| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 5/6/2026
حكومة عون تستعرض استقلاليتها في مواجهة طهران و”حزب الله”.. والتعنت الإسرائيلي هو العقبة
بقلم: تسفي برئيل
“ما دام قصف قرانا مستمراً فلا أمن لشمال إسرائيل”، هذا ما قاله الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، موضحاً أن حزبه لا يعترف باتفاق وقف إطلاق النار. وأضاف: “لم نتعد لأحد بعدم مقاومة العدوان أو عدم الرد عليه”. وظهر بعده محمود قماطي، عضو المجلس السياسي في حزب الله. وفي مقابلة مع الـ “بي.بي.سي” أوضح بأنه “لا يوجد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل دفاع عن الضاحية”. ولكن سبق الاثنين إسماعيل قاآني، قائد “قوة القدس” التابعة للحرس الثوري، الذي أملى خط الرد الرسمي، الذي بحسبه: “الشرط الرئيسي هو انسحاب إسرائيل إلى الخطوط التي كانت فيها قواتها قبل بدء حرب الأربعين يوماً مع إيران”. وتنظر طهران إلى أي اتفاق بين إسرائيل ولبنان بأنه تهديد استراتيجي، ليس لحزب الله فحسب، بل أيضاً للحملة التي تشنها ضد الولايات المتحدة في الخليج. هذه لعبة نتيجتها صفر، حيث يعتبر أي تنازل في لبنان انتصاراً للعدو في هرمز.
استمرت جولة المحادثات بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني في واشنطن أكثر من ست ساعات. وقالت مصادر لبنانية بأنها كانت متوترة و”كادت تنفجر” بعد أن هدد الممثل اللبناني، سيمون كرم، بالانسحاب بسبب ما وصفه بالموقف الإسرائيلي المتصلب. وحسب تقارير لبنانية، فقد كان تدخل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ضرورياً في تلك اللحظة لمنع حدوث أزمة، وصياغة بيان ختامي يقبله الطرفان.
أما بخصوص جولات هذه المحادثات فيمكن القول بأن أهميتها الأساسية تكمن في استمرارها، رغم معارضة حزب الله الشديدة وتهديد إيران بتوسيع الحرب في الخليج إذا لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان. لا يكفي إيران وقف إطلاق النار فقط، بل سعت من خلال حزب الله إلى فرض معادلة جغرافية على الحكومة اللبنانية. وحسب هذه المعادلة، سيوافق حزب الله على عدم مهاجمة تل أبيب مقابل عدم مهاجمة الضاحية. ومقابل الامتناع عن مهاجمة مدن أخرى في لبنان مثل صور وصيدا، الحزب سيمتنع عن مهاجمة مدن في إسرائيل مثل حيفا وعكا وصفد.
مع ذلك، ستبقى المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود “منطقة عمليات مسموحاً بها”، ما بقيت إسرائيل في جنوب لبنان. وحسب مصادر لبنانية، فقد رفضت حكومة لبنان هذه “الاقتراحات”، وتحاول النأي بنفسها عن أي تدخل إيراني في صياغة الاتفاق، وقد أوضح قادتها لإيران وحزب الله بأن الحكومة وحدها هي التي ستقرر الشروط والصياغة المقبولة عليها.
نشرت أمس صحيفة “الأخبار” المقربة من حزب الله، النقاط الأساسية للاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن. ولكنها استهلت النشر بفقرة شديدة اللهجة، جاء فيها “حكومة الرعاية في لبنان وافقت بوقاحة على استمرار الاحتلال الإسرائيلي دون تحديد موعد لإنهاء الحرب، ووافقت على طلب إسرائيل وأمريكا فصل “قضية إيران” عن “قضية لبنان”، وحملت المقاومة (أي حزب الله) المسؤولية عن استمرار الحرب، ووصفت الحزب بأنه “عدو للدولة”.
مع ذلك، ليست إيران وحزب الله الوحيدين اللذين يعرقلان تنفيذ الاتفاق، فإسرائيل أيضاً تعتبر جولة المحادثات هذه إملاء مفروضاً عليها من ترامب، الذي يحدد حدود نشاطاتها العسكرية. وخلافاً لموقفها، فهي تتبنى في الواقع “وحدة الساحات” بين إيران ولبنان. النقاش الحاد الذي جرى هذا الأسبوع بين ترامب ونتنياهو، الذي وصفه فيه بأنه “مجنون”، لم يؤكد إلا على أن إسرائيل، في خضم الصراع الإيراني وامتداده اللبناني، لا تمثل إلا هامشاً. وفي ظل هذه الظروف، يجدر بنا التحلي بالإيمان والتفاؤل لنرى في الاتفاق الموقع خطوة تتيح لسكان الشمال العودة إلى بيوتهم.
مع ذلك، تستمر المفاوضات، والشرط الذي سيختبر الآن هو إنشاء “مناطق تجريبية”، كما جاء في الإعلان، حيث يفترض أن ينتشر الجيش اللبناني، ويحظر وجود أي قوات مسلحة غير حكومية فيها، سواء حزب الله أو غيره من المنظمات أو الجيش الإسرائيلي. في المرحلة الأولى، ستكون هذه المناطق محدودة، حول عدد قليل من القرى جنوب نهر الليطاني. والشرط الذي وضعته إسرائيل لتنفيذ ذلك هو انسحاب كامل لقوات حزب الله من المنطقة.
وقد صرح رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، أمس، بأنه مع توقيع الاتفاق سينتشر الجيش في هذه المناطق في الأيام القريبة القادمة. ولكن مصدراً لبنانياً مقرباً من الحكومة قال لـ “هآرتس” بأنه “إعلان سابق لأوانه، فما زالت هناك تفاصيل فنية كثيرة لم تُحسم بعد، وسيحتاج الأمر إلى مزيد من النقاشات قبل البدء في هذه العملية”. وأشار، ضمن أمور أخرى، إلى عدم وجود اتفاق حتى الآن على تعريف النشاطات العدائية. وتساءل: “هل سيعتبر أي تحرك يقوم به أحد أعضاء حزب الله نشاطاً عدائياً؟ هل ستطالب إسرائيل الجيش اللبناني باعتقال المدنيين فقط بسبب علاقتهم مع حزب الله؟ هل سيسمح للسكان بالعودة إلى بيوتهم في هذه المناطق التجريبية؟”
وبحسبه، من غير الواضح أيضاً ما هو نطاق نشاطات وأوامر فتح النار للجيش اللبناني، وكم من الوقت ستستغرق التجربة، وكيف سيتم تحديد نجاحها، وإذا كان الجيش اللبناني سينسق نشاطاته مباشرة مع الجيش الإسرائيلي أو من خلال وسيط، فمتى وتحت أي شروط سيتم توسيع مناطق سيطرة الجيش اللبناني؟
“هذه بعض المشكلات، ولم يحسم أو يتفق حتى الآن على انسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية في نهاية المطاف، ولم يتضح بعد إذا كان الجيش اللبناني سيعمل على نزع سلاح حزب الله في كل أرجاء البلاد، وكيف سيتم ذلك”، قال المصدر اللبناني.
وقد تقرر استئناف المحادثات في موعد لاحق في هذا الشهر، وهي تقوم على مبدأ “خلو العلاقات بين الدولتين من أي نوايا للعداء المتبادل”، وهو بند مهم جداً، تبناه الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي ترى واشنطن أنه يرسخ أساس التقدم نحو اتفاق سلام بين الدولتين.
معلق لبناني (طلب عدم كشف هويته) قال: “قبل الحديث عن رؤية اتفاق السلام، من المهم معرفة أن هذا يعدّ استعراضاً غير مسبوق لاستقلالية الحكومة اللبنانية في اتخاذ القرارات تجاه إيران وحزب الله. هذه الحكومة تعمل في ظروف صعبة جداً، فالدولة مفلسة، وخزينتها فارغة، وجيشها ضعيف ودون موارد، وجزء كبير من أراضيها تحتله إسرائيل، وهناك منظمة مسلحة قوية تهدد بجرها إلى حرب أهلية، وإيران تحاول تحويلها إلى ورقة مساومة لصالحها”.
