بقلم: عاموس هرئيلِ
الحياة تشبه تكرار ممل. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يؤجل باستمرار موعد الحرب، لكن الأمور بقيت على حالها منذ بداية شهر نيسان. ترامب غير متحمس للعودة الى حرب شاملة مع ايران، والنظام في طهران يعرف ذلك. لذلك هو يمتنع عن تقديم تنازلات في المفاوضات غير المباشرة التي تجرى عبر باكستان، وقد يؤدي الجمود المستمر في المحادثات في نهاية المطاف الى استئناف الحرب، خلافا لرغبة الرئيس. إسرائيل، التي ترغب حكومتها في استئناف الحرب وتريد المشاركة فيها، تتصرف وكأن القرار اتخذ بالفعل وسيتم تنفيذه في القريب.
في مساء يوم الاثنين بتوقيت إسرائيل اعلن ترامب بانه وافق على طلب زعماء كل من السعودية وقطر والامارات – الدول التي تخشى كلها من هجمات إيرانية انتقامية – وانه مستعد لتمديد مهلة إيجاد حل سلمي للنزاع، ولكن لبضعة أيام فقط. وفي اليوم السابق، أضاف ترامب بان الطائرات الامريكية كانت على بعد ساعة واحدة من اصدار الامر لشن هجوم على ايران. وتؤكد مصادر في إسرائيل على رواية الرئيس بشكل عام. ويبدو ان الوقت المتبقي لاتخاذ القرار النهائي أصبح ضيق. في غضون ذلك صرح امس بانه غير مستعجل، وان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيفعل ما يريد ترامب منه فعله.
سيؤثر قرار الرئيس على الجبهة الداخلية في إسرائيل. ايران تهدد بالرد بقوة اذا تعرضت لهجوم. من الواضح ان قدرتها على اطلاق الصواريخ البالستية اقل مما كانت عليه في حزيران الماضي، عشية الحرب الأولى بين الدولتين، لكنها ما زالت قادرة على احداث فوضى مستمرة في الداخل ودفع الملايين من الإسرائيليين الى الملاجيء والغرف الامنة في العيد.
من وجهة نظر إسرائيلية تبدو تصريحات ترامب الأخيرة مجرد تأجيل تكتيكي. ويقولون بان الرئيس يعتزم شن هجوم، نظرا لما يعتبره انعدام للخيارات الأخرى. ويأمل ان ينتهي الامر في هذه المرة بشكل مختلف عن الهجوم السابق. عمليا، لم تؤد خمسة أسابيع ونصف من الضربات العسكرية الامريكية والإسرائيلية الى انهيار ايران. هذا الفشل هو الذي ردع ترامب حتى الان عن استئناف القتال.
لم يظهر المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، وكبار قادة الحرس الثوري المحيطين به، مرونة كافية بشان القضايا الجوهرية – التي يرى ترامب انها مستقبل المشروع النووي وفتح مضيق هرمز – بما يسمح بوقف اطلاق نار اكثر استقرارا وبدء مفاوضات جادة للتوصل الى اتفاق. أيضا لم تسفر زيارة ترامب في بيجين والتقائه بالرئيس الصيني، حسب معرفتنا، عن أي انفراجة. بين حين وآخر يجوز لنا العودة الى تشخيص البرت اينشتاين، حتى لو اصبح مبتذل: الجنون هو تكرار الفعل نفسه مرارا وتكرارا مع توقع نتيجة مختلفة.
من جهة أخرى الوقت يمر بسرعة: لم يبق الا ثلاثة أسابيع تقريبا على انطلاق بطولة كاس العالم لكرة القدم، التي تعتبر الولايات المتحدة احدى الدول الثلاثة المضيفة لها. من الواضح ان ترامب الذي يعاني من تراجع شعبيته وارتفاع التضخم في بلاده، يخشى خوض حرب عبثية في الخليج، بينما يأمل تحقيق مكاسب سياسية داخلية.
نشرت “نيويورك تايمز” امس نبأ آخر كان يعتبر في السابق ضرب من الجنون، ويستقبل الان بتجاهل تام. وحسب الصحيفة ناقشت أمريكا وإسرائيل في بداية الحرب تعيين محمود احمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق (2005 – 2013)، كحاكم جديد في طهران. احمدي نجاد الذي يتم ذكره في إسرائيل في المقام الأول كمنكر صريح للكارثة، سئم من الخلافات المتكررة مع عائلة خامنئي وانصارها على مر السنين، لكنه ما زال يتمتع بشعبية معينة بين بعض شرائح الشعب الإيراني. مع ذلك، تبدو فكرة تعيينه بالقوة، فكرة خيالية.
