بقلم: متان غولان
امرأة محجبة وأولادها دخلوا الى القاعدة العسكرية القديمة. يوجد بيتهم هناك، وقد وافق الكابنت مؤخرا على شرعنة مستوطنة في هذا المكان. في شمال الضفة الغربية يقود مستوطن سيارته قرب الجدار الأمني. سيتوجه قريبا الى بوابة الجدار ويسير في طريق مباشر نحو بيته في البؤرة الاستيطانية، ويمر في منطقة اطلاق النار، وقد تمت شرعنة وضعه بحسب أمر عسكري. في السنوات الأخيرة تغيرت خارطة الضفة الغربية من خلال استخدام البنية التحتية الأمنية واوامر الاستيلاء العسكرية لتلبية احتياجات المستوطنات والبؤر الاستيطانية. بهذه الطريقة يتمكن المستوطنون، بدعم وتدريب من الجيش، من تغيير الواقع على الأرض.
يتنوع استخدام الأوامر العسكرية والبنى التحتية العسكرية لتلبية احتياجات المستوطنين، ويمكن تقسيمها الى عدة ظواهر جديدة: تغيير حدود مناطق التدريب على الرماية لأغراض الاستيطان، أوامر الاستيلاء لشق الطرق التي تؤدي الى البؤر الاستيطانية والمستوطنات، إعطاء حق الوصول الحصري الى البؤر الاستيطانية على طول الجدار، والموافقة على إقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية داخل القواعد العسكرية القديمة. وبينما يطالب الجيش الإسرائيلي المحكمة العليا بطرد سكان القرى الفلسطينية الموجودة في مناطق التدريب على الرماية في الضفة الغربية، فقد بدأ مؤخرا بالاستيلاء على أراضيهم لاقامة بؤر استيطانية وتوسيع المستوطنات.
تخصص مناطق التدريب على الرماية لتدريب الجيش الإسرائيلي، ويمنع المدنيون من دخولها بدون تنسيق مسبق. وحتى ثمانينيات القرن الماضي أعلنت إسرائيل بان حوالي 18 في المئة من أراضي الضفة الغربية هي مناطق تدريب على الرماية. وفي 1979، حسب محضر اجتماع اللجنة الوزارية للاستيطان، صرح وزير الزراعة في حينه اريئيل شارون، بان الهدف من انشاء مناطق التدريب على الرماية في العام 1967 هو “الحفاظ على احتياطي للاستيطان”. مثلا، تم تصنيف حوالي 56 في المئة من مساحة غور الأردن ومنطقة البحر الميت كمناطق تدريب على الرماية. وفي العقد الماضي شبه مسؤول رفيع المستوى في قيادة المنطقة الوسطى البناء الفلسطيني في مناطق التدريب على الرماية في الضفة الغربية بالاعشاب الضارة وقال انه عندما لا يكون هناك تدريب “تنمو الأعشاب الضارة”. وأضاف بان التدريب في هذه المناطق يهدف الى تقليل عدد الفلسطينيين المقيمين فيها، في اطار “مكافحة البناء الفلسطيني غير المرخص”.
وقد تم هدم مباني تجمع خربة حمصة في غور الأردن، التي كانت توجد في السابق ضمن منطقة الرماية 903، من قبل الإدارة المدنية عدة مرات، الى أن أجبرت على الاخلاء الأخير في تموز 2021، حيث قام الجيش الإسرائيلي بتحميل ممتلكات العائلات في شاحنات، ثم قام بالقائها فوق تلة نائية، واضطر هذا التجمع الى إعادة التوطن في مكان آخر، على اطراف منطقة الرماية.
