| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي INSS 11/6/2026
بين طهران وبيروت: التزام إيران المتزايد تجاه حزب الله
بقلم: د. راز تسيمت،
منذ بداية حرب “زئير الأسد”، ولا سيما في ظل التصعيد في لبنان خلال الأسابيع الأخيرة، تعززت في طهران النظرة التي تؤكد على أهمية حزب الله كعنصر استراتيجي في المفهوم الأمني الإيراني. اعتبرت طهران انضمام حزب الله إلى المعركة إلى جانب إيران تعبيراً عن التزامه بالمحور الموالي لإيران في المنطقة، وعن الأهمية المستمرة لمفهوم الوكلاء، الذي بدا أنه قد تراجع بعد ضعف المحور ورفض حلفاء إيران، بمن فيهم حزب الله، الانضمام إلى المعركة في حزيران 2025. ويتجلى التزام إيران بحزب الله في إصرارها على ربط أي اتفاق وقف إطلاق نار دائم مع الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار في لبنان. وقد بلغ هذا الالتزام ذروته في هجماتها على إسرائيل في 7 حزيران عقب الهجمات الإسرائيلية على بيروت. ومع ذلك، لا تزال إيران تواجه تحديات كبيرة في تطبيق مفهوم الوكلاء بعد الحرب. وتشمل هذه التحديات استمرار النشاط الإسرائيلي ضد حزب الله، والمفاوضات الإسرائيلية اللبنانية، وتزايد الانتقادات الموجهة لحزب الله وإيران داخل لبنان، وتفاقم القيود الاقتصادية المفروضة على إيران. وعلى الرغم من هذه التحديات، يبدو أنه من غير الممكن في هذه المرحلة قطع العلاقات بين إيران وحزب الله، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود بديل حقيقي للدعم الإيراني للمنظمة. مع ذلك، يمكن لإسرائيل استغلال التحديات والفرص التي أفرزها لبنان لتعزيز عمليات طويلة الأمد تُسهم في إضعاف العلاقات بين إيران ولبنان.
أهمية حزب الله لإيران
أكدت مقالة نُشرت مطلع حزيران 2026 في صحيفة “صوت إيران” الإلكترونية، الصادرة عن مكتب المرشد الإيراني، على أهمية حزب الله للأمن القومي الإيراني في أعقاب حرب “زئير الأسد”. وجاء في المقالة، التي حملت عنوان “معادلة الأمن الجديدة: من هرمز إلى بيروت”، أن إيران لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب – لا فيما يتعلق بمضيق هرمز، ولا فيما يتعلق بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ولا فيما يتعلق بـ”جبهة المقاومة”. فقد منحت الحرب إيران ميزة استراتيجية تُتيح لها تعزيز نظام إقليمي جديد. لذا، فإن موقفها تجاه عناصر المحور الموالي لإيران في المنطقة، بما في ذلك حزب الله، لن يكون كما كان قبل الحرب، بل سيتحدد وفقًا للواقع الذي نشأ في أعقابها. من المتوقع أن يتعزز موقف إيران تجاه “المقاومة” في لبنان، إذ أن دخول حزب الله في هذه الحرب لم يجعله مجرد عنصر محوري في مفهوم الأمن الإيراني فحسب، بل رسّخ مكانته أيضاً كجزء من التوازن الأمني للقوى الإقليمية الرافضة للاستسلام للولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي مقال آخر نُشر في صحيفة بتاريخ 9 أيار 2026، زُعم أن حزب الله ليس مجرد فاعل لبناني، بل هو أحد أركان منظومة الردع الإقليمية. وفي الواقع الذي نشأ بعد الحرب، تعتبر إيران أي تهديد لحزب الله تهديداً لتوازن القوى الإقليمي، وبالتالي فإن دعمها له ضرورة استراتيجية. وأكد المقال على ضرورة استمرار الدعم الإيراني لحزب الله على المستويات السياسية والإعلامية والدبلوماسية، وأن يُعرّف كجزء من مفهوم أوسع للأمن الإقليمي، لا سيما في ظل محاولات فصل الساحات الإقليمية المختلفة. وخلص المقال إلى أن التطورات في لبنان ليست مجرد أزمة محلية، بل هي جزء من صراع أوسع لتشكيل النظام المستقبلي في غرب آسيا. لذا، ينبغي النظر إلى علاقات إيران مع المنظمة على أنها تحالف استراتيجي مستمر سيشكل أحد أركان ميزان القوى الإقليمي في السنوات المقبلة.
يمكن اعتبار هذه المقالات تعبيرًا عن تعزيز التصور السائد في طهران بأنه، في أعقاب “زئير الأسد”، ينبغي إيلاء أهمية أكبر للحفاظ على الروابط بين إيران ومكونات “محور المقاومة”، وعلى رأسها حزب الله في لبنان. يُعتبر حزب الله “الزعيم” الإيراني في المنطقة، وموردًا استراتيجيًا يُمكّن إيران من استنزاف إسرائيل وردعها عن أي تحرك ضدها. كما يُعتبر حزب الله المنظمة الأكثر التزامًا بالجمهورية الإسلامية. وقد أثرت العلاقات الديناميكية بين إيران ومكونات “جبهة المقاومة”، بما فيها حزب الله، والتوتر المستمر بين التزامها الأيديولوجي والسياسي تجاه طهران والتزامها بأجندتها ومصالحها الخاصة، تأثيرًا كبيرًا على خصائص شبكة الوكلاء الإيرانيين. منذ البداية، لم تعمل هذه الشبكة – التي تضم أيضًا الميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن – كشبكة هرمية تخضع للقيادة والسيطرة الإيرانية المباشرة، بل كشبكة فضفاضة من المكونات المترابطة ضمن نسيج من المصالح المشتركة ورؤية أيديولوجية مشتركة. في السنوات الأخيرة، ولا سيما في أعقاب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في كانون الثاني 2020، شهدت الشبكة عملية متزايدة من اللامركزية. ويعود ذلك إلى أن اغتيال سليماني شكّل تحديًا كبيرًا لشبكة الوكلاء، وأجبر إيران على إدارتها بطريقة أكثر لامركزية مما كانت عليه في السابق. وقد استمرت إيران في الاحتفاظ بنفوذ كبير في الشبكة، ولكن ليس بالضرورة من خلال سيطرة كاملة ودائمة على كل مكون من مكوناتها. وفي الوقت نفسه، لعب الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، دوراً أكثر مركزية في إدارة شؤون الشبكة، وذلك بفضل خبرته الطويلة ومعرفته بإسرائيل، فضلاً عن موقعه المركزي ونفوذه في طهران، والذي تعزز منذ اغتيال سليماني.
تآكل مفهوم الوكلاء
أدى هزيمة حزب الله أمام إسرائيل في صيف 2024 وسقوط نظام الأسد في سوريا في كانون الأول من العام نفسه إلى تفاقم القيود المفروضة على قدرة إيران على إدارة الشبكة الإقليمية التي نسجتها لسنوات. وقد تجلّت هذه القيود بوضوح في حرب “الأسد الصاعد”، التي أوضحت بجلاء تآكل مفهوم الوكلاء. فمفهوم “الدفاع الأمامي”، الذي كان يهدف إلى احتواء التهديدات للأمن القومي الإيراني بعيدًا قدر الإمكان عن حدودها عبر تشغيل وكلاء، لم يمنع إسرائيل والولايات المتحدة في نهاية المطاف من مهاجمة إيران مباشرة. وكان من بين الأهداف الرئيسية لبناء “جبهة المقاومة” ردع إسرائيل عن مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية وتوفير قدرة على الرد الفوري في حال وقوع مثل هذا الهجوم. إلا أن وكلاء إيران في الواقع لم يقدموا لها أي مساعدة تُذكر في الحرب. وقد أدى إطلاق الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد إيران في حزيران 2025 إلى غرق منظمات المحور الموالية لإيران في أزمة عميقة. لم ينضم حزب الله، الذي كان من المفترض أن يلعب دورًا محوريًا في “حلقة النار” الإقليمية وأن يُساند إيران في حال تعرضها لهجوم إسرائيلي، إلى الحرب لعدم جاهزيته لها آنذاك، واكتفى بتقديم دعمٍ مُعلن لطهران.
