كتب أسامة خليفة: الامتداد الزمني في سردية النكبة

المسار : يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش في سردية النكبة أننا «لا نلتفت إلى أمس لاستحضار وقائع جريمة وقعت، فما زال حاضر النكبة ممتداً ومفتوحاً على جهات الزمن، ولسنا في حاجة إلى ما يذكرنا بتراجيديتنا الإنسانية المستمرة منذ …. فما زلنا نعيشها هنا والآن، وما زلنا نقاوم تداعيات نتائجها، الآن وهنا، على أرض وطننا الذي لا وطن لنا سواه… لن ننسى أمس، ولا الغد، والغد يبدأ الآن من الإصرار على مواصلة السير على هذا الطريق، طريق الحرية، طريق المقاومة».

يمكن نظرياً فقط فصل سردية الماضي «استحضار مأساة عام 1948 كحدث تاريخي»، عن سردية الحاضر «النكبة مازالت ماثلة في سياسات التهجير، والاستيطان، والتمييز العنصري، والتي يعاني منها الفلسطينيون اليوم»، عن سردية المستقبل «مشروع التحرر الوطني وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، والتمسك بحق العودة كحق قانوني وجمعي لا يسقط بالتقادم»، أما عملياً فالخط الزمني للنكبة لا ينفصل، والسردية يجب أن تربط الماضي بالحاضر وبالمستقبل، بهذا الشكل يتحول الزمن في السردية من عنصر من عناصرها ليكون أحد شخوصها، تترابط حركة الزمن بأبعاده المختلفة الموضوعي والنفسي والمجرد، بل يشكل الزمن البعد الرابع مع الأبعاد المكانية الثلاثة كنسيج كوني واحد، لا يمكن فصل المكان عن الزمان، بحيث نستطيع أن نتخيل الوضع كأنه سلسلة أحداث.

في هذا السياق، السردية الفلسطينية أو الرواية الفلسطينية لا تعني طريقة إيصال الأحداث والأفكار والمشاعر بطريقة جذابة ومؤثرة كفن وعمل إبداعي في الحكاية كنص أدبي، رغم أنها تستخدم أداة السرد القصصي ذاتها، إنما السردية هنا، تشمل خطاباً سياسياً، ثقافياً، اجتماعياً يتبناه المجتمع الفلسطيني عموماً بكل مؤسساته وأفراده، يهدف إلى الإقناع الفكري من أجل تغيير أو تعزيز المعتقدات، والمواقف، والتوجهات لدى المتلقي، بتقديم أدلة من واقع الحال ووقائع التاريخ، تؤثر على القناعات بطريقة طوعية، من خلال توجيه عقول الناس نحو رؤية معينة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتعميق الفهم بجوانب القضية الفلسطينية.

إن مضمون السردية الفلسطينية واحد ليس ثمة اختلاف جوهري في بنيتها إلا في حدود معينة من تقديم وتفسير وترتيب أحداث التاريخ الفلسطيني، ارتباطاً بنشوء وتطور الحركة الصهيونية، لا تخلو هذه السردية من وجهة نظر أدباء ومفكّرين ومنظّرين ومهتمين ومحللين فلسطينيين، استطاعوا أن يعكسوا مصالح الشعب الفلسطيني وأهدافه، ولا تخلو من وجهات نظر الهيئات والمؤسسات الاجتماعية، الأسرة وحكايا الجدات ورواية كبار السن، والتاريخ الشفوي، ولا تخلو من رؤية وأيديولوجيا الراوي ضمن الإطار الوطني إنها عملية يتم من خلالها إعادة بناء وتشكيل الأحداث والمعتقدات المشتركة للمجتمع عبر التفاعل الاجتماعي الواسع. بحيث يتم ترتيب الأحداث وربطها معاً، وفق رؤية شخص أو مجموعة أو جهة رسمية أو شعبية، أو دولة أو حزب للتأثير في المتلقي بما يخدم غاية المروّج وأهدافه السياسية والثقافية، وتوجيه الرأي العام نحو قضية معينة، فنقل السردية ليس نقلاً محايداً للوقائع، ولا يخضع لمجرد الموضوعية المطلقة، ومع ذلك تكتسب مصداقية عالية، ولو أثار بعض نقاطها جدلاً، أو محاولات التفنيد والإنكار من قبل الخصوم.

شهد شهر أيار -باعتباره شهر النكبة الفلسطينية – العديد من الندوات والنشاطات التي قامت بها جهات فلسطينية متعددة لأحياء ذكرى النكبة، في مختلف مناطق التواجد الفلسطيني باعتبار أن النكبة نكبة وطن ونكبة شعب بأكمله، إنما مخيمات اللجوء ومناطق الشتات أصبحت رمزاً لها، تصدى لإحياء ذكراها الاتحادات الشعبية الفلسطينية والفصائل الفلسطينية والأكاديميات والمنتديات الثقافية، في إطار إحياء أيام الثقافة الفلسطينية واستذكاراً لمرور ثمانية وسبعين عاماً على النكبة الفلسطينية تتواصل الفعاليات الثقافية والفكرية التي تعيد صياغة الماضي ليخدم اهتمامات الحاضر، وتحويل رواية الأحداث التاريخية إلى ظاهرة ثقافية تستطيع توليد فعل اجتماعي يقوم على الوعي، عندئذ تتحول السردية من مجرد سرد وثائقي تاريخي إلى خطاب يتفاعل معه الجمهور، ويصبح موضوعاً للنقاش، يشغل الرأي العام المحلي العربي والعالمي، ويحوّل الأفراد من مجرد مطلعين على التاريخ إلى متفاعلين مع أحداثه، ولهم رأي فيها وموقف ودور.