وأضاف المعلق: “مع ذلك، قررت حكومة لبنان كسر طابو تاريخي عندما جردت حزب الله من شرعيته العسكرية، وبدأت في إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. لست متأكداً من أن إسرائيل تقدر هذه الخطوة الشجاعة”.
هذا المعلق، الذي يعكس المزاج السياسي والشعبي السائد في لبنان، يذكر بأن الحرب ضد حزب الله ليست حرباً إسرائيلية فقط. “ربما تحدث حرب طويلة ودموية، يدفع فيها لبنان ثمناً باهظاً لها. ولكن عندما تفحصون علاقاتكم مع لبنان، من خلال نشاطاته ضد حزب الله فقط، فإنكم تتجاهلون الشراكة الاستراتيجية التي تعرضها عليكم هذه الحكومة في الساحة الإقليمية”، قال.
وتشير أقواله إلى أن لبنان حالة فريدة؛ فدولة كانت تخضع لسيطرة إيران مباشرة، وما زال في حكومتها وبرلمانها ممثلون عن منظمة تعمل لصالح إيران، تعلن موقفها الصريح والحاسم ضد إيران. في هذا السياق، يجدر ذكر الضغط الكبير الذي استخدمه ترامب على العراق لنزع سلاح المليشيات الشيعية، بل إن ترامب منع انتخاب نوري المالكي، الموالي لإيران، رئيساً للوزراء، وطلب أيضاً، دون نجاح، من حكومة العراق عدم تعيين وزراء يمثلون المليشيات الشيعية.
مع ذلك، يحافظ العراق على علاقات وثيقة مع إيران، ويشغل “وكلاؤها” مقاعد في البرلمان. ورغم أن بعض المليشيات الشيعية أعلنت مؤخراً الاستعداد لـ “تسليم السلاح” ووضع مقاتليها تحت إمرة الجيش، فالمتوقع أن تكون عملية طويلة، هذا إذا اكتملت أصلاً. وخلافاً للبنان، لم يطلب ترامب من العراق التوقيع على اتفاقات إبراهيم أو إجراء أي مفاوضات معه، ولم يعلن العراق عن عدم العداء المتبادل، مثلما فعل لبنان.
كما هي الحال في العراق، فإن توقع انخراط الحكومة اللبنانية في مواجهة مباشرة عنيفة مع حزب الله أمر غير واقعي. ولكن في عملية تدريجية – حيث يسيطر فيها الجيش اللبناني على جنوب البلاد، وتستطيع الحكومة اللبنانية إعادة مليون نازح إلى بيوتهم، والمساعدة في إعادة بناء بيوتهم، وإعادة الجنوب، ليس فقط للسيادة الرسمية، بل أيضاً للسيادة الجماهيرية – قد يتم إيجاد حل لتهديد مباشر من حزب الله.
——————————————
يديعوت أحرونوت 5/6/2026
انتخاب محامي العائلة مراقباً لـ”جمهورية الموز”.. و”بائع الخردة” الأمريكي تنبه لخطة نتنياهو القاضية بقصف “الضاحية”
بقلم: ناحوم برنياع
سعى الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو إلى تحذير العالم من استيلاء الأنظمة الظلامية على السلطة. سرد 14 علامة تنذر بقدوم الفاشية. هذا الأسبوع، وبعد أن انتخب أعضاء الكنيست المذعورون محامي عائلة نتنياهو مراقبًا للدولة، يمكننا القول إن الهدف قد تحقق: العلامات الـ 14 حاضرة بيننا. كل ما قيل عن الانتخابات صحيح: الفكرة فاسدة، والتنفيذ مشوب بشبهات، ونتيجتها، إن اكتملت، ستكون نهاية دور مكتب مراقب الدولة، وتدمير ثقة الناخب في سرية الاقتراع، وهيمنة إرادة شخص واحد ليس فقط على حزب أو ائتلاف بأكمله، بل أيضًا على النظام الأساسي للضوابط والتوازنات الذي يدعم دولة القانون. تم إنقاذ الكتلة، وسقط النظام. يقول من يعرفون ميخائيل رابيلو إنه رجل لطيف على الصعيد الشخصي. سواء كان ذلك تصرفًا حسنًا أم لا، فلديه فرصة معقولة لدخول التاريخ، إلى جانب الرجل الذي أحرق المخازن في القدس في نهاية عهد الهيكل الثاني.
في مثل هذه العمليات، الشهية تأتي مع الطعام: فالنصر لا يُشجع نتنياهو وحاشيته إلا على مواصلة المسيرة، بل وتسريعها: إنهم في حالة هياج. قبل الانتخابات، يخططون لإلغاء منصب النائب العام، وتدمير وحدة التحقيقات في الشرطة، وفرض سيطرتهم على القنوات التلفزيونية تحديًا للحكومة، وتحويل تهرب الحريديم إلى هاجس أيديولوجي. المصلحة السياسية ليست سوى جزء من الدافع. أما الجزء الآخر فهو الانغماس في الحقد، وكأنهم يوجهون أصابع الاتهام إلى الآخرين. انظروا إلى نظرات الاستهزاء على وجوه أعضاء الكنيست الذين صوروا أنفسهم وهم ينتهكون سرية التصويت في صناديق الاقتراع. هؤلاء مدمنون: لقد باعوا ضمائرهم للحقد.
في الأسبوع الماضي، اقترحتُ هنا على قادة المعارضة أن يتحدوا على منصة واحدة ويتعهدوا بإلغاء كل قرار وكل تشريع يُقرّه أغلبية الكنيست حتى موعد الانتخابات، في حال فوزهم بها. وكان بينيت أول من أعلن ذلك في خطاب علني، حيث تعهّد قائلاً: “سنلغي جميع قوانين الفوضى والنهب والانقسام التي تُقرّها الحكومة المنتهية ولايتها فور تشكيل الكنيست الجديد”.
وكان آيزنكوت ثانيهم، إذ وعد في مقطع فيديو نشره: “سنلغي كل قانون يضر بالديمقراطية الإسرائيلية”. وقد تبنّى يئير غولان الفكرة في حديثنا الأسبوع الماضي، لكنه أضاف شرطًا واحداً: لن يقف بينيت وآيزنكوت على المنصة نفسها. وحتى الآن، كان محقًا.
الدستور لا يضمن الديمقراطية: فهناك العديد من الأنظمة الدكتاتورية في العالم التي تتباهى بدستور رائع. حتى الدستور الأمريكي، الوثيقة التي نشأ في ظلها أجيال من الأمريكيين، لا يضمن الديمقراطية. ستُثبت قضية ترامب ذلك: فهو محميٌّ بمحكمة عليا أغلبية قضاتها متحيزة ومنحازة، بينما ينتهك الدستور يوميًا.
احترام قواعد اللعبة، واحترام حدود السلطة، واحترام مؤسسات المجتمع، واحترام المواطنين – هذه هي الركائز الأربع التي تقوم عليها الديمقراطية. حكومةٌ بلا احترام حكومةٌ بلا رادع. فقد نتنياهو أعصابه يوم محاكمته.
يقف المحامون عاجزين عن الكلام أمام ما يحدث. ونقل أحد المحامين عن محامٍ أقدم منه قوله: “هذا خرقٌ جسيمٌ للأمانة. ما يحدث هنا أخطر بكثير مما نوقش في محاكمة الآلاف”.
هذا صحيحٌ بالطبع. هذا أحد الأسباب التي جعلت المحاكمة تفقد مبررها، ليس فقط في نظر مؤيدي نتنياهو، بل في نظر كل من يكترث بتدهور النظام القضائي. يتحمل تراخي القضاة في المحاكمة جزءًا من المسؤولية. لكن هذه هي القصة من وراء الكواليس. المشكلة ليست قانونية، بل انتقلت إلى عالم المؤرخين وعلماء السياسة.