ونتيجةً لذلك، فاقمت الحرب الشكوك التي كانت قد بدأت تظهر في طهران بشأن جدوى السيطرة على الوكلاء. ومع ذلك، كان من الواضح أن إيران لا تنوي التخلي عن حلفائها لصالح استراتيجية إقليمية جديدة. وواصل كبار المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، التعبير في بياناتهم عن دعمهم لـ”جبهة المقاومة” وثقتهم بقدرتها على مواجهة إسرائيل بنجاح. علاوةً على ذلك، وفي ظل الضغوط المتزايدة على حزب الله لنزع سلاحه، أكدت إيران أن “المقاومة” هي الضمانة الوحيدة لأمن لبنان. كما جددت إيران طرق نقل الأسلحة والأموال إلى حزب الله، بما في ذلك عبر الأراضي السورية. كما عززت إيران انخراطها المباشر في إدارة شؤون حزب الله، ويتجلى ذلك في نشر مئات من ضباط الحرس الثوري الذين شاركوا في عملية إعادة بناء التنظيم وتنشيطه.
الالتزام بالمحور الموالي لإيران
أثار انضمام حزب الله إلى المعركة إلى جانب إيران في 2 آذار 2026، عقب اغتيال علي خامنئي في بداية “زئير الأسد”، نقاشًا متجددًا حول فعالية المحور الموالي لإيران في المنطقة باعتباره عنصرًا أساسيًا في الردع الإيراني. ورغم أن إيران استغرقت قرابة يومين لإقناع حزب الله بدخول الحرب، إلا أن وفاة المرشد الأعلى أقنعت في نهاية المطاف الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، بالانضمام إلى المعركة الى جانب إيران. واعتُبر وقوف وكلاء إيران الإقليميين إلى جانبها تعبيرًا عن الالتزام بالمحور. ومن وجهة نظر إيران، كان ذلك مثابة إثبات لأهمية هذا المفهوم. أكد المسؤولون الإيرانيون على أهمية “جبهة المقاومة” بالنسبة لطهران، بل وقدموها كدليل على قدرتها على الحفاظ على مفهوم “وحدة الساحات” في مواجهة إسرائيل. فعلى سبيل المثال، أكد مجتبى خامنئي في أول رسالة وجهها إلى الشعب الإيراني عقب انتخابه قائداً، أن إيران تعتبر الجبهة جزءاً لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية. كما أكد قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، إسماعيل قاآني، على أهمية الجبهة، مصرحاً بأنه بات جلياً اليوم أن “وحدة الساحات مصدر قوة للأمة الإسلامية وكابوسٌ للغطرسة العالمية” (الغرب) والصهيونية العالمية”.
لقد كان التزام إيران بحزب الله واضحًا جليًا في إصرارها على ربط أي اتفاق وقف إطلاق نار دائم بين إيران والولايات المتحدة بوقف إطلاق النار في لبنان. علاوة على ذلك، وفر التصعيد المتجدد في لبنان في أيار 2026 لطهران فرصة أخرى للتأكيد على هذا الربط. فبعد توسع نشاط الجيش الإسرائيلي في لبنان، كثفت إيران تهديداتها ضد إسرائيل. في الأول من حزيران، حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن أي انتهاك لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة على أي جبهة، بما في ذلك لبنان، سيُعتبر انتهاكًا على جميع الجبهات. وفي ذلك اليوم، بلغت التهديدات الإيرانية ذروتها مع إعلان قائد قيادة الطوارئ الإيرانية، علي عبد اللهي، أن إيران سترد على أي هجوم إسرائيلي على الضاحية جنوب بيروت بمهاجمة شمال إسرائيل. وفي مقابلة مع قناة الميادين اللبنانية في الثالث من حزيران، حذر عراقجي من أن إيران لن تتسامح مع أي هجوم على بيروت، وأنه إذا هاجمت إسرائيل العاصمة اللبنانية، فإن إيران سترد بتجديد الحرب. وكان الضغط الذي مارسه الرئيس ترامب على رئيس الوزراء نتنياهو لمنع إسرائيل من تنفيذ تهديداتها بمهاجمة بيروت دليلاً إضافياً لايران على نجاحها في ترسيخ الربط الذي أقامته بين القضية اللبنانية والقضية الإيرانية. ومن وجهة نظرها، يُضاف هذا الإنجاز إلى إنجازات أخرى لـ”زئير الأسد”، مثل إغلاق مضيق هرمز والأضرار التي ألحقتها بجيرانها العرب في الخليج عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، مما يعزز شعورها بالإنجاز والثقة بالنفس بعد الحرب الأخيرة.
في الوقت نفسه، استمر التنسيق بين كبار مسؤولي حزب الله وحركة أمل والمسؤولين الإيرانيين طوال فترة الحرب، بل وحرصوا على التعبير عنه علنًا. في الثاني من حزيران، تحدث رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، مع نظيره اللبناني، نبيه بري، وأكد له أنه إذا واصلت إسرائيل هجماتها على لبنان، فإن إيران لن توقف المفاوضات مع الولايات المتحدة فحسب، بل ستواجه إسرائيل مباشرة. وشدد على أن إيران عازمة على تحقيق وقف إطلاق النار في جميع أنحاء لبنان، وخاصة في جنوب البلاد، وأنه في حال التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة، فسيشمل ذلك أيضًا وقف الهجمات على لبنان. في وقت سابق، التقى مستشار المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، محمد مخبر، بممثل حزب الله في لبنان، عبد الله صفي الدين، في طهران. وشدد على وحدة “محور المقاومة”، وأشار إلى أن أي وقف لإطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان هو وقفٌ لا معنى له.
في السابع من حزيران، نفّذت إيران تهديداتها بشن هجوم مباشر على إسرائيل، وردّت على الهجوم الإسرائيلي على الضاحية في بيروت بإطلاق وابل من الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل. ويعكس قرار طهران بالرد المباشر على إسرائيل، رغم محدودية الهجوم في بيروت، استعداد القيادة الإيرانية للمخاطرة بتصعيد جديد مع إسرائيل والولايات المتحدة، وفاءً بالتزاماتها تجاه حزب الله. ولا يعكس التركيز على دعم حزب الله، وإقامة صلة بين إيران ولبنان، التزاماً بالمنظمة فحسب، بل يعكس أيضاً رؤية استراتيجية تُولي أهمية للحفاظ عليها وتعزيزها، إلى جانب تأكيدها على استمرار تمسك القيادة الإيرانية الجديدة بمفهوم “المقاومة”.
ان هذه القيادة، بقيادة مجتبى خامنئي والحرس الثوري، متطرفة، غير مقيدة، ملتزمة بحزب الله ومفهوم “المقاومة”، وواثقة من نفسها. ومن المتوقع أن تستمر في تبني خط أيديولوجي متشدد ومتحدٍ، على الأقل مشابه لما ميّز فترة حكم علي خامنئي. لا تدع تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين بشأن موقفهم من الولايات المتحدة وإسرائيل ودعمهم لـ”جبهة المقاومة” مجالاً للشك في رفضهم التراجع عن المبادئ الأساسية للجمهورية الإسلامية. فعلى سبيل المثال، كتب مجتبى في رسالة وجهها إلى الحجاج المسلمين في أيار 2026، أن سلاح “الله أكبر” عزز وحدة الأمة الإسلامية وشباب “جبهة المقاومة”، وأن القوات المسلحة في إيران، إلى جانب مقاتلي “جبهة المقاومة”، وخاصة في لبنان، تمكنت من تحقيق انتصارات باهرة على جيوش إسرائيل والولايات المتحدة. علاوة على ذلك، ترى إيران في تعزيز علاقاتها بالقضية اللبنانية وسيلة أخرى لاستغلال إنجازاتها في المعركة، بما في ذلك قدراتها العسكرية غير المتكافئة وسيطرتها على مضيق هرمز، بهدف إرساء نظام إقليمي جديد يعترف بمكانتها وقوتها. ترى طهران نفسها في موقع يسمح لها بأخذ زمام المبادرة وفرض قواعد جديدة على إسرائيل والولايات المتحدة، بما يعكس ميزان القوى الذي تميل فيه كفة الميزان لصالحها. ويتجلى ذلك بوضوح في ضوء تقييم طهران بأن الرئيس ترامب غير مهتم بتجديد الحرب مع إيران.
تحديات المحور وتداعياتها على إسرائيل
مع ذلك، لا يعني هذا أن إيران لا تواجه تحديات كبيرة في تطبيق مفهوم وكلائها بعد الحرب، بما في ذلك الجهود الإسرائيلية المستمرة لتوسيع نطاق عملياتها الأمنية ضد تعاظم قوة حزب الله؛ والمفاوضات الإسرائيلية اللبنانية؛ والقيود التي تفرضها الحكومة اللبنانية على النشاط الإيراني على أراضيها؛ والمصلحة المشتركة للقيادة اللبنانية وإسرائيل والولايات المتحدة في تحرير لبنان من إيران؛ والضعف النسبي لحزب الله؛ وتزايد الانتقادات الموجهة إليه داخل لبنان، بما في ذلك بين الرأي العام الشيعي؛ واستمرار التزام النظام السوري بتقييد نقل الأسلحة من إيران إلى لبنان عبر سوريا.