في مسافر يطا في جنوب الضفة الغربية سمحت المحكمة العليا في 2022 باخلاء سكان ثماني قرى عاشوا في حدود منطقة التدريب 918، وذلك لصالح التدريبات العسكرية المنتظمة. ولكن الدولة لم تتخذ أي إجراءات لاخلائها منذ ذلك الحين، بل ركزت على هدم المباني فيها. وفي نفس الوقت، منذ العام 2023، تمت إقامة 10 بؤر استيطانية داخل منطقة التدريب، بينها ثلاث مزارع على الأقل أقيمت بالتنسيق مع القيادة السياسية. ورغم انشاء هذه البؤر في المنطقة، اكد الجيش الإسرائيلي في حزيران 2025 على موقفه بان المنشآت الفلسطينية تعيق التدريب هناك، وبالتالي، تضعف الكفاءة العملياتية للجنود.
الى جانب الأعشاب الضارة التي يجب ازالتها، كما قال الضابط رفيع المستوى في قيادة المنطقة الوسطى، توجد أيضا مباني غير قانونية يجب تطويرها. مع مرور السنين ومع نمو المزارع وتمددها في الضفة الغربية تجاوزت بعض المباني فيها مناطق التدريب. وقد علمت “هآرتس” ان قائد المنطقة الوسطى وقع في أيلول الماضي على ثمانية أوامر لتعديل حدود مناطق التدريب في الضفة الغربية بهدف إضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية المتعدية عليها، والسماح بتوسيع مستوطنات أخرى.
المؤقت يتحول الى دائم
في سبعينيات القرن الماضي، أي في العقد الأول بعد احتلال الضفة الغربية، كانت أوامر الاستيلاء على الأراضي التي أصدرها الجيش هي الوسيلة الأساسية لاقامة المستوطنات. في تلك السنوات تم بناء 43 مستوطنة بحسب هذه الأوامر، التي هي أوامر مؤقتة بطبيعتها، رغم ان القانون الدولي ينص على استخدامها فقط لغرض الامن والاغراض العسكرية لسلطة الاحتلال. وحسب دراسة أجرتها جمعية كيرم نبوت فقد استخدم تقريبا 40 في المئة من الأراضي التي صدرت بشانها أوامر الاستيلاء التي وقعها الحاكم العسكري في الضفة الغربية حتى العام 2014، لاقامة المستوطنات، وهذه نسبة اعلى من النسبة المستخدمة للأغراض العسكرية أو بناء جدار الفصل أو أغراض أخرى. خلال سنوات وافقت المحكمة العليا على موقف الدولة الذي يقول بان المستوطنات تخدم غرض امني مؤقت، لكن في قرار حكم المحكمة العليا بشان الون موريه، الصادر في تشرين الأول 1979، نقضت المحكمة قراراتها السابقة وامرت باخلاء المستوطنة، بعد ان اعلن المستوطنون الحاضرون في قاعة المحكمة نيتهم الاستقرار فيها بشكل دائم. وفي اعقاب هذا الحكم تغيرت استراتيجية الدولة في بناء المستوطنات، وبعد بضعة أسابيع صدر قرار حكومي يقضي بان المستوطنات الجديدة لن تقام الا على أراضي “دولة”. ومنذ ذلك الحين تم الإعلان عن مئات آلاف الدونمات في الضفة الغربية كـ “اراضي دولة”. وبعد تقديم التماس من قبل جمعية “بمكوم” وجمعية “حقوق الفرد” تبين في العام 2018 ان اكثر من 99 في المئة من أراضي الدولة في الضفة الغربية قد تم تسليمها للمستوطنات.
في الاعوام 1979 – 1983 تمت إقامة 12 مستوطنة أخرى بحسب أوامر مصادرة، استنادا الى انها بؤر استيطانية للناحل، وبسرعة تم تحويلها الى مستوطنات مدنية. ومنذ ذلك الحين، باستثناء حالة واحدة في 1991، توقفت الدولة عن إقامة مستوطنات جديدة بهذه الطريقة – حتى وصول الحكومة الحالية للحكم. في العقود الأخيرة استمرت أوامر الاستيلاء العسكري في خدمة المستوطنين، لكن بطريقة مختلفة. في البداية شرعنت هذه الأوامر المناطق المبنية في المستوطنات، ولكن بعد العام 1983 استخدمت بشكل أساسي لشق الطرق الأمنية حولها، من اجل تامينها وتطويرها.