إن الطريقة المبالغ فيها، والمثيرة للجدل، والعبثية لانتخاب محامي العائلة مراقبًا ماليًا للدولة، يجب أن توضح لجميع أفراد المؤسسة الإسرائيلية، من قضاة المحكمة العليا إلى محققي جهاز الأمن العام (الشاباك)، ومن المفوض إلى مراسلي وسائل الإعلام، أننا في حالة حرب. سيتم تكريم عائلات غانتس، وتروبر، وهندل، وكحلون، وهاردن، وإيدلشتاين، وهرتسوغ، وسيبقون في منازلهم. فهم ليسوا مستعدين للحرب. أما التظاهر بالوقوف إلى جانب واحد أو إلى جانب آخر، فلا أستبعد، بل أستبعد تمامًا، أن يتحطموا أمام المركبة التي تندفع نحوهم بلا مكابح. كلا الخيارين؟ هناك لحظات في حياة أي مجتمع لا يُعد فيها قول “كلا الخيارين” امتيازًا.
ما يفعله تكتل نتنياهو الآن يؤثر على معارك كتلة التغيير. تتلاشى أهمية مسألة من سيترأس القيادة، بينيت أم آيزنكوت. فالشعور بالإلحاح يدفع نحو توحيد الصفوف، وإن لم يكن التوحيد، فعلى الأقل وقف إطلاق النار داخل ناقلة الجنود المدرعة. والصراع بينهما مثالٌ كلاسيكي على إهدار الذخيرة في مواجهة العدو.
ويمكن استخلاص درس إيجابي من هذه القصة الصعبة: فمحاولة إرضاء الحكومة وأبواقها لا تحمي أحداً من آلة التسميم. ومهما حاولت المسؤولة الكبيرة، حتى وهي ترتدي الزي العسكري، جاهدةً تنفيذ إرادة الحكام، فستنكشف في النهاية. العبرة: كن واقعيًا، وأدِّ واجبك.
فنان الخازوق
وكانت مجموعة الشتائم التي وجهها ترامب لنتنياهو ثاني أهم الأخبار. قال الرئيس: “أنت مجنون تمامًا. ولولاي لكنت في السجن. لقد أنقذتك. الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب ما تفعله”.
أما الخبر الأهم، فكان قرار ترامب بنشر هذه الاقتباسات. لم يكن هذا تسريبًا، بل خطوة سافرة، مدروسة، وقاسية. يريد ترامب النأي بنفسه عن الحرب، وإذا كان صديقه نتنياهو سيدفع الثمن، فليصمت ويدفع. هذا هو الدرس الذي تعلمه من روي كوهين، الذي كان مرشده في عالم الأعمال، ومحاميه، وموضع ثقته، إلى أن أصبح هو نفسه عبئًا، أُزيل ومُحي، بنفس الطريقة. بدأت حملة تشويه صورة نتنياهو بتحقيقٍ نشرته صحيفة نيويورك تايمز، استعرضت فيه الاجتماعين اللذين عُقدا في البيت الأبيض قبل الحرب على إيران، في الحادي عشر والثاني عشر من شباط، أحدهما بحضور نتنياهو والآخر من دونه. وصوّر التحقيق نتنياهو على أنه من دفع أمريكا إلى حربٍ لا تستحقها، وأنه مُتلاعب وكاذب. وكان مصدر التحقيق نائب الرئيس فانس أو وزير الخارجية روبيو أو كليهما.
إن نشر ما يُسمى بـ”مكالمة الشتائم” – أو بالأحرى وصفها بالإهانة – لم يكن موجهاً لنتنياهو وحده، بل أوضح لمعارضي الحرب في حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” (MAGA)، التي أسسها ترامب، أن الرئيس يقف إلى جانبهم؛ وأوضح للقيادة الإيرانية أن الشراكة التي أدت إلى الحرب قد انتهت، أو، للأسف، جُمّدت: فقد أُخرجت إسرائيل من المشهد، والرئيس يسعى الآن جاهداً للتوصل إلى اتفاق، مهما كلف الأمر. وقد أوصل الإيرانيون الرسالة، وأشعلوا فتيل الحرب من جديد.
ترامب سياسي خطير، على بلاده وعلى العالم أجمع. إنه متقلب المزاج، متقلب الأهواء، حقير، مخادع. لن أشتري منه سيارة مستعملة. ووسائل الإعلام الأمريكية الحرة، أو ما تبقى منها، تصفه بالنرجسي، بل وأحيانًا بالمختل عقليًا.
لكنه كان محقًا هذه المرة. العملية في الضاحية، التي أعلن عنها نتنياهو في فيديو احتفالي مع نائبه يسرائيل كاتس، لم تكن لتسهم بشيء في أمن دولة إسرائيل. لقد شك ترامب بأن هدفها الحقيقي هو جر إيران، ثم أمريكا، إلى تجديد الحرب. باختصار، إجبار ترامب على القيام بتحرك عسكري يجلب عليه كارثة سياسية. لست متأكدًا من أنه مخطئ. أو أن سقوط المقاتلين، بمعدل مقاتل أو اثنين يوميًا، في حرب استنزاف مستمرة في جنوب لبنان، وصراخ الشمال المحتل، أقنع نتنياهو بأن صور المباني المدمرة في بيروت وحدها الكفيلة بتهدئة الضغط السياسي في الداخل.
“دولة مرعية”، هكذا وبخه يائير لبيد. وصف إيفيت ليبرمان إسرائيل بـ”جمهورية الموز”. في الواقع، أصبحت إسرائيل في ظل الحكومة الحالية دولةً منبوذة لا خيار أمامها سوى اللجوء إلى ظل زعيم أجنبي. هذا أمر مؤسف للغاية. ولكن عندما تفقد الحكومة رباطة جأشها، ويدفعها قادة المعارضة إلى مزيد من إراقة الدماء، ومزيد من الدمار، بلا هدف ولا منطق، فمن الجيد أن يكون هناك رئيس أمريكي يأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بالاستسلام.
——————————————
إسرائيل اليوم 5/6/2026
دون دولة فلسطينية.. آيزنكوت في خطة الـ 10 نقاط: تصوري لإسرائيل عام 2048
بقلم: إيلي زلبربرغ
يسعى آيزنكوت لأن يحقق القانون الذي بادر إليه لمفهوم الأمن القومي، وبموجبه يكون لإسرائيل مفهوم أمني في غضون 150 يوماً من إقامة الحكومة الجديدة، لكن تختبئ بنود أخرى مهمة في خطته السياسية – الأمنية: أولاً، يدعو آيزنكوت، مثل رفاقه في الكتلة إلى “وقف نهج الضمادات” وسياسة الجولات. لكن هذا لا يكفي: بخلاف بينيت وليبرمان، لا يريد آيزنكوت أن يرى سيادة إسرائيلية كاملة في “يهودا والسامرة”، انطلاقاً من فهم أنها ستؤدي بإسرائيل إلى دولة ثنائية القومية وفقدان الأغلبية اليهودية.
“جائزة لمنظمات الإرهاب”
لكن في الوقت الذي يشدد فيه آيزنكوت على أن الدولة الفلسطينية ليست على جدول الأعمال في هذه المرحلة، فإن إقامتها ستكون جائزة لمنظمات الإرهاب.
يشدد آيزنكوت على سعيه لضمان “أغلبية يهودية متماسكة” ويتحدث عن قوة عسكرية واحدة بين البحر والنهر، أي منع ضم السكان الفلسطينيين الذي يفقد الأغلبية اليهودية بين النهر والبحر.
ليس سراً أن آيزنكوت يتميز عن شركائه في الكتلة في مسألة المساواة في العبء: بينما يتحدث بينيت وليبرمان عن “التجنيد الكامل” دون إعفاء لأحد، فإن آيزنكوت يقترح خطة تسمح لـ 3 في المئة من كل دورة تجنيد بالحصول على إعفاء في صالح التعليم في المدارس الدينية، انطلاقاً من الاحترام لعالم التوراة وعرض خطة خدمة دائمة. ومع ذلك، يقترح آيزنكوت هرم ثواب جديد: من يخدم يحظ بامتيازات، ومن يتلقّ إعفاء لا يثاب، بل وتفرض عقوبات على من يتملص من الخدمة.