إضافةً إلى ذلك، ثمة شكوكٌ حول قدرة إيران على مواصلة استثمار مليارات الدولارات في إعادة بناء قدرات دول المحور ودعم حلفائها الإقليميين، في ظل وضعها الاقتصادي الهش وأولوياتها الوطنية بعد الحرب. هذا على الرغم من أن إيران قد أبدت بالفعل استعدادها لإعطاء الأولوية لدعم وكلائها حتى على حساب احتياجات الشعب الإيراني. ثالثًا، يثور التساؤل حول جدوى استمرار الاستثمار في الوكلاء مقارنةً بالاستثمار في عناصر الردع الرئيسية الأخرى لإيران، ولا سيما برنامجها الصاروخي، وبرنامجها النووي، وقدرتها المؤكدة على إلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز. علاوةً على ذلك، فإن حشد إيران لمنع الهجمات الإسرائيلية على بيروت قد كشف بشكلٍ أكبر عن قصور مفهوم الوكلاء: فبدلًا من أن يحمي الوكلاء إيران، تُجبر إيران على حماية حزب الله.
من الواضح أنه لا يمكن قطع الصلة بين إيران وحزب الله في هذه المرحلة. ليس هذا فقط لأن إيران غير مستعدة لذلك، بل أيضًا لأنه لا يوجد بديل حقيقي للدعم الإيراني لحزب الله، ومن خلاله للمسلمين الشيعة في لبنان. إضافةً إلى ذلك، لا يمكن قطع هذه الصلة، إذ من الواضح أن الإدارة الأمريكية نفسها تُقرّ بها كجزء من جهودها للحفاظ على وقف إطلاق النار مع إيران والتحرك نحو اتفاق محتمل معها. مع ذلك، يُمكن لإسرائيل استغلال التحديات التي تواجه إيران وحزب الله، والفرص الجديدة المُتاحة في لبنان، لعرقلة استراتيجية إيران بالوكالة، وتعزيز مسارات طويلة الأمد لتقوية الدولة اللبنانية وإضعاف الجمهورية الإسلامية وحزب الله، وهي خطوات قد تُسهم في إضعاف العلاقات بين إيران ولبنان.
——————————————
هآرتس 11/6/2026
إرهاب المستوطنين يستهدف الحيوانات أيضا، في كل الحالات لا يتم اعتقالهم
بقلم: تسفرير رينات
الفيديو الذي يظهر فيه مستوطن وهو يضرب كلب فلسطيني عاجز بشكل وحشي، كان فيلم فيديو صادم. مع ذلك ينبغي النظر الى هذا الحدث في سياق أوسع. فالمستوطن الشاب ينفذ استراتيجية منهجية ومتعمدة من الإساءة والتدمير من قبل المستوطنين، التي استهدفت مؤخرا الحيوانات والمحاصيل الزراعية ومعدات امداد المياه للفلسطينيين، والهدف هو خلق أجواء من الخوف الدائم.
ركزت عمليات الطرد والاستيلاء التي نفذها المستوطنون في السنتين الأخيرتين على تجمعات الرعاة في شمال غور الأردن والمنطقة الجبلية غربا وفي جنوب جبل الخليل. تمتلك هذه التجمعات الكثير من الحيوانات – إضافة الى قطعان الأغنام والابقار لديها أيضا خيول وحمير وكلاب، وكلها تتعرض لاعتداءات المستوطنين بشكل ممنهج.
في السابق سجلت حالات اعتداء من قبل المستوطنين على الكلاب ورشق القطط بالحجارة ودهس الأغنام بالسيارات. وحسب تقارير لنشطاء حقوق انسان فانه يتجول سكان البؤر الاستيطانية والمزارع بسيارات الدفع الرباعي في وسط قطعان الأغنام، الامر الذي يتسبب باجهاض الأغنام الحوامل. ومن الاضرار الاقتصادية الأخرى التي تلحق بالفلسطينيين سرقة القطعان والخيول والحمير.
أيضا يمنع المستوطنون الفلسطينيين، بمساعدة الجيش، من الوصول الى المراعي ومصادر المياه، الامر الذي يعرض تغذية القطعان للخطر ويؤدي الى تدهور صحتها. وكثيرا ما يشن المستوطنون غارات على تجمعات الرعاة والمناطق الزراعية بادعاء ان الفلسطينيين سرقوا اغنامهم. ويحتمل ان يقوم الفلسطينيون أيضا بهذه الأفعال، لكن من المفروض ان يتولى الجيش أو الشرطة هذه الأمور، وليس أصحاب المزارع غير القانونية.
المستوطنون يركبون أيضا على الخيول ويدوسون على القطعان لتخويفها وطردها من المراعي. وحسب تقارير لمنظمات حقوق الانسان يقوم المستوطنون بانتظام باقتياد اغنامهم ومواشيهم الى حقول الفلسطينيين المزروعة واتلاف محاصيلها. ويعتبر هذا النشاط استمرار مباشر للضرر الكبير الذي يلحق باشجار الزيتون وموسم قطفه، الذي يعتبر ركيزة أساسية في مصدر رزق المزارعين الفلسطينيين.
وقد اثبتت أفلام فيديو كثيرة وشهادات نشطاء حقوق الانسان ان الجيش يتجاهل بشكل منهجي شكاوى الفلسطينيين، وعلى الاغلب يتم اعتقال الضحايا بدلا من المشاغبين، بل ويشارك بعض الجنود بالفعل في اعمال العنف.
من ناحية الدولة، كما يتضح من عريضة، يتم عرضها حاليا في المحكمة العليا، هناك نشاط كثيف لانفاذ القانون تحشد فيه كل أجهزة انفاذ القانون. وقد رفع الفلسطينيون العريضة عبر جمعية الحقوق المدنية ضد الجيش والإدارة المدنية. وطالبت العريضة الدولة بالتحرك لحماية مقدميها من العنف الذي يمارسه عليهم احد المستوطنين، وضمان عودتهم الى أراضيهم. ما زالت الدعوى قيد الفحص، وفي غضون ذلك أصدرت المحكمة امر يلزم الدولة بتوضيح سبب عدم اتخاذ خطوات لاخراج المستوطن من المناطق التي هي محل الدعوى. وطلب أيضا من الدولة توضيح سبب عدم ضمان وصول المزارعين الى أراضيهم بشكل آمن.
ردا على الدعوى، ذكرت الدولة بانها أصدرت مؤخرا أوامر تمنع الإسرائيليين من دخول المنطقة التابعة لمقدمي الدعوى. وتعتبر تفاصيل ووصف كل نشاطات الانفاذ في الضفة الغربية، الواردة في الرد، المثال على التناقض بين الواقع وتصوير الدولة له. ووفقا للدولة فان “الجيش يعمل باستمرار، ويقوم حاليا بذلك، للوفاء بواجبه في حماية سكان المنطقة والنظام العام، بما في ذلك التعامل مع احداث الاخلال بالقانون والنظام”. وينص التقرير أيضا على عقد لقاءات بين قادة الالوية والمستشار القانوني في يهودا والسامرة والمستشارين القانونيين في الالوية، “جرى خلالها نقاش حول اعمال الشغب في المنطقة وتم توضيح الواجبات ونطاق المسؤولية فيما يتعلق بالجرائم القومية”.
من الأمور المهمة بشكل خاص ما جاء في “نشرة معلومات للقائد بشان تحسين الارشادات المتعلقة بالوصول الى الأراضي واغلاق المناطق”. فيما يتعلق بانفاذ القانون على الإسرائيليين تنص النشرة على وجوب مساعدة الجنود للشرطة وحرس الحدود من اجل منع انتهاك القانون. وتضيف “لا يسمح للجندي بالوقوف مكتوف الايدي في هذه الحالات، بل هو ملزم بالتدخل ومنع الجريمة وضمان محاسبة المعتدي”.
أضافة الى ذلك تم انشاء “مقر قيادة للمهمات” في الشرطة وحرس الحدود للتعامل مع احداث الجرائم القومية. “بطبيعة الحال، رغم فعالية مقر قيادة المهمات، الا انه لا يمكنه العمل في كل مكان وفي كل زمان”. هذا ما جاء في رد الدولة. أيضا أصدرت الدولة امر يمنع تغطية الوجه في الضفة الغربية.
رغم ادعاء الدولة بانها تعمل على انفاذ القانون ومنع اعتداءات المستوطنين، الا أن الأخيرين يمارسون نشاطاتهم بتجاهل من قبل الدولة. وفي بعض الحالات تحت حراسة عسكرية مشددة. ومن غير الواضح لماذا يصمم المستوطنون العنيفون على العمل وهم يرتدون اقنعة. ففي نهاية المطاف حتى لو وجوهههم بشكل واضح ومعروف، لا يخشون من اعتقالهم أو محاكمتهم.
