كتب د. جورج جقمان : مَا هِيَ المُشْكِلَةُ الدَّاخِليَّةُ فِي لُبْنَانَ مَع حِزْبِ الله؟

المسار: قد يبان أن الإجابة واضحة ومعروفة.  فمن منظور رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ورئيس الوزراء وآخرين من اللبنانيين، جوهرها أنه ينبغي أن يكون هناك سلاح واحد في الدولة، وأن ينتشر الجيش اللبناني في كل مناطق الجنوب، وأن يتولى الجيش حماية سيادة الدولة وحدودها.  ويجري ترداد هذا الموقف من قبل العديدين من “المحللين” اللبنانيين الذين يكثر ظهورهم في هذا الظرف على شاشات التلفزيون، وفي عدد من الصحف اللبنانيّة أيضاً.

لكن المشكلة لا تكمن في المبدأ الذي يقف وراء هذه المطالب، وإنما في أن الجيش اللبناني غير قادر على حماية سيادة لبنان وحدوده من تغوّل إسرائيل.  وهم يعرفون ذلك أيضاً.  وقد أثبت الجيش اللبناني في مناسبات عدة سابقة، بسالةً كبيرةً في وجه عدوان إسرائيل، وقدَّم تضحياتٍ كبيرةً أيضاً، غير أنه مكبلٌ من ناحية السلاح الذي يحوزه، وعدده أيضاً.  فقد قامت الولايات المتحدة، ومنذ سنوات، بوضع “حق حصري” لها بتسليح الجيش اللبناني في معظم السنوات السابقة، وحددت أنواع الأسلحة التي يُسمح للجيش بحيازتها، حتى لو وجدت بعض الاستثناءات، منها بعض السلاح الفرنسي.

وقد بلغ الأمر قبل بضع سنوات، أن قام جنديٌ لبنانيٌ بإطلاق النار على مُسيَّرةٍ إسرائيلية اخترقت الأجواء اللبنانية، من بندقيته “الإم 16” المزوَّدة للجيش اللبناني من قبل الولايات المتحدة، فقام إثر ذلك عددٌ من أعضاء الكونغرس بإرسال احتجاجٍ للحكومة اللبنانية من منطلق أن السلاح الأمريكي ليس المقصود منه استخدامًه ضد إسرائيل!

وكما هو معروف، نشأ حزب الله بعد غزو إسرائيل للبنان في العام 1982.  وخلال احتلال إسرائيل لجنوب لبنان، قامت إسرائيل بإنشاء مليشيات “جيش لبنان الجنوبي”.  وقد عمل حزب الله كمقاومة فعالة ضد هذا “الجيش”، وضد الاحتلال الإسرائيلي، إلى أن انسحب من جنوب لبنان في العام 2000.  ومنذ ذلك الحين، وفَّر حزب الله قوةَ ردعٍ فعالةً تجاه إسرائيل، إلى أن قامت إسرائيل خلال حرب الإبادة بعملية “البيجرات”، واغتيل السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، وعدد من قيادات الحزب، الأمر الذي أضعف الحزب، وكانت هذه جولة لصالح إسرائيل.  وخلال الحرب على إيران، بَانَ أن حزب الله قد استعادَ قدراً من قوَّته، وأضْحَت المُسيَّراتُ التي يُطلقها على شمال إسرائيل مصدر قلق دائم لها.

ولا شك في أنَّ الحكومة اللبنانية في وضع صعب؛ فهي تحت ضغوطات خارجية، وبخاصة من قبل الولايات المتّحدة وعددٍ من الدول الأوروبية، للعمل على نزع سلاح حزب الله، ناهيك عن إسرائيل التي تهدِّد باستمرار أنها هي ستقوم بذلك إن لم تقم الحكومة اللبنانية بنزع هذا السلاح.  هذا مع أنهم يعرفون أن الحكومةَ اللبنانيةَ غيرُ قادرة على ذلك، سياسياً أو ميدانياً.  هذا هو الشقُّ الأول من المشكلة الداخلية في لبنان المتعلقة بحزب الله.