كبح هروب العقول
في ما يشبه رؤيا “المليون الـ 11” لـ “إسرائيل اليوم” يطرح آيزنكوت هدفاً، وهو جلب مليون مهاجر جديد في العقد القريب القادم. إضافة إلى ذلك، سيطالب بخطة لكبح “هروب العقول” منعاً لمغادرة القوى القوية في المجتمع.
يتعهد آيزنكوت بإصلاح قضائي انطلاقاً من فهم أن الجهاز اليوم يحظى بثقة قليلة في أجزاء واسعة من الجمهور الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن الإصلاح سيكون مختلفاً تماماً عن ذلك الذي اتخذته الحكومة الحالية، وسيتضمن تعزيز الكنيست واستقلالها إلى جانب تثبيت صلاحياتها من خلال قانون أساس: التشريع.
يتعهد آيزنكوت بسن قانون تقييد الولاية لرئاسة الوزراء بولايتين. كما أن رئيس “يشار”! سيسمح لكل شخص في إسرائيل الحق في تحقيق ما يرغب كما يشاء، والمضي بتوسيع صلاحيات البلدية في مجال الدين والدولة، مثل المواصلات العامة يوم السبت، وعمل الأعمال التجارية في السبت أيضاً.
استثمارات في بلدات المحيط
يتعهد “يشار” بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لمذبحة 7 أكتوبر، تحقق في سياق الأحداث من اليوم الذي دخل فيه إلى منصب رئيس الأركان وحتى نهاية الحرب.
يتعهد آيزنكوت بفرض تعليم المواضيع الأساس للجميع، إلى جانب غرس التقاليد اليهودية في مناهج التعليم.
في موضوع الجريمة المستشرية، يعد آيزنكوت بإقامة مجلس طوارئ لمعالجة الأمن القومي.
معالجة البرنامج الجديد يفترض أن يتسلمها شريك آيزنكوت في الحزب، رئيس “الشاباك” الأسبق، يورام كوهن.
في المسألة الاقتصادية، التي ينسقها رئيس قسم الميزانيات سابقاً شاؤول مريدور، يتعهد آيزنكوت بالاهتمام بالطبقة التي تخدم في الجيش في قلب السياسة الاقتصادية إلى جانب التركيز على الاستثمار في بلدات المحيط.
يتعهد آيزنكوت بإقامة سلطة تخطيط وطنية قوية ومتعددة المجالات تقود رؤيا واستراتيجية وخططاً بعيدة المدى في مجالات الحياة. الهدف، تحويل إسرائيل في العام 2048 إلى دولة مثالية مزدهرة، مصدر فخر لمواطنيها، تقوم على أساس الشراكة والزمالة والتكافل.
——————————————
هآرتس 5/6/2026
عربدة على القانون وإرهاب في الضفة: حين يسخّر نتنياهو الحريديم لأهدافه الشخصية
بقلم: أسرة التحرير
الاعتداء الجماعي الذي نفذه عشرات الشباب الحريدي في بيت نائب رئيس المحكمة العليا، القاضي نوعم سولبرغ، ليس صدفة بل يعبر عن الواقع الفوضوي الذي خلقه رئيس الوزراء نتنياهو بكلتا يديه وبنية مبيتة. فالعربدات المستمرة على جهاز القضاء، محكمة العدل العليا والمستشارة القانونية، جعلتهم أكياس ضرب لائتلاف نتنياهو. وفي الوقت نفسه، فإن تهرب نتنياهو ووزرائه من مسؤوليتهم للعمل على تجنيد الحريديم جعلت من يعنى بذلك عنواناً للمظاهرات والاحتجاجات العنيفة.
أول أمس، كان هذا هو القاضي سولبرغ، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس لجنة الانتخابات المركزية، وقبل ذلك حاول حريديم محرضون اقتحام بيت ضابط شرطة عسكرية رئيس، العميد يوفال يامين، واعتدوا على ضابط من الجيش الإسرائيلي في أثناء مظاهرة في القدس، بل واعتدوا على مجندات وصلن لزيارة بيتية إلى مرشح خدمة أمنية في “بني براك”. نتنياهو ووزراؤه يعدون الحريديم بقانون تملص من الخدمة، وفي الوقت نفسه يتركون هيئات الإنفاذ التي تعمل على تجنيدهم لمصيرهم. وعندها يتدهور هذا إلى اعتداء عنيف على بيت القاضي سولبرغ، فإنهم يسارعون إلى الشجب وكأن مهمة مناصبهم تنتهي بهذا.
لا يحصل هذا فقط حيال الحريديم العنيفين، بل أيضاً عندما يدور الحديث عن الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية – مشاغبون عنيفون يرعبون الفلسطينيين، يزرعون الدمار والخراب بممتلكاتهم ويؤذونهم جسدياً أمام رد شرطي هزيل. نتنياهو، بعدم اكتراثه، يعطي شرعية لأعمال الشغب هذه كونهم حلفاءه السياسيين. وبذلك يثبت كل يوم بأن مصير الدولة وصورتها لا يهمانه بقدر همه بمصيره هو.
يدور الحديث عن حكومة اعتبرت “إعادة الحوكمة” كأحد أعلامها المركزية. لكن حوكمة نتنياهو لم تجد تعبيرها في القلق على المصالح العامة، وعلى إنفاذ القانون وعلى معالجة العنف، بل على تعيين الموالي له في المناصب الأساس: من رئيسي “الشاباك” والموساد عبر مأمور ديوان الموظفين ورئيس هيئة الأمن القومي الجديد وحتى مراقب الدولة، الذي انتخب في إجراء ملوث، محاميه الخاص ميخائيل رابيلو. أما ما يتعلق بالحوكمة، مثل معالجة العنف في المجتمع العربي، والإرهاب اليهودي في المناطق والشغب الحريدي، نراه يتهرب من المسؤولية كعادته، ويترك الجمهور لمصيره ويضعضع الثقة بالموظفين العموميين وبصلاحياتهم. وهكذا يحولهم إلى عنوان لاعتداءات عنيفة تستهدف إلقاء الرعب في قلوبهم ومنعهم من القيام بعملهم. فهل هذا هو نصره المطلق؟
يسجل نتنياهو كل يوم دركاً أسفل جديداً من تدهور أنماط السلوك السلطوية، والأمر يبدو كخطة عمل مقصودة غايتها تعظيم الاستقطاب والفوضى، وزرع اليأس في معارضيه، واتخاذ صورة في أوساط مؤيديه كمن يعرف كيف يحل الوضع. ما دام في الحكم فلن يحدث أي إصلاح.
——————————————
هآرتس 5/6/2026
إيهود باراك رئيس الوزراء الأسبق: نتنياهو يقتل كل فرصة للسلام مع الفلسطينيين وفي لبنان.. حتى مصر عاد يتهمها زوراً
بقلم: إيلي زلبربرغ
الوضع في لبنان وفي مستوطنات الشمال يتدهور. قادة الجمهور يصرخون: “نحن مستعدون للاختبار والتضحية، لكن ادعمونا، فهذه مهمتكم وواجبكم”. السكان تم ويتم التخلي عنهم من قبل حكومة قاسية، تخضع لابتزاز الحريديم وتعطي الأولوية للاستيطان في الضفة الغربية. من واقع تجربتهم، يعرف سكان الشمال أنه حتى الـ 13 مليار شيكل التي وعدوا بها قبل يومين أصبحت طي النسيان.