——————————————
معاريف 11/6/2026
الفشل الاستراتيجي الإسرائيلي
بقلم: نداف تمير
لماذا نخطىء المرة تلو الأخرى في التفكير في أننا اذا ما استخدمنا قوة عسكرية أكبر سنحقق أمنا أكبر؟ كيف نشرح أن يكون الجمهور الإسرائيلي قد اشترى خيالات النصر المطلق في غزة، وبعدها في ايران، بينما في الواقع حتى عندما ننتصر في كل المعارك العسكرية نخسر الحرب.
لقد تعلم الامريكيون في فيتنام بان نظرية إحصاء الجثث لاجل تعريف النجاح أدت الى فشل استراتيجي. هم تعلموا في العراق بان النصر في ميدان المعركة، تصفية صدام حسين وإلغاء حكم البعث جلب صعود داعش وتشديد النفوذ الإيراني هناك. تعلموا في أفغانستان بانهم في النهاية سيخرجون منها يجرون اذيالهم، بينما طالبان يعود الى الحكم. بسبب هذه الدروس، فان حرب ترامب ونتنياهو ضد ايران غير شعبية على الاطلاق في الولايات المتحدة. لكن لماذا هي شعبية عندنا؟
احد أسباب أننا في إسرائيل لا نتعلم هو أننا لا نميز بين المستوى التكتيكي والمستوى الاستراتيجي. في كل مرة نجد فيها أنفسنا في مواجهة تمتلىء قنوات الاعلام برجال جيش سابقين، يفهم بعضهم ان في افضل الأحوال في تكنوقراطيا استخدام القوة ولا يفهمون على الاطلاق الساحة السياسية. مفهوم انه يوجد أيضا عسكريون آخرون يفهمون حدود القوة. مثال بارز هو منظمة “قادة لامن إسرائيل” بخلاف منظمة “الأمنيين” تعنى بالمستوى الاستراتيجي واناسها يعرفون بانه لا توفر أي خطوة عسكرية الامن اذا لم تكن جزءاً من استراتيجية سياسية. ان سيطرة “الأمنيين” وأمثالهم على الخطاب تتسبب أيضا بتعريف إنجازات إسرائيل كـ “لعبة مبلغها الصفر”، فيما أن الإنجازات الاستراتيجية هي دوما في مجال الكسب المتبادل (Win Win)، أي ان الطرف الاخر في المواجهة أيضا سيحقق إنجازات ومصالح.
من الصعب أن نفهم كيف يكسب سكان الشمال من احتلال البوفور (قلعة شقيف). كيف ندفع قدما بنزع سلاح حزب ا لله عندما نجتاز الليطاني؟ كيف يساهم وجود الجيش الإسرائيلي في معظم أجزاء غزة في الجهود لخلق بديل لحماس ولتنفيذ العشرين نقطة لترامب؟
لشدة الأسف ليس لاحد أجوبة جيدة على هذه الأسئلة. وبالتالي، فانه رغم قوتنا العسكرية غير المسبوقة، توجد دولة إسرائيل في ضائقة استراتيجية غير مسبوقة. نحن نعتبر كمن يستخدم القوة لغرض القوة، وكمن لا توجد للاذى الذي يوقعه بالاخرين بمن فيهم السكان المدنيون هدف. وهكذا نحن نفقد تأييد معظم الجمهور الأمريكي وتأييد الديمقراطيات الليبرالية في ارجاء العالم. ان رؤيا اسبارطة لنتنياهو آخذ في التجسد امام ناظرينا، ونحن لا نزال نشتتري السردية التي تقول ان العالم كله ضدنا بسبب اللاسامية وبسبب سيطرة المسلمين على أوروبا، او المال القطري في الجامعات الامريكية.
توجد امام عتبتنا فرصة إقليمية نادرة، واقع تريد فيه دول عربية مثلنا تقليل قوة الجهاديين، ان السبيل لاستغلال هذه الفرصة هو اتخاذ دبلوماسية نشطة لدمج إسرائيل في المنطقة.
نداف تامير دبلوماسي سابق، مستشار سياسي وخبير في العلاقات الدولية
——————————————
هآرتس 11/6/2026
اردوغان يرسم خريطة للشرق الأوسط إسرائيل فيها هي التهديد المركزي
بقلم: تسفي برئيل
“لا ينبغي لاحد ان يسعى وراء المغامرات. لا ينبغي لاحد ان يسير على خطى شبكة المذابح الصهيونية… إسرائيل في ظل الحكومة الحالية لم تعد تشكل تهديد للمنطقة فقط، بل أصبحت أيضا مصدر خطر على الإنسانية”، هكذا هاجم الرئيس التركي طيب رجب اردوغان امس في خطاب القاه امام أعضاء حزبه في اجتماع البرلمان التركي. ظاهريا، هذا كان سيل آخر من الإهانة المالوفة التي طبعت معظم ظهورات اردوغان الأخيرة.
ولكن هذه الاقوال لم تكن الا غطاء للرسالة السياسية المهمة التي سعى الى ارسالها. “ان امن تركيا لا يبدأ في منطقة الاسكندرونة (المحافظة التركية المتاخمة لسوريا)، بل يبدأ في حلب ودمشق وبيروت… لن نتسامح مع فرض الامر الواقع في دول إخواننا، ولن نغض النظر عن أي هجوم عليها. لبنان وسوريا هما دولتان سياديتان، لكنهما أيضا جزء من جغرافيا التعاطف والاخوة التركية”.
“جغرافيا الاخوة” ليست فقط تعبير ادبي مؤثر. يستخدم اردوغان تعابير مشابهة عندما يصف علاقات تركيا مع دول “الشعوب التركية” في القوقاز، والقصد هو وصف التحالف السياسي والأمني بانه يقوم على أسس تاريخية وثقافية تتجاوز اعتبارات المصالح الباردة.
بصفتها الراعية العسكرية والسياسية للرئيس السوري احمد الشرع، تعتبر تركيا نفسها ليس فقط بترسيخ حكمه وتامين حدود بلاده، بل أيضا تامين غلافها السياسي، وهنا يظهر البعد اللبناني. عندما بدأت المفاوضات بين إسرائيل ولبنان ازداد القلق في سوريا من احتمالية ان يؤدي اتفاق بين إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية الى بقاء الجيش الإسرائيلي في لبنان، أو في جزء منه، الامر الذي قد يرسخ سابقة تدفع الولايات المتحدة الى الموافقة على تواجد عسكري إسرائيلي في سوريا ايضا.
وتخشى دمشق ايضا من احتمالية ان يؤدي اتفاق دبلوماسي بين لبنان وإسرائيل الى سعي الولايات المتحدة الى الضغط على سوريا للتوقيع على اتفاق مشابه مع إسرائيل بشروط لن تقبلها سوريا، الامر الذي يمكن ان يضر بالعلاقات الوثيقة التي نشات بين الشرع وترامب. يضاف الى ذلك قلق سوريا من ان ترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان – العملية المنصوص عليها في اتفاق وقف اطلاق النار، والتي يتوقع مناقشتها في جولة المحادثات القادمة – قد يجبر سوريا على التنازل عن أراضي تطالب فيها، لا سيما في مزارع شبعا.
لقد وجه الشرع رسائل حادة وواضحة للبنان وطلب منه “التشاور” مع سوريا قبل توقيع أي اتفاق. وهو يحاول ترسيخ مبدأ “وحدة القنوات” الذي بحسبه لا تتخذ أي دولة مبادرة سياسية منفصلة. عمليا، هذا يعتبر طلب من لبنان لاخضاع تحركاته لاملاءات سوريا.
عندما يقف اردوغان على يمين الشرع ويضع معه “الخطوط الحمراء” التي من المفروض ان توجه المفاوضات بين سوريا ولبنان، وأن يمنع “الامر الواقع”، فانه يضع نفسه في خط المواجهة، ليس فقط ضد إسرائيل التي يعتبرها بمثابة تهديد لتركيا، بل هذه أيضا رسالة لترامب تفيد بان أي اتفاق بين إسرائيل ولبنان لا يمكن ان يقتصر على اطار ثنائي ويتجاهل المصالح السورية. في غضون ذلك لم يتاثر لبنان، سواء بموقف سوريا أو موقف اردوغان. وكما يظهر “استقلالية القرار” مع ايران، فقد أوضح لبنان للشرع، وبشكل غير مباشر لتركيا، بانه هو وحده الذي سيحدد سياسته الخارجية.