كان السرد في النكبة وظروفها ومجرياتها يدور حول الماضي، والتعمق بشكل بالغ في القراءات في كتب التاريخ، دون البحث في كيف يتفاعل الإنسان الفلسطيني المنكوب مع هذا الحدث التاريخي، وكيف يتفاعل معه الجمهور العربي، وقد برز ضعف حراك الشارع الفلسطيني والعربي تضامناً مع نكبة غزة الحالية وربطها تاريخياً بما سبق من نكبات، مقارنة بحراك الشارع الأوروبي، وكيف يستقبل المتلقي الأجنبي سردية النكبة بماضيها وحاضرها. باعتبار أن الأحداث الحالية مرتبطة بتاريخ وماضي تعرض فيه الشعب الفلسطيني إلى مأساة لم يشهد العالم مثيلاً لها، وما زالت قائمة مستمرة حتى الآن، وتحاول الرواية الصهيونية أن تفصل أحداث طوفان الأقصى عن سياقها التاريخي كمجرى صراع امتد لنحو قرن من الزمان، شهد تناقضاً بين روايتين لأحداث العام 1948 فلسطينية وإسرائيلية، في سعيهما للتأثير في الرأي العام العالمي، ليدعم الموقف السياسي لهذا الطرف أو ذاك، بالنسبة للفلسطينيين، يمثل هذا العام الزمني نكبة اتسمت بالتطهير العرقي، وتدمير مئات القرى، والتهجير القسري لنحو 750 ألف فلسطيني.

وإذا كنا نطلق مصطلح نكبة، فالجانب الإسرائيلي يُطلق عليها اسم «حرب الاستقلال» أو «حرب التحرير»، أدت إلى إعلان قيام دولة إسرائيل والدفاع عن وجودها ضد جيوش عربية «معتدية». وتعد «الهولوكوست» ركيزة أساسية وعنصراً جوهرياً في الرواية الإسرائيلية الرسمية، تستخدم السردية الإسرائيلية «الهولوكوست» ليس فقط كحدث تاريخي مأساوي، بل كمسوغ وجودي وسياسي وتاريخي يربط بين إبادة اليهود في أوروبا وضرورة قيام «دولة إسرائيل».

سعت الحركة الصهيونية منذ نشأتها إلى بناء سردية زائفة قائمة على إنكار وجود الشعب الفلسطيني وتبرير المشروع الاستيطاني الإحلالي عبر شعارات وأساطير حاولت تصوير فلسطين باعتبارها «أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض».

بينما تعتمد السردية الفلسطينية على رموز لها دلالاتها في الذاكرة الجمعية الحية التي تنتقل من جيل إلى جيل، لضمان عدم نسيان القرى والبلدات المهجرة ولتأكيد استمرارية القضية، فمفتاح الدار تحوّل إلى رمز سياسي وتاريخي يجسد حق العودة المتوارث بين الأجيال. وتحوّلت الكوفية الفلسطينية إلى رمز للكفاح والهوية الوطنية، وانتشرت رسومات خريطة فلسطين التاريخية للتأكيد على أن الجغرافيا الفلسطينية من النهر إلى البحر لا تتجزأ في الوعي الجمعي، وأن اللجوء لم يلغِ الانتماء للأرض السليبة.

أظهر الفلسطينيون القوة في سردية التحرر الوطني وثبات وصمود الفلسطيني على أرض وطنه، ودفاعه عن هويته، ونضاله المستمر لنيل الحقوق المشروعة، لم يتعاطف الأوربيون مع صورة القوة هذه، ولو كانت من أجل حقوق وطنية مشروعة، بل صدقوا قصة «الإرهاب»، وشاركوا الحرب على السردية الفلسطينية وتشويه الحقائق التاريخية لتمرير الرواية الصهيونية. وتعرضت القضية الفلسطينية للتشويه والتعمية وشيطنة النضال الفلسطيني المشروع والمقاومة ضد الاحتلال، وتصنيفها كأعمال «إرهابية»، وقد تضمنت السردية الصهيونية وثائق وتصريحات مسؤولين عرب مثل «رمي اليهود في البحر»، حققت الرواية الصهيونية في بلاد الغرب مكاسب لصالح العدو. بعد ذلك تم تضمين السردية الفلسطينية أقوال وتصريحات مسؤولين إسرائيليين عن حرب إسرائيلية تعتمد التجويع والحصار والتهجير والإبادة الجماعية.

الصراع مع المشروع الصهيوني هو أيضاً صراع على الرواية والوعي والهوية الوطنية، قضية اللاجئين تمثل الشاهد الحي على الجريمة التاريخية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ النكبة الأولى، تعرّف العالم على أحداث ومجريات النكبة ومجازرها، ووصلت إليه أخبارها، ومؤخراً بدأت الأمور تتغير لصالح الرواية الفلسطينية، يرجع الفضل الأكبر في ذلك لوسائل التواصل الاجتماعي التي استطاعت أن تخلق رأياً عاماً تجاه أحداث الإبادة الجماعية في غزة والضفة الغربية، وتربط الحاضر بالماضي في عصر التواصل الرقمي، المعتمد على الأجهزة الذكية التي تؤدي إلى سرعة تدفق البيانات وسهولة الوصول إلى المعلومات والتواصل الفوري في عالم أصبح قرية صغيرة.

Share This Article