انتقادات لضغط عقوبات أوروبا على الاستيطان

المسار : وافق الاتحاد الأوروبي أخيراً على فرض عقوبات ضد مستوطنين إسرائيليين وجماعات استيطانية متورطة في أعمال عنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة أثارت غضباً واسعاً داخل دولة الاحتلال، بينما اعتبرها منتقدون “إجراءً شكلياً” يهدف إلى تجنب فرض عقوبات أوسع على الدولة الإسرائيلية نفسها.

وجاء القرار بعد موافقة وزراء خارجية الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماع عقد في بروكسل، على فرض عقوبات تستهدف مستوطنين وجماعات استيطانية متهمة بتنفيذ اعتداءات إرهابية ضد الفلسطينيين.

وأعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الوقت حان “للانتقال من الجمود إلى التنفيذ”، مؤكدة أن التطرف والعنف يجب أن تكون لهما عواقب واضحة.

كما قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن الاتحاد الأوروبي قرر فرض عقوبات على مجموعات وقادة استيطانيين مسؤولين عن “أعمال خطيرة وغير مقبولة يجب أن تتوقف فوراً”.

غضب إسرائيلي

في المقابل، أثار القرار غضباً حاداً داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر العقوبات بأنها “تعسفية وذات دوافع سياسية”.

أما وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتامار بن غفير، المعروف بدعمه للحركة الاستيطانية، فاتهم الاتحاد الأوروبي بـ”معاداة السامية”، داعياً الحكومة الإسرائيلية إلى تمرير مشروع قانون يمنع تطبيق العقوبات الأجنبية على البنوك الإسرائيلية.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، نفذت جماعات المستوطنين الإسرائيليين منذ أكتوبر 2023 ما يقرب من 3000 هجوم ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، ما أدى إلى تهجير ما لا يقل عن 28 قرية فلسطينية يسكنها نحو 12 ألف فلسطيني، وفق منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو.

ولم تُستكمل بعد الإجراءات القانونية والتقنية الخاصة بتطبيق العقوبات الأوروبية، التي ستشمل ثلاثة مستوطنين وأربع جماعات استيطانية لم تُكشف أسماؤهم رسمياً حتى الآن.

ورغم القرار الأوروبي، تواصل دول الاتحاد الأوروبي الحفاظ على علاقات اقتصادية وعسكرية وأكاديمية واسعة مع دولة الاحتلال بما في ذلك استمرار اتفاقيات الشراكة والتعاون المختلفة.

تجنب عقوبات مباشرة

يرى نشطاء ومتخصصون في القانون الدولي أن العقوبات الحالية تستهدف أفراداً هامشيين بينما تتجنب أوروبا اتخاذ إجراءات تمس الدولة الإسرائيلية بشكل مباشر، رغم اعتبارها الداعم الأساسي لعنف المستوطنين وسياسات التوسع الاستيطاني.

وتعود آخر محاولة أوروبية جدية لفرض عقوبات على المستوطنين إلى يوليو 2024، بعد أن فرضت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن وبريطانيا عقوبات على أربعة إسرائيليين متورطين في اعتداءات ضد الفلسطينيين.

كما فرضت دول مثل فرنسا وأستراليا وكندا واليابان عقوبات مماثلة على مستوطنين إسرائيليين خلال الفترة الماضية.

وكانت المجر، بقيادة رئيس الوزراء اليميني السابق فيكتور أوربان، من أبرز المعارضين للعقوبات الأوروبية ضد دولة الاحتلال، لكن هذا الموقف تغير بعد خسارة حزب أوربان الانتخابات الأخيرة.

وتبقى القضية الأكبر داخل أوروبا مرتبطة بمستقبل العلاقات الاقتصادية مع دولة الاحتلال، إذ يُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لتل أبيب بحجم تبادل تجاري بلغ 42.6 مليار دولار خلال عام 2024، متقدماً على الولايات المتحدة والصين.

وترتكز هذه العلاقات على “اتفاقية الشراكة” الموقعة عام 1995، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2000 ومنحت تل أبيب امتيازات تجارية واسعة داخل السوق الأوروبية.

وخلال العامين الماضيين، تصاعدت المطالب الأوروبية بإعادة النظر في الاتفاقية بسبب الحرب على غزة، لكن دولاً مثل ألمانيا وإيطاليا والتشيك والنمسا عارضت هذه الخطوة.

في المقابل، فرضت دول أوروبية عدة، بينها إسبانيا وبلجيكا وسلوفينيا وأيرلندا وهولندا، حظراً وطنياً على استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية.

وقالت المحامية الفلسطينية المتخصصة في القانون الدولي لما نزيه إن العقوبات الأوروبية الأخيرة لا تتجاوز كونها “إجراءات شكلية”، مؤكدة أن الضغط الحقيقي يتمثل في مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية مع دولة الاحتلال.

وأضافت أن فرض عقوبات على عدد محدود من المستوطنين لن يوقف حملة تهجير الفلسطينيين وعنف المستوطنين المدعوم من الحكومة الإسرائيلية.

من جهته، اعتبر منسق اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة محمود نواجا أن العقوبات الأوروبية محاولة للتهرب من المسؤولية الحقيقية عن دعم دولة الاحتلال، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي يواصل منح تل أبيب امتيازات تجارية ودعماً سياسياً وعسكرياً رغم استمرار الحرب والتهجير.

كما قالت الناشطة الفرنسية المتضامنة مع فلسطين آن تواليون إن العقوبات تمثل “الحد الأدنى من الحد الأدنى”، ووصفتها بأنها “ستار دخاني” لتأجيل اتخاذ خطوات حقيقية ضد دولة الاحتلال بينما تستمر عمليات مصادرة الأراضي الفلسطينية.

وأشار التقرير إلى أن هجمات المستوطنين منذ عام 2023 أدت فعلياً إلى تقويض الوجود الفلسطيني في أجزاء واسعة من شرق الضفة الغربية ووادي الأردن، مع الاستيلاء على مساحات زراعية كبيرة وطرد سكان عشرات القرى الفلسطينية.

كما أسفرت اعتداءات المستوطنين منذ بداية عام 2026 عن مقتل ما لا يقل عن عشرة فلسطينيين في الضفة الغربية، بحسب التقرير.

Share This Article