الجيش يقاتل ببسالة، رغم القيود المفروضة عليه، حفاظاً على شريط دفاعي يحمي التجمعات السكانية من الصواريخ المضادة للدروع ويصعب مهمة الطائرات المسيرة، التي يعتبر غياب حلول دفاعية لها، بعد بضع سنوات على ظهورها، تقصيراً محرجاً. سيستغرق إيجاد حلول لهذا التهديد بضعة أسابيع أخرى، وحتى عندها ستكون مكلفة وجزئية. إن الثمن شبه اليومي لـ “سمح بالنشر” والخطر الدائم الذي يهدد المقاتلين في الميدان، تثير مشاعر إحباط عميقة لدى القادة في الميدان وفي أوساط الجمهور.
مرت سنة ونصف على وقف إطلاق النار، الذي أعقبه تصريح رئيس الحكومة: “لقد أعدنا حزب الله عقوداً إلى الوراء!”، يا له من تفاخر أجوف! لقد شاهدنا إنجازات رائعة: عملية البيجرات، والقضاء على حسن نصر الله وقادته، والهجوم المميت على قوة “الرضوان” ومنظومة الصواريخ ومشغليها. كل ذلك تلاشى وكأنه لم يكن. تحت قيادة نعيم قاسم، الذي روج له لدى الجمهور بأنه شخص بلا شخصية، ما زال حزب الله ينبض بالحياة ويهاجم الجيش وسكان الشمال ويعطل حياة المدنيين تماماً ولا يظهر أي بادرة على انهياره أو رغبة في نزع سلاحه. يمكن تلخيص الوضع في لبنان، من ناحية رئيس الحكومة، بكلمة واحدة: فشل. وبكلمتين: فشل ذريع.
يستمر زرع الأوهام يومياً بشأن ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله. مثلاً، يقال لنا بأنه إذا ما تم تفكيك القيود التي تكبل أيدينا في لبنان فسننتفض ونقضي على حزب الله نهائياً. هذا وهم خطير. للقضاء على حزب الله، يجب احتلال لبنان كله، وهذا أمر غير عملي قطعاً. الطريقة الوحيدة لتفكيك هذا التنظيم من خلال عملية سياسية، بالتنسيق مع حكومة لبنان وواشنطن وحكومات المنطقة. ومن لا يملك مثل هذه الخطة فمحكوم عليه الغرق في لبنان وسفك الدماء لسنوات دون جدوى. لقد فعلنا ذلك من قبل، وصدقوني: من غير السهل إنهاء ذلك.
يتم ارتكاب خطأ آخر في لبنان: الوهم بأن الضغط العسكري سيطيح بحزب الله، وأن خسارة الأراضي وحدها كفيلة بإقناعه بنزع سلاحه. هذا الوهم يؤدي إلى سياسة “تسوية” القرى والبلدات بالأرض (مثلما حدث في غزة). هذا غباء مضاعف. أولاً، أي وهم عن بناء مستوطنات أو تواجد عسكري دائم في لبنان أمر لا صلة له بالواقع. هذا الوهم سيواجه برد شديد في مجلس الأمن الدولي، وسيتلاشى في نهاية المطاف. ولكن صور القرى التي عمرها مئات السنين، والتي محيت، والعائلات التي عاشت فيها لأجيال وهي تعود إلى بيوت “تمت تسويتها بالأرض”، وأحياناً منهوبة، سترافقنا لأجيال كوصمة عار تصعب إزالتها.
الأسوأ، أن تسوية القرى بالأرض تعيد الشرعية إلى حجة حزب الله الرئيسية، وهي أنه القوة الوحيدة التي تدافع عن لبنان من إسرائيل. وبهذه الطريقة، نساعد هذا التنظيم في صراعه ضد الحكومة اللبنانية وخصومه المحليين. نساعده ولا نضره.
ما الذي كان يجب فعله، وما الذي كان يمكن فعله في ظل حكومة جديدة، بمبادرة سياسية واضحة تدار من واشنطن و”القدس” [تل أبيب]؟ هاكم أفكاري. قبل سنة ونصف، سنحت فرصة تاريخية لأول مرة لإحداث تغيير جذري في الوضع إزاء لبنان. بدأ الرئيس جوزيف عون، رئيس الأركان السابق، يدعو علناً إلى تغيير السياسة وإدانة حزب الله باعتباره المسؤول عن الدمار والمعاناة في لبنان جراء الحرب، وحل حزب الله، والتفاوض على ترتيبات أمنية مع إسرائيل. يتحدث عون علناً عن ضرورة إنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل، والتوصل إلى تطبيع العلاقات، وبعد ذلك إلى محادثات سلام.
لم يكن عون بحاجة إلى نتنياهو ليعرف أن حزب الله لن يحل نفسه بنفسه، وأن الجيش اللبناني لن يكون قادراً على فعل ذلك وحده. لذلك، تم حشد دعم قوي حوله: فرنسا التي تتمتع بنفوذ كبير في لبنان وقدرات عسكرية معروفة، السعودية بثروتها الطائلة، الولايات المتحدة، والمفاجأة سوريا. يرغب الرئيس السوري أحمد الشرع في تفكيك حزب الله كقوة عسكرية في لبنان، وهو يخوض عداء طويل الأمد مع الحزب منذ انحيازه إلى جانب بشار الأسد في المعارك الضارية التي استمرت سنوات في شمال سوريا.
كان من شأن تحالف منسق كهذا أن يعطي الرئيس اللبناني القدرة على نزع سلاح حزب الله وإبقاءه مجرد لاعب سياسي. بل إن نبيه بري، الزعيم الشيعي البارز، كان يميل في مرحلة معينة إلى الموافقة الضمنية على ذلك. فما الذي فعله نتنياهو أمام فرصة هذا التغيير السياسي الجذري، الذي كان يمكن أن يعيد السلام الدائم إلى الساحة اللبنانية ويجدد في الوقت نفسه اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه في 1974 مع سوريا؟ لقد اشترط نزع سلاح حزب الله كشرط مسبق، وهو الهدف الأول والمركزي للمبادرة كلها، لأن كل الأطراف تعرف أن الحزب لن يتخلى عن سلاحه إلا إذا أجبر على ذلك من قبل هذا التحالف.
الشرع، الذي تعكس خطوة سياسية أمامه بدعم أمريكي ويمثل هو أيضاً فرصة لإحداث تغيير جوهري في وضع إسرائيل الأمني، دفعه نتنياهو إلى حافة الهاوية بتصميمه على الإبقاء على “شريط أمني” في سوريا، وهو أمر مشكوك في جدواه، لأنه قد ينهار بين عشية وضحاها بعد تغريدة غاضبة من ترامب، وبذريعة أن نتنياهو يتجاهل فرنسا بشكل محرج، ويبقي السعودية خارج الصورة بإفشال اقتراح مشابه لترتيب في قطاع غزة، على شاكلة خطة بايدن أو ترامب. هذه خطة تشارك فيها السعودية، وهدفها نزع سلاح حماس في خطوة تتمحور حول قوة مصرية وأردنية وإماراتية بدعم من السعودية والولايات المتحدة – وليس من تركيا وقطر كما صمم نتنياهو، ممول حماس والمدافع المخلص عن المبعوثين القطريين في مكتبه.
بل إن هؤلاء المخادعين، من أجل كسب التأييد، سربوا كذبة تتهم مصر بأعمال تهدد إسرائيل، وقد شاهدت السعودية ذلك وفهمته. من أفشل صفقات الرهائن ونشر أخباراً كاذبة عن نية تهريب رهائن إلى إيران عبر أنفاق (غير موجودة أصلاً) ضمن محور فيلادلفيا، وأفشل أيضاً فرص أي تحرك دبلوماسي في غزة ولبنان وسوريا، بما يتعارض مع مصالح إسرائيل. السبب الحقيقي هو اعتبارات نتنياهو السياسية والشخصية من أجل البقاء.
الخلاصة: لا سبيل للتقدم إلا بإزاحة هذا الشخص من منصبه.