أما الشق الثاني، فهو الأهم والرئيسي: لنفترض جدلاً أن حزب الله وافق طوعاً أن يضع سلاحه جانباً، وأن يسلمه كله للدولة، كيف ستحمي الدولة اللبنانية حدودها وسيادتها على أرضها في وجه تغول إسرائيل التي تحتلُّ الآن كلَّ الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني؟ والأمر لا يتعلق فقط باللحظة الراهنة ووجود حزب الله.  فقد كان لبنانُ مستباحاً من قبل إسرائيل منذُ سنوات، وقبل نشوء حزب الله.  وأذكر، على سبيل المثال لا الحصر، أنه عندما كنت طالباً في لبنان في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، كانت دائماً هناك خشيةٌ من إسرائيل يجري الحديث عنها علناً في لبنان من أن إسرائيل لها أطماع في مياه الليطاني، وأنها ستسعى يوماً إلى السيطرة عليها.  وفي الفترة نفسها، قرأت في أحد الأيام، في الجرائد اللبنانية، أن شاحنات إسرائيلية عدة دخلت إلى جنوب لبنان، وسرقت شحناتٍ عدةً من التراب الأحمر المرغوب للزراعة، ونقلتها إلى إسرائيل دون أن يعترضها أحد.  فاستباحةُ لبنان ليست جديدة، وقد تضاعفت هذه الاستباحةُ من جراء عقيدة أمنية جديدة طُوِّرت بعد حرب الإبادة في غزة، منها السيطرةُ على 60 في المائة من قطاع غزة “كمنطقة أمنية”، ودعا نتنياهو، مؤخراً، إلى توسيعها إلى 70 في المائة.  هذا إضافة إلى استباحة سوريا، وضم كامل هضبة الجولان، ومساحات إضافية من جنوب سوريا، أيضاً، كمناطق “أمنية”.  ولا ننسى كامل منطقة “ج” من الضفة الغربية قيد الضم الفعلي والتهجير الداخلي المرافق من مناطق أخرى.

وتمتد هذه العقيدةُ “الأمنيةُ” إلى كامل منطقة الشرق الأوسط.  ورأينا كيف أن صحيفةً مواليةً لإسرائيل مثل “النيويورك تايمز”، خصصت مقالين استقصائيين طويلين حول كيف أقنع نتنياهو ورئيس الموساد الذي رافقه، الرئيس ترَمب بالخطة التي أعدها رئيس الموساد لتغيير النظام في إيران، من خلالِ شنِّ الحرب على إيران واغتيالِ المرشد الأعلى وعدد من القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية.  وكان “البنتاغون” ضد هذه الخطة، وحذَّر رئيس هيئة الأركان “دان كين” الرئيس ترَمب من أن إيران ستغلق مضيق هرمز، وما سيترتب عن ذلك من تبعات.

أشرتُ سابقاً إلى أن الحكومة اللبنانية في وضع صعب الآن.  فهي ترزح تحت ضغط الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تهددان بالقيام بنزع سلاح حزب الله إن لم تقم الحكومة اللبنانية بذلك، من جهة، وتفادي الشقاق الداخلي والخشية من تفاقمه إلى ما يقارب الحرب الأهلية من جهة أخرى.  لكن المشكلة الأعم التي يتفادى الحديث عنها معظمُ المحللين والمعلقين اللبنانيين، وآخرون من القوى اللبنانية المناهضة لحزب الله، تكمن في كيفية الحفاظ على السيادة على الأرض والحدود اللبنانية في وجه تغوُّل إسرائيل إن لم تجد رادعاً يوقفها.  ولا يشكل الجيشُ اللبنانيُّ، كما هو الآن، هذا الرادعَ، ولن تسمحَ إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة، أن يتحول الجيش اللبناني إلى هذا الرادع.  ورأينا ما فعلت إسرائيل بأسلحة الجيش السوري عشيةَ سقوط نظام الأسد من تدمير لمعظمها.

لذا، إن ما هو مسكوتٌ عنه في نقد دور حزب الله في لبنان من قبل قوى لبنانية ومعلقين ومحللين، يكمن في كيفية الحفاظ على سيادة لبنان على أرضه ومقدراته إزاء تغوُّل إسرائيل في حرب الإبادة، وتبعات ذلك إقليمياً.  دون الإجابةِ عن هذا التساؤل، أيْ إيجاد قوة ردع بديلة عن حزب الله، سيعني هذا قبولاً ضمنياً، من قبل نقاد حزب الله، بأن يرزحَ لبنان تحت “السيادة” الإسرائيلية التي تعني مصلحة إسرائيل أولاً، لا غير.  ولا أخالُ أن هذا خيارٌ مُوفقٌ أو مُشرِّفٌ للبنان.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسارالإخباري

Share This Article