لكن مظلة الحماية التركية في سوريا، وسعي تركيا لاستخدامه في توجيه سياسة لبنان، ليست الا جزء من استراتيجية تركية طموحة اكثر. ففي حين تترقب المنطقة بقلق قرارات ترامب حول جبهة الخليج، تحاول تركيا بالفعل صياغة ملامح “اليوم التالي”، رغم ان اردوغان يعمل خفية لمنع استئناف الحرب، الا انه في نفس الوقت يمهد الطريق لنظام إقليمي جديد يكون فيه لتركيا دور قيادي.
حسب العقيدة التي وضعها وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، فان انقرة تسعى الى إقامة تحالف دفاع إقليمي، “يقوم على الثقة والتعاون وليس على التحالفات الخارجية أو المحسوبية. نريد ترسيخ منصة للتضامن الإقليمي”، قال فيدان في مقابلة مع “الجزيرة” في كانون الثاني الماضي، أي قبل شهرين من اندلاع الحرب مع ايران، وذلك في اعقاب حرب الـ 12 يوم التي حدثت في السنة الماضية. وقد زاد هجوم ايران غير المسبوق على دول الخليج، لا سيما غياب رد فعل مباشر من الولايات المتحدة على الهجمات التي ما زالت مستمرة، من شدة الحاجة الملحة، حسب رأيه، الى إقامة مثل هذا التحالف، المعروف بـ “السيادة الإقليمية على الامن”.
خرجت تركيا سالمة تقريبا من الهجوم الإيراني على دول المنطقة. ففي المرات الثلاثة التي اطلقت فيها الصواريخ على قواعد عسكرية أمريكية في أراضيها، اعترضتها منظومات الدفاع التابعة لحلف الناتو. ثار غضب تركيا وادانت ايران وحذرتها. ولكنها مثل دول الخليج الأخرى لم تقطع علاقاتها مع ايران، ولم تصفها بدولة معادية، ولم تعمل على تفعيل بند الدفاع المشترك الذي يقوم عليه حلف الناتو.
باحث بارز في معهد أبحاث حكومي في انقرة قال لـ “هآرتس”: “ما زال يوجد فراغ استراتيجي في المنطقة بعد ان اكتشفت دول الخليج للمرة الثانية بان اعتمادها الأمني على قوة عظمى واحدة، الولايات المتحدة، لا يوفر لها الامن المطلوب”. وأضاف بان علاقة هذه الدول الوثيقة مع ترامب والتزامها باستثمار تريليونات الدولارات في الولايات المتحدة والمشتريات العسكرية الضخمة لم تصمد امام اختبار التزام أمريكا، وهي الآن “في حيرة وتبحث عن استراتيجية جديدة، وهو الوضع الذي يصب في مصلحة اردوغان”.
يأمل اردوغان في استغلال هذه الفرصة عندما سيجتمع مجلس حلف شمال الأطلسي في انقرة في بداية الشهر القادم. وكان آخر اجتماع للناتو في تركيا في 2024، عندما تم توسيع اطار التعاون في هذه المنظمة، ومنذ ذلك الحين أصبحت الكويت وقطر والبحرين والامارات العربية جزء مما يعرف بـ “مبادرة إسطنبول للتعاون”. في ذلك الحين لم يكن اردوغان قد مر على توليه لمنصبه كرئيس للحكومة الا سنة واحدة تقريبا (ولم يتم انتخابه كرئيس الا بعد اكثر من عقد). ربما كانت هذه السنة هي السنة الأكثر تحديا في فترة حكمه الطويلة.
كانت تركيا قد بدأت للتو من الخروج من ازمة اقتصادية عميقة. فقبل سنة من ذلك اندلعت الحرب في العراق، وكان البرلمان التركي منع الولايات المتحدة من استخدام أراضيها لفتح جبهة شمالية ضد العراق، وقد أدى هذا القرار الى توتر العلاقة مع الولايات المتحدة الى اقصى حد. كان الجيش التركي ما زال ينظر الى اردوغان وحزبه بعين الريبة ويراقبهم وربما يخطط للقضاء عليهم، وبلغ الصراع ضد المقاومة الكردية ذروته.
منذ ذلك الحين قطعت تركيا شوط طويل ولم تعد مجرد قوة عسكرية تمتلك ثاني اكبر جيش في حلف الناتو، بل أصبحت الان شريكة استراتيجية رئيسية مع دول الشرق الأوسط وحليفة مزدوجة لروسيا وأوكرانيا، وهي تقدم نفسها كحل لمشكلة استقلال أوروبا الأمني. ويسعى اردوغان الان الى توسيع نطاق حلف الناتو، ومحاولة ضم السعودية وسلطنة عمان واستغلال استياء ترامب من الحلف لصياغة مباديء عمل جديدة للتعاون الأمني بين المنطقة والدول الأعضاء في الناتو.
ويؤكد اردوغان على انه لا يسعى الى الانسحاب من الحلف، لكنه في نفس الوقت سيحاول اقناع الناس بانه قادر على تقديم بديل يحرر دول المنطقة من التبعية الكاملة للولايات المتحدة، والتصدي بنجاح لـ “طموحات إسرائيل للهيمنة”.
——————————————
هآرتس 11/6/2026
قوة ايران ازدادت، ترامب أوقف نتنياهو، ونشأت معادلة جديدة تضر باسرائيل
بقلم: عومر بارليف
بعد الهجوم الإسرائيلي في الضاحية في بيروت، استمعت الى تفسيرات كثيرة، من بينها تفسيرات لمصادر امنية وغيرها، نشرت بدون الكشف عن هويتها. كان التفسير الذي تم تقديمه للهجوم في بيروت، الذي استهدف هدف له أهمية ثانوية، هو رغبة إسرائيل في إقامة “معادلة جديدة” مع حزب الله، في اعقاب اعلان الرئيس الأمريكي الثاني عن وقف اطلاق النار في لبنان، وكان من المفروض ان تحدد هذه المعادلة الجديدة بان أي هجوم لحزب الله داخل أراضي إسرائيل سيستقبل برد إسرائيل بالهجوم في بيروت.
علي الاعتراف ان هذا الادعاء ظهر منطقي لي في البداية. ولكن بعد التفكير حاولت تخيل موقف المسؤولين اثناء مناقشة هذه العملية، التي من المرجح أنها جرت في هيئة الأركان العامة عشية الهجوم في الضاحية. أنا افترض ان ممثل قسم العمليات قد طرح أهمية وضع معادلة جديدة، بحسبها سيواصل الجيش الإسرائيلي الدفاع عن مستوطنات الشمال من داخل لبنان، ولن تهاجم إسرائيل بيروت الا اذا هاجم حزب الله اهداف داخل إسرائيل. أما اذا لم يهاجم حزب الله اهداف داخل أراضي إسرائيل فان إسرائيل لن تهاجم بيروت، بل ستتمكن من مواصلة عملياتها بحرية نسبية جنوبها. من المرجح ان رئيس قسم العلاقات الخارجية في شعبة الاستخبارات ايد موقف فرع العمليات، بزعم ان إسرائيل ستعتبر بذلك ملتزمة بأمر وقف اطلاق النار الذي أصدره ترامب، ولن تحيد عنه الا اذا خرقه حزب الله.
بعد عرض هدف الهجوم والنية الكامنة من ورائه، وقف رئيس قسم الرقابة في شعبة الاستخبارات وعرض موقف “افكا مستبرا” (العكس هو الصحيح). وكما نتذكر، كانت التوصية بإقامة قسم رقابة في شعبة الاستخبارات، التي دورها هو وصف سيناريو معاكس للسيناريو المقبول، هي من اهم قرارات لجنة اغرانات، لجنة التحقيق الرسمية التي تم تشكيلها في حرب يوم الغفران. بعد 7 أكتوبر تبين ان قسم الرقابة كان يتراجع مع مرور السنين، حتى وصل الى الوضع المتدني الذي اصبح محل شك عشية الهجوم.
بالتالي، قدم قائد وحدة الرقابة موقف معاكس لتصور قسم العمليات، كما يقتضيه دوره. فقد جادل بان استمرار القتال في جنوب لبنان لن يعتبر شرعيا من قبل حزب الله في اطار وقف اطلاق النار الذي اعلن عنه ترامب. وبالتالي، من غير المرجح ان يتوقف عن اطلاق النار نحو إسرائيل. بكلمات أخرى، المعادلة التي يحاول قسم العمليات فرضها – اطلاق النار على بيروت ردا على اطلاق النار على مستوطنات الشمال – هي غير منطقية. وأشار أيضا الى ان ايران هددت بالوقوف الى جانب لبنان ومهاجمة إسرائيل اذا قامت الأخيرة بمهاجمة بيروت، بعد ذلك يمكن صياغة معادلة أخرى، تفيد بان أي هجوم إسرائيلي في بيروت سيؤدي الى هجوم إيراني في إسرائيل.
من المفروض انه خلال هذا النقاش ربما اختلفت المواقف حول احتمالية اطلاق ايران للصواريخ على إسرائيل ردا على هجوم في الضاحية. بل يحتمل ان يكون ممثل قيادة العمليات قد صرح بان احتمالية تدخل ايران ضعيفة جدا. بناء على ذلك فانه من المنطقي الافتراض بان رئيس قسم العمليات، بدعم من قائد سلاح الجو، اعلن بانه رغم ضآلة احتمالية رد ايران، الا ان قيادة العمليات وسلاح الجو سيعدون رد هجومي قوي ضد أي تدخل لإيران.
هل رئيس قسم الرقابة استمر في عرض الموقف المعاكس لخطة قيادة العمليات وسلاح الجو ضد ايران؟ أنا لا اعرف، ولكني آمل أنه، رغم ضغط قيادة العمليات وضغط قسم الاستخبارات وسلاح الجو، قد تصدى لهم وعرض الحجة المضادة وقال: لنفترض ان ايران تحركت ضد إسرائيل ردا على الهجوم على بيروت، وان سلاح الجو رد بقوة كبيرة – فما هي اهداف الحرب ضد ايران التي ستحققها إسرائيل من ذلك؟ هل ستنهي احتياطي اليورانيوم في أراضيها؟ هل ستقضي على قدرتها على اطلاق الصواريخ؟ هل ستسقط النظام؟.
تساءل وأجاب: لن تقضي على احتياطي اليورانيوم، ولن يحدث الهجوم الفعال على منصبات الصواريخ أي تغيير استراتيجي أيضا – نحن شاهدنا بالفعل قدرة الصناعات العسكرية الإيرانية ومعدل الإنتاج لمنصات اطلاق الصواريخ والصواريخ، ومن المستبعد ان يضعف الهجوم النظام. النظام الذي زاد تطرفه بعد اغتيال خامنئي. وعلى النقيض من كل هذا سنجر الى حرب أخرى ضد ايران (على فرض ان ترامب لن يمنعنا)، حرب لن تحقق هذه الأهداف، بل ستؤدي الى معادلة معاكسة: هجوم إسرائيلي على بيروت سيقابل بهجوم من قبل ايران.
أنا لا اعرف اذا تم اجراء نقاش للعبة الحرب هذه عشية الهجوم على الضاحية. أنا آمل ذلك. واذا تم اجراءه فانا لا اعرف اذا كانت الأمور التي دارت فيها تشبه ما تم وصفه هنا. ولا اعرف أيضا اذا كان تم استيعاب دروس حرب يوم الغفران وما حدث في 7 أكتوبر، واذا تم تحديث قسم الرقابة في شعبة الاستخبارات العسكرية. أنا آمل أن يكون كل هذا قد حدث بدرجة معينة، وأن تكون المواقف والأفكار المختلفة قد تمت مناقشتها بحرية.
أنا اعرف ان رئيس الأركان وافق على الهجوم على الضاحية وهكذا فعلت القيادة السياسية، أعرف ان ايران اطلقت النار كما وعدت، واعرف ان الرئيس ترامب قام بوقف الطرفين، واعرف أيضا انه قد تم خلق معادلة جديدة: اطلاق إسرائيل النار على بيروت سيقابله اطلاق ايران للنار على إسرائيل. واعرف أيضا ان إسرائيل لم تحقق أي شيء نتيجة الهجوم في الضاحية، والجولة القصيرة مع ايران. خرجت ايران اقوى ومستقرة اكثر في علاقاتها مع وكلائها، والرئيس ترامب أوقف نتنياهو من جديد ونشأت معادلة جديدة سيئة لإسرائيل.
——————————————
إسرائيل اليوم 11/6/2026
المعارك لم تردع ايران ووضعنا تردى
بقلم: داني سترينوفيتش
مر عام على حرب الاسد الصاعد، التي انضمت إليها حرب زئير الأسد، وأمر واحد واضح: تدهور الوضع الاستراتيجي لإسرائيل مع إيران بشكل كبير. في حين أن الإنجازات العملياتية مثيرة للإعجاب، إلا أنها خلقت واقعًا استراتيجيًا يجعل من الصعب على إسرائيل مواجهة التهديد الإيراني في المستقبل.
قبل نحو عام، أطلقت إسرائيل حملة الاسد الصاعد، بهدف التعامل مع تهديدين وجوديين: المشروع النووي الإيراني ومنظومة صواريخ طهران. لاحقًا، خلال عملية زئير الأسد، عمل الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأمريكية معًا للإطاحة بالنظام الإيراني وإلحاق ضرر بالغ بقدراته العسكرية والنووية. من الواضح أن هذه العمليات حققت العديد من الإنجازات: القضاء على مسؤولين كبار في النظام الإيراني، وإلحاق أضرار جسيمة بأنظمة الصواريخ والإنتاج العسكري الإيرانية، فضلاً عن نجاح عملية “مطرقة منتصف الليل” التي حدّت من قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي. وقد وضعت هذه النجاحات إسرائيل في موقع عسكري قوي في مواجهة إيران.
مع ذلك، يُظهر التدقيق أن الفشل الرئيسي ينبع من الغطرسة والافتراضات الخاطئة في النظام الأمني الإسرائيلي، الذي افترض أن سلسلة من التحركات العسكرية المحدودة ستؤدي إلى تغيير جذري في وضعنا الاستراتيجي تجاه طهران، بما في ذلك تغيير النظام. عمليًا، فشلت هذه التحركات في إحداث تغيير في النظام الإيراني، بل ساهمت في ترسيخ نظام أكثر تطرفًا، ولم تُسهم في ردع إيران أو في تغيير جوهري في سياستها الإقليمية.
علاوة على ذلك، وكما أظهرت الأحداث الأخيرة، فإن إيران لا تردعها إسرائيل، وهي على استعداد للمخاطرة بمواجهة لفرض معادلات جديدة، بما في ذلك منع إسرائيل من مهاجمة بيروت، وذلك لمساعدة حزب الله في الحفاظ على مكانته وقدراته داخل لبنان.
والأسوأ من ذلك، أن سلوك الإدارة الأمريكية يزيد من صعوبة الوضع الإسرائيلي. فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى التوصل إلى اتفاق مع النظام الإيراني، بل تحدّ أيضاً من قدرات إسرائيل العملياتية وتؤكد على ضرورة التزامها بسياساتها.
يكمن الفشل الرئيسي في الغطرسة والافتراضات الخاطئة بأن سلسلة من التحركات العسكرية المحدودة ستؤدي إلى تغيير جذري في وضعنا الاستراتيجي تجاه طهران، بما في ذلك تغيير النظام. فعدم التنسيق الكامل بين إسرائيل والولايات المتحدة، ومحدودية تحركاتها، يُضعف بشكل كبير قدرتها على الردع ضد إيران.
ما هي الخيارات المتاحة؟
صحيح أنه لا يجب علينا تجاهل الوضع الاقتصادي الصعب لإيران، والأضرار التي ألحقتها الحملة الإسرائيلية بمنشآتها الإنتاجية الرئيسية، بما في ذلك مصانع البتروكيماويات الهامة. مع ذلك، يُظهر الواقع أن سلطة النظام لا تزال مستقرة: فالضرر لم يُفضِ إلى انهيار شامل، بل عزز سيطرة الحكومة على طهران على حساب معارضيها، وساعد في ترسيخ سلطتها في مواجهة جميع التحديات المباشرة، على الأقل في المستقبل المنظور.
ورغم إنجازاتها العملياتية، نجت إيران من الحملة، بل وأصبحت أقوى وأكثر ثقة بالنفس: فهي تُحافظ على مخزونها من الصواريخ والطائرات المُسيّرة، وتُعزز مشروعها النووي، ومستعدة للعمل بكل الوسائل لتحقيق أهدافها الإقليمية. هذا الواقع الاستراتيجي أكثر صعوبة وتحديًا لإسرائيل، لا سيما في ظل اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة وما تُقدمه من دعم سياسي وعسكري.
وكما نرى، لا تواجه الحكومة سوى خيارات اُشكِالية، والعودة إلى الاتفاق مع إيران، حتى وإن كان يُعالج القضية النووية، يُظهر عجز إسرائيل الاستراتيجي. كذلك، فإن الواقع في إيران أبعد ما يكون عن مساعدة المواطنين الإيرانيين، كما يتضح من المظاهرات في شوارع طهران.
لذلك، وعلى الرغم من الإنجازات العملياتية، يمكن القول إن هذه الاجراءات كانت الفشل المطلق تماماً: فقد فشلت في ردع إيران، ولم تُحدث تغييراً جوهرياً في ميزان القوى، بل زادت من سوء الوضع الاستراتيجي لإسرائيل في مواجهة النظام الإيراني، وزادت من صعوباتها في مواجهة الرأي العام الأمريكي والنظام السياسي في واشنطن.
——————————————
يديعوت احرونوت 11/6/2026
هكذا تتحول إسرائيل إلى دولة معزولة في العالم
بقلم: ايتمار آيخنر
في الأيام الأخيرة، يبدو أن إسرائيل تتعرض لموجة عارمة من العقوبات من دول مختلفة حول العالم. تارةً تستهدف الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وتارةً أخرى تستهدف المستوطنين، وأحيانًا أخرى تكون مقاطعة أكاديمية لجامعة أوروبية. انضمت إلى هذا التيار حركة المقاطعة التي تعمل ضد إسرائيل منذ سنوات عديدة، والتي شهدت نموًا وتزايدًا ملحوظًا منذ 7 أكتوبر2023، حين تلقت دعمًا من دول مثل قطر ومنظمات إسلامية مختلفة، بما فيها مؤيدو حماس. وبذلك، تشكلت جبهة متماسكة ومنسقة مناهضة لإسرائيل.
حتى 7 أكتوبر، تمكنت إسرائيل من التعامل بسهولة نسبية مع الأضرار التي حاولت حركة المقاطعة إلحاقها بالدولة والمواطنين الإسرائيليين، نظرًا لمحدودية هذه الأضرار. فعلى سبيل المثال، كانت هناك محاولات لإلحاق الضرر بإسرائيل على الصعيد الاقتصادي، لكنها باءت بالفشل، إذ لم يرغب أحد في سحب استثماراته من إسرائيل نظرًا لقوة اقتصادها. كما كانت المقاطعات في المجالات الأكاديمية والثقافية هامشية وغير محسوسة تقريبًا.
ومع ذلك، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو قد رفعت اياديها منذ المجزرة، مما سمح لهذه الحركة بالانتشار على نطاق واسع. لقد حققت حركة المقاطعة بعض النجاحات في مجالات متنوعة. تُساهم هذه الجهود في تشويه سمعة إسرائيل عالميًا، ويتضح ذلك جليًا في استطلاعات الرأي العام والبيانات التي تُشير إلى أن إسرائيل تتجه نحو التهميش الاقتصادي. ويتجلى ذلك في تصريحات معادية لإسرائيل تجاه الإسرائيليين في الخارج، أو في رفض الفنانين إقامة حفلات في إسرائيل، ورفض الكُتّاب ترجمة كتبهم إلى العبرية. كما شهدنا محاولات لإقصاء إسرائيل من مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) وبطولة كأس العالم لكرة القدم (فيفا)، والتي كانت أشد خطورة من ذي قبل.
في الوقت نفسه، تتزايد الجهود لسحب الاستثمارات من البلاد، وبالتالي خنق إسرائيل اقتصاديًا، كما فعل صندوق الثروة النرويجي – أكبر صندوق استثماري في العالم – الذي سحب استثماراته من إسرائيل. وينطبق هذا أيضًا على القائمة السوداء لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي تهدف إلى إلحاق الضرر الاقتصادي بالشركات الدولية والإسرائيلية العاملة خارج الخط الأخضر.
على الرغم من عدم اتخاذ أي إجراءات ضد المواطنين والكيانات الإسرائيلية داخل الخط الأخضر – باستثناء مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت – فإن هذه الظاهرة لا تقتصر على حركة المقاطعة. فدول معادية لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا وأيرلندا وبلجيكا، تسعى أيضاً إلى الإضرار بإسرائيل من داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فعلى سبيل المثال، يتم تقليص مشاركة إسرائيل في برنامج “هورايزون” وفي التعاون العلمي، بهدف “معاقبتها” وإلحاق الضرر بها اقتصادياً. وفي الوقت نفسه، وكما ذُكر سابقاً، تتزايد العقوبات المفروضة من مختلف الدول. ويعود سبب هذه الموجة الحالية، من بين أمور أخرى، إلى التقارير ومقاطع الفيديو الواردة من الضفة الغربية التي تُظهر مستوطنين متطرفين يرتكبون أعمال عنف ضد الفلسطينيين ويدمرون الممتلكات. ويتم “تعزيز” هذه التقارير من خلال تقارير عن عمليات بناء واسعة النطاق في المستوطنات بدعم من الحكومة، فضلاً عن سن قانون يُجيز عقوبة الإعدام للإرهابيين. هذا بالإضافة إلى حقيقة أن العالم سئم من استمرار الحرب على جبهات مختلفة، والتي بدأت بالفعل تعطي إشاراتها في أسعار الوقود وانخفاض أسواق الأسهم، وفي تصريحات الوزراء في الحكومة الإسرائيلية – وعلى رأسها فيديو وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وهو يهين نشطاء أسطول الحرية إلى غزة، وهو فيديو اعتبرته العديد من الدول تجاوزاً للخط الأحمر.
لقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أمس فقط، أن بلاده قررت منع وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، من دخول أراضيها، وذلك بعد قرار مماثل اتخذته فرنسا الشهر الماضي بشأن بن غفير، في أعقاب فضيحة أسطول الحرية. وأوضح بارو قائلاً: “يروج سموتريتش بنشاط لضم الضفة الغربية، الذي يطالب به علنًا، ولإقامة مستوطنات جديدة فيها، وإعادة توطين الفلسطينيين في غزة، والانهيار الاقتصادي للسلطة الفلسطينية وعواقبه الوخيمة على الشعب الفلسطيني”. وأضاف: “هذه سياسة لا يمكن قبولها من قبل الغالبية العظمى من المجتمع الدولي، الملتزم التزامًا راسخًا بحل الدولتين”. وبهذا، تنضم فرنسا إلى أيرلندا، التي منعت دخول الوزراء الأسبوع الماضي، والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج، التي فعلت ذلك عام 2025.
ومن المرجح أن يبقى خيار فرض عقوبات شخصية على الوزراء مطروحًا على طاولة الاتحاد الأوروبي، وقد يكون بن غفير هو المتضرر. قال مسؤول إسرائيلي: “لقد ألحق ضرراً بالغاً بإسرائيل بسلوكه تجاه أسطول الحرية، وهو من جلب ذلك على نفسه”.
الخطوة السداسية
حظرت فرنسا أيضاً دخول أربعة مسؤولين كبار في منظمات استيطانية، بالإضافة إلى 21 مستوطناً آخر. ولم تُنشر قائمة الأسماء بعد. وتأتي هذه العقوبات في إطار تحرك مشترك تقوده فرنسا، إلى جانب خمس دول أخرى هي: المملكة المتحدة، وكندا، والنرويج، وأستراليا، ونيوزيلندا، لفرض عقوبات على “من يروجون للعنف في الضفة الغربية”.
في الوقت نفسه، أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، في بيان لها أمام البرلمان البريطاني، عن “خطة عمل” رداً على “التوسع الاستيطاني غير المسبوق وتصاعد العنف في الضفة الغربية”، و”الدفع نحو التنفيذ العاجل لخطة السلام المكونة من 20 بنداً”. ووفقاً لها، فإن العقوبات التي فرضتها الدول الست منسقة ضد “شبكات تمويل ودعم الهجمات الاستيطانية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية”. كما نصحت الشركات البريطانية بتجنب العمل في “المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية”. أعلنت فرض عقوبات على ست منظمات وشخص واحد متورطين في “تمويل وتشجيع وارتكاب أعمال عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة”.
من جانبها، أعلنت كندا فرض عقوبات، تشمل حظر دخول وعقوبات مالية، على مواطنين اثنين وخمس منظمات أو بؤر استيطانية. وكانت أستراليا قد فرضت عقوبات على ثلاثة مواطنين وستة بؤر استيطانية في وقت سابق من هذا الشهر. وحظرت نيوزيلندا دخول ثلاثة مواطنين إسرائيليين، لينضموا إلى قائمة سوداء تضم 35 شخصًا ممنوعين من دخول البلاد، من بينهم بن غفير، وسموتريتش، ودانييلا فايس، وزئيف حيفر (زامبيش)، زعيم حركة أمانا، وإليشا يارد، ونوعام فيدرمان، وباروخ مارزل، وبنزي غوبشتاين.
ردًا على العقوبات الجديدة التي فرضتها ست دول، صرّحت وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن “إسرائيل ترفض بشدة الإجراءات المخزية التي اتخذتها حكومات أجنبية ضد مواطنين إسرائيليين وكيانات ووزير في الحكومة. إن جوهر هذه الإجراءات، المتسترة تحت ستار مكافحة العنف، هو محاولة لفرض موقف سياسي بشأن حق اليهود في العيش في أرض إسرائيل، وارتباطها بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. والقاسم المشترك بين هذه الحكومات هو فشلها الذريع في مكافحة معاداة السامية المتفشية في بلدانها”.