——————————————
هآرتس 5/6/2026
الاستخدام الانتقائي للتاريخ من قبل اليمين له ثمن باهظ على كافة الاصعدة
بقلم: شاؤول اريئيلي
لا يقتصر النقاش السياسي في إسرائيل على الحدود والامن والهوية فقط، بل يتجاوز ذلك الى الذاكرة الجماعية، ومسالة من يسمح له استخدام التاريخ. والاهم من ذلك هو كيف. يتبنى اليمين في إسرائيل منهج ثابت. فعند تفسير أي فشل او كارثة أو ازمة يلقي اللوم على اليسار، بسبب أخطاء ارتكبها في السابق. ولكن عند تبرير سياسة مثيرة للجدل في الحاضر، يقلب التاريخ رأسا على عقب وتصبح أفعال اليسار في السابق فجأة سابقة تعطي الشرعية.
المثال البارز على ذلك هو اتفاق أوسلو. في خطاب اليمين لا يعتبر اتفاق أوسلو عملية سياسية فقط لم تؤد الى تسوية دائمة، بل خطأ أساسي يفسر كل اخفاق. وقد كرر نتنياهو مرارا وتكرارا ادعاء ان “أوسلو هو أم الخطايا”، بل وعرض تمييز بين حماس والسلطة الفلسطينية يقوم فقط على حجم الدمار “الذي لحق بنا على أيديهم” وليس على النوايا. وفي كانون الأول 2023 قارن نتنياهو عدد القتلى منذ اتفاق أوسلو مع مذبحة 7 أكتوبر، في محاولة لتحميل ذلك الاتفاق المسؤولية عن الكارثة (“تايمز اوف إسرائيل”، 12 كانون الأول 2023). هذا ليس تفسير تاريخي فقط، بل هو اطار فكري بحسبه اليسار هو الذي تسبب بالإرهاب، بما في ذلك احداث 7 أكتوبر، وهناك من يتبناها رغم ان نتنياهو نفسه يشغل منصب رئيس الحكومة منذ العام 2009.
على مر السنين التزمت حكومات اليمين بالمفهوم السياسي والأمني نفسه، الذي يرجع سياق التاريخ الى بداية التسعينيات والدعم الدولي الكبير للمحادثات والجهود المبذولة للتوصل الى اتفاق، وحقيقة ان اتفاق أوسلو بني مسبقا كعملية تدريجية تعتمد على قرارات لاحقة صعبة – قرارات رفضتها إسرائيل، وليس الطرف الفلسطيني فقط. فبدلا من توضيح ما الذي نجح وما الذي فشل، وما بني بحيث يحتاج الى قرارات تكميلية لنجاحه، يطرح استنتاج واحد حاسم: لقد كان الاتفاق كارثي، وبالتالي، أي محاولة دبلوماسية في المستقبل محكوم عليها بتكرار هذه الكارثة.
هناك نمط مشابه حول الانسحاب من قطاع غزة. رغم ان هذه الخطوة نفذت من قبل حكومة اليمين برئاسة اريئيل شارون، ولم تكن تهدف الى تعزيز أي اتفاق، بل – كما صرح رئيس مكتبه دوف فايسغلاس – تهدف الى “إضفاء الطابع الرسمي على العملية السياسية”. وقد تبنى اليمين السياسي الانسحاب كرمز لـ “مبدأ الانسحاب”، ويعتبره الدليل على ان أي انسحاب من الأراضي سيؤدي بالتأكيد الى تهديد امني.
أيضا الانفصال عن غزة يتم عرضه بمعزل عن سياقه – خطوة أحادية الجانب بدون اتفاق أو تنسيق أو دعم دولي. في نفس الوقت يتم طمس سياسة العزلة التي اتبعها نتنياهو وخلفاءه من النقاش، والمقولة الصريحة بان حماس هي “ذخر” (بالتحديد بسبب معارضتها للحل السياسي)، والخيار الاستراتيجي لادارة النزاع بدلا من حله.
بدلا من اجراء نقاش جوهري حول الانسحاب والشروط اللازمة لأي خطوة سياسية، اصبح بمثابة إشارة تحذير تكفي لانهاء أي نقاش. وهكذا، بشكل عبثي تقريبا، تعتبر أي خطوة تهدف الى منع التوصل الى تسوية سياسية الدليل على ان أي تسوية سياسية في المستقبل ستكون كارثية بالضرورة. لقد تم طمس التمييز الأساسي بين الانسحاب احادي الجانب والاتفاق السياسي لصالح رواية بسيطة وفعالة تقوم على الترهيب.
مع ذلك، عندما يريد اليمين تبرير خطوات مثيرة للجدل في الوقت الحالي فانه يحرف التاريخ في الاتجاه المعاكس. مثلا، عندما صرح بتسلئيل سموتريتش في الكنيست بان بن غوريون كان يجب عليه “استكمال المهمة” وطرد جميع العرب (“تايمز اوف إسرائيل”، 13/10/2021)، فان النقاش لا يدور حول التصريح نفسه فقط، بل حول الآلية النفسية التي يعمل فيها: دافيد بن غوريون، أبو حركة العمال الذي دعا الى التسوية، يستخدمه اليمين لتبرير التطرف. اذا كان اليسار في ذلك الحين متواطيء في مظالم 1948، كما يتم الزعم، فان اليسار الان لا يملك أي حق أخلاقي في تقديم المواعظ. هذا ليس تحليل تاريخي، بل هو استغلال انتهازي للماضي، استغلال منفصل عن التعقيدات التي عمل فيها بن غوريون عشية قيام الدولة وعن الظروف الوجودية في تلك الفترة.
ينطبق نفس المنطق على مشروع الاستيطان. فعند انتقاده يكون رد اليمين المعتاد: “من الذي بدأ فيه؟ اليسار”. وبالفعل، في الأعوام 1967 – 1977 تم بناء عشرات المستوطنات وفقا لخطة الون. ولكن السياق تم تغييبه. فقد كانت خطة الون تهدف، في ظل استمرار رفض العرب الاعتراف بإسرائيل ووجود جبهة تهديد شرقية محتملة، الى تقليص دمج السكان الفلسطينيين تحت سيادة إسرائيل بقدر الإمكان.
ليس بالصدفة ان اسحق رابين كتب في كتابه “سجل الخدمة”: “لا يجوز لنا دفع المستوطنين اليهود الى قلب الضفة الغربية المكتظة بالسكان العرب”. وقول “اليسار بدأ” بدون توضيح كيف وأين ولماذا هو قول غير تاريخي، بل هو مجرد شعار يسوقه من يجهلون.
مستحيل الادعاء في نفس الوقت بان اليسار خطير لانه اخطأ في السابق، وان سياسة اليمين شرعية لانها تكمل ما فعله اليسار. فاما ان يكون الماضي هو تحذير يحتاج الى التصحيح، أو سابقة ترسخ استمراره. يختار اليمين دائما الخيار الذي يخدم هدفه المباشر: نزع شرعية الخصم عندما يكون من الضروري تحميله المسؤولية، وإعطاء الشرعية لنفسه عندما يريد تبرير خطوة إشكالية.
ينضم الوسط السياسي والأحزاب الحريدية المتشددة لهذه اللعبة. أحزاب الوسط تتبنى أجزاء ملائمة من رواية اليمين، وتنفي أوسلو باعتباره قرار تم اتخاذه في ظروف مختلفة، لكنها تمتنع عن الدفاع عن فكرة التسوية السياسية نفسها. وهكذا هي تسمح لليمين بتصوير أوسلو بانه فشل ذريع بدون تقديم بديل.
بالنسبة للأحزاب الحريدية المتشددة يعتبر استخدام التاريخ اكثر براغماتية. فعندما يتعلق الامر بالتجنيد أو التعليم أو الميزانيات فانهم يتبنون بحماسة ارث بن غوريون والوضع الراهن (رسائل بن غوريون لاغودات يسرائيل في 1947). وعندما يتعلق الامر بالمستوطنات أو الضم او الصراع السياسي فانهم ينحازون لليمين ويقولون ان هذا “استمرارية صهيونية” لا جدال فيها (اتفاق الائتلاف مع الليكود في الأعوام 2015 – 2023). وكون بن غوريون، الزعيم الاشتراكي العلماني، هو في نفس الوقت أبو الوضع الراهن والشخص الذي يرتبط اسمه بالنكبة، يسمح للحريديين بالانتقال بحرية بين الروايات. فبالنسبة لهم التاريخي لا يعتبر مرجع أخلاقي أو أيديولوجي، بل مستودع جيد للاقتباس.