مع مرور الوقت يتضح ان الحرب الحالية في ايران هي مقامرة أمريكية – إسرائيلية متطرفة، مبنية على خطط عملياتية غير مكتملة، وعلى آمال لا أساس لها. في العام 2018 ضغط رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على ترامب للانسحاب احادي الجانب من الاتفاق النووي. وكانت النتيجة، عند عودة ترامب الى البيت الأبيض في كانون الثاني 2025، تسارع في سعي ايران لامتلاك السلاح النووي وتكديس اليورانيوم المخصب الذي يمكن ان ينتج 11 أو 12 قنبلة، اذا تم تخصيبه بعد ذلك الى مستوى عسكري.
أدى الهجوم الإسرائيلي في حزيران الماضي، بمساعدة أمريكا في قصف منشأة فوردو، الى اضعاف النظام وتاخير المشروع النووي الى حد ما. ولكن الحرب لم تحقق النتائج الحاسمة التي وعد بها ترامب ونتنياهو قبل سنة تقريبا. فقد أدى تسارع مشروع ايران للصواريخ البالستية، وحسب بعض الادعاءات استئناف التقدم في المشروع النووي، الى قرار شن هجوم جديد في شباط الماضي، الذي حفزه أيضا قمع الاحتجاجات في كانون الثاني الماضي. مع ذلك لم تتم ترجمة التفوق العسكري الذي اظهرته الولايات المتحدة وإسرائيل الى قرار حاسم في الحرب، ويبدو الان ان ترامب يفكر في تصعيد الموقف. في الوقت الحالي، بينما يروج صحافيون يؤيدون نتنياهو سيناريوهات مخيفة حول عمليات للكوماندو، ما زالت الحرب في ايران تعتبر فشل استراتيجي.
الإحباط والغضب
يؤثر الجمود في الخليج أيضا على الوضع في جنوب لبنان. ما زال الجيش الإسرائيلي ينشر ثلاث فرق هناك، لكن تحت امرتها يعمل عدد قليل نسبيا من الطواقم القتالية على مستوى لواء، التي لا تتقدم شمالا، بل تحافظ على خط من المواقع داخل الأراضي اللبنانية على بعد 10 كم شمال الحدود مع إسرائيل. وتركز القوات بشكل أساسي على مسح القرى الشيعية والمواقع التي يستخدمها حزب الله، التي توجد في المناطق تحت سيطرتها.
يواصل حزب الله اطلاق عدد كبير من المسيرات المفخخة كل يوم. وما زالت هذه الطائرات، التي تشغل عن بعد عبر الالياف الضوئية، هي السبب الرئيسي للخسائر في صفوف القوات الإسرائيلية في لبنان. ويتركز معظم النقاش العام حول تأخر إيجاد حل تقني لاسقاط هذه الطائرات، التي لا يمكن اسقاطها باستخدام الحرب الالكترونية، خلافا للمسيرات الأكبر حجما والطائرات اللاسلكية. ولكن الجانب الذي لا يحظى بالنقاش الكافي يتعلق بالانضباط العملياتي للقوات في الدفاع. وتظهر التحقيقات الأولية التي اجراها الجيش الإسرائيلي بان عدم الالتزام بالتعليمات الدفاعية الأساسية هو السبب الرئيسي للخسائر في حوادث كثيرة. ويرتبط هذا الاستنتاج بظاهرة أوسع في الجيش الإسرائيلي، التي تتمثل بعدم الانضباط والاحداث العملياتية التي كانت واضحة منذ بداية الحرب في كل الجبهات.