تولت إدارة المستوطنات التابعة للوزير بتسلئيل سموتريتش صلاحيات كانت مخولة في السابق للإدارة المدنية، في مجال الأراضي وتنظيم المستوطنات وتخطيط البناء وانفاذه والتشريع في المجالات المدنية، ولهذا الغرض تم استحداث منصب جديد في الجيش – نائب رئيس الإدارة المدنية، الذي يشغله الان هيلل روت. عمليا، تتخذ القرارات في إدارة سموتريتش المدنية وتنفذ بتوجيه من روت من قبل الإدارة المدنية. وقد تم نقل صلاحية تقديم الاستشارة القانونية بشان المسائل التي تنقل لادارة المستوطنات، من صلاحية المستشار القانوني العسكري الملتزم بالقانون الدولي بحكم الاحتلال العسكري للضفة الغربية، الى النائب العام في وزارة الدفاع. أيضا نقلت مهمة التخطيط والبناء في المستوطنات، وسياسة المزارع وتنظيم البؤر الاستيطانية وربطها بالبنى التحتية، والترويج لخطط الطرق، من الجيش الى الإدارة. ولكن توقيع أوامر الاستيلاء المستخدمة لشق الطرق التي تؤدي الى المستوطنات والبؤر الاستيطانية واعدادها ما زال من اختصاص قائد المنطقة الوسطى.
حسب بيانات مؤسسة كيرم نبوت البحثية، شهدت السنوات الأخيرة ارتفاع في عدد أوامر الاستيلاء المستخدمة لشق الطرق المؤدية للمستوطنات. في الأعوام 2023 – 2025 صدر 140 امر استيلاء على الأراضي “لأغراض امنية”. وقد صدر، حسب الجمعية، 81 في المئة منها لتلبية احتياجات المستوطنات والبؤر الاستيطانية، سواء لغرض الحماية من خلال شق “طرق التفافية امنية حولها” أو لغرض تمهيد الطرق التي تؤدي اليها. وشهد العام 2025 وحده ارتفاع ملحوظ في عدد هذه الأوامر، حيث تضاعف عددها اكثر من ضعفين مقارنة مع السنة السابقة.
اما النوع الثاني والأكثر وضوحا فهو أوامر الاستيلاء على شوارع ليست طرق امنية، التي تم شقها حول المستوطنات، وهي في الواقع تستخدم لشق وشرعنة طرق لبؤر استيطانية. في آذار 2025 مثلا، وقع على امر استيلاء لشرعنة شارع تم شقه الى بؤرة استيطانية عنيفة هي بؤرة تسور مسغافي، التي تم اخلاءها بشكل كامل في تشرين الثاني من نفس العام.
وحسب الباحث درور ايتكس فقد أصبحت أوامر الاستيلاء هي الوسيلة الرئيسية لشق الشوارع التي تؤدي الى البؤر الاستيطانية والمستوطنات، الامر الذي أدى الى تجريدها من غرضها الأصلي الذي يتمثل بتلبية الاحتياجات الأمنية.
في السنوات الثلاثة الأخيرة وافق مجلس الوزراء على شرعنة وضع الكثير من المستوطنات داخل القواعد العسكرية المهجورة أو التي تم اخلاءها، بما في ذلك شدمة وغادي وملاخي هشالوم وافيتار وادوريم ومعلوت حلحول وغودار.
درور ايتكس قال “ان الخلط بين الجيش والمدنيين هو توجه واضح الان، وكأننا عدنا أربعين سنة الى الوراء، الى الفترة التي سبقت قرار حكم المحكمة العليا في قضية الون موريه، حيث كانت أوامر الاستيلاء العسكري تستخدم من اجل المستوطنين. وهذا الاتجاه هو مؤشر على العصر الذي نعيش فيه، وهو تعبير آخر عن ضعف الاستشارة القانونية في المنظومة العسكرية”.