يوجد لهذا الاستخدام الانتقائي للتاريخ ثمن باهظ على الصعيد الجماهيري والصعيد السياسي. فعندما يتم رفض أي مبادرة سياسية مسبقا باعتبار انها استمرارية لـ “كارثة أوسلو”، يتم اغلاق النقاش حول المستقبل. فبدلا من التساؤل عما تغير وما هي وجوه القصور الجوهرية في اتفاق أوسلو، وما هي الآلية التي كانت غائبة عنه، تكتفي سياسة إسرائيل بشعار واحد وهو “نحن حاولنا بالفعل”. هذا ليس درس تاريخي، بل هو بالأحرى، تهرب التفكير.
هذا التناقض يتفاقم بسبب أن إسرائيل منذ العام 2009 يتم حكمها بشكل متواصل من قبل حكومات اليمين أو اليمين – وسط. في هذه الفترة لم يتم احراز أي تقدم في الترتيبات السياسية، وتعمقت سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية، واصبح الصراع معقد اكثر. مع ذلك، عندما يحدث الفشل – وصولا الى ذروته في 7 أكتوبر – يتم توجيه اصبع الاتهام للماضي: الى اسحق رابين، شمعون بيرس واتفاق أوسلو. يستخدم التاريخ هنا كنوع من بوليصة التامين السياسية، الامر الذي يمنع اجراء نقاش حقيقي حول المسؤولية في الوقت الحالي.
لا يخلو اليسار من الأخطاء، ولا يخلو اليمين من بعض المغالطات. المشكلة تكمن في استخدام التاريخ كأداة دعاية وتبرير. والتاريخ الموظف يكون ضيق الأفق ومقطوع عن سياقه. يصبح الماضي سلعة سياسية، ونتيجة لذلك يبقى المستقبل بدون وجهة. والدولة التي تجادل في التاريخ بدون معرفته بشكل كامل، تجد صعوبة في صياغة رؤية مستقبلية.
——————————————
معاريف 5/6/2026
الرئيس اللبناني يصر على مواصلة المفاوضات رغم أن حزب الله يحاول التخريب
بقلم: جاكي خوجي
عندما يقال عن هذه الأيام انها ليست أياما عادية، فانه يقصد بذلك أيضا المفاوضات مع حكومة لبنان. فقد جلس مندوبون إسرائيليون ولبنانيون كبار هذا الأسبوع أيضا الواحد قبالة الاخر للمرة الرابعة على التوالي. حزب الله هو شوكة في حلق الجهتين، عائق فوري في طريق المحادثات، لكن لهذا الغرض بالذات توجد هذه المحادثات، وذلك لبناء علاقات لسنوات الى الامام على أمل أن تنضج مع حلول الوقت الظروف لتصفية العدو المشترك أيضا.
هذه المحادثات هي مشروع شخصي للرئيس اللبناني جوزيف عون. فالجنرال السابق دفع باتجاه اجرائها حتى قبل الحرب، وهو يواظب عليها بل ويدعو الى رفع مستواها رغم الحملة التي يخوضها ضده حزب الله. فابعاد نصراالله عن العالم أتاح لعون ليس فقط ان ينتخب رئيسا في اجراء قانوني وسليم بل وان يعلن أيضا عن ايران دولة تآمرية وعن حزب الله كمن سيجر لبنان الى مصيبة. هذه ادعاءات واجبة، لكن في لبنان حسن نصرالله قلة من يتجرأون بالحديث بهذا الشكل، وبالتأكيد ليس الرئيس او رئيس الوزراء.
يوم الاثنين عشية بدء جولة المحادثات الرابع مع لبنان، وقف عون امام المراسلين في بيروت وأجاب على اسئلتهم. وانطوت اجوبته القصيرة على فهمه السياسي للمفاوضات مع إسرائيل. عون هو وطني لبنان، وافعاله تشهد عليه. وحقيقة أنه ربط ترامب الى جانبه هي انجاز جدير بالإشارة بالنسبة له. وكان أعلن بان “المفاوضات هي الحل الوحيد لوقف الحرب. سأواصل عمل ما جئت لاجله، ليس من أجل المناصب والهالة بل كي انقذ وطننا من اجل أبنائنا واحفادنا”.
واعترف الرئيس اللبناني بان المفاوضات كفيلة بان تصطدم بمصاعب او تتأخر في تحقيق أهدافها لكنها تتقدم.
وقف النار في لبنان لن يأتي من المحادثات في واشنطن. هو سيحصل عندما تقرر إسرائيل بانها اكتفت أو عندما يطرق ترامب بالمطرقة. هذه المحادثات تستهدف إقامة علاقة دائمة بين بيروت والقدس وبناء علاقات مستقبلية. في عالم سوي ينبغي للجيران ان يتحدثوا الواحد مع الاخر حتى لو كان بينهما نزاع.
علم أبيض في غزة
كلما مر الوقت يتبين أن مشروع ترامب لاعمار قطاع غزة ذوى من تلقاء نفسه. السجل الأخير في القصة تحدث عنه هذا الأسبوع أسامة حمدان، عضو المكتب السياسي لحماس. فقد هاجم في مقابلة مع “الجزيرة” المدير التنفيذي لقطاع غزة عن مجلس السلام، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملدنوف. ليس هذا هجوما بالدعاية فقط بل أساس لعرض ملدنوف كغير مؤخل الدفع باتجاه ازاحته. حماس تشك بقدر كبير من الحق بان ملدنوف منحاز عاطفيا الى الجانب الإسرائيلي وفي كل الأحوال ليس وسيطا محايدا. وبعد ازاحته،كما يعتقدون في حماس سيواصلون تفكيك مشروع مجلس السلام من الخارج.
الواقع فعل نيابة عنهم أساس المهمة حتى الان. مجلس الوزراء الفلسطيني عديم الاسنان والأموال، وحتى المساعدات بالغذاء والخيام يصعب عليه إدخالها الى القطاع. المليارديرات التي وعدوا بها لا تضخ، قوة حفظ النظام الفلسطيني لم تتشكل بعد والدول المختلفة ترفض ارسال جنودها الى القوة متعددة الجنسيات الموعودة. في حماس يعتقدون بانه اذا انهار هذا المشروع فستشق الطريق لعودة النفوذ القطري الى القطاع. وحتى هذا سيستغرق سنة أو سنتين أخريين.
من الصعب ان نرى بعد خطاب حمدان كيف يمكن لملدنوف ان يواصل مهمته. في خفاء قلبه يعرف أن المشروع الطموح الذي لاجله جند قد فشل. اقوال حمدان لم تفاجئه. فمن اللحظة الأولى تقريبا عانى من علاقات باردة من قادة حماس. قبل أسبوعين ظهر ملدنوف امام مجلس الامن وطرح خطة الـ 15 نقطة لمجلس السلام. كل من سمع خطابه فهم بان هذه الخطة هي الحلم الإسرائيلي. ولهذا السبب فانها لن تنفذ قريبا. بكلمات أخرى وبكشل ضمني في الخطاب إياه رفع ملدنوف علما أبيض.
يكاد يكون من اللحظة الأولى لوقف النار اعتقد البيت الأبيض بان حماس مستعدة لنزع السلاح. بخلاف حكومة إسرائيل والوسطاء المصريين والقطريين الذين عرفوا بان الرفض الحماسي مطلق، اعتقد ترامب بان هذا العائق سيزال في غضون وقت قصير. بهذه الروح كتبت أيضا خطة الاعمار الطموحة. صاغها رجال اعمال امريكيون واسرائيليون معرفتهم بحماس والمسألة الفلسطينية هزيلة. ملدنوف نفسه لم يكن شريكا في الخطة وقدمت له كصيغة نهائية للتنفيذ. وسرعان ما تبين له بان المصريين لم يؤيدوها ولا القطريين أيضا ولشدة المفاجأة إسرائيل هي الأخرى لم تؤيدها رغم أن الخطة عملت حسب مواقفها.