وقد كتب اللواء المتقاعد تمير هايمن، رئيس معهد بحوث الامن القومي والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، هذا الأسبوع بان “قرار عدم اخلاء المستوطنات هذه المرة (في الجليل)، إضافة الى التصريحات الحادة لشخصيات سياسية بارزة بشان نزع سلاح حزب الله كهدف للحرب، خلق واقع مستحيل. واضح ان الجيش الإسرائيلي يعجز حاليا عن احتلال لبنان وفرض نزع سلاح حزب الله. في مواجهة حماس، المنظمة الأضعف بكثير، استغرق الامر ثلاث سنوات لمعرفة ان مثل هذا النصر المطلق غير ممكن. وبالتاكيد، نزع سلاح حزب الله غير ممكن في غضون الحرب مع ايران، في حين ان لبنان يعتبر جبهة ثانوية، ورئيس الأركان يرفع “عشرة اعلام حمراء بشان حالة القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي”.
صباح امس أصيب قائد اللواء المدرع النظامي 401، اللواء مئير فيدرمان، إصابة خطيرة بسبب غارة جوية بطائرة مسيرة. خلال زيارة في الحدود اللبنانية في منتصف شهر آذار، صرح لـ “هآرتس” بانه يعرف مهمته جيدا، حيث كان الجيش الإسرائيلي، لا سيما سلاح الجو، يركز بالكامل على الهجوم على ايران. وقال في حينه: “لسنا القوة الرئيسية، وجميعنا نعرف ذلك. أنا اتصرف بمسؤولية”. وأضاف ان قرار عدم اخلاء المستوطنات القريبة من الحدود هذه المرة اسعده، لان الجيش الإسرائيلي قادر على انجاز مهمته وحمايتها. لقد تم استدعاء فيدرمان لتولي منصب قائد اللواء في تشرين الأول 2024، بعد قتل صديقه العقيد احسان دكسا، في انفجار عبوة ناسفة في مخيم جباليا في شمال قطاع غزة.
في اليوم السابق قتل ضابط احتياط في قوات المظليين، الرائد ايتمار سفير من اريئيل، في اشتباك مع عنصر من حزب الله في جنوب لبنان. كان سفير اثناء خدمته النظامية ضابط في وحدة النخبة مغلان. الاسم الثاني لابنه اطلقه تيمنا بصديقه المقرب يفتاح يافتس، ضابط وحدة مكافحة الإرهاب الذي قتل في 7 تشرين الأول مع مقاتلين آخرين من مغلان في معركة انقاذ كيبوتس ناحل عوز. ما زالت هناك شريحة ضئيلة من الجنود تتحمل عبء الحرب وتدفع الثمن الاغلى.
ترسم المحادثات مع الضباط الذين يخدمون حاليا في لبنان ومع آبائهم صورة قاتمة ومقلقة. القادة الصغار يقولون ان مهمتهم الأساسية هي إعادة رجالهم الى البيت سالمين، الذين يتعرضون لتهديد مستمر من المسيرات المفخخة، ويجدون صعوبة في تحديد الاستراتيجية التي تتبعها القيادة العليا، ونشاطهم الرئيسي هو التدمير الكبير للبيوت في القرى بذريعة انها كانت البنية التحتية العملياتية لحزب الله. الإحباط من الخسائر في الأرواح، وحظر ترامب شبه الدائم للغارات على بيروت والبقاع، يفجر الغضب الشديد ضد القرى الموجودة شمال نهر الليطاني بدون أي امل حقيقي.
الجيش يأمل ان تؤدي المفاوضات السياسية التي تجرى برعاية أمريكية في واشنطن بين السفير الإسرائيلي والسفير اللبناني في الولايات المتحدة الى انفراجة معينة. في الوقت الحالي لا تبدو الافاق واعدة. ولكن الملفت للنظر هو الغياب التام لأي نقاش استراتيجي: يفضل نتنياهو عدم الخوض فيه، وتعاني هيئة الأركان العامة من ضغط الجناح المتطرف في الحكومة، وتخشى ان يتم تصويرها كدمية في يدها، في حين كل الجهات الأخرى التي كان من المفروض ان تساهم في النقاش أو تشرف عليه (مجلس الوزراء ووزير الدفاع ومجلس الامن القومي ولجنة الشؤون الخارجية)، محايدة وغير مبالية، حتى ان بعض المناصب العليا بقيت شاغرة لفترة طويلة. كل ذلك يراقبه سكان الجليل الغربي واصبع الجليل بغضب متزايد، وقد عادوا الى روتين القصف والخسائر اليومية، بينما يتمتع مركز البلاد وجنوبها بفترة هدوء طويلة من الحرب.
——————————————

