعقود في التغلغل داخل مراكز القرار والإعلام والمال، حيث تبدو اليوم أمام معركة مختلفة: معركة الوعي العالمي، فالدبابات تستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع احتلال الحقيقة إلى الأبد، والنفوذ السياسي قادر على تأجيل المحاسبة، لكنه لا يستطيع إيقاف التحولات العميقة داخل الرأي العام العالمي.
لهذا، فإن السؤال الذي بدأت الحديث بطرحه: “من يُسيّر من؟” ربما لم يعد وحده السؤال الأهم، بل كيف بدأت الحرب على غزة تهزّ الأساس الأخلاقي والسياسي الذي قامت عليه هذه العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب، فحين تبدأ إسرائيل بخسارة صورتها داخل الغرب، وحين يتحول الدفاع عنها إلى عبء أخلاقي وسياسي متزايد، فإن ذلك قد لا يعني سقوطًا فوريًا للمشروع الصهيوني، لكنه بلا شك يفتح الباب أمام بداية تراجع تاريخي طويل، بدأت ملامحه الأولى تظهر من غزة، حيث لم تُكسر فقط أسطورة القوة الإسرائيلية، بل بدأت تتصدع أيضًا أسطورة الهيمنة على الوعي العالمي.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة المسار