مع مثل هذه السذاجة، فان سلسلة من النقاد والاعداء وكذا انعدام القدرة على تجنيد الأموال للصندوق الفارغ، فان خطة اعمار غزة ولدت ميتة عمليا. الطرفان، إسرائيل وحماس لن يذرفا دمعة اذا ما حصل الامر. إسرائيل تريد مواصلة ضرب المنظمة، وقيادة حماس، من جهتها سيسرها التخلص من الجيش متعدد الجنسيات، من قوة حفظ النظام الخاصة ومن السلطة الفلسطينية الذين أرادوا على يستولوا على مكانها. رغم هذا فان كلتيهما، كل واحدة بطريقتها، لا تعدان السكان بالاستقرار او الامن.
——————————————
هآرتس 5/6/2026،
أهلا بكم الى السنة الستين للاحتلال
بقلم: ميخائيل سفارد
حسب متابعة منظمة بتسيلم في السنة الـ 59 للاحتلال، فقد تم اقتلاع 24 تجمع فلسطيني بشكل كامل، ونقلت قسرا من مكانها، بينما تم تهجير 11 تجمع آخر بشكل جزئي. لقد فقدت 489 عائلة، 2700 شخص، بيوتها وتجمعاتها ومكانها على وجه الأرض. لقد تضافرت جهود اليهود الملثمين واليهود الذين يرتدون الزي العسكري وقاموا بتشريد اكثر من 1800 قاصر. هذا في الضفة الغربية وحدها. وفي السنة الـ 59 للاحتلال الإسرائيلي هدم الجيش عشرات آلاف المباني في قطاع غزة، ودمر بذلك بيوت لمئات الالاف من سكان غزة.
تهانينا. يدخل الاحتلال سنته الستين. في الحقيقة ما زال العمر بعيد. لم نعد صغار حقا، ولم نبلغ سن التقاعد بعد، ولكن هذا مجرد إشارة على مرور الوقت، وعلى ان ما كان يفترض أن يكون انحراف مؤقت عن المبدأ المقدس الذي يقول بحق الناس في المشاركة في اتخاذ القرارات حول مصيرهم، تم استغلاله لارتكاب سلسلة من الجرائم ضدهم.
لقد دخلنا الان السنة الأخيرة من أسوأ عقد في تاريخ الاحتلال. عقد من المذابح والإرهاب اليهودي الذي يحظى بدعم سياسي وتمويل عام وتعاون متفاوت الشدة من قوات الامن. عقد من الفصل العنصري الرسمي، المتفشي وغير المقنع، الذي يدار ويدعم من قبل عشرات آلاف الإسرائيليين الذين جميعهم شركاء في ارتكاب جريمة ضد الإنسانية، وبالاساس عقد فيه، في اعقاب مذبحة فظيعة لا تغتفر ارتكبت ضدنا، انخرطنا في حرب إبادة فظيعة لا تغتفر أيضا، وانزلقنا في اطارها الى هاوية أخلاقية مخيفة جعلتنا نشبه، بشكل مؤلم، الأعداء الذين قتلونا عبر التاريخ.
الحقيقة هي انه ليس هناك ما نقوله. منذ عقدين تقريبا انا انشر مقالات في “هآرتس” استعدادا لذكرى الحرب التي اصبحنا فيها محتلين لملايين الأشخاص، المحرومين من الجنسية والحقوق السياسية، والذين اصبحوا تحت رحمتنا تماما. منذ عقدين وأنا ابحث كل سنة عن الكلمات المناسبة واسعى بجهد لتعريف المفاهيم واحاول استخدام اللغة لاختراق جدار التعتيم والقسوة الإسرائيلية، ولكن بدون جدوى، على الأقل حتى الآن.
يصعب الاستمرار في تجاهل الحقيقة الصعبة، حقيقة انه مهما حاولنا تبرير هذه القسوة، سنكتشف ان هذا جدار أساسه هش، دعونا نسميه باسمه الحقيقي – العنصرية. طفل فلسطيني معذب لا يثير أي شعور لدى معظم الإسرائيليين. لذلك، حتى اكثر برامج الشؤون الجارية “ليبرالية” في الاعلام الإسرائيلي لن تهتم بهذا الامر (اضع كلمة ليبرالية بين قوسين لان هذا التعبير في الخطاب الإسرائيلي مشوه ومحرف، واذا كان يئير لبيد الذي يقول “أنا صهيوني ووطني، ولست يساري ليبرالي، فربما لم افهم أي شيء على الاطلاق عندما تعلمت الليبرالية في الجامعة).
نعم، مهما حاولنا تحريف الحقائق، ومهما القينا باللوم على الصراع والإرهاب والهجمات، فان الصدق مع انفسنا يلزمنا بالاعتراف: لقد تغلغلت العنصرية الصارخة، والشعور بتفوقنا ودونيتهم، الى كياننا، وهي حاضرة في كل عضو من اعضائنا. نحن (كجماعة، وهذا تعميم واضح) لا نرى غير اليهود على قدم المساواة معنا، نحن لا نعتبر أن مجتمع تم اقتلاعه من وادي في الصحراء، مع ممتلكاته البائسة وملابسه الغريبة، هم بشر مساوون لنا، ولا نعتبرهم ممن لهم الحق في السعادة مثلنا تماما.
أنا هنا لا اتحدث عن الكهانيين، بل عن الليبراليين والمراسلين والمحامين والعاملين في التكنولوجيا والسياسيين، حتى فيما يسمى “الوسط” و”يسار الوسط”. الى أي درجة يعاني المجتمع الإسرائيلي حقا، والى أي درجة يهتم بما يحدث لتجمعات عين سامية وعين العوجا وام الخير، وعشرات الأماكن الأخرى، حيث تضرب الدولة اليهودية، بشكل مباشر أو بواسطة الوكلاء، الفلسطينيين العزل؟. صحيح انه توجد هنا وهناك صدمة من فيلم فيديو معين، لكنها فقط اضطراب عابر لا يؤدي الى أي تأمل عميق أو تصحيح. هي فقط استعراض للصدمة، طقس يهدف الى الحفاظ على الصورة الذاتية وتصحيح الشكل الخارجي.
ولكن في هذا العقد حدث شيء آخر: انتشرت غريزة القمع وبدأت تهاجم الداخل، وفجأة وجد اليهود الإسرائيليون انفسهم بين براثن نوايا واهداف عملية تركيز السلطة وانكار الحقوق وإقامة الاستبداد. العرب سيئون، لكن تبين أن اليساريين (أو ما يسميه اليمين المتطرف “اليسار”) هم أيضا العدو. الفلسطينيون هم العدو، لكن قادة التفوق اليهودي قد تجددوا، وأضافوا اليهم ايضا اليهود الذين يسعون الى رفع الحذاء العسكري عن اعناقهم. وهكذا تملأ انهار الاحتلال بحيرات الانقلاب النظامي، وغير بعيد اليوم الذي سيوجه فيه السلاح، الذي يوجهه أعضاء المزارع اليهود الان الى جيرانهم الفلسطينيين، الى خصومهم السياسيين في الداخل. ومثل الرطوبة والطحالب التي لا يقضي عليها أي جبص أو دهان. وأي حكومة تغيير لا يمكنها القضاء على هذه الآفة بدون علاج المصدر الذي ينتج عنفنا الحكومي: تصور التفوق اليهودي، ومسلمة أننا على حق دائما، ورفض الاعتراف الكامل بحقوق الآخرين الذين يعيشون هنا.
يجب الفوز في الانتخابات، ويجب اسقاط الحكومة الكهانية. هذا شرط لمستقبل ليس اسود من السواد. يجب علينا معرفة ان هذا شرط ضروري، ولكنه غير كاف على الاطلاق.
أهلا بكم في السنة الستين.
—————-انتهت النشرة—————–