ووفقًا للوزارة، “إن السياسات المعادية لإسرائيل من هذا النوع التي تبنتها هذه الدول لا تُسهم إلا في تأجيج معاداة السامية. ومن المثير للدهشة أن هذه الحكومات تقاعست أيضًا عن فرض عقوبات أو اتخاذ إجراءات ضد الظواهر التي تُغذي العنف فعليًا: سياسة السلطة الفلسطينية في دفع الأموال للإرهابيين (“الدفع مقابل القتل”) والتحريض”.
إضافةً إلى العقوبات، فتحت السلطات الفرنسية الأسبوع الماضي تحقيقًا يركز على شبهات التعذيب وجرائم الحرب، بعد أن قدم وزير الخارجية بارو شكوى بشأن إساءة معاملة مواطنين فرنسيين شاركوا في أسطول الحرية إلى غزة، عقب نشر بن غفير مقطع فيديو. وأعلنت إيطاليا، الدولة الصديقة لإسرائيل، أمس أيضًا أنها ستفتح تحقيقًا ضد بن غفير على خلفية إهانة مواطنين إيطاليين في الأسطول. وقد أدى رد الوزير الحازم إلى تفاقم الأزمة. وقال بن غفير: “لقد تحولت أرض الحذاء إلى أرض النعال. إسرائيل ليست من بنات أفكار حفنة من مؤيدي الإرهاب الكاذبين الذين يختلقون المؤامرات والأكاذيب ضد مقاتلينا. لن أتهرب من أي تحقيق، وسأظل أقف بكل فخر إلى جانب مقاتلينا”. رد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تياني قائلاً: “لا أجد كلمات أصف بها تصريحات بن غفير تجاه إيطاليا. إنها تصريحات غير مقبولة نرفضها رفضاً قاطعاً. إنها لا تليق بوزير”.
على طاولة الاتحاد الأوروبي
يبدو أن الأمور لم تنتهِ بعد. فقد تمكن الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، من التوصل إلى توافق في الآراء بشأن فرض عقوبات على المستوطنين المتطرفين، ويكتسب الآن زخماً في خطوة تهدف إلى تمرير قرار بفرض عقوبات على سموتريتش وبن غفير في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 15 حزيران. تعارض ألمانيا فرض عقوبات على سموتريتش، لكنها قد تدعم فرض عقوبات على بن غفير، مع العلم أن هذا الأمر قد يُعرقل أيضاً في حال استخدام التشيك حق النقض (الفيتو).
ووفقاً لتقديرات مصادر مطلعة على المناقشات، فإن فرصة فرض إجراءات اقتصادية هامة ضد إسرائيل في هذه المرحلة ضئيلة نسبياً، لكن من المتوقع أن يبقى خيار فرض عقوبات شخصية على الوزراء الإسرائيليين مطروحاً على الطاولة حتى لو لم تتم الموافقة عليه في الاجتماع المقبل. وقال مصدر مطلع على التفاصيل إن بن غفير ألحق ضرراً بالغاً بإسرائيل بسلوكه تجاه أسطول الحرية، و”هو من جلب هذا على نفسه”. قال مسؤول إسرائيلي رفيع آخر: “لا أرى عقوبات على الوزراء الإسرائيليين حاليًا، لكن الأمور قد تتغير بحلول الأسبوع المقبل. ويبدو أن بن غفير سيُعاقب، نظرًا للفيديو الذي يُظهر إهانة نشطاء أسطول الحرية. أما بالنسبة للعقوبات على منتجات المستوطنات، فلا يبدو أنها تُفرض هنا أيضًا في الوقت الراهن. وكبديل، بدأوا بفرض عقوبات وطنية، بما في ذلك على الوزراء.”
وبعيدًا عن إلحاق الضرر بالمواطنين الإسرائيليين ومحاولات الإضرار بالاقتصاد، يكمن خطر أكبر وراء هذه الظواهر. فإذا كان نشطاء حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) قبل عشرين أو ثلاثين عامًا قد سعوا لإجبار إسرائيل على الدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين لتحقيق حل الدولتين، فمن الواضح اليوم أن هذا ليس الهدف. تسعى حركة المقاطعة إلى إلحاق ضرر جسيم بدولة إسرائيل حتى تفقد شرعيتها في نظر دول العالم، وتصبح غير قادرة على الوجود.
وأمام هذا الخطر، تقف الحكومة الإسرائيلية مكتوفة الأيدي. لا تتخذ هذه الحكومة من هذا الأمر واجهةً لأي شيء، ولا تحشد اليهود في العالم أو الحكومات الصديقة، ولا تتخذ إجراءات حاسمة ضد تمويل منظمات المقاطعة – الأموال التي تأتي من تركيا وقطر والمنظمات الإسلامية في جميع أنحاء العالم. وحتى لو أدركت خطأها، أو حدث تغيير في الحكومة واتخذت الحكومة الجديدة إجراءات، فسيستغرق الأمر عامًا أو عامين على الأقل قبل أن يُلمس أي تغيير – وهذا بالطبع يعتمد أيضًا على ما يحدث على مختلف الجبهات.
——————————————
هآرتس 11/6/2026
لنتنياهو الذي جرّ أقوى دولة لحرب عبثية: أنصت لرسالة ترامب واعتزل السياسة
بقلم: أسرة التحرير
رفع ترامب أول أمس مسألة حيوية إلى جدول الأعمال حين شكك في مواصلة نتنياهو في السياسة وتنافسه في الانتخابات القريبة القادمة. أما الليكود فسارع رد ببيان جاء فيه أن نتنياهو يعتزم التنافس في الانتخابات “وبمعونة الرب سيفوز”. وجاء الرد المتوقع كبيان لفريق كرة قدم يقول إن لديه “ثقة كاملة في المدرب” قبيل الموسم القادم، قبل لحظة من إقالته.
خيراً يفعل نتنياهو إذا ما أنصت لتلميح البيت الأبيض الصريح، فيعلن عدم خوضه الانتخابات واعتزال الحياة السياسية. ثمة أسباب كثيرة لإنهاء ولايته: مسؤوليته عن كارثة 7 أكتوبر، خطواته بتفكيك مؤسسات الدولة، التحريض والتقسيم اللذان مزقا المجتمع في إسرائيل، شرعية الكهانية والإرهاب اليهودي، ضم الضفة الغربية وسلب سكانها الفلسطينيين، قتل وتدمير بالجملة في غزة ولبنان، أمر الاعتقال الدولي ضده، اتساع الجريمة، ارتهان اقتصاد الدولة للحريديم، وانهيار جهاز التعليم.
لكن حتى بعد كل الخراب الذي زرعه نتنياهو في السنوات الثلاث والنصف الأخيرة، منذ عاد إلى الحكم في رئاسة حكومة اليمين الكهانية، تفوق على ذاته في قراره الكارثي بجر الولايات المتحدة إلى حرب مشتركة مع إيران وإطلاق الجيش الإسرائيلي لاحتلال جنوب لبنان. بهذا يكون أنهى خطوته الإيرانية التي ظهرت كمهزلة: بدايتها في دفع ترامب لإخراج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي وقع عليه باراك أوباما، ونهايتها في جر القوة العظمى إلى حرب بخلاف إرادة مواطنيها. تباهى بتكريس حياته من أجل أمن إسرائيل، لكنه اليوم يتسبب بهزيمة استراتيجية أمام عدوها الأكبر والأخطر، وضعضع الدعم الأمريكي، السن الحيوي لدولة إسرائيل منذ قيامها.
الحرب التي بدأت بوهم عابث لإسقاط النظام الإيراني وتواصلت بتوقع لنصر سهل على حزب الله، بدت كرهان عديم المسؤولية. إيران خرجت قوية، تردع إسرائيل وتفرض عليها “وحدة الساحات” وترفض مطالب ترامب لتقليص برنامجها النووي. وحزب الله انتعش من اغتيال زعيمه السابق وخسائره الجسيمة، وخرج إلى حرب عصابات ضد الجيش الإسرائيلي.
لقد جلب الفشل في إيران ترامب ليتنكر لنتنياهو الذي كان قبل ذلك مرعيه، وليعرضه على أنه هو من جر الولايات المتحدة إلى حرب لا داعي لها، ولنشر توبيخاته له: “يا مجنون، لولاي لكنت في السجن… الكل يكرهونك الآن ويكرهون إسرائيل بسبب هذا”. ترامب محق: لقد تسبب نتنياهو بدرك أسفل غير مسبوق بمكانة إسرائيل الدولية. في هذه الظروف، يبدو أن الأمر الأفضل الذي يمكن لنتنياهو أن يفعله لأمن الدولة هو اعتزال الحياة السياسية في أقرب وقت ممكن، ويترك للآخرين قيادة الدولة.
—————-انتهت النشرة